ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 293 — الباب 5 - التمهيد: نبأ

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 293 — الباب 5 - التمهيد: نبأ باللغة العربية على مانجا تايم.

انزلق رجل بين الأشجار بمرونة بالغة، ودون أن يكاد يحرك ورقة واحدة وهو ينتقل من قمة إلى أخرى. اندمج زيه الملون بالأخضر مع أوراق الشجر تماماً، فبدا كأنه خفيّ. غُطيت كل بوصة من بشره، فصار تمويهه شبه كامل. كان اقتراباً شديد التخفي بكل المعايير، وكان سيُفلت بفعله ذاك في الظروف العادية. لكن جهوده لم تكفِ في هذا اليوم بالذات. انطلق شعاع ضوئي مركز من تل قريب. تحرك بسرعة تحول دون تفاديه أو التعامل معه بأي طريقة أخرى، واخترق صدر الرجل قبل أن يعي حتى الهجوم.

لم يملك سوى القوة ليرمق الفجوة الغائرة في صدره قبل أن يهوي جسده الخاوي إلى الأرض. تابعت لارا صراع الرجل الأخير عبر منظار بللوري لمرقابها قبل أن تسحب السلاح وتلتفت إلى مرافقها.

أمرت قائلة: "أمّن جثته وامحُ الآثار"، ثم نزلت الجانب البعيد من التل.

بعد دقائق من المشي، ولّت أصوات الطبيعة لصالح ضجيج البشر. وعندما انعطفت حول صخرة ضخمة، ظهر مصدر الجلبة. مئات البشر، رجالاً ونساءً، يتراكضون لإنجاز مهامهم. تنهدت لارا. فعلى الرغم من سعيهم للاندماج، جعلت كثرتهم المحضة الإخفاء التام أمراً شبه مستحيل. أقاموا معسكرهم بين صخرتين هائلتين نجحتا إلى حد بعيد في حجبهم عن الأعين. لكنه ظل غطاءً واهياً في أحسن الأحوال، ولن تظل أنشطتهم خفية طويلاً إن سمحوا لأي استطلاعي بالاقتراب من هذا الموقع.

عبرت لارا المعسكر بخطوات واسعة، متفقدة عمل قواتها في طريقها. لحسن الحظ، قلّ ما يستوجب التصحيح. فقد رافقها ضباطها فترة كافية ليدركوا كيفية تأهيل المجندين الجدد، ولم تستمر الحرب طويلاً بما يفقدهم الانضباط العسكري. بعد دقائق، دخلت خيمتها في قلب المعسكر ولم تفاجأ بوجود ظل داكن فيها. وقف رجل أمام طاولة الاجتماعات، منكفئاً فوق الخريطة المفرودة فوقها. كان طويلاً، لكن كتفيه النحيلتين وبنيته الانسيابية فرقتا تكوينه عن المحارب التقليدي.

سألت وهي تنضم إليه عند الطاولة: "ما المستجدات؟".

التفت أورلون فينشترنيس بنظرة جانبية قبل أن يشير إلى نقطة على الخريطة شارحاً ما يعلمه: "كسبنا بعض الاراضي خلال المعركة الأخيرة في السسهول، وفقدوا السيطرة على ثلاث قرى أخرى".

قطبت لارا جبينها.

"مجدداً؟".

أومأ أورلون برأسه، وعقد حاجبيه.

"إن سارت المعركتان القادمتان كما هو متوقع، فسندفعهم طوال الطريق حتى الجدار".

"لا يروقني هذا".

على الرغم من الأخبار الطيبة، انتابت لارا شعور سيئ. مع كراهيتها للإمبراطورية أكثر من أي شخص آخر، إلا أنها لن تستهين بهم. لقد جاءت سلسة انتصاراتهم الأخيرة بسهولة مفرطة. كان الأمر أجمل من أن يكون حقيقياً... هوت لارا على الكرسي وألقت بنفسها فوق الطاولة، محجبة الجزء الأسفل من الخريطة بصدرها وبطنها. بتنهيدة متعبة، تأملت الدبابيس التي تحدد القوات المعادية. لقد تحركت كلها مسافة لا باس بها نحو الشمال، اتجاه جدار الحدود.

رفعت لارا رأسها ناظرة إلى رئيس الجواسيس.

"ما الذي يدبرونه برأيك؟".

لم يحول أورلون بصره عن الخريطة لكنه أجاب عن سؤالها بعد لحظة تفكير.

"لست متأكداً، لكنهم لا يبدو أنهم يبذلون قصارى جهدهم".

أومأت لارا موافقة. تطابق هذا مع ملاحظاتها الخاصة. فعلى الرغم من طائرات الاستطلاع العرضية، وسحر الأرض الذين يبنون التحصينات، والمشاهدات البعيدة لسفن الإمبراطورية في الأفق، بدا المجهود الحربي العام فاتراً. على مدار الأسابيع القليلة الماضية، تحولت الحرب إلى كر وفر تدفع فيه الإمبراطورية بعدوانية، لتتخلى عن الاراضي بالسرعة ذاتها. وكأن عدوهم يختبر إن كانوا ما زالوا منتبهين.

لم يعانِ أي من الطرفين إصابات بالغة، لكن التوتر المستمر ظل يستنزف القوات.

"ما الذي تدبرونه برأيك؟".

هز أورلون رأسه.

"لا أعلم. الشيء الوحيد الذي أتيقنه هو أنهم يحتفظون بنخبتهم في الاحتياط، وعلينا فعل المثل".

ركز عليها بنظرة جادة.

"من مصلحتنا ألا نصعد الحرب قبل أوانها".

ازداد قطيب جبين لارا عمقاً. بينما أقرت بصحة المقالة، وباعتبارها إحدى جنود النخبة أولئك، حزّ في نفسها إقصاؤها إلى خطوط الخلف بينما ينخرط أبناء وطنها في القتال الفعلي. مع ذلك، لم تملك حيلة حتى يتبدل الموضع. لن يصح ظهورها بينما لم يُعرف مكان أي من نخب الإمبراطورية. أطلقت زفرة عميقة، مطردة أفكارها السلبية معها. لن يفيدها تنفيس إحباطاتها في أورلون كثيراً. فرغم منصبه الرفيع، لم يعدو كونها الرسول هنا ولم يملك تقرير مسار فعلها.

سألت: "أثمة أخبار أخرى؟"، راجية سماع ما يلهيها عن مهمتها المملة.

كاد أورلون يهز رأسه لولا أن توقف. تبين أنه تذكر أمراً مهماً.

سأل: "أسمعت بشأن القوات التي يشكلها تريستان بلودسورد؟".

أومأت لارا مسترجعة الشاشعات المتداولة. قيل إن تريستان يجمع مجموعة من سحرة الشباب الموهوبين بتوجيه قادة متمرسين. استهداف تعويد الجيل الجديد على حقائق الحرب القاسية بطريقة آمنة نسبياً. فكرة صيبة، برأيها. طوال مسيرتها، رأت لارا الكثير من الصبية المتهورين يلقون حتفهم في ساحة المعركة، سكارى بشعور مضخم بقيمة الذات. إن نجح هذا البرنامج الجديد في إنقاذ بضعة منهم من أخطاء مشابهة، فستعده نجاحاً.

سألت: "وما شأنهم؟".

ابتسم أورلون ابتسامة خبيثة، وهي تعبير لم تره كثيراً على الرجل السكوت.

"انضمت مجموعة غريبة إلى صفوفهم مؤخراً".

رفعت أحد حاجبيها.

"أعرف أحداً منهم؟".

أومأ أورلون.

"صديقك إزيكييل..."، استهل، مما دفع لارا للوثوب من وضعية انحنائها والتركيز على كلماته القادمة.

"...أرسل أخاه بالتبادل".

رمقته لارا بنظرة شؤم قبل أن تستقر مجدداً.

تساءلت: "ليو، أكان هو؟"، ليؤكد أورلون برأس سريع.

"وما شأنه؟".

شرح أورلون: "إنه يؤدي بشكل جيد، للبداءة. بيد أن الأجمل بكثير هم الأشخاص الذين قدم معهم...".

طلبت لارا: "هيا، انطق بها".

"جاء برفقة نصف دستة من الوحشيين".

انتعشت لارا.

"أيمكن أن يكونوا...".

هز أورلون رأسه.

"لا، تخبرني مصادري أنهم عبيد سابقون".

قالت لارا بخيبة أمل: "يا للعار".

لكن بعد لحظة تفكير، لاح لها خاطر.

"ألم تنص التقارير على وجود زيكي وأخيه في ترايدسباير؟ من أين أتى بالعبيد؟".

اتسعت ابتسامة أورلون.

"كما تبين، كانت تلك التقارير زائفة. اتضح أن إزيكييل وأخاه كانا طعمين، بينما غادر الحقيقيون ترايدسباير قبل أشهر".

ضحكت لارا، معجبة قليلاً بقدرة الصبي على خداع شبكة معلوماتهم طوال تلك المدة.

"أهناك حيث ذهب؟ كوروفان؟".

قال أورلون مؤمئاً: "على الأرجح. بيد أنه، إن كان ذكياً، لكان قد غادر ذلك المكان الآن".

وافقت لارا مجبرة. إن استطاعت هي تخمين مكانه، فلا مفر من قدرة جواسيس الإمبراطورية على فعل المثل. رغم ذلك، تملكتها الحيرة لمعرفة ما يفعله طوال الطريق هناك. عسى ألا يكون قد أضاع وقته محاولاً استمالة حس العدالة لدى تاجر العبيد. لقد أدركت تماماً أنهم لن يتحركوا أبداً دون حوافز ملائمة.

"أنتعلم غرضه من الذهاب إلى هناك؟".

تردد أورلون قبل أن يرفع كتفيه.

"لا يمكننا التيقن، لكن بما أننا نعرف الجدول الزمني تقريباً، استطعنا ربط اختفائه من ترايدسباير بوصول شخصية مريبة...".

بدل الكلمات، أخرج أورلون قطعة رق من رداءه ووضعها أمامها. تفحصت لارا الرسم بعناية. كان رسماً ملوناً لشاب. ورغم تغير لون شعره وبدوءه أكثر نضجاً بعض الشيء، تيقنت لارا أنه الصبي الذي تعرفه. تتبعت عيناها الاسم المدون تحت اللوحة.

تمتمت وبسمة ترتسم على شفتيها: "التنين الدموي. غاية في الدهاء".

ضحكت أورلون بخفة، مما دفعها لرفع رأسها. وبدل الشرح، أشار إليها بقلب الصفحة. فعلت لارا لتجد ملفاً مكتوباً بكثافة عن الشخص المسمى بالتنين الدموي، مفصلاً أفعاله ورفاقه المعروفين. شرعت لارا في القراءة، متلهفة لمعرفة ما فعله الصبي. لكن ابتسامتها تجمدت مع استمرارها. عند سطر معين، رفعت رأسها فجأة، مطرقة في أورلون بعينين واسعتين.

"قتل ساحرين عظيمين؟".

هز أورلون كتفيه.

"التفاصيل غائمة".

قرأت لارا بقية الملف بسرعة. بنهايته، قلّ يقينها بأن الشاب هو حقاً من تعرفه. ثم مرة أخرى، من غيره لقادر على إنجاز هذا القدر وهو لا يزال بمستوى الساحر الحقيقي؟ أفلتت ضحكة من شفتيها وهي تعيد الورقة.

"هذا يشعرني بمزيد من العقم".

هز أورلون كتفيه.

"لا أرى الأمر هكذا".

ركزت لارا على زميلها، حاثة إياه صمتاً على المتابعة.

قال أورلون: "كلما كانت إنجازاته أفظع، كان ذلك أفضل".

تفكرت لارا في تلك الكلمات. مع حبها لإزيكييل كشخص، لم تعتبر أنه قد يجدي نفعاً في الحرب القادمة - ليس لعقود. بغض النظر عن قدرته على ججمع ثروة ضخمة، قلّ ما يستطيع الساحر الحقيقي فعله بساحة المعركة. أما الآن؟ إن صح نصف الإنجازات المنسوبة للتنين الدموي، لتحول الصبي إلى كابوس. والأعجب، تأكيد هزيمته لساحر كبير متمرس في قتال فردي. وكمحارب مخضرمة، أدركت لارا جيداً مدى صعوبة هزيمة ساحر من مرتبة أعلى.

ظل مثل هذا الأمر ممكناً بهجوم مباغت أو استغلال التضاريس. لكن في قتال شريف؟ في حلبة؟ كانت قائمة القادرين على فعل ذلك قصيرة للغاية، لا تحوي سوى نفر قليل من الأسماء. كلا. تيقنت أنه إن سُمح لإزيكييل بالنمو، فسيغدو خطراً حقيقياً على الإمبراطورية. ربما أكثر من أي شخص آخر تعرفه. ودون علمها، ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها.

سأل أورلون ببريق في عينيه: "يزيح الضغط، أليس كذلك؟".

أومأت لارا، وقد تحول تعبيرها إلى التدبر.

"أتعلم أين ذهب من هناك؟".

هز أورلون رأسه.

"اختفى التنين الدموي بعد أيام من انتصاره، ولم يره أحد منذئذ".

حدقت لارا في رئيس الجواسيس.

"لكنك تخمن، أليس كذلك؟ تفعل دائماً".

ارتفعت زوايتا فم أورلون قليلاً للغاية.

"أخمن نعم".

"إذن انطق بها".

صرح: "أظنه يتجه جنوباً".

تأملت لارا الأمر لحظة، مفكرة في الوجهات المحتملة.

"أهو قاصد إيروتش؟".

هز أورلون رأسه.

"أبعد".

اتسعت عيناها لارا. لم يكن ينتظر خلف أدغال إيروتش سوى الأراضي الميتة والبرية الشاسعة بعدها. كلا المكانين خطير لدرجة تعجز حتى هي عن ضمان سلامتها فيهما.

تمتمت لارا: "هذا ليس مكاناً للذهاب إليه عبثاً. بما يفكر؟".

هز أورلون كتفيه وهو يهم بالانصراف.

"لا أعلم. بيد أن الصبي لم يبدُ لي أحمق. لعل له غاية أعظم؟".

اشتغل عقل لارا وهي تراقب بذهول أورلون يختفي عبر ظل في زاوية خيمتها. مع ذلك، ظل فكرها مع الأخبار التي سمتها للتو. جهلت ما يخطط له إزيكييل، لكن الصبي داهية بحق. أياً ما كان ما يبتغيه، تمنت أن يستحق المخاطرة. انقطعت أفكارها حين دخل مساعد الخيمة بعدها بلحظات، وبدا وجهه ملحاً.

"رصدنا طائراً آخر باتجاه الشمال الشرقي".

نهضت لارا متنهدة، ملتقطة مرقابها في طريقها إلى الباب.

أمرت: "تقدّم".

مُسحت كل المشتتات من عقلها وهي تعيد تركيزها على وضعها الحالي. حياة الأناس تعلق بها، ولا طاقة لها بتشتت انتباهها.