الفصل السابع والعشرون: هرّة بحنين شجيّ. صعد حزقيال المركبة المتاهة نحو مسقط رأسه، ففاجأته ليلى جالسة أمامه في المقطورة ذاتها. تأملها وأدرك أنهما ستقضيان الساعات القادمة وحدَهما في هذه المساحة الضيقة، كأنْ لا ركاب سواهما. تلاشت مشاعره نحوها منذ زمن حتى صارت رماداً، وما عاد في موضع العذوبة سوى مرارة. أدرك أن الرحلة ستكون اختباراً لعزيمته وصلابته، لكنه عزم على الثبات وعدم التأثر بوجودها.
استقرّ حزقيال في مقعده ولاحظ تجنب ليلى التقاء نظراتها بنظراته. اغرورق وجهها بالخزي. احمرّت عيناها كأنها أفرطت في البكاء. حافظت على لطافتها المعتادة، لكن أروقة إلمينيوم تركت آثارها عليها، لا على نحو محمود. رأى حزقيال الألم والحزن منقوشين على محياها، فشعر لوهلة بوخز إثم لعدم وقوفه بجانبها حين احتاجت إليه أشد الاحتياج. لكنه طرد تلك المشاعر سريعاً، موقناً بأن مفترق الطرق هو الخير لهما معاً.
تحركت المركبة فهبط قلبه بين حماسة ورهبة. طالت رحلة العودة، وأدرك أن الساعات القادمة ستنقضي في حيز ضيق مع ليلى، تلك التي كانت يوماً تعني له الكثير. حاول التركيز على المشهد العابر، التلال المتموجة والأشجار الباسقة، لكن عقله ظل يرتد إليها. طبق صمت مطبق على المقطورة، وشعر حزقيال بالتوتر يتصاعد بينهما. رأى ليلى تصارع دمعها، وأدرك ضرورة فعله لشيء يخفف هذا الاحتقان.
سأل محاولاً كسر الجليد: "كيف كانت إلمينيوم؟"
لم تجب ليلى في البداية، وبانت عليها حيرة البحث عن الكلمات.
قالت أخيراً بصوت يكاد يلامس الهمس: "كانت قاسية. افتقدتك وماركوس كثيراً".
أثبت حديث ليلى عن مصاعب إلمينيوم غصة في حلقه. عجز عن الرد. ألم تكن رحلته قاسية أيضاً؟ ألم تبصق في وجهه يوم أخبرها بافتقاده إياها؟ تملّكه السخط منها، إذ بدت معتقدة أنها وحدها من تجرّع العلقم. أدرك وجوب تعاطفه وتفهّمه، لكن الجراح كانت أنضج من أن تُنسى، والمشاعر أحدث من أن تهدأ. استمرت ليلى في سرد شكواها، فعجز حزقيال عن إيجاد مواساة. لاحظ ثيابها وحليها الباهظة، وأيقن أنها هدايا صامويل.
تذكر وقوفها صامتة حين كاد يُسحق دفاعاً عن كرامتها. كم كان أبلهً آنذاك. تجاذبته مشاعر شتى؛ غضب، وحنق، وحزن. عرف وجوب وقوفه إلى جانبها، لكن الكلمات استعصت. لم يستطع محو إحساس الخيانة واختيارها صامويل عليه. جلس صامتاً، غارقاً في هواجسه، يستشعر ثقل أخطائه والهوة السحيقة الممتدة بينهما. بينما جلس صامتاً عاجزاً عن مخاطبة ليلى، دوي اصطدام مباغت فوق سقف المركبة. في اللحظة التالية، تدلى كائن صغير رشيق فاخترق المقطورة بحركة سلسة.
إنها فيولا، عبقرية سحر الرياح. جلست فوق حجر حزقيال بلا تردد وأخذت تتمسح به كهرّة.
سألت بابتسامة ماكرة: "ألم تفقدني؟"
فاجأه ظهورها المباغت وجرأتها، لكن ما إن نظر إليها حتى تشتت كل شوائب فكره كأن لم تكن قط. دعب رأسها برفق، وأخبرها بأنه افتقدها حقاً وبعمق. لم يفترقا سوى ساعات، لكن صحبة ليلى ضاعفت تقديره لوجودها. نظر إلى ليلى وأيقن حلول أوان المضي قدماً وطي صفحة الماضي. تأهب لبدء فصل جديد في حياته، ولن يُضيّع دقيقة أخرى في الاجترار. وبينما هو جالس وفعلا متربعة على حجره، باغته إدراك مفاجئ.
تذكر موعدها المفترض مع جدها في هذه الساعة بالتحديد، فكيف تواجدت هنا؟ كان لقاؤهما مقرراً بعد أسبوع. سألها عن سبب تخلّفها عن جدها، فلم تجب. بل دفنت رأسها في صدره والتزمت الصمت. انتظر لحظات، ولما لم تلق ًبالاً، نكزها في ضلوعها طلباً لرد. أصدرت صوتاً غريباً وبقيت صامتة. نكزها بقوة أكبر فرفعت رأسها أخيراً. لكنها عوض الإجابة، أطلقت فحيح هرة غاضبة وأعادت وجهها مكانه. انفجر حزقيال ضاحكاً لتلك ردة الفعل غير المتوقعة وعاود التربيت على رأسها.
أدرك استحالة غضبه منها أياً يكن السبب، وسرّه وجودها إلى جانبه مجدداً. تيقن أنها ستفشي سبب حضورها متى شاءت. آثر في الوقت الراهن الاستمتاع باللحظة وامتنّ لتلك الزيارة المفاجئة. مع انقضاء الدقائق في صمت، لاحظ تغير هيئة فيولا؛ استرخى جسدها ورفعت رأسها عن صدره. شرعت تتحدث مخبرة إياه بأمر جدها الذي أراد قضاء الأسبوع الأول من العطلة الصيفية في تطواف على حفلات النبلاء وعلية القوم.
شرحت كيف ركلت ساقه وطارت هرباً نحوه. تجاذبت حزقيال مشاعر الطرافة والقلق على جد فيولا. عرف شيخوخة الرجل، وتخيل فداحة الألم إثر ركلة فيولا. تضرّع صامتًا لسلامته، موقناً بقوة احتماله لمواجهة حفيدة شرسة ومستقلة كهذه. التفت حزقيال بفيولا في حجره فلاحظ تبدل ملامح ليلى. رأى وجهها الممتعش بقبح، وأدرك استغراقه بفيولا لدرجة نسيان وجود ليلى تماماً. لاحظت فيولا نظرته فالتفتت نحو ليلى.
شعرت بمانا الرياح تنبعث منها وتعجبت لعدم معرفتها بها. باعتبارها زعيمة فصيل الرياح، استغربت جهلها بهذه الفتاة. التفتت نحو حزقيال مستفسرة عن هويتها. استشفّت من تعامل الثنائي توتراً دفيناً يوحي بماضٍ تجهله. تلعثم حزقيال في تقديم ليلى، متردداً حيال كمية التفاصيل المباح البوح بها. اكتفى بالقول إنها من قريته. أدركت فيولا فضولها ووجود خبايا وراء القصة، لكنها لم تضغط عليه.
بدل ذلك، استدارت في حجره متأملة ليلى بفضول. عرفت بنفسها رسمياً ومدت يدها للمصافحة. أخذت ليلى يدها مذهولة وبادلتها التحية. أدركت فيولا وجود احتقان فقررت عدم إزعاج زيك، وستفكك طلاسم هذا اللغز بنفسها. عشقت فيولا الأسرار والألغاز بعد كل شيء. تسمّرت ليلى مكبرها عند سماع تقديم فيولا. إنها الزعيمة المعلنة لجميع سحرة الرياح في إلمينيوم. عجزت عن تصديق مثولها أمامها مباشرة. ترددت لحظة قبل مصافحة فيولا، ثم تماسكت وصافحتها معرّفة بنفسها.
لاحظت فيولا ردة فعل ليلى، فانهالت عليها بالأسئلة بغية كشف علاقتها بحزقيال. عجزت ليلى عن مجاراة الأسئلة المتلاحقة لشعورها بالغرق. حاولة اقتضاب الإجابات وتعميتها تفادياً لكشف ماضيها مع حزقيال. لكن فيولا أصرّت، وأثار الغموض فضولها. تيقنت من وجود ما وراء الكواسر، وعزمت على نفض الغبار عن الحقيقة. تخبطت ليلى تحت طائلة أسئلة فيولا. حدثتها عن قدومها الأكاديمية مع حزقيال وماركوس، وعن اكتشاف تفوق تقاربها مع الرياح.
لكن فيولا لاحظت خلو السرد من أي ذكر لحزقيال. استنتجت فيولا وقوع حادثة بينهما آنذاك، فسألتها مباشرة عن سبب قطيعتها لحزقيال بعد وصولهما. أخبرتها بمرور حزقيال بظروف قاسية واحتياجه لصديق بحق. فوجئت ليلى بمباشرة السؤال وارتبكت عاجزة عن الرد السليم. تعللت بانشغالها بالدراسة وظنها عثور حزقيال على أصدقاء جدد. لكن الكلمات فضحت عدم اقتناع فيولا. تفاقمت دقة أسئلة فيولا حتى أثارت حنق ليلى.
شعرت كأنها تخضع لاستجواب، ومع تصاعد الضغط فقدت أعصابها تدريجياً.
انفجرت أخيراً بصرخة محبطة: "لم أرد مرافقته، حسناً؟ لم أرد التعرض للتنمر بدوري! بالكاد نجحت في تكوين صداقات، ولم أكن لأخسر كل شيء بسبب حزقيال!"
فور خروج الكلمات، أدركت ليلى ما تفوهت به ولمن. شحب وجهها لوقع اعترافها. استبدّ بها الخزي لمدى أذيتها لحزقيال وخضوعها لمخاوفها. ما إن صمتت ليلى حتى تقاطرت على وجه فيولا امتعاض وقرف تامان. استحال على حزقيال رؤية وجهها لجلوسها في حجره واستدارتها عنه، لكنه لمس توتر جسد ليلى وارتسام الفزع عليه. وبعد صمت، نطقت فيولا.
خرج صوتها بارداً على غير عهده به: "تعلمين يا آنسة ليلى — وغاب الدفء تماماً عن نبرتها — أؤمن تماماً بأن الأصدقاء هم من يثبتون إلى جنبك وقت الشدة. زعمتِ كونك إحدى مقربات حزقيال واهتمامك بأمره، لكن أرى أنك لم تعني طوال الوقت سوى نفسك".
أصابت كلمات فيولا ليلى في مقتل. علمت إيذاءها لحزقيال وفقدان صداقته، واستبعدت نيل غفرانه. اعتذرت محاولة تبرير موقفها، لكن بعد فوات الأوان فقد وقع الفأس بالرأس. استمعت فيولا لدفاعها بلا اكتراث ولا غفران. رأى حزقيال فيولا تستدير في حجره، وتطوقه باحتضان سريع، ثم تحشر وجهها في صدره مستغرقة في النوم. تباينت مشاعره بين سقوطه في بئر غضب من ليلى لجفائها، وامتنان لوجود فيولا كصديقة تقف خلفه مهما دارت الدوائر.
مضت المركبة مخلفة توتراً محسوساً بين ليلى وفيولا. ضربت كلمات فيولا وتراً حساساً فجلست صامتة ناكسة الرأس. بدوره، نأى زيك بنفسه عن دراما اللحظة. أغمض عينيه مرّكيزاً على ترتيل تعاويذ سحر العقل، مستغلاً هدوء المقطورة للاستغراق. استشعر قرب فيولا، وتدل أنفاسها المنتظمة على غطيط نومها. لم يقطع صمت المقطورة سوى وقع حوافر الخيول المنتظم. تجلى تبرّم فيولا النهائي بليلى، فاتُركت الفتاة لتجترّ أفكارها طيلة ما بقي من رحلة العودة.