ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 276 — لقاء ساحر الموت

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 276 — لقاء ساحر الموت باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد دقائق معدودة، وصل زيك إلى الصالون. وحين وطئ الغرفة، وجد أعضاء حلقته حاضرين بالفعل، وأدرك فوراً حدّة التوتر في الأجواء. كانت غرافيتاص جالسة على مقعد وثير، وتحدق عيناها باتجاه واحد بجمود. وكان فولكانوص يروح ويجيء، يدور في أرجاء الغرفة مثل قرش. وكان آيشن جالساً بالقرب من ضيفهم، ويده مستقرة على الخنجر عند خصره. وكان كرول وكرال يقفان على جانبي الباب، مستعدين لاستخدام قدراتهما إن دعت الحاجة.

وأخيراً، في وسط الغرفة، جلس ضيفهم — غير آبه البتّة بكل الحذر والعداء والتربص الموجهة إليه. توقف زيك، وشدّ الزائر نظره. امتلك رئيس السحرة سحنة سماوية، وكان جلده بنقاء الثلج المتساقط للتو، ويكمله شعر بلون مطابِق. تعذّر تحديد عمره لخلوّه التام من التجاعيد أو الشوائب. غلّفه عبق من السرمدية، ملقياً هالة من الجمود جعلته بمعزل عن أي كائن رآه زيك من قبل. لا، لم يكن ذلك دقيقاً تماماً.

فقد التقى زيك بشخص واحد منح شعوراً مشابهاً تجاه هذا الغريب: أوريليا ثورستن، زعيمة عائلة ثورستن وحامية إنفوكاتيا. أوريليا، المعروفة بالساحرة الأبدية لتبحرها في سحري الحياة والموت، حملت شبهاً بالرجل الماثل أمامه. مع أنه، مقارنة بها، بدا هذا الساحر أغرب. كان الرجل يتفقد الشاي المقدم إليه بابتسامة طفيفة، يقلب الكوب في يده بينما يدرس النقوش الذهبية الزخرفية على جانبه.

لم يبدو مهتماً بشحربه، كأن مجرد العرض أسراه. وقبل أن يتسنى لزيك تفحصه أكثر، وضع الرجل الكوب على الطاولة المنخفضة أمامه ورفع رأسه. أثار فعله المفاجئ توتر كل الكيميروي في الغرفة، لكن أحداً لم يتحرك. استقرت عيناه فوراً على عيني زيك، متجاهلاً كل من سواهما. ظل نظراهما متداخلين طوال لحظة طويلة تحبس الأنفاس. لم يلاحظ زيك ذلك من قبل، لكن عيني هذا الرجل كانتا من أكثر سماته إزعاجاً.

خلتَا من أي بصيص حياة أو شعور. كرات عينين عمياء، تبدو كأنها تحدق في عالم خفي. حملتا سكوناً مرعباً بعث القشعريرة في أسفله، كعيني ميت. ومع ذلك، شحب وقع نظرته مقارنة بالكلمة التي خرجت من فم الرجل.

حيا: "إزكيل".

تسلّل الصوت المرعب عبر الهواء كهمس من عالم الظلال، وكان صدى طيفه الملاحق مزيجاً بين الساحر والمؤذي. ومع ذلك، لم يكن زيك في مزاج يسمح له بالالتفات إلى الجودة الغريبة لصوته. لقد صُدم كثيراً بالاسم الذي ناداه به هذا الغريب. ليس لقبه، ليس اسمه المزيف، بل اسمه الحقيقي — إزكيل.

سأل زيك محاولاً إبعاد التوتر عن صوته: "من تكون؟"

ضحك الغريب. كان صوتاً مخيفاً، كأنه نسي كيف يضحك ويحاول الآن تذكّر إصدار الضجيج المناسب.

وبعد أن انتهت ضحكته، شرع الرجل يشرح بعفوية: "إزكيل أوف فيلدشتات، وُلِد في قرية صغيرة في قلب إمبراطورية أركانهايم، زار الأليمنتيوم، وتبناه ماكسيمليان فون هوهينهايم، وتجرّدت مؤخراً من اسمك ولقبك."

عبس زيك. عرف هذا الغريب الكثير عنه. إن كان الأمر كذلك، فغالباً لم تعد هناك جدوى من إنكار هويته أكثر.

"كيف عرفتني؟"

ابتسم ساحر الموت، وبدا مسروراً باعتراف زيك الضمني.

"ربما تنكرتَ عن أعين الناس العاديين، لكن نظرتي لا يسهل خداعها."

انتظر زيك أن يتابع، لكن الرجل لم يشرح أكثر. تجهم داخلياً. لودّ لو علم بالطريقة التي اكتُشف بها لكي يُصلحها مستقبلاً. ومع ذلك، كان هناك ما هو أهم بكثير ليحتاج إلى معرفته.

"ماذا تريد مني؟"

صمت الرجل، مُمطّداً ما ربما كان مجرد لحظة إلى ما بدا دهراً بالنسبة إلى زيك. كان التوتر في الغرفة ملموساً، إذ إن مآل الكلمات القادمة قد يؤدي إلى صداع محتمل.

قال بعفوية: "لا داعي للذعر. لا أطلب منك شيئاً."

لم تنجح تلك الكلمات في إراحة عقل زيك — بل العكس تماماً في الواقع. إن لم يكن الرجل يريد شيئاً منه، فلماذا أتى؟ ولماذا كشف هويته؟ كان الأمر مشكوكاً فيه أكثر من اللزوم.

"إن كنت لا تريد شيئاً، فلمَ أتيت إلى هنا؟"

ألقى الرجل نظرة خاطفة على كوب الشاي الممتلئ أمامه، شارداً. في لحظات السكون تلك، شابه سلوكه جثةً، خالية من أي حركة. لم يكن هناك صعود وهبوط ملحوظان لصذره، مما أشار إلى أن التنفس لم يكن ضرورياً له. في ظروف مختلفة، لكان زيك استمتع للغاية بدراسة جسد رئيس السحرة هذا بالتفصيل.

قال الرجل أخيرً: "أردتُ أن ألقاك مرة."

تفاجأ زيك. من بين كل التفسيرات المحتملة التي تعتمل في ذهنه، لم يكن هذا واحداً مما اعتبره.

سأل مرتبكاً: "أنا؟ لمَ؟"

ضحك ساحر الموت مجدداً.

"أنت مُفضّل بين بني جِنسي، الشاب إزكيل."

تساءل زيك: "بني جنسك؟ أتعني سحرة الموت؟"

أومأ الرجل برأسه. تأمل زيك هذه المعلومة الجديدة والغريبة. هو مُفضّل بين سحرة الموت؟ كيف يُعقل ذلك؟ أكانت تربطهما صلة؟ لا. لكان فهم الأمر أكثر لو أن درودياً قال شيئاً كهذا، لكنه لم يتذكر تكوين أي صلة مع ساحر موت.

سأل زيك: "من أخبرك عني؟"

مرّة أخرى، غرق الرجل في الصمت، وهي عادة بدت راسخة فيه. ربما، بالنسبة إلى كيان يبدو متجاوزاً لقيود الفناء، حمل الوقت معنى مختلفاً. لم يستطع زيك طرد الانطباع بأنه لن يكون خارج حدود الممكن أن يتأمل ساحر الموت لساعات طوال على هذا النحو.

قال الرجل أخيرآ: "ليس لي أن أبوح بذلك. لكنك ستفهم في المستقبل."

رمش زيك، ممزقاً بين الانزعاج والفضول استجابةً للتصريح المشؤوم. ورغم رغبته في معرفة المزيد، لم يستطع التخلص من الشعور بأن هذا الرجل لن يفشي المعلومة، مهما ألحّ في الاستفسار. ومع إدراك ذلك، خيم صمت ثقيل على الغرفة، وامتنع الطرفان عن الكلام مجدداً.

قال زيك أخيراً: "إذن... ماذا الآن؟"

أمال ساحر الموت رأسه، وبدا متردداً بنفسه.

"إن لم تكن لديك أسئلة أخرى، فسأرحل."

في البداية، شعر زيك بموجة ارتياح لكلمات الرجل. بدت فكرة إنهاء هذا الاجتماع المتوتر مغرية أكثر من القليل. ومع ذلك، تداخل عقله العقلاني سريعاً، مذكراً إياه بخطورة الموقف. بغض النظر عن سلوك الرجل الغريب، كان أحد القادة الأربعة لمدينة الظلال: سيادة الأطياف. وما زاد على ذلك، أنه بدا حاملاً لانطباع مواتٍ عن زيك لأي سبب كان. ألم تكن هذه... فرصة؟ اقترب زيك من المقعد و جلس بحذر قبالة ساحر الموت.

لم يكن ليجرؤ على الاقتراب هكذا في البداية، لكن الرجل لم يبدُ حاملًا لأي نوايا خبيثة. عليه محاولة إقامة صلة مع هذا الرجل ما دام هنا.

"أأود التحدث قليلاً إن كان ذلك مناسباً؟"

أومأ ساحر الموت.

استهل زيك: "أنت تعرف اسمي، لكنني لا أعرف اسمك."

"أوه، كم أنا فظّ. اسمي موروس."

مدّ زيك يده لتحية رسمية.

"إنه لسرور لقاؤك يا سيد موروس؛ أنا إزكيل."

ظهر تعبير مفاجأة لفترة وجيزة على وجه موروس، لكنه عاد قريباً إلى حالته العديمة المشاعر. مدّ ذراعه وشارك في مصافحة خفيفة. ورغم القبدة المسترخية، كاد زيك ينتزع يده عند الملمس. كانت يد ساحر الموت باردة، أبرد بكثير مما ينبغي لها. لكنه لم يكن الشعور ذاته ببرودة الجليد والثلج، بل برودة تحفر في عظامك وتستقر في نقيّك. مستخدماً كل قوة إرادته، احتمل زيك الإحساس المرعب حتى أفلت الرجل.

ظل موروس صامتاً بعد التبادل، ومع ذلك ومض بريق غريب في عينيه المظلمتين.

أهكذا مانا الموت؟ كان الأمر مزعجاً حقاً. حين تخلص زيك من ذلك الشعور الغريب تابع أسئلته كأن شيئاً لم يكن.

سأل: "ما غايتك هنا في كوروفان يا سيد موروس؟".

حدق الرجل إليه بعينين خاويتين من الفهم.

فأوضح زيك: "أنت من أهم الشخصيات هنا في المدينة السفلى. لا بد أن ثمة شيئاً تسعى خلفه".

هز موروس رأسه نافياً الظن.

قال: "هذا مكان جيد. هذا هو السبب الوحيد لوجودي هنا".

رمش زيك.

سأل: "حقاً؟".

أومأ موروس وبدا متحمساً قليلاً أكثر من ذي قبل.

قال: "بعد مغادرة أراضي الموت لم أتصادف قط بمدينة تفيض بالموت هكذا. إنه مكان جيد".

عبس زيك غير متأكد كيف يشعر حيال كلام موروس. مع أنه استطاع إدراك كيف تبدو المدينة السفلى ككنز ثمين من منظور ساحر موت نظراً لانتشار الموت فيها إلا أنه لم يستسغ أن يرى أحداً يلتذ علانية ببؤس الآخرين. وكما هو متوقع عبس الكيميروي في الغرفة معاً. لقد نشأوا في هذا المكان وبطبيعة الحال لم يشعروا بشعور جيد عند سماع تصريح كهذا. ومع ذلك لم يكترث موروس بنظراتهم على الإطلاق.

قال زيك بلياقة: "تلك نظرة غير معتادة للغاية يا سيد موروس".

سأل الرجل وبدو عليه التفاؤل: "حقاً؟ أظن التفكير بهذه الطريقة أمراً عادياً تماماً".

رمش زيك بارتباك.

قال: "أهذا... عادي؟".

أشار موروس مباشرة نحو زيك.

قال: "سحرة الدماء ينجذبون إلى سفك الدماء ويزدهرون فيه ويغرقون في ابتهاجه وينمو بسببه. تماماً كما ينجذب سحرة الحياة إلى الغابات وسحرة المياه إلى المحيطات. إنه أمر متأصل في طبيعتهم. فلماذا يكون غريباً إذن أن أجذب أنا إلى مكان مشبع بالموت هكذا؟".

تأمل زيك تلك الكلمات لكن موروس لم ينته بعد.

قال: "خذ كلامي مأخذ الجد يا صديقي الشاف. ما من خطأ أسوأ للساحر من رفض طبيعته. عاجلاً أم آجلاً سيتعين عليك التصالح مع ما أنت عليه".

أومأ زيك ببطء مع أنه لم يكن متأكدًا تمامًا من فهم ما يرمي إليه الرجل.

قال: "سأبقي كلامك في ذهن يا سيد موروس".

صمت موروس وبدا راضياً بهذا الاطمئنان. اتخذت المحادثة منحى غير متوقع وانحرفت عما كان زيك يهدف إليه. ورغم ذلك لم يكن مستاءً جداً من النتيجة.

سأل: "أيعني هذا أنه ليس لديك طموحات في المدينة السفلى؟".

وافق موروس بسهولة: "هذا صحيح. ليس هناك الكثير مما يمكنه تحريكي في هذه المرحلة".

"أهناك سبب خاص لذلك؟".

تأمل موروس مطولاً بطريقته المعهودة والثابتة.

قال: "جسدي لم يعد يبقي سوى القليل من الرغبات. الشيء الوحيد القادر على إغوائي الآن هو السعي خلف المعرفة والقوة الشخصية".

للحظة راودت زيك رغبة في تبادل المعرفة مع الرجل. فهو في النهاية يعلم بالكثير من الأشياء التي قد تثير اهتمامه. لكنه كبت الاندفاع في اللحظة التالية. لم يكن من الحكمة وضع الكثير من الثقة في شخصية هذا الغريب. لا يمكن التنبؤ بما سيفعله بعد معرفته بالسر الذي يحمله زيك. بدلاً من ذلك حاول مقاربة الوضع من زاوية مختلفة.

سأل: "إن كنت أفهم نواياك جيداً يا سيد موروس فأنت ترغب في أن تُترك وحدك لتتابع أبحاثك بسلام؟".

أكد موروس: "هذا صحيح".

طبق زيك قبضتيه جامعاً عزيمته. هذه هي لحظة الحقيقة.

عرض قائلاً: "ربما يمكننا التوصل إلى اتفاق".

لم يرف جفن لموروس ولم يكشف عن أي شيء.

قال: "أي نوع من الاتفاق دار بخلدك يا صديقي الشاب؟".

أخذ زيك نفساً عميقاً قبل الإفصاح عن رغبته.

قال: "أريد حكم المدينة السفلى".

إن كان للإعلان أي أثر على موروس فلم يظهره. غير أن رد فعل الكيميروي لم يكن خفياً بأي حال. لقد حدقوا في زيك بدهشة فاغرة الأفواره وبقدر غير قليل من عدم التصديق. لم يكن رد فعلهم مفاجئاً إلى هذا الحد. فهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها زيك عن امتلاك طموحات كهذه. وكان السبب في ذلك بسيطاً. لقد اعتبر الأمر مستحيلاً حتى الآن. فمع وجود ثلاثة خصوم أشداء يقفون ضده بدا النصر بعيد المنال.

ورغم ذلك فإن التحالف مع ساحر الموت قد يرجح الكفة صالحه. همهم موروس بلا اكتراث.

قال: "من الجيد أن تكون لديك طموحات لكني أعجز عن رؤية ما علاقة هذا بي".

شبك زيك يديه مواجهاً نظرات ساحر الموت المخيفة وجهاً لوجه.

قال: "قد أضطر إلى استعارة قوتك. في المقابل أعدك بضمان سلامك وتوفير احتياجاتك طالما أردت ذلك".

بقي موروس صامتاً لكن عينيه تجولتا ماسحتين كل الكيميروي الحاضرين. حتى إن زيك راوده شعور بأن موروس يستطيع إدراك الأفراد في الغرف المجاورة. تساءل بفضول عابر إلى أي مدى يصل بصر الرجل وعلى أي مبادئ يعمل.

قال بعد حين: "لا أظن أنك تمتلك القوة لتحقيق غاياتك يا صديقي الشاب. كلتا القوتين الأخريين تمتلكان قوة أكبر منك بمفردك وأنا لست مهتماً بصفقة أضطر فيها لخوض معاركك نيابة عنك".

أومأ زيك فقد توقع شيئاً كهذا. ورغم ذلك ظل واثقاً من إقناع رئيس السحرة.

قال: "لا أنوي غزو المدينة السفلى بالقوة".

أعاد موروس عينيه الخاويتين إليه وأقسم زيك أنه رأى وميضاً من الفضول يتسرب في أعماقهما.

قال: "إذن ما هي خطتك؟".

رسم زيك ابتسامة داهية.

قال: "ما رأيك بهذا يا سيد موروس. إن مكثت هنا لفترة سأريك..."