رَفَعَ إيشيان أَحَدَ جانبي المِذْوَدِ العَملاقِ، مُفرِغاً كومةً مِنَ الطَّعامِ في الفُوهَةِ. ما عادَتِ الحَرَكَةُ تُكَلِّفُهُ جُهْداً يُذكَرُ بَعدَما صارَتِ الكُوَمُ أَخَفَّ كُلَّ هذا الخِفَّةِ. اليَوْمَ، كانَتِ الكَوْمَةُ أَخَفَّ مِنَ أَمْسِ، وفي أَمْسِ، كانَتْ أَخَفَّ مِمَّا قَبْلَهُ بِيَوْمٍ. كانَ الأَمْرُ بَديهِيّاً. لابُدَّ أَنَّهُ يُكَارِتُ الكَمِّيَّةَ حَسَبَ عَدَدِ النَّاجِينَ في النِّهَايَةِ.
حَسَناً، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَقِيقاً تَمَاماً. إنْ قُلْنَا الحَقِيقَةَ، فَلَمْ يَكُنْ لَدَى إيشيان أَدْنَى فِكْرَةٍ عَنْ عَدَدِ الأَشْخاصِ الَّذِينَ ما زَالُوا أَحْيَاءً هُنَاكَ في الأَسْفَلِ. أَلَمْ يَكُنْ هُوَ مَنْ لا يَنْزِلُ لِيَتَحَقَّقَ أصلاً. بَلِ الحَقِيقَةُ هي أنَّ عَدَدَ النَّاجِينَ كَانَ مُرْتَبِطاً كُلِّ الِارْتِبَاطِ بِكَمِّيَّةِ الطَّعامِ الّتي يُلْقيها في تِلْكَ الفُوهَةِ.
إنْ لَمْ يُقَلِّلِ الكَمِّيَّةَ كُلَّ يَوْمٍ، لَتَراجَعَتِ الحاجَةُ إلى القِتَالِ أَيْضاً.
قالَ صارخاً: "وَقْتُ الوَجْبَةِ!"
آهٍ، كَمْ أحَبَّ تِلْكَ الكَلِمَاتِ، مُدْرِكاً حَجْمَ السُّعارِ الّذي سَيُخْلِفُهُ نِدَاؤُهُ. لَمْ يَرِدْ شَيْئاً قَدْرَ رَغْبَتِهِ في النُّزُولِ ومُشَاهَدَةِ التَّعارُكِ التَّالِي. أرَادَ أنْ يَرَى كَيْفَ يُمَزِّقُ الكيميروي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، مِثْلَ الحَيَوَانَاتِ الّتي هُمْ إيَّاهَا. لِلأسَفِ، لَمْ يَسْتَطِعْ. ففي حالَتِهِمُ الحَالِيَّةِ، لَنْ يَقْدِرُوا عَلى كَبْحِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ مُهاجَمَتِهِ هُوَ الآخَرِ.
سَيَتْرُكُهُ ذَلِكَ بِلا خِيارٍ سِوَى قَتْلِهِمْ. ولَنْ يَفِيَ ذَلِكَ بِالغَرَضِ في الحَالِ، إذْ كَانَ في الأَغْلَبِ يَحْسِبُ حِسَابَ العَدَدِ بِدِقَّةٍ. فَقَدْ طَلَبَ الزَّعِيمُ نَجَاةَ نِصْفِهِمْ في النِّهَايَةِ. وَبَبَرِيقٍ في عَيْنَيْهِ، رَاقَبَ أصنافَ الأطعمةِ وَهي تَتَهَاوَى وتَخْتَفِي في الظَّلامِ. لِبُرْهَةٍ طَوِيلَةٍ، وَقَفَ هُنَاكَ صَامِتاً، مُصْغِياً إلى سِمْفُونِيَّةِ الفَوْضَى المُنْبَثِقَةِ.
لَمْ تَفْقِدِ الأَصْوَاتُ بَيْنَ زَئِيرٍ، وهَمْهَمَةٍ، وصُرَاخٍ، وأَنينٍ رَوَاءَها أبداً. أَحَبَّ إيشيان هَذَا الجُزْءَ مِنْ عَمَلِهِ حَقّاً، الجُزْءَ الّذي يَسْلُخُ القِشْرَةَ الرَّقِيقَةَ مِنَ التَّمَدُّنِ عَنِ الكيميروي لِيَكْشِفَهُمْ على حَقِيقَتِهِمْ وُحوشاً. لَا جَدَلَ في أنَّ هذا كانَ أَكْثَرَ ما يُقَدِّرُهُ في تَقْنِيَةِ تَنَفُّسِ المانا الخَاصَّةِ بِهِمْ.
طَبْعاً، سَمَحَتْ لِلْكيميروي بِأَنْ يُصْبِحُوا أَقْوَى بِمُعَدَّدَل مُمتازٍ أَيْضاً، لَكِنَّ ذَلِكَ بَدَا ثَانَوِيّاً في رَأْيِهِ. كَانَ مِنْ الأَنْفَعِ بِكَثِيرٍ أنَّها تُعِيدُهُمْ إلى طَبِيعَتِهِمُ الأوَّلِيَّةِ الخامِّ. ففي النِّهَايَةِ، الوُحُوشُ وَحْدَهَا ما يُمْكِنُ تَدْرِيبُهُ، لا البَشَرُ. لَمْ يَدْرِ إيشيان مَنْ هُوَ صاحِبُ الفِكْرَةِ الأوَّلِيَّةِ لِتَعْلِيمِ الكيميروي اللُّغَةَ والأَدَبَ، لَكِنَّهُ لابُدَّ أنَّهُ كَانَ شِرّيراً عَظِيماً.
لِمَاذا سَيُحَاوِلُ أيُّ شَخْصٍ تَغْيِيرَ طَبِيعَتِهِمُ الجَوْهَرِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الشَّاذَّةِ إِذْاً؟ كَانَ الأمرُ أشْبَهَ بِتَوَقُّعِ دَفْعِ كَلْبٍ لِضَرَائِبِهِ — عَبَثاً مُطْلَقاً. بِالطَّبْعِ، مِثْلُ هَذَا السَّعْيِ المَضْلُولِ لَمْ يَكُنْ لِيَنْتَهِيَ بِإِيِّ طَرِيقَةٍ سِوَى الكَارِثَةِ التَّامَّةِ. وهَذِهِ الكَارِثَةُ كانَ لَهَا اسْمٌ: المَدِينَةُ السُّفْلَى.
وفِيمَا كَانَتِ العَاصِمَةُ الفَخْرَةُ فِي الأَعْلَى رَمْزاً لِلرَّفَاهِ والفَضِيلَةِ، كَانَتِ المَدِينَةُ في الأَسْفَلِ النِّقِيضَ التَّامَّ. سَخِرَ إيشيان مِنْ فِكْرَةِ أنَّ لِبَعْضِ النَّاسِ الجَرَأَةَ لِلتَّفَاجُؤِ بِهَذِهِ النَّتِيجَةِ. كَيْفَ لِلْمَدِينَةِ أَنْ تُصْبِحَ بِشَكْلٍ آخَرَ حِينَ يَكُونُ سُكَّانُهَا مُتَكَوِّنِينَ في الغَالِبِ مِنَ الوُحُوشِ؟ تَعَدَّى الأَمْرُ المَنْطِقَ بِتَمَامِهِ لِتَوَقُّعِ رِعَايَةِ تِلْكَ الحَيَوَانَاتِ لِأَنْفُسِهَا أو بِيئَتِهَا المُحِيطَةِ.
تَنَهَّدَ إيشيان وفَتَحَ قَبْضَتَيْهِ المَضْمُومَتَيْنِ. لا مَعْنَى لِلْغَضَبِ عَلَى حَماقَةِ الآخَرِينَ. مَسْمُوحٌ، بَلْ كَانَ مِنْ السَّهْلِ الخَلْطُ بَيْنَ الكيميروي والبَشَرِ، إِذْ بَدَا مَظْهَرُهُمُ الخَارِجِيُّ خادِعاً بَعْضَ الشَّيْءِ. رَغْمَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَطِعْ مُسَامَحَةَ الأشخاصِ الَّذِينَ حَاوَلُوا الجِدَالَ بِضَرُورَةِ مُعَامَلَتِهِمْ كَمُوَاطِنِينَ.
كَانَتِ الأَصْوَاتُ الوَحْشِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ الأَسْفَلِ الدَّلِيلَ الوَحِيدَ الّذي احْتاجَهُ لِيُدْرِكَ اسْتِحَالَةَ ذَلِكَ. لَوْ أَنَّ أُولَئِكَ النَّاسَ يَسْتَطِيعُونَ سَمَاعَ هَذَا أَيْضاً، لَتَغَيَّرَتْ نَغْمَتُهُمْ سَرِيعاً. بِشَخْرَةِ احْتِقَارٍ، قَلَبَ إيشيان العَتَلَةَ. فَسَقَطَتِ الشَّبَكَةُ الحَدِيدِيَّةُ الضَّخْمَةُ، مُغْلِقَةً الفُوهَةَ لِيَوْمٍ أخِيرٍ.
غَداً، سَيَتَمَكَّنُ أَمَانَةً مِنْ رُؤْيَةِ النَّتَائِجِ. لابُدَّ أنَّ هَذَا الأُسْبُوعَ الأخِيرَ وَضَعَهُمْ في الحَالَةِ المِثَالِيَّةِ لِكَيْ يُصاغُوا كِلاَبَ السِّنْدِيكَاتِ المُخْلِصَةَ. بِوَجْهٍ يَمْلَؤُهُ التَّرَقُّبُ، اسْتَدَارَ إيشيان، مُتَلَهِّفاً لِلْعَوْدَةِ إِلَى مَخْدَعِهِ. فَقَدْ تَرَكَ لُعْبَتَهُ المُفَضَّلَةَ تََنْتَظِرُ لِوَقْتٍ أَطْوَلَ مِنَ اللاَّزِمِ.
لَكِنْ، قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ أَكْثَرَ مِنْ خُطُوَاتٍ مَعْدُودَةٍ، شَعَرَ بِبَرْدٍ يَسْرِي فِي عَمُودِهِ الفِقْرِيِّ، واقْشَعَرَّ شَعْرُ رَقَبَتِهِ. مَا هَذَا الإحْساسُ الغَامِرُ بِالخَطَرِ؟ حَاوَلَ إيشيان الِاسْتِدَارَةَ بِسُرْعَةٍ، وَلكِنْ قَبْلَ أنْ يَتَحَرَّكَ، اخْتَرَقَ نَصْلٌ ظَهْرَهُ، قَاصِداً قَلْبَهُ مُبَاشَرَةً. اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الفَزَعُ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّ رَدودَ أَفْعَالِهِ المُدَرَّبَةَ تَفَعَّلَتْ.
فَجْأَةً، تَرَاجَعَ أَحَدُ ضُلُوعِهِ، مُعْتَرِضاً مَسَارَ النَّصْلِ. كَصَانِعِ عِظَامٍ، بَدَا تَحْرِيكُ عِظَامِهِ بَدِيهِيّاً كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ. تَصَادَمَ النَّصْلُ والعَظْمُ، وسُرَّ إيشيان لِكَوْنِ ضِلْعِهِ هُوَ السَّابِقَ. اسْتَدَارَ بِمُحَارَبَةِ الشَّخْصِ الّذي شَعَرَ بِوُجُودِهِ خَلْفَهُ. لِلأسَفِ، تَرَاجَعَ المُهَاجِمُ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ، مُخْتَفِياً قَبْلَ اتِّصالِ الضَّرْبَةِ.
بَلْ نَجَحَ في تَوْسِيعِ الجُرْحِ قَبْلَ اخْتِفَائِهِ كَطَيْفٍ. بَدَا هَذَا قَاتِماً بَعْضَ الشَّيْءِ. رَكَّزَ إيشيان على الشَّخْصِيَّةِ المُتَحَفِّظَةِ الوَاقِفَةِ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ مَعْدُودَةٍ. مِنْ مَلَامِحِ خِطَاطِهِ، خَمَّنَ إيشيان أنَّهُ رَجُلٌ، وغَالِباً لَيْسَ كيميرويّاً، نَظَراً لِتَفَلُّتَاتِ المانا. تَتَبَّعَتْ عَيْنَاهُ ذِرَاعَهُ اليُمْنَى، لِتَسْتَقِرَّا عَلَى نَصْلٍ طَوِيلٍ مُغَطًّى بِالدِّمَاءِ.
لا، لَمْ يَكُنِ النَّصْلُ مُجَرَّدَ مُغَطًّى بِالدَّمِ؛ بَلْ كَانَ مَصْنُوعاً مِنْ دَمٍ. سَاحِرُ دِمَاءٍ؟ أَيْضاً، بَدَا أنَّ نَصْلاً اسْتَبْدَلَ ذِرَاعَهُ كَامِلَةً. أَبَعْضُ أفرادِ عَائِلَةِ سَيْفِ الدَّمِ هُوَ؟
قالَ: "مَنْ تَكُونُ؟"
لَمْ يَنْتَظِرْ إيجابَةً حَقِيقِيَّةً. بَلْ سَأَلَ لِكَسْبِ بَعْضِ الوَقْتِ لاِسْتِعَادَةِ تَرْكِيزِهِ. ذُهِشَ حِينَ شَرَعَ الرَّجُلُ حَقّاً في خَفْضِ قَلَنْسُوَتِهِ، كَاشِفاً عَنْ وَجْهٍ تَعَرَّفَ عَلَيْهِ فَوْراً.
* * *
فشلت نصله في بلوغ قلب إيشآن. فانتقل زيك آنياً إلى حافة نطاق إدراكه. كان مؤسفاً ألا ينهي هذه المعركة بضربته الأولى. لكن جزءاً آخر منه سُرَّ بذلك. لم يرغب في أن يموت إيشآن بهذه السهولة. ودون حتى أن يدري من قتله. وفوق ذلك. كانت يداه تحكانّه رغبة في القتال. حسناً. يده اليسرى. إذ لم يتبقَ له سواها.
قال التنين: "أمتأكد أنت من هذا؟ إنه ساحر عظيم. ستكون فرصك أفضل بكثير لو استدعيتني."
أجاب زيك بهدوء: "لا يمكنني الاستمرار في الاعتماد عليك في كل معاركي. وإلا لصرت عاجزاً لحظة غيابك."
بصق التنين: "تبّاً. لا يزال الوقت طويلاً على ذلك أيها الجرو. سيكون لديك متسع من الوقت لتزداد قوة."
ابتسم زيك بتهكم خفيف: "لن يمنحني الوقت لأستدعيك على أي حال."
قبل أن يرد التنين.
قاطع إيشآن تخاطرهما بصياح عالٍ: "من أنت؟"
لم تعد هناك حاجة لإخفاء هويته. فواحد منهما فقط سيغادر هذا المكان حيّاً على أي حال. استخدم زيك يده اليسرى لإزاحة القناع الذي يغطي وجهه. بدت الصدمة والتعارف جليّتين على ملامح إيشآن حين انكشفت ملامحه. بدا أنه لم يتوقع حقاً رؤيته هنا.
تلعثم: "ك-كيف يكون أنت؟"
حيّا زيك بابتسامة: "أهلاً بك أيها المعلم. لم نتقابل منذ مدة."
لبرهة. بدا إيشآن مذهولاً لدرجة عجزته عن ردّ الفعل. لكنه سرعان ما استعاد السيطرة على مشاعره وضيّق عينيه. مع أن وضعه لم يتغير. بدا السحر الأعظم أكثر استرخاءً الآن بعد أن عرف مع من يتعامل.
تمتم: "تنين الدم. لأي شيء أتيت؟"
ابتسم زيك باستهزاء: "أليس الأمر واضحاً؟"
وحين قال ذلك. لوّح بنصله بخفة. تسببت الحركة في تطاير الدم على الأرض. تاركة نصف دائرة على التراب. دم إيشآن.
ضيّق إيشآن عينيه أكثر: "إذن جئت لقتلي؟"
اتسعت ابتسامة زيك. كان يعلم تمام العلم ما يحاول الرجل فعله.
"ليست لدي أي نية للإجابة عن أسئلتك السخيفة أيها المعلم. أخرج سلاحك."
تراجع إيشآن لفوره عند سماع تلك الكلمات. لابد أنه ظنّ نفسه خفيّاً أثناء استلال سلاحه. ويا لأسفه. لم تستطع أفعاله الإفلات من وعي زيك المكاني التام. بحركة واحدة متسرعة. سحب إيشآن السوط من عموده الفقري. حيث دأب على إخفاء سلاحه.
سخر إيشآن: "أيها المغرور المتغطرس. لا أدري ما الذي منحك الثقة لتحدّيي. لكن اعلم أنه خطأ جسيم. والآن. نادِ سحليتك البائسة لننهي هذا."
كان جليّاً أنه شعر بثقة أكبر بكثير وسلاحه في يده.
هزّ زيك رأسه بتجهم واثق: "لن أكون بحاجة إليه لأجل فرخ مثلك."
بطبيعة الحال. كانت تلك كذبة. ودّ لو يستدعي التنين حقاً. لكن استحالة أن يمنحه إيشآن تلك الفرصة. فخلافاً للمستدعين الحقيقيين. استغرق الأمر منه نحو نصف دقيقة لإلقاء تعويذة تجسد الدم.
هس بين أسنانه المطبقة: "إذن ليكن ما تشاء."
وأثناء تفوهه بتلك الكلمات. طرأ تغيير على جسده. من ركبتيه وكتفيه وأضلاعه وقدميه. انبثقت صفائح عظمية بيضاء. نبتت كالفطر بعد مطر الربيع الأول. لم يمر وقت طويل حتى غطى جسده بالكامل درع أبيض أملس. تلألأت عينا زيك باهتمام. لقد علم أن سحرة العظام يُعدّون المقاتلين ذوي الدفاع الأقوى. لكنها المرة الأولى التي يرى فيها درع العظام الأسطوري رأي العين. كان أشد إبهاراً بكثير مما تخيل.
من الرأس حتى أخمص القدمين. لم تُكشف أي بقعة من بشرة إيشآن. وحتى المفاصل كانت مغطاة.
أثنى بإخلاص: "هذا مثير للإعجاب حقاً."
دون إهدار مزيد من الوقت. غيّر زيك شكل ساعده الأيمن. البناء السحري الذي اتخذ شكل نصل. استطال ليصبح سوطاً. لوّح به بخفة ليختبر ملمس سلاحه المفضل. انطلق سوط الدم خاطفاً. مخترقاً الحجر المحيط كسكين حار في زبدة.
قال إيشآن وصوته متحول بشكل ملحوظ بفعل الدرع الذي خفّض طبقته وأضفى عليه رنيناً مرعباً: "إذن لم تكن تكذب في ذلك الحين. حسناً. فلنكتشف إن كنت حقاً تحسن التعامل مع السوط."
بنفضة خفيفة من يده. دُبّت الحياة في سوط العظام والتهم المسافة بينهما. بالكاد أتيحت لزيك الفرصة للتحرك قبل أن يبلغها السلاح. أمال عنقه إلى اليسار. فأخطأ السوط رأسه بفارق ضئيل. بيد أن اللحظة التالية شهدت تغير مسار الحبل الملتوي. محيطاً به كأفعى. اتسعت عينا زيك مدركاً أنه لم يعد هناك مكان للفرار. قبل أن يكتمل انغلاق الشباك حوله. انتقل زيك آنياً. ظاهراً إلى يسار خصمه. مستغلاً عنصر المفاجأة.
سدد ضربة بسلاحه الخاص. بدا أن إيشآن لم يتوقع هذا التطور. إذ جاء رد فعله متأخراً بنبضة. ابتسم زيك بضراوة حين اصطدمت ضربته بعنق إيشآن بكامل القوة. لكن فرحته لم تدم طويلاً. عوضاً عن شق خصمه. التف السوط حول عنق إيشآن دون أن يترك خدشاً. شدّ زيك الحبل بقوة. مصمماً على حرمان خصمه من الأكسجين على الأقل. لكنه فشل مرة أخرى.
سأل إيشآن باسترخاء: "أتلكم هي ورقتك الرابحة؟"
وإن كان للسوط الملتف حول عنقه أي أثر. فلم يكن ليبديه.
"إذن. كنت تخفي تقارب مكان، ها؟ حسناً. لن ينقذك إن كان هذا أقصى ما تستطيع فعله."
قطب زيك جبينه وجذب المقود بأقصى ما أوتي من قوة. بيد أن إيشآن لم يبرح مكانه. وحتى حين وظف ظهره بأكمله في الجهد. عجز عن إحداث أي حركة في خصمه. شعر زيك كأنه طفل يصارع رجلاً كامل النمو. سخر إيشآن.
ولوّح بمعصمه مرة أخرى: "مثير للشفقة."
أُجبر زيك على التخلي عن قبضته على حلق إيشآن. سال سوطُه سيلاً لبرهة ليفك طوقه قبل أن ينطلق للقاء الهجمة. اصطدم السلاحان. توقع زيك أن يتبادلا الاشتباك أو يتقاطعا في المواجهة. غير أن ذلك لم يحدث. فبدلًا من ذلك. شق سوط العظام سلاحه الخاص بلا أي مقاومة. انتقل زيك آنياً مرة أخرى. منقذاً نفسه في اللحظة الأخيرة. ظهر في موقعه السابق مرة أخرى. وقطبة عميقة تزين جبينه. كان هذا مزعجاً أكثر بكثير مما توقع.
لم يكتفِ درع إيشآن بامتصاص هجماته بسهولة فحسب. بل إنه لم يقوَ حتى على تبادل الضربات بسلاحه.
تحدّاه إيشآن: "كم مرة يمكنك فعل ذلك؟"
كشر زيك في مرارة. كان مدركاً تماماً أنه لا يستطيع الاعتماد على الانتقال الآني إلى الأبد. فالتعويذة تلقي عبئاً كبيراً على جوهره. على الأقل. سيتعب أبكر بكثير من إيشآن الذي لم يكن مضطراً لإنفاق أي مانا في الهجوم. عليه التفكير في أمر ما... وسريعاً.