استيقظ زيك من نومه العميق على إحساس غريب. فتح عينه ليصطدم بنظرتي كرة خضراوين فضوليتين. إنها سوريا. كانت الفتاة تنحني فوقه وتتأمل وجهه باهتمام بينما تنخس خده بخفة. فزع زيك وأبعد يدها بصفعة.
"ماذا تفعلين؟"
لم تجب سوريا فوراً. بل سبرت أغوار عينيه. لمعت حيرة خفيفة في نظرتها جعلت زيك يتساءل عما يدور في خلد الفتاة. لكنه لم ينتظر طويلاً حتى أفصحت عن شكها بعد لحظات قليلة.
"…يا سيّدي؟"
سألت ونبرتها تتقاذفها الحيرة والتردد. سقط فك زيك.
"بماذا ناديتني للتو؟"
"أ… أنت سيّدي، إزيكيال؟"
أعادت الفتاة سؤالها. رمش زيك وهو لا يدري كيف توصلت إلى هذا الاستنتاج.
"ما الذي يجعلك تظنين ذلك؟"
صمتت سوريا برهة لتجمع أفكارها. غير أنها هزت رأسها بيأس بعد قليل.
"لا أعلم، إنه… إنه مجرد إحساس."
دفعها زيك بخفة ليبعدها مطالباً إياها ببعض المساحة. وما إن اعتدل في جلسته حتى شرع يفكر في هذا الوضع.
"أتعلمین شيئاً، أكاشا؟"
[Answer]
لا يمكنني الجزم بشيء حتى الآن. لكن ينبغي أن يكون معرفة ما إن كانت على صواب أمراً يسيراً.
أومأ زيك. لقد خاطب برده شظية الروح إليها ولم يكن يدري بعد ما ستكون العواقب. عليه في الوقت الحالي التأكد مما يستطيع.
"أريد إجراء تجربة بسيطة يا سوريا. أيمكنك محاولة مقاومة أمري التالي؟"
قال زيك منتظراً أن تومئ الفتاة.
وما إن نال موافقتها حتى تحدث بأكبر قدر استطاع حشده من السلطة: "امشي نحو ذلك الجدار!"
نهضت سوريا فوراً وسارت إلى الجدار الذي أشار إليه. بَهِتَ زيك تماماً. كان واضحاً من تعبيرات وجهها أنها تحاول المقاومة. بيد أنها لم تملك شيئاً لتوقف به نفسها. هل… صار سيّدها؟
"أخفقت في إعادة الشظية؟"
سأل زيك لا أحد بعينه.
[Answer]
سلبي. ما زالت هناك ثلاث شظايا فقط في روح المضيف.
"إذاً كيف تفسرين هذا؟"
سأل زيك مشيراً بذقنه إلى الفتاة التي كانت ترمقه بعينين واسعتين.
[Answer]
غير واضح.
عصف الذعر بعقل زيك. لا بد أنه نجح في إعادة الشظية. ودليل ذلك أنها لم تعد داخل روحه ومع ذلك ما زالت الفتاة حيّة. ما من مكان آخر يمكنها أن تكون فيه، فالروح لا تستطيع البقاء من دون أن ترسو في جسد. لكن إن كان قد أرجعها إليها فلماذا ارتبطت به إذن؟
"مذهل"
تمتم. لكن الوقت ليس مناسباً للتفكير في هذا الأمر إذ لاحظ زيك تعابير الفذع ترتسم على وجه سوريا. كان جلياً أن توجسها المتنامي ينبع من حيرته البادية. تخحن زيك مغيرًا تعابير وجهه إلى الانتصار.
"إذن نجح الأمر بعد كل شيء"
أعلن بثقة. لم تتقاعس سوريا عن ملاحظة تبدل هيئته. ورغم أنها ما زالت تبدو مرتابة فقد اقتربت وجلست أمامه.
"ماذا فعلت؟"
سألت الفتاة.
"حسناااااااء..."
قال زيك بدراماتيكية ماداً الكلمة.
"وجدت أنه من العار طردك بعد أن تعارفنا. لذا غيرت رأيي ولم أمحُ ذكرياتك. بل جعلتك قادرة على حفظ سري والبقاء هنا."
اتسعت عيناك سوريا.
"أ… يمكنك فعل شيء كهذا؟"
أومأ زيك بثقة رافعاً ذقنه قليلاً.
"لعبة أطفال"
تفاخر بوقاحة. بالطبع كان هذا التصرف المتعجرف لإعادة الطمأنينة إلى قلب الفتاة بأن الأمور تسير وفق المراد. لن يصح أن تكتشف أنه لا تملك أدنى فكرة عما يفعله. لحسن الحظ لم تخترق سوريا تمثيليته. بل تهلل وجه الفتاة حماسة.
"يعني هذا أن بإمكاني البقاء هنا؟"
"بالطبع. أيّ سيّد سأكون لو أرسلتك للقتال بينما أجلس بلا عمل؟"
أمالت سوريا رأسها.
"أليس هذا ما يفعله السادة عادة؟"
وجد زيك نفسه عاجزاً عن الكلام. لم يستطع إنكار صحة ملاحظة سوريا، فتلك تماماً كانت وظيفة الخدم. ولمّا لم يجد مخرجاً آخر لجأ إلى خياره الأخير.
"أيتها الفتاة الوقحة! كيف تعترضين على سيّدك!"
وبّخها بغضب مصطنع.
"عقاباً لكِ أطالبك بالذهاب وممارسة تقنية تنفس المانا في تلك الزاوية هناك."
فزعت سوريا للحظة لكنها ما إن لمحت البريق في عينيه حتى قهقهت بمرح.
"أنا آسفة ججججداً يا سيّد. لن تتكرر."
ورغم أن اعتذارها لم يحمل ذرة صدق فقد انصاعت لأوامره وتوجهت إلى الزاوية التي حددها. راقبها زيك وهي تخطو بخفة وأطلق تنهيدة ارتفاق خفية. لم يعد هناك أثر للخوف على وجهها الآن. لقد نجح في هذا على الأقل. حان وقت اكتشاف ما حدث حقاً.
"نظريات؟"
[Answer]
توجد تفسيرات محتملة عديدة لهذه النتيجة. لكنني أرى خيارين مرجحين بقوة بينها: أولاً، ربما جرى ربط الموضوع قسراً بأقرب فرد حيّ عند استعادة المضيف للشظية. ثانياً، ربما رُبط الموضوع بآخر شخص تواصل مع الشظية.
وزن زيك كلا الخيارين بعناية. لم يكن متأكداً تماماً لكن التفسير الثاني بدا أكثر رجاحة بكثير. وفقاً لفهمه للروح فلن تربط نفسها ببساطة بشخص قريب بلا سبب وجيه. غير أنه أبعد هذا التفكير سريعاً. لم يكن فهم تفاصيل العملية هو الأهم في هذه اللحظة. بل كان عليه التركيز على تبعات الوضع القائم. من الناحية الإيجابية قلل هذا التغيير من أحد أبشع آثار عقد الرقيق: الرقيق الذي يُستعاد جزء روحه لن يواجه بعد الآن خطر الموت عند هلاك سيّده.
العيش بموجب ترتيب كهذا يعني الاستعداد المستمرة للموت في أي لحظة بلا سبب ظاهر. من الناحية السلبية ودون توفر جزء روح للنقل لم يعد بالإمكان تغيير ملكية العقيق. ونتيجة لذلك ستظل سوريا مربوطة بزييك إلى الأبد بغض النظر عن رغباته أو نواياه. على العموم كان زيك مسروراً للغاية بهذه النتيجة. قد لا يعادل هذا إلغاء العقد بالكامل لكنه اقترب من ذلك كثيراً. فبعد أن يأمر الفتاة بفعل ما تشاء فهذا يعادل منحها حريتها.
ومكافأةً على ذلك لن يستطيع أحد استعبادها بعد الآن. كان زيك يفكر بحماسة في إمكانيات هذا الاكتشاف. وكان يخطط بالفعل لفعل الشيء نفسه مع آش وفولكانوس وغرافيتاز. فهو لم يكن يرغب في هلاكهما إن حدث له مكروه. بالطبع لم تكن لديه خطط للموت قريباً لكن العيش هكذا دون معرفة إن كانوا سيسقطون موتى بغتةً لا بد أن يكون مرعباً بالنسبة لهم. بعد ذلك نظر زيك فيما يعنيه هذا لخططه الفورية.
إن كان بمكانه سرقة جزء واحد من رئيس السحرة فما الذي يمنعه من سرقة الأجزاء كلها؟
قال: "كم من الوقت قضيت في الخارج المرة الماضية؟"
[الرد]
غادر المضيف جسده لمدّة 8 ساعات و32 دقيقة و22 ثانية.
قطب زيك ما بين حاجبيه. مرّ وقت طويل، أليس كذلك؟ تنهد مقراً بأن إنقاذ الرقيق بهذه الطريقة غير مجدٍ. حتى عند طرح الوقت المستغرق في البحث عن الأجزاء ووضع الاستراتيجيات فستحتاج كل محاولة إلى عدة ساعات. علاوة على ذلك سيضطر للراحة بعد كل محاولة. لا، لا يمكنه إنقاذ أكثر من بضع ارواح بهذه الطريقة. وما زال عليه إنجاز مهمته الأساسية: إضعاف روح رئيس السحرة… لكن هذا لا يعني أنها عديمة الفائدة تماماً.
لمعت عينا زيك ببريق غريب.
قال: "كم من الوقت الباقي قبل انقضاء الأسبوع يا أكاشا؟"
[الرد]
تبقي 4 أيام و14 ساعة و56 دقيقة و11 ثانية.
غرق زيك في تفكير عميق. لكن كلما طال هذا الحال ارتفع زاوا روحه تدريجياً. هذا هو. لقد وجد أتباعاً وسيلة لجسر الفجوة بينه وبين رئيس السحرة.
* * *
خلال الأيام القليلة التالية أمضى زيك معظم وقته منغمساً في هيئة روحه بينما كانت سوريا تتدرب على تقنية تنفس المانا. لم يتواصل الاثنان إلا أثناء وجباتهما اليومية. وخلافاً لما ظنه زيك بدت راضية تماماً عن هذا الترتيب ولم تضايقه. بين جلسات تأملها قضت سوريا وقتها جالسة عند حافة المخبأ تستمع إلى أصوات المناوشات الدائرية في الأسفل. تحول الوضع في الحفرة إلى فوضى عارمة حيث قُتل أو أُصيب بجروح بغليظة ما يقرب من نصف السكان الأصليين.
ومع ذلك بدت سوريا غير آبهة نسبياً. بدا أن حياتها في المدينة السفلية قد جهزتها لمواجهة مثل هذه المشاهد المروعة بدرجة من الصمود. قبل أن يدرك مرّت أربعة أيام هكذا. عاد زيك من رحلته الأخيرة وأخذ نفساً عميقاً. لقد احرز تقدماً ملحوظاً خلال اليومين الماضيين قاطعاً روح رئيس السحرة بلا توقف. بحلول ذلك الوقت أبح رئيس السحرة يدرك أن شيئاً ما ليس على ما يرام. بل إنه أرسل مرؤوسيه لاستدعاء شتى أنواع الأطباء.
ومع ذلك لم يستطع أي من المتخصصين المستدعين تحديد علّته. لكن هذا كان أقصى ما يمكن لزييك بلوغه باستخدام هذه الاستراتيجية. في الآونة الأخيرة أصبح التسلل إلى الروح أكثر صعوبة بكثير. وكان هذا نتيجة مباشرة للضرر المتراكم الذي ألحقه وعلامة على رفع الروح لحذرها. كان زيك يعلم تمام العلم أنه لن يستطيع دخول روح رئيس السحرة إلا مرة أو مرتين أخريين قبل أن يُقطع عنه نهائياً. لم يكن أي من هذا غير متوقع.
كان يعني فقط أن الوقت قد حان لبدء المرحلة التالية من خطته. مشدداً عزمه المتعب دخل زيك في هيئة روحه مرة أخرى. وبعد صراع استمر لفترة تمكن من استخدام نقطة الدخول شبه المنهارة للولوج مرة أخرى. لكن هذه المرة ستكون مختلفة. بدلاً من تدمير بضعة ذكريات بتخفٍ انطلق زيك في هياج عارم. بدأ يستهلك روح رئيس السحرة بلا توقّف. كانت الآثار فورية. كأن الروح كانت تصرخ ألماً تحت هجومه الشرس.
ومع ذلك لم يستغرق الأمر طويلاً حتى ردّت الروح المصابة. لم تتاح لزييك حتى فرصة المقاومة قبل أن تتدمر رابطة روحه بالكامل. مفزوعاً وجد نفسه عائداً إلى جسده وقد غطى العرق جبينه.
تمتم هازاً رأسه: "حسناً، بدا ذلك مقرفاً".
[إشعار]
ألحق المضيف ضرراً جسيماً بالروح المعارضة. نجحت الخطة.
أومأ زيك برأسه، واثقاً من إتمام تجهيزاته كافة. لقد ضجر منذ زمن طويل من هذا المكان البغيض، وكان يرتقب رحيله بشغف. لم يبقَ عليه الآن سوى الصبر لفترة قصيرة أخرى.
نادى بصوت خفيض: "سوريَا".
رفعت الفتاة رأسها بفزع، وكانت منغمسة في تمارين التنفس.
قال: "سأغادر بعد قليل".
سألت: "إلى أين أنت ذاهب؟".
ابتسم زيك بخبث، رافعاً إصبعاً واحدة ومشيرأ بها إلى الأعلى.
قال بغموض: "سأذهب في نزهة. لكن لا تقلقي. سأعود بعد قليل".
رمقته سوريا بعينين جاحظتين. بيد أنه قبل أن تتمكن الفتاة من الردّ، بلغ أسماعهم صوت قرقعة مألوفة لكراب يدوي، يرافقه صرير جرس مزعج.
نادى صوت مبتهج من الأعلى: "وقت الطعم!".
تحولت ابتسامة زيك إلى ابتسامة مفترس. لقد كان توقيته مثالياً. أخيراً، سيتمكن من فعل شيء طالما تطلع إليه مطولاً....