[الجواب]
متأكد أنت، أيها المضيف؟
"ماذا تقصد؟"
سأل زيك بحيرة. لم يكن معتاداً البتة أن تشكك أكاشا في قراراته.
[الجواب]
في الماضي، أبدى المضيف ممانعة ملحوظة في التقدم بهذا المسار.
كشر زيك، مقراً بصحة الأمر. خيار استخدام سحر الروح صُمم في الأصل ليقين طارئ، يُحفظ للاستخدام فقط إن فشل كل شيء سواه. مع ذلك، بعد ساعات معدودة، وجد نفسه مستعداً للشروع في هذا المسار. صمت برهة، معيداً تقييم قراره بعناية مرة أخرى. تنفَس بعمق، مستنداً بظهره إلى جدار الحصن الحجري الأملس تماماً ومغمضاً عينيه. حين فتحهما مجدداً، كان في عالم مكتبة عقله — موطن أكاشا. أمامه، محاطة بمدى شاسع لا ينتهي من البياض، جلست شابة ذات شعر أبيض وعينين زرقاوان وجسد ممشوق.
هيئة أكاشا المختارة كانت مزيجاً من أجمل النساء اللاتي رآهن زيك قط. للحظة، سرق المنظَر أنفاسه.
[حرق أحداث]
استعاد توازنه في الحال وتذكّر غايته من المجيء.
قال: "أنا متأكد يا أكاشا. أخبريني".
قالت أكاشا بصوتها الرتيب كعادتها: "يجب أن يحدد السيّد ما يطمح إلى تحقيقه بهذا".
غرق زيك في التفكير. لم يكن متأكداً تماماً ممّا يمكن بلوغه بسحر الروح فلم يكن لديه هدف محدد بعد. مع ذلك كان إلحاق أكبر ضرر ممكن بكبير السحرة أمراً حتمياً إن أراد منح فريقه فرصة.
قال: "ما أكبر ضرر يمكننا إحداثه دون كشف أمرنا مبكراً؟".
أغمضت أكاشا عينيها وتمتمت صامتة: "جاري الحساب — عشرة بالمئة... خمسة عشر بالمئة... خمسة وثلاثون بالمئة... اثنان وستون بالمئة... أربعة وثمانون بالمئة... سبعة وتسعون بالمئة... اكتمل الحساب — حُدّدت خطة الهجوم المثلى".
مال زيك إلى الأمام بحماس متشوقاً لمعرفة ما توصلت إليه. فتحت بعد لحظ صافي عينيها الزرقاوان ورمقته بتركيز.
"حُدّد نهج استراتيجي بأعلى احتمالية نجاح. غير أن افتراضات أساسية عديدة تعتمد على التخمين بلا دليل عملي. هل يرغب السيّد في المضي قدماً؟".
قال زيك: "لا تهم. لم أكن أتوقع غير ذلك نظراً لقلة خبرتنا العملية. أخبريني بما لديك فحسب".
قالت أكاشا: "حسناً. تبيّن أن النهج الأمثل هو التخلق المتعمد لعدم تناغم بين الروح والجسد".
ارتفع حاجبا زيك. عدم تناغم بين الروح والجسد؟ لم يسمع بهذا المصطلح قط وكان واثقاً تماماً أن أكاشا اختلقته للتو.
قال: "أتوضحين لي؟".
أومأت أكاشا برأسها.
"أكد السيّد مسبقاً أن الروح تتألف من تجميعة خبرات توثق كل لحظة من حياة المرء. أليس كذلك؟".
قال زيك: "هذا صحيح. حين... استهلكتُ روح الجاسز صدفة تدفقت ذكرياته إليّ. بينما تناقص جوهره بمقدار مساوٍ".
ظلّ أسلوب كلام أكاشا هادئاً تماماً رغم تردده واضطرابه الواضح حيال هذا الأمر.
"أعتقد أن السيّد أصدر حكماً دقيقاً بشأن تلك التجربة. غير أن عنصراً حاسماً مفقود".
طلب زيك بحدة: "أنيريني".
لم تكن ترويه الوجهة التي اتخذها النقاش فهذه الذكرى تبقى إحدى أشد تجاربه هلعاً.
أجابت أكاشا دون أن تأبه لحالته العاطفية البتة: "حسناً. العنصر الحاسمون الذي غفله السيّد هو موت ذلك الرجل".
قطّب زيك حاجبيْه. تحول اضطرابه ببطء إلى فضول وهو يستعيد الحدث. بفضل استرجاعه الحسي التام لم تتشوه رواياته للأحداث ولم تضِع. عُرضت لحظة تلت ذلك في الهواء بين زيك وأكاشا مشهد زنزانة سجن. كانت نسخة مصغرة مجسدة لإحدى ذكرياته. جلس في المشهد شخصان قبالة بعضهما بلا حراك تماماً. أحدهما شاب بشعر أحمر قانٍ والآخر شخص مشوه بقبح رُبط إلى كرسي معدني. كانت تلك اللحظة التي سبقت استنزاف زيك لروح الرجل مباشرة.
مع ذلك لم يستطع سوى مراقبة مجريات العالم البشري لا التفاعل بين الأرواح. مع ذلك كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها فعلياً كيف مات ذلك الرجل إذ لم يواجه من قبل سوى العواقب. راقب زيك مشهد تواجه الشخصين بفضول مريض. لم يستغرق الأمر طويلاً ليُبدي السجين رد فعل. بدأ وجهه يتشنج أولاً. ثم أخذ جسده كله يختلّ. وبدات صرخاته تفلت بلا كبح بعد لحظات قليلة فحسب. لا بد أن هذه كانت اللحظة التي استدعى فيها الحراس داوود.
لكن ما حدث تلا ذلك كان غير متوقع تماماً: عاد الصمت إلى الغرفة. تحول السجين من الارتجاف العنيف والصراخ إلى السكون التام في ومضة. بدا جلياً أنه قد مات. ومع ذلك لم تظهر أي علامة على استيقاظ زيك. بل ظل الشاب في التسجيل جالساً بسلام وما زالت عيناه مغمضتين. ولم يُفق من غشوته إلا بعد عدة دقائق حين جاء داوود ليهزه مستيقظاً. رفع زيك بصره عن التسجيل والسؤال مرتسم بوضوح في عينيه.
قال: "هذا غريب. أتذكر أنني كنت ما زلت أستنزف روحه حين أيقظني داوود".
أومأت أكاشا بتعبير خالٍ من التعبير.
"أظن ذلك صحيحاً. مع ذلك يجدر التنويه إلى أن ذلك الفرد كان قد قضى قبل ذلك بكثير".
"مثير للاهتمام".
إن صح هذا فهذا يعني أنه بطريقة ما حبس روح الرجل في مكانها حتى بعد موته. ولم تكن تلك الدلالة الوحيدة الجديرة بالذكر. رمق أكاشا بنظرة.
"ما الذي قتله فعلياً؟".
ابتسمت أكاشا مما جعله يذهل مرة أخرى. كانت المرة الأولى التي يراها تعبر عن أي نوع من المشاعر. وخلافاً لما ظنّه بدا التصرف طبيعياً تماماً على وجه الفتاة عديمة المشاعر عادة.
أوضحت أكاشا باختيال: "عدم تناغم بين الروح والجسد".
"عذراً؟".
أعادت أكاشا: "عدم تناغم بين الروح والجسد. هذا ما تسبب في هلاكه".
قال زيك وهو يستعيد وعيه ببطء: "لا أعرف هذا المصطلح".
أومأت أكاشا برأسها.
"إنها كلمة ابتكرتها لأصف هذه الظاهرة. أتعجب السيّد؟".
أمال زيك رأسه وهو يتأمل أكاشا باهتمام. برقت في عينيها ومضة غريبة تشبه فرخ طائر يتوسل أمه الطعام.
"ما رأيك أن تصفِي لي الظاهرة أولاً؟".
قالت أكاشا وهي تعود لتعبيرها الهادئ: "حسناً. تحدث هذه الظاهرة حين يرفض الجسد روحاً لعدم تعرّفه عليها كجزء من النظام بعد الآن. يشبه الأمر مقاومة الجسد لعدوى ما".
نظر إليها زيك مندهشاً.
"هذا ما قتله؟ جسده بنفسه؟".
أعلن الطيف: "إنه التفسير الوحيد المتوافق مع الحقائق".
كانت أكاشا على حق. لا مفترض أن تظهر مشكلة بفقدان الروح أجزاءً بطريقة أخرى. لا يختلف الأمر عن العودة إلى الماضي للحالة التي سبقت صنع تلك الذكريات. استطاع أيضاً الجزم بأن إزالة الذكريات لم تكن ضارة بطبيعتها إذ جرب تلك الفكرة بما فيه الكفاية. بل إنه فصل جزءاً صغيراً من روحه ليتسلل إلى كبير السحرة في وقت سابق اليوم.
طلب بإلحاح: "أخبريني بالمزيد عن... عدم التناغم هذا".
بدت أكاشا مسرورة لسماع زيك يتبنى المصطلح الذي اخترعته.
وأوضحت قائلة: "تحدث الظاهرة بدرجات متفاوتة من الشدة. غير أنه حتى بعد فقدان أدنى جزء من الروح يتفاعل الجسد سلباً".
رفع زيك حاجبه وبدا كمن سيترض. لكن أكاشا تابعت قبل أن يفلت بكلمة واحدة.
"نعم، يحدث هذا في كل مرة يرسل فيها السيّد مسبار روح أيضاً. غير أن الجسد يتأقلم بسرعة في تلك الحالات. ولن يتجلى عدم التناغم سوى في شعور عابر بالاضطراب".
أطبق زيك فمه.
"كلما تكرر هذا كانت التفاعلات أشد. في الحالات التي تتلاشى فيها أجزاء من الروح باستمرار طوال مدة طويلة يُتوقع أن يبدأ الجسد في إظهار علامات مرض مثل الصداع والشداع النصفي والخمول..."
قاطعها زيك: "انتظري لحظة. إن كان الانفصال بين الجسد والروح مشكلة خطيرة هكذا فلم حاول التنين سرقة جسدي؟ ألم يكن لينتحر بفعلته تلك؟".
أجابه صوت عميق وهادر قادم من مكان ما في العدم بدل أكاشا: "أأقتل نفسي؟ بذلك الجسد المثير للشفقة؟ لا أظن ذلك".
سأل زيك: "لم لا؟".
أوضحت أكاشا بدلاً من التنين: "إن كانت الروح أقوى بكثير من وعائها أمكنها قهر مقاومة الجسد بسهولة. علاوة على ذلك، كان السيّد لا يزال ساحراً مبتدئاً في تلك النقطة من الزمن. ويمتل هذا أهمية لأن الارتباط يزداد مع كل ترقٍ إذ يترابط الجسد والروح ترابطاً وثيقاً بمستوى كبير السحرة".
"ألا يعني هذا أنه سيكون أصعب بمراحل إلحاق الضرر بروح كبير السحرة؟ أَوَنستطيع قتله أصلاً؟".
صرحت أكاشا: "من المستبعد جداً أن ننجح في إزهاق روحه مستخدمين هذه الطريقة. فالارجح أنه سيقاوم قبل أن نبلغ تلك المرحلة بكثير".
سأل زيك: "إذن ما مغزى هذا كله؟ ألم يكن أفضل إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر وبأسرع وقت بدلاً من ذلك؟".
قالت أكاشا: "خطأ. خَلَصْنا إلى أننا نستطيع جلب ضرر أكبر عبر تآكل روحه تدريجياً مع الوقت".
سأل زيك بشعور متصاعد من الرهبة: "ثم ماذا؟".
ردت أكاشا بلا مبالاة: "سيتعين على السيّد القضاء عليه في العالم الحقيقي".
انفجر زيك: "أجننتِ؟".
أمالت أكاشا رأسها.
"خطأ. عملياتي الإدراكية عقلانية ولم تُرصَد أي شذوذات".
أدار زيك عينيه.
"إذن أخبريني كيف يمكنني فعل ذلك. حتى كبير السحرة الضعيف يمكنه قتلي بصفعة".
أكدت أكاشا بثقة: "هذا غير صحيح. مع ذلك، صحيح أنه من المستبعد أن يخرج السيّد منتصراً في مواجهة حتى أمام كبير سحرة ضعيف".
"إذن؟".
قالت أكاشا: "…سيتعين على السيّد التفكير في شيء لردم هذه الفجوة".
حدق زيك فيها مطولاً وارتسم على وجهه مزيج من التكذيب والغيظ. أي خطة كانت هذه؟ لكن كلما أمعن التفكير هدأ. كانت أكاشا على حق. لم تكن هذه مشكلتها لتحلها بل مشكلته هو. لقد دلته على الطريق بالفعل مانحة إياه أفضل الاحتمالات الممكنة. وإن عجز عن اجتياز هذه العقبة الأخيرة وحده فلا مجال له ليكون هنا. أخذ نفساً عميقاً وأعاد صفاء ذهنه.
وعد زيك وإحساس بالغثيان يستقر في قاع معدته: "أنتِ على حق يا أكاشا. أخبريني كيف أبدأ فحسب وسأ... أفكر في أمر ما".
لم يكن يملك سوى الأمل في أن يكون على قدر تلك التوقعات فعلاً. ففي النهاية، قد يعتمد حياته عليها.