لم يتحرّك زيك ولم يأتِ بأي حركة. إن حُكم على هيئته وملامحه وحدها لظنّ المرء أنه في غاية الهدوء. غير أنه كان عكس ذلك تماماً في باطنه. كان عقله يعتمل بالخواطر. أتوجه إليه الكشف أخيراً؟ استقام كل شيء في ذهنه. لا بد أن هذا الوضع كان فخاً. طالما شعر زيك أن الأمر برمته سار بسلاسة مفرطة. لكن قبل أن يتسنى له تدبّر ما فعله الآن تحرك إيشان.
قال بوعيد: "أيها الجميع، آمركم بمغادرة دائرة الطقوس فوراً".
وفي الوقت ذاته تحدث كبير السحرة أيضاً.
"آمركم بالبقاء مكانكم".
فرغ عقل زيك تماماً. ما هذا الهراء؟ غير أن الغاية من هذا التدريب تجلت في اللحظة التالية حين تعثر نفر من الناس خارجين من دائرة الطقوس. علت وجوه المجموعة المؤلفة من خمسة أشخاص تعابير الرعب وهم يحاولون مقاومة الأمر. لكن بلا جدوى. عجز العبيد رغم هلعهم الشديد مما تقترفه أيديهم عن فعل أي شيء لثني أنفسهم عن الطاعة. أدرك زيك الموقف على الفور. تظاهر أولئك الخمسة بالموافقة على نقل العقود قبل أن يعمدوا إلى تخريب الطقوس عمداً.
لم تكن لديه دراية تامة بما أملوا جنيه من هذا التمرد الصغير لكن نظرة عيني كبير السحرة أنبأت بأنه سيدفعون ثمناً باهظاً نظيره.
قال الرجل بنبرة خفيضة ومخيفة: "يا إيشان، أنت تعرف ما يجب عليك فعله".
قال إيشان والبهجة واضحة في عينيه: "حاضر يا سيّدي!".
ثم التفت كبير السحرة إلى بقية العبيد.
"العصيان لن يُسامح عليه. إن عصيتم أوامرّي أو أوامر رجالي عن علم فلا عقاب سوى عقاب واحد".
وفي تلك الأثناء أمر إيشان المعنيين بالأمر بالركوع. لم يكن أمامهم خيار سوى الطاعة لكونهم ما زالوا مرتبطين بعقود معه. رأى زيك الدموع تتجمع في عيني أول الواقفين في الصف. كان رجلاً خشناً وعل وجهه أكثر من ندبة. بيد أنه بدا في هذه اللحظة خائفاً كطفل. انهمرت الدموع بغزارة من عينيه المذعورتين وهو يسمع خطوات إيشان تقف خلفه.
تجهم زيك. أدرك تماماً ما سيحدث. بدا الأمر ذاته على بقية العبيد إذ حولوا أنظارهم معاً.
صرخ الساحر الأكبر: "انظروا!"
عادت كل الرؤوس إلى المشهد المعني في حركة واحدة. تماماً كما عجز العبيد الخمسة الراكعون عن عصيان أمر مباشر من إشايان، أُجبر الآخرون بالطريقة نفسها على تلبية أوامر الساحر الأكبر. استمتع إشايان بالاهتمام بوضوح وهو يستعرض مهارته عمداً. ضرب الهواء بسوطه عرضاً مصدراً طقطقة عالية مع كل تلويحة. لم يكن هذا المنظر غريباً على زيك، فقد دائم هذا الرجل استخدام هذا النوع من الأسلحة في عرين الأسد.
مع ذلك، كانت الأداة التي استخدمها اليوم مختلفة تماماً عن ذلك الوقت. بدلاً من الحبل، صنع السوط من عدد لا يحصى من قطع العظام المتشابكة. أدرك زيك متأخراً أن إشايان لابد أنه استخدم تعويذة لاستحضاره. كساحر عظيم ذي تقارب مع العظام، كان شيء كهذا ممكناً بالنسبة إليه. تأمل السلاح بتعبير ازداد قبحاً. كشخص يستخدم السوط أيضاً، استابن فوراً الوظيفة الأساسية لهذه الأداة. على عكس سلاحه المصمم للمنفعة، صُنع سوط إشايان لغاية واحدة — إيقاع الألم.
ستبدو قطع العظام كأنها أسنان تعض في اللحم، بينما تنتزع الخطاطيف والمخالب الكثيرة كتلًا من اللحم مع كل تلويحة. عجزت الشخصيات الراكعة عن رؤية ما يدور خلفها، لكن طقطقات السوط المتكررة مع تعابير الرعب على وجوه العبيد الآخرين رسمت صورة واضحة. في هذه اللحظة، تحول حتى أصلب الخمسة إلى كتلة تبكي. حاول الكثيرون بين المتفرجين إغلاق أعينهم، رافضين رؤية هذا المشهد المروع. مع ذلك، حُرموا حتى من هذه الرحمة الصغيرة، إذ طلب الأمر صراحةً منهم أن ينظروا.
أخيراً، اكتفى إشايان من استعراضه وشرع في مهمته البشعة. رفع ضربته أكثر من ذي قبل وبقوة حصان منطلق ضرب الرجل الأول على ظهره. جاءت النتيجة أسوأ مما توقع زيك. لم يكن هذا السوط مجرد سلاح بل كينونة حية تملؤها الخبث والقسوة. لم يصرخ الرجل حتى حين ضُرب؛ بل اكتفى بالرقود هناك، مشلولاً من الصدمة. تعرض لضربة واحدة فقط، ومع ذلك بدت إصاباته بالغة لدرجة تبدو فيها كأن وحشاً برياً افترسه.
بدأت الصرخات فقط عندما هبطت الضربة الثانية. كان صوتاً مثيراً للشفقة، يفتقر إلى أي قوة. ورغم ذلك، نُقل اليأس والألم تماماً من خلال نحيبه الهادئ. شعر كل الحاضرين بألم الرجل يصدح في عظامهم ذاتها. كاد زيك يعجز عن تخيل ما دار في عقول الرجال الأربعة الباقين في تلك اللحظة بالذات. لابد أن الرعب المطلق وانعدام الأمل في وضعهم الحالي تجاوزا أي شيء يمكنه تصوره، إذ لم يترك لهم خيار سوى الاستماع إلى صرخات رفيقهم المتلاشية وهم ينتظرون المصير ذاته ليحل بهم.
تذكر زيك فجأة اليوم الذي غادر فيه الإمبراطورية. تذكر اللحظة ذاتها التي جاء فيها البطاركة لاعتقال ماكسيميليان. لم يكن سبب تذكره لذلك المشهد اهتمامه البالغ باولئك الكيميروي الراكعين. فهو في النهاية للتو التقى بهم، ولا صلة لحياتهم وموتهم به. ومع ذلك، بدا الوضع مألوفاً بشكل مخيف. مرة أخرى، وجب عليه تحمل عجز مشاهدة الآخرين يفعلون ما يحلو لهم، بينما يقف هناك، عاجزاً حتى عن رفع رأسه.
ورغم أنه لم يكن من يعاني حالياً، أدرك أن هذا كان ليكون مصيره بالقدر نفسه. لم تكن لدى زيك أوهام بشأن مستوى سيطرته؛ لو اختاره الساحر الأكبر بدلاً من أولئك الخمسة، لكان هو من يستلقي على الأرض. لم ينتقل إشايان إلى الشخص التالي إلا عندما لم يبقَ من جسد الرجل الأول سوى كتلة تختلج. لم يحول زيك عينيه، ولم ينكمش أو ينشج. بدلاً من ذلك، حفر هذا المشهد في عقله. سصبح هذا وقوداً لعزيمته.
سيكون هذا المشهد ما يستحضره إذا ما ساوره الشك يوماً. لا سبيل آخر — القوة… مهما كان الثمن. تحول نظره لفترة وجيزة إلى الساحر الأكبر الذي كان يراقب العرض المروع بوجه يملؤه الجفاء. اتضح فوراً أن هذا المشهد لم يكن شيئاً غير معتاد لهذا الشخص. بعد التمعن في تعابيره لحظة، أعاد زيك انتباهه إلى مشهد إشايان وهو يضرب العبيد. استمرت الاستراحة لحظة واحدة فقط. ومع ذلك، تغير شيء ما في نظرة زيك.
كانت هناك عزيمة هناك غابت طوال حياته. كان بريقاً قاسياً، نوراً بلا رحمة لا مكان له على وجه صبي في عمره. حين سكت آخر الخمسة، ظل إشايان واقفاً فوق جثامينهم الدامية، يتفحص صنعة يديه. لم يحاول حتى إخفاء المتعة الهائلة التي جنها من هذا الفعل المنحرف، إذ أظهر وجهه بوضوح البهجة العارمة التي شع بها. بعد استمتاعه بالمنظر للحظة، تحولت عيناه إلى مجموعة العبيد الذين بقوا. بعث تعبيره الرشاش في أوصال كل من رآه.
كان في عينيه نور حانٍ كأنه يأسف لأن عدداً أكبر منهم لم يعصِ الأوامر. لم يجرؤ أي منهم على البروز بعد الآن. منذ أن توفي أول العبيد، ساد الصمت التام الحشد. في مرحلة ما، طغى الرعب الذي شعورا به على تعاطفهم، ولم يجرؤ أحد على الكلام خوفاً من أن يُستهدف. استمرت المواجهة الصامتة حتى صفّق الساحر الأكبر بيديه، جامعاً انتباه الجميع.
"يبدو أنكم فهمتم جميعاً. الآن، دعوني أخبركم بما سيحدث من الآن فصاعداً. للأسبوع القادم، ستوضعون تحت قيادة هذا الرجل".
أشار إلى إشايان، ولم يستطع بعض العبيد إلا أن يكبحوا أنفاسهم ألماً. ومع ذلك، بدلاً من أن ينزعج، اتسعت ابتسامة إشايان أكثر.
تابع الساحر الأكبر: "بعد ذلك، ستنضمون إلينا في مهمة واسعة النطاق".
لاحظ زيك كلماته فوراً.
كانت هذه ما تسمى بـ«المهمة واسعة النطاق»
هي الهجوم على عرين الأسد على الأرجح. على الأقل عرف الوقت المتبقي له.
وعد الرجل: "إذا أثبتم أنفسكم خلال هذا الوقت، فستحصلون على كل ما أرستموه يوماً — قوة، مكانة، مال، نساء، أياً ما يكن. في تلك اللحظة، ستُعترف بكم بالكامل كأعضاء في كارتل ندبة الجمر".
وأضاف: "هناك شيء واحد فقط عليكم فعله. أن تنجوا. في. الأسبوع. القادم".
بعد تفوهه بتلك الكلمات، مرر الساحر الأكبر نظره باختصار على مجموعة العبيد قبل أن يستدير ويغادر. اختفى عبر المدخل ذاته الذي أتى منه، مختفياً بالسرعة ذاتها التي قدم بها. بدا كل شيء، من خطابه إلى مشهد إشايان وهو يقتل أولئك الرجال، وكأنه لم يكن سوى مهمة روتينية. من البداية إلى النهاية، لم يمر حتى أدنى وميض من المشاعر على وجهه مرة واحدة. كم مرة شهد هذا المنظر بالذات؟ وكم مرة قال تلك الكلمات بحذافيرها؟
وكم من الناس ماتوا بهذه الطريقة بالضبط؟ وكم غيرهم سيتبعون؟
صرخ إشايان: "اصغوا إلي"، مما جعل مجموعة العبيد تنكمش رعباً.
تذكروا فجأة أنهم بمفردهم مع هذا القاتل المجنون. سخر زيك في داخله. من بين الاثنين، بدا إشايان التهديد الأصغر بوضوح. كان ككلب مسعور بالكاد يملك أي سيطرة على أفعاله. كان هذا شكلاً أصغر من الشر، أسهل نسبياً في التعامل معه. مقارنة بط