ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 193 — عاصفة تلوح في الأفق 2

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 193 — عاصفة تلوح في الأفق 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

فتح العجوز فاهه ثم تردد.

سأل: "كم كنت قريباً من مقاتلي مجموعتك؟"

قطب زيك جبينه. استشف هوية الخائن الثاني من هذا وحده.

"إشان؟"

أومأ العجوز بملامح صارمة.

سأل زيك: "ألم يكن هناك من يوقفه؟"

تنهد العجوز.

أوضح بجهامة: "الأمر أسوء من هذا حتى. بعد أن فرغ من المقاتلين تسلل إلى المبنى الرئيسي وهاجم المزيد من الناس."

تجلد زيك.

سأل: "أهم موتى كلهم؟"

لحسن الحظ كان قد اشترى الذئب الرمادي قبل أن تحل الكارثة، لكن كان هناك ريبر والبقية.

قال العجوز: "لا."

لكن ارتياح زيك لم يطُل إذ أردف فوراً: "لكن لعلّ موتهم كان أفضل."

تجهم وجه زيك عند تلك الكلمات. حمل صوته نبرة خطرة.

"ماذا تعني بهذا؟"

رفع العجوز كفيه مسترضياً وقال: "ليس ما تظنه، ولا أقول هذا لأني أزدريهم أيضاً."

هدأ زيك.

سأل: "ما الذي جرى لهم؟"

أشاح العجوز ببصره.

"أتعرف ما هو قيد العظام؟"

[إشعار]

قيد العظام سلاح قذفي قصير المدى طوره الاقزام. صُممت التقنية لمواجهة سحرة الحياة. يعمل عن طريق غرس شظايا دقيقة من حديد الفراغ في نخاع عظام هدفه مما يعرقل تدفق المانا. الجروح التي تسببها هذه السلاح لا يمكن شفاؤها.

"أنا أعلم بالأمر"، أومأ زيك متجهماً.

"ما هي حالتهم؟"

تنهّد العجوز مرة أخرى.

"معظمهم لا يقوى حتى على المشي، ولا أحد منهم قادر على القتال بعد الآن. بالنسبة للكيُميروي، قد يكون هذا أساة أبشع حتى من قتلهم فوراً".

هذه المرة، حافظ زيك على هدوئه.

"لماذا؟"

رمقه العجوز بنظرة يملؤها العتب.

"أأنت متأكد من أن السيد سيبقي ثلّة من العبيد العاطلين ليطعمهم ويرعاهم حتى يموتوا هرماً؟"

واجه زيك نظرة العجوز بهدوء.

"إذاً؟ أسيطردهم؟ أم سيقتلهم؟"

تضاربت نظراتهما. كان العجوز أول من حاد ببصره وهو يهز راسه.

"لم يُبتّ في أمر حتى الآن. ويبدو أن هذا لن يتغيّر قريباً أيضاً".

رفع زيك حاجبيه. كان سيد عرين الأسد في نظره رجلاً حاسماً.

"لماذا؟"

شحب بصرا العجوز لبرهة.

"أنت محقّ. عادةً ما كان لي يفعل".

شعر زيك بحزن ملموس ينبعث منه. ثم انتقل بصره إلى ليو باحثاً عن تفسير. لم يخيب ليو ظنه.

"أتذكر حين قلنا إن إشيان تسلل إلى المنزل الرئيسي؟"

أومأ زيك ببطء وتسلل إليه حدس سيء.

"لم يهاجم العبيد وحدهم، بل بعض السحرة أيضاً"، أوضح ليو.

"من بينهم..."

فهم زيك فوراً.

"سونيل"، قال بخفوت.

أومأ ليو.

"هو حي، لكن..."

التقى زيك بنظرة ليو ومنحه إيماءة مقتضبة. لم يعتبر زيك سونيل صديقاً فحسب، بل علم عن كثب كم كان رافي يعتني بابنه. الآن، بات كل شيء منطقياً. لو كان ابن رافي بين الضحايا... فضلاً عن الروابط العائلية، كان سونيل سلالته الوحيدة ووارثه. لو أُقعد الشاب، فكأنما قُطِع نسله.

"كيف يتماثل؟"

قال العجوز: "إنه يفيق ويغيب. يحاول اصطناع التجلد، لكن يمزقني أن أراه هكذا".

كشر زيك. آخر مرة رأى فيها سونيل، كان يرتسم على محياه تبسمه الخالي من الهموم. لم يستحق السحر الشاب مصيراً مماثلاً.

"ورافي؟"

هز العجوز رأسه.

"ليس على ما يرام"، قال.

"لم يبرح جانب ابنه منذ وقوع الحادثة، ويرفض الحديث مع أي كان. بل لا يبدو مهتماً حتى بالانتقال. أخشى... أخشى أن روحه قد انكسرت".

صرّ زيك على أنفاسه غضباً وإحباطاً. فقد اعتمد على عرين الأسد طلباً للدعم، سيما بعد علمه بما جرى. بيد أنه بدا الآن عاجزاً عن التعويل عليهم. وضع ليو يده على كتف زيك ورمقه ببسمة دافئة.

"أتقوى على المشي؟"

بعد تردد لحظة، دفع زيك بعض القوة في ساقيه ونهض من الفراش. رغم أنه كان مترنحاً بعض الشيء، إلا أن مسيراً قصيراً ما كان ليجب أن يُمثل مشكلة. أومأ لأخيه.

"يمكنني اصطحابك لرؤيتهم إن شئت"، عرض ليو.

وافق زيك دون تردد، لكنه شعر في قرارة نفسه بالخجل. لا بد أن ليو قد أساء فهم تعبيره السابق وظنّه قلقاً على المقاتلين الجرحى. في الحقيقة، لم يكن سوى محبط لأن خططه قد أُحبطت. ودّع زيك العجوز وتتبع خطى ليو في الرواق. كان البناء الذي وجدا أنفسهما فيه مغايراً تماماً لكل ما رأه في كوروفان من قبل. فعوضاً عن العمارة الفخمة والزخارف المترفة، بدا كل شيء هنا زهيداً في جوهره. حتى الأرضية والجدران كانتا تبدوان بدائيتين في غالبيتهما، ومحفورتين من حجر أصفر.

"أتملك خطة؟"

سأل ليو فور أن غابا عن الأعين. تنهّد زيك.

"لم أعد. توقعت أن يتوق عرين الأسد للانتقام، لكن مع وجود رافي بمثل هذه الحال..."

أومأ ليو ولم يُجب بسواها، مسترسلاً في القيادة بصمت. هبطا ثلاث مرات قبل أن يتوقفا أمام ما بدا أنه قبو تخزين من نوع ما. تردد ليو لبرهة وبدت على وجهه مسحة كئيبة.

"ما الأمر؟"

سأل زيك ملاحظاً تصرف أخيه الغريب. منحه ليو ابتسامة معوجة.

"يجدر بك ربط جأشك. إنها لتجربة غير سارة".

فور تفوهه بذلك، ولج ليو الغرفة. تابعه زيك فوراً دون أن يدرك مغزى كلام أخيه. بيد أن اللحظة التي تجاوز فيها الباب شعر بها. كان الجو في الغرفة غارقاً في كآبة ضاغطة حتى كادت تكون شيئاً مادياً. وُجدت بعض الصناديق والرفوف في جانب من الغرفة لتشكل كومة ضخمة. ربما كان هذا المكان في الأصل قبو تخزين. غير أن الأمر لم يعد كذلك الآن. صار جلّ المساحة مشغولاً بصفوف متتالية من الفراش.

اقترب زيك من السرير الأقرب. وهناك، ألفى شاباً يبدو بشرياً تقريباً باستثناء بعض الوبر حول عنقه وكتفيه. لقد كان أحد مقاتلي إشيان. في يومه الأول هنا، تقاتل مع هذا الشاب مراراً قبل أن يغلبه في النهاية. من هذه الحقيقة وحدها، اتضح أن الكيميروي لم يكن شديد البأس. فلم يكن زيك يستعمل أي سحر بعد كل شيء. ورغم ذلك، تذكر زيك بوضوح، لا لقوته بل لما حدث بعد النزال. عوضاً عن اليأس، رمقه الشاب بنظرة تفيض بروح القتال.

بل وتعهد بألا يخسر في المرة القادمة. لم يأخذ زيك التحدي مأخذ الجد. ومع ذلك، كانت تلك العيون مفعمة بالحياة والحيوية إلى حد صعوبة نسيان المشهد. طأطأ زيك بصره نحو الهيئة الماثلة أمامه. ورغم وقوفه قبالة فراشه مباشرة، لم يعير الشاب وجوده أي التفات. كان راقداً في السرير بلا حراك، شارداً في السقف بعينين مفتوحتين لكنهما بلا رمش. لم يعد هناك أودية في نظرته، ولا حيوية، ولا حياة.

ولولا الارتفاع والانخفاض الطفيف لقفصه الصدري، لحسبه زيك جثة هامدة.

قال أحدهم: "أرجعت بالفعل؟"

التفت زيك برأسه متعرفاً على الصوت. كانت كاريا، الهجينة التي أرشدته في يومه الأول. غير أنها لم تكن تحدثه. بل توقففت أمام ليو ورمقته بنظرة متوترة. استهوى الأمر زيك. فمن واقع ألفة نبرتها، بدا ليو يرتد إلى هنا مراراً. مع ذلك، لم تبد كاريا سعيدة تماماً بهذا. وكأنها تثبت تلك النقطة، كان ليو يتصرف بارتباك. فرك مؤخرة رأسه بحرج.

"لا، لا، أيتها الآنسة كاريا، لا تسيئي الفهم. أنا مجرد مرشد لزميل اليوم".

في تلك اللحظة بالضبط لاحظت وقوف زيك هناك. تصلب جسد كاريا فجأة، وانحنت بعجالة عند واصرها. كان انحنائها عميقاً لدرجة لامس فيها شعرها الطويل الأرض.

"م-مرحباً، سيدي التنين الدموي".

تنهّد زيك.

"أهلاً كاريا، أكنت بخير؟"

"نعم، سيدي. كنت بخير. شكراً لسؤالك"، قالت دون أن ترفع رأسها.

رفع ليو حاجبها.

"أتعرفان بعضكما؟"

أومأ زيك.

"لقد أرشدتني في اليوم الأول".

عبس ليو وانحنى بالقرب من المرأة المنحنية ووخز وجهها من الجانب.

"لمَ تعاملينه بكل هذا الاحترام بينما تتصرفين معي بتلقائية؟"

"كيو هو كيو، والتنين الدموي هو التنين الدموي. وتولَّ أنت استنتاج الباقي وحدك"، وبخته كاريا بصوت خفيض.

في أي موقف آخر، لربما تبسم زيك. فلقد امتلك أخوه حقاً موهبة في جعل الناس يطمئنون. وكيفما اتفق، كانت تتحدث بأريحية مع أخيه بل وتوبخه علانية. بدا هذا بعيداً كل البعد عما هو معتاد لجارية. وقفت كاريا ببطء مستعيدة استقامتها مع إبقاء عينيها مراقبتين تعبيرات زيك.

وبعد إدراكها لمزاجه، تحدثت بتردد: "أيمكنني الاستفسار عما أتيتم لأجله، سيدي الشاب؟"

"أردت الاطمئنان على أحوال رفاقي"، قال زيك وهو يشير بيده إلى الأسرّة المحيطة بأسره.

أخفت كاريا بسرعة عبوسة تشكلت على وجهها. ورغم ذلك، التقطها زيك.

"أثمَّة مشكلة في طلبي؟"

"...لا، سيدي الشاب"، قالت.

"أهناك شخص محدد تود زيارته؟"

صمت زيك. لقد وُجد حقاً شخص أراد زيارته. غير أنه خشي ما قد يسمعه عند الاستفسار عنها. بعد توقف وجيز، تلفظ باسمها مع ذلك.

"التمّاصة".

أخرقت كاريا لوح مشبك صغير معلقاً عند حزامها. وتحركت شفتاه بصمت بينما كانت تراجع الأسماء اسماً تلو الآخر. انقبض قلب زيك وهو يراقب أصبعها يتحرك صعوداً ونزولاً دون توقف. أتراها ماتت، إذن؟ ومع ذلك، لم يطُل عذابه.

[إشعار]

لا تقلق أيها المضيف. إنها هنا.

أطلق زيك النفَس الذي حبسه. لحسن الحظّ، لم يحدث الأسوك. تماماً كما قالت أكاشا، وجدت كاريا اسمها في الصفحة الثالثة. أشارت لزيك بأن يتبعها قبل أن ترمي ليو نظرة تحذيرية. بعد أن قطع خطوات بضعاً، لم يعد قادراً على كبح فضوله.

"لا يبدو أن السيد كيو مرحب به؟"

تنهّدت كاريا.

"ليست رغبتي."

"إذن من؟"

ترددت كاريا لحظة قبل أن يفلت من شفتيها تنهيدة أعمق.

"المريض..."

"ماذا؟"

هتاف من زيك. كان يتوقع مؤامرة خبيثة ما، لا هذا.

"ألهذه الندرة يكرهونه؟"

"ليس الأمر أنهم يكرهونه. بل... يصعب عليهم الحديث إلى شخص مثله."

"شخص مثله؟"

سأل زيك.

أوضحت: "السيد كيو شخص متفائل للغاية. غير أن الأمل قد يكون جارحاً أحياناً لمن لا أمل لهم."

صمت زيك، متذكراً عيني الشاب الذي رآه قبل قليل. لم يسأل شيئاً آخر وتبع كاريا في صمت. بعد أن تجاوز ما لا يقل عن عشرين مريضاً، توقفت. إثر إيماءة نحو السرير، انصرفت كاريا. اقترب زيك بحذر من السرير، متفحصاً الجسد الراقد هناك. كان شعرها طويلاً جامحاً، كتلة متشابكة من الخصلات الحالكة السواد. حتى الآن، عرض جسدها العلوي المجرد مجموعة مؤثرة من العضلات المفتولة. كانت هذه المرأة التي يذكرها — لولا حقيقة واحدة.

كانت عيناها الزمرديتان فارغتين زائغتين. تعبير لم يره قط على المحاربة الفخورة. بدا المنظهد غريباً لدرجة أنه كاد لا يصدق أن هذه هي من يعرفها. لبرهة، وقف هناك فحسب، متردداً فيما يجب فعله. أستزعجها زيارته؟ غير أنه سرعان ما أطاح بتلك الفكرة. لقد كان هنا بالفعل، وفات أوان التردد. جلس زيك على الأرض بجوار الفراش وأسند ظهره إلى الجدار. لم تبدِ ريبر أي رد فعل، لكنه لم يكن يتوقع منها ذلك في المقام الأول.

بيد أنه، ما المفترض أن يقوله؟ بدا له أن تحية بسيطة لن تفي بالغرض بطريقة ما. وما زاد الطين بلة هو أنه كلما طال انتظاره، شعر بمزيد من الحرج. لا يمكن أن تستمر الأمور هكذا. قبل أن تسوء الوضعية أكثر، تفوه زيك بأول ما خطر بباله.

"تبدين كالقمامة."