قال صوت صارم من فوق البوابة: "أسرع يا كيران! علينا الانتهاء قبل أن تدركنا."
فأجاب كيران بصوت عال: "حاضر يا سيّد."
لم تكن لديه أي نية للبقاء في الخارج ثانية واحدة أكثر من اللازم. أسرع بخطواته وهو يتفقد كل المداخل. كان عليه التأكد من عدم بقاء أحد عالقاً في الخارج بمجرد إغلاق البوابات. مثل هذا المصير سيكون حكماً بالإعدام. حدق كيران نحو الشرق حيث يلتقي الأفق بالكثبان اللامتناهية التي تمتد كأمواج ذهبية تحت الشمس الحارقة. اكتست السماء التي كانت صافية يوماً بلون باهت وضبابي بينما بدأت الجسيمات الدوامة ترسم الهواء بغبار ناعم.
تميّزت عيناه الحادتان التغيرات الدقيقة: جدار بعيد من الرمل يرتفع كستارة والرياح تهمس بالتحذيرات عبر الحبيبات المتراكمة. انخفضت الحرارة فجأة واكتسب النسيم الثابت سابقاً قوة باعثاً تموجات عبر المشهد الطبيعي. بينما كان يحدق بتمعن ضد الضباب الزاحف شعر كيران بالشحنة الساكنة في الهواء كمقدمة للعاصفة الوشيكة. كانت إشارات الطبيعة لا تكخطئ وكيران المتناغم مع أسرار الصحراء يدرك أن عاصفة رملية مقتربة تتطلب تحركاً سريعاً والاستعداد للمشهد المضطرب الذي يوشك على الظهور.
في اللحظة التي كان يستعد فيها للاستدارة ظن أنه رأى شكلاً يتحرك في البعيد. هز رأسه وفرك عينيه المتعبتين. سخف. لن يسافر أحد في هذا الطقس. بدا أن الشيخوخة أخذت تلحق به أخيراً. شق كيران طريقه عائداً إلى البوابة. ومع ذلك بقي بصيص من الشك في عقده. لم يكن سوى نزوة جعلته يلقي نظرة عبر كتفه. وفي تلك اللحظة بالذات عبر أول برق السماء. تجمدت قدماه. هذه المرة رأى الأمر يقيناً. كان هناك شخص ما في الخارج.
لقد رأى ظله بوضوح في لحظة الضوء القصيرة.
صاح كيران وسط ضجيج الرياح: "أيها القائد!"
* * *
كان زيك فاقداً للوعي مثل أعمى عالق في عاصفة. لم يستطع الرؤية لأنه اضطر لإغلاق عينيه. لم يستطع سماع أي شيء سوى عواء الرياح ولحنها المتواصل. لم يستطع الشعور بشيء لأن جسده كله كان يصرخ طلبا للراحة. مع ذلك لم تتوقف قدماه. كان زيك قد تخلى منذ فترة طويلة عن حمل الشيميروي وصار يجرهم الآن كزحافته في الطفولة. لو وجد أحد هنا لعقد حاجبه من هذا المنظر الغريب. رجل ذو ذراع واحدة يجر جثتين تاركاً خلفه أثر ثعبان يبلغ مدى البصر.
كان منظراً يتأرجح بين المأساة والكوميديا. لم يكن لزيك بال ليهتم بمظهره. كانت الأيام الماضية قاسية عليه واستهلاكه المستمر للدماء جعله يتأرجح على حافة العقل. كانت كل خطوة مهمة شاقة وكل نفس محنة مؤلمة. الشيء الوحيد الذي أبقاه مستمراً عند هذه النقطة هو معرفة أن الاستسلام يعني الموت. ومع ذلك كانت مسألة وقت فقط قبل ألا يعود هذا العزم كافياً للتغلب على متطلبات الجسد. لم تكن قوة الإرادة لا نهائية وكان زيك يقترب من الحافة.
كانت كل خطوة تنحت منها ولم يتبق الآن سوى الجمر. فجأة حدث شيء غير متوقع — شيء لم يواجهه زيك منذ وقت طويل. دخل كائن حي آخر إلى نطاق إدراكه. بدا وكأنه نوع من السحالي. ارتجفت شفتاه الجافتان والمتقرحتان مشكلتين ابتسامة مريرة. لما لم يصل ذلك الكائن قبل أيام؟ لم يكن زيك يعيش في وهم قدرته على المقاومة الآن وليس في حالته الحالية. بالكاد استطاع المشي. من السخرية حقاً أن يُقتل بواسطة سحابة عشوائية بينما يملك قلب تنين.
قال: "هل أنت بخير؟"
أُخرج من أفكاره. أكان يسمع أشياء؟ بدا ذلك كصوت شخص ما.
"أهلاً! أتسمعني؟"
أيعقل؟ ولأول مرة في ذلك اليوم فتح زيك عينيه. جزء بسيط فقط لكنه كاف لرؤية وجه قلق يحدق به من أعلى عابر الرمال. لفترة طويلة لم يدر ما يقوله أو يفعله. حدق فقط في وجه الرجل الأوسط العمر المجعد والبني مرتدياً زي حارس.
كرر الرجل: "أتسمعني؟"
أومأ زيك برأسه. حاول جمع ما يكفي من الرطوبة للتحدث لكن حتى بعد عدة محولات ظل حلقه جافاً كالسمال المحيطة به. استسلم في النهاية وحاول تشكيل الكلمات بأفضل ما يمكنه.
بصوت خشن كصنفرة: "أين... هذا؟"
"لقد وصلت إلى العاصمة يا صديق. هذه هي سوارنالوكا."
أطبق زيك عينيه. لكان قد بدأ بالبكاء فوراً لو امتلك الدموع. بدلاً من ذلك خفض رأسه فحسب. لقد نجا.
"...أحتاج مساعدة."
"أرى ذلك. لكنني لن أتمكن من إدخالك إلى المدينة ما لم تعرف عن نفسك أولاً."
بدل الإجابة أخرج زيك رمز عائلة ناير. كان أحد الأمور القليلة التي لم يلقها بعد.
"...اسمك؟"
سأل الرجل وهو يفحص الرمز: "اسمي؟ أنا كيران."
قال زيك: "كيران... خذني... إلى... عرين الأسد..."
هز كيران رأسه عابساً: "لست خادماً. وحتى لو أردت فلا يمكنني فعل ذلك. مناوبتي لم تنته بعد."
"راتب عام... إن استطعت إيصالي إلى هناك... حالاً."
أضيق كيران عينيه. بدا وكأنه يفكر في أمر ما. ثم نظر إلى الجثتين على الأرض. مرت لحظة طويلة في صمت قبل أن يُسمع تنهيدة عميقة.
"حسناً إذن. اصعد."
* * *
هبّ زيك واقفاً ليجد نفسه مستلقياً على فراش مريح. لم يتذكر الكثير بعد حديثه مع كيران — صور متقطعة فقط. استطاع تذكر تحميله على الدية وإحضاره إلى مكان ما بوضوح باهت. مع ذلك كان متأكداً تماماً من أنهما لم يذهبا إلى عرين الأسد. حتى الغرفة التي تواجد فيها الآن كانت مألوفة له.
[إشعار]
لا داعي للذعر أيها المضيف. نحن لسنا في خطر.
ارخى زيك ظهره على المشرّة وأطلق تنهيدة متعبة. بدا كأنّ مطرقة ثقيلة ضربت رأسه وكان جسده كله يؤلمه. مع ذلك لم تكن حالته خطيرة إلى هذا الحد مما يوضح أنه تلقى العلاج. غير أن ذراعه كانت لا تزال مفقودة.
— أين نحن؟
[إجابة]
لست متأكداً. لكن هذا المبنى يتبع عرين الأسد على ما يبدو.
قبل أن يتمكن حتى من البدء في التساؤل عما يجري اندفع باب غرفته مفتوحاً. تنبه زيك لحظة ثم تعرف إلى زائره.
— ليو؟
— اسمي كيو.
— خطئي.
عنى الإصرار على اسمه المزيف حتماً أن ليو لم يكن وحده.
— أكنت تحتاج إلى شيء؟
— لا.
قال ليو: — كنا نطمئن عليك فحسب. فتح الباب على مصراعيه وكشف عن رفيقه. تعرف زيك إلى الرجل العجوز. إنه المدرب الذي اعتاد مرافقته إلى نزالاته. ابتسم له زيك.
— لقد مضى وقت طويل أيها المدرب.
رد الرجل العجوز الابتسامة وقال: — حقاً أيها التنين الدموي. غير أنه بدا وكأن شيئاً يمنعه من إظهار سروره علانية.
— ماذا حدث؟
رفع الرجل العجوز حاجبه.
— أليس المفترض أن يكون هذا سؤالي؟
أشار إلى ذراع زيك المفقودة. تنهد زيك وبدأ يروي قصته. لم يكشف عن كل شيء وأبقى مكانه والسائل الأسود سراً. لكنه لم يخف هوية مهاجميه. ولدهشته لم يُظهر الرجل العجوز أي علامة صدمة أو حتى دهشة. لقد كان على حق؛ لا بد أن شيئاً ما قد حدث هنا أيضاً.
— كيف حال رفاقي؟
سأل زيك بعد أن أنهى الحكاية القصيرة. سأل الرجل العجوز بنبرة مرتبكة: — رفاق؟ ثم أدرك عمن كان زيك يتحدث.
— العبيد؟
إنهم أحياء وبخير. همم، ليسوا بخير تماماً ربما، لكنهم في حال أفضل منك على الأقل. تهلل وجه زيك وغمره شعور بالارتفاع. لقد نجحوا — الثلاثة جميعا. أخذ تنفساً عميقاً ومنقياً قبل أن يتحول تعبيره إلى الجدية. كرر: — ماذا حدث هنا؟ تشارك ليو والرجل العجوز نظرة. أوضح ليو: — كان هناك خونة يختبئون داخل مدرستنا. لقد أوقعوا بنا خسائر فادحة. ضيق زيك عينيه. لقد كان يشتبه في وجود خونة منذ أن علم أن القوافل التجارية لعائلة ناير قد استهدفت بدقة متناهية.
لم يكن الأمر صعب الاستنتاج ليدرك أنهم أرسلوا أيضاً شخصاً لتسلل عرين الأسد.
— ماذا فعلوا؟
تنهد الرجل العجوز.
— تحت جنح الظلام، هجموا وأحدثوا أكبر قدر ممكن من الضرر ثم فروا.
— كم بلغ حجم الضرر الذي تمكنوا من إداثه؟
قال بنبرة متعبة: — لا بأس به.
— أإذن دمر المبنى بالكامل؟
أمال الرجل العجوز رأسه. بدا وكأنه لا يفهم سبب طرح زيك لمثل هذا السؤال. وضح: — أليس هذا هو السبب في أننا لسنا في عرين الأسد؟ ضحك الرجل العجوز وقد بدأ الإدراك يتسلل إليه.
— آه، أرى.
لا بد أن هذه هي مرتك الأولى إذن. نظر زيك بين الرجل العجوز وليو متسائلاً عن المعنى الكامن وراء هذه الكلمات. كان ليو هو من أجابه.
— أتعلم شيئاً عن العواصف الرملية؟
يمكن أن تصبح سيئة للغاية هنا. أومأ زيك. لقد اقتراب من تلك العاصفة أكثر مما كان يرغب. وبتلك المناسبة، كان من الغريب أنه لم يستطع سماع صوت الريح من الخارج. مما رأى، لم تكن العاصفة شيئاً يمر في غضون بضع ساعات فقط. تابع ليو: — للتعامل مع تلك العواصف، يلجأ أهل العاصمة إلى الملاجئ كلما اقتربت عاصفة. سأل زيك: — ملجأ؟ أين يمكنهم الاحتماء من شيء كهذا؟ لكن الإجابة جاءته مباشرة أثناء طرحه السؤال.
— أنحن في المدينة السفلى؟
أومأ ليو وبدت عبوسة على وجهه. غرق زيك في تفكير عميق. كانت لديه فكرة جيدة عن سبب استياء شقيقه. مما تعلمه، لم تكن المدينة السفلى مكاناً لطيفاً. ومع ذلك، لم يكن الوقت مناسباً للخوض في هذه المسألة.
— من هم الخونة؟
تنهد الرجل العجوز.
— أتعرف المرأة التي دربت المقاتلين للدائرة الثالثة؟
— الطويلة؟
أكد الرجل العجوز: — تلك هي. لقد قتلت تلك المرأة الحقيرة نحو نصف مقاتلي الدائرة الثالثة قبل أن تصل المساعدة. دور عقل زيك. لم يبدأ بالمنافسة في الدائرة الثالثة بعد، وكان هؤلاء المقاتلون مجهولين نسبياً بالنسبة إليه. ومع ذلك تذكر أنهم كانوا هائلين للغاية.
— لم أظن أنها بهذه القوة.
هز الرجل العجوز رأسه.
— لقد أمرت العبيد بعدم المقاومة.
لقد كانت مجزرة.
— إذن كيف نجا نصفهم؟
ألقى الرجل العجوز نظرة على ليو وبدا الفخر جلياً في عينيه.
— كان هذا الشاب لا يزال يتدرّب في ذلك الوقت.
سمع الجلبة ونجح في إبطائها حتى وصلت المساعدة. أومأ زيك. لم يكن مفاجئاً كثيراً أن مجنوناً مثل ليو لا يزال يتدرب في منتصف الليل. وتذكر فجأة أن شقيقه كان ينافس بالفعل في الدائرة الثالثة. ومعرفته بشخصيته تعني أنه لابد كان صديقاً للعديد من الضحايا. سأل زيك: — هل أنت بخير؟ قد يبدو لشخص غريب أن زيك يسأل عن سلامة ليو. لكنه في الحقيقة أراد أن يعرف ما إذا كان شقيقه بخير بعد مقتل الكثير من معارفه.
بقي ليو صامتاً لفترة طويلة وبدا وجهه قاتماً. قال في النهاية: — أنا غاضب. أومأ زيك. لقد شعر بالشيء نفسه تماماً. وحتى بدون هذه الأنباء الأخيرة، كانت لديه النية كاملة لتمزيق مدرسة نار القبيس إرباً. منح ليو نظرة ذات مغزى. وبعد لحظة، أومأ شقيقه بتعبير راضٍ. بدا وكأنه فهم الرسالة. التفت زيك مجدداً إلى الرجل العجوز. قال زيك بعد لحظة: — حين تحدثت عن الخونة، أشرت إليهم بصيغة الجمع.
من كان الآخر؟