صُدِم زيك مكشفته صوفيا. كيف حدث هذا؟ ألم تو للتوّ إن مارا ندّ لمكسيميليان؟ عجز عن تخيّل معلّمه واقعاً في الأسر على يد خصمٍ يماثله مستوىً. فكيف وقعت مارا في الشرك، وهي ندّته قوةً ودهاءً؟ بدا ارتباكه واضحاً على وجهه، فبادرته صوفيا بتفسير لسؤاله الصامت.
قالت صوفيا بصوت يثقله الأسى: "لا، لم يكن مكسيميليان من أسرها. لقد نجح فريق من المتسلّلين في بثّ الشقاق بين النبلاء الأجانب. وانقاد قائد جشع خاصّ بالإمدادات لخيخة وطنه. فزعم وجود طوارئ في خطوط المؤن لاستدراجها إلى كمين".
شعر زيك بقشعريرة تسري فيه بينما واصلت صوفيا كلامها.
"أُسرت على يد فرقة من السحرة المدربين خصيصاً واختفت من الجبهة".
خالجه شعور بأنه يعلم إلى أين تمضي هذه القصة، وتمنى بإلحاح ألا يكون مصيباً. لكنّه حين نظر إلى صوفيا والدموع تترقرق في مقلتيها، أدرك سلفاً أن مخاوفه تتجسّد.
"فاجأت سهولةُ مهمّته في الإقليم الغربي مكسيميليانَ. ولم يواجه تقريباً أيّ مقاومة في مناوشاته. فرجّح على الأرجح أن مارا قد سُحبت مؤقتاً أو ما شابه. ومع ذلك، عزم على استغلال الفرصة أتمّ استغلال. وأمضى أسابيع يرفل بالنصر في المعارك، والابتسامة لا تفارق محيّاه. ويُحكى أنّه كان يردّد مراراً: يا ترى كيف ستعود من هذا؟ وما يشبه ذلك من عبارات. لكنّ بهجته توقّفت مع وصول الدفعة التالية من التعزيزات. فاكتشف وجود كتيبة من جنود الإمبراطور الخاصّين بينهم. سُرّ مكسيميليان في البداية لتلقّي قوات نخبة كتعزيزات. غير أنّ سروره تحوّل سريعاً إلى صدمة حين رأى مارا في صدارتهم".
بدت صوفيا على وشك البكاء وهي تروي هذا الجزء من القصة. بدا المشهد غريباً لزيك الذي اعتاد صوفيا رزينَةً على الدوام في مثل هذه الحالة العاطفية. وظهرت متورّطةً في القصة أكثر مما ظنّ زيك. مسحت صوفيا طرفي عينيها واستأنفت الحديث.
"حاول مكسيميليان التحدّث إلى مارا، ومحاولة معرفة ما حدث لتخون وطنها. تبادلا الحديث مراراً، وعجز عن إدراك سبب انضمامها إلى صفوف الإمبراطور الآن. وحين اقترب منها، لاحظ سريعاً وجود أمر غريب يكتنفها. حاولت عائلة غايسترايش منعَه من التقدّم، لثنيه عن الاستقصاء أكثر. بيد أنّه تعذّر عليهم إيقاف قائد الجوار الغربي بلا أسباب مشروعة. حاول مكسيميليان حمل مارا على شرح وضعها. احتاج إلى فهم ما أفضى إلى هذا التغيير. لكنّ المرأة تجاهلته ببساطة، غير آبهة بمحاولاته الحثيثة المتزايدة لنيل إجابة منها. وحين تلاقت نظراتهما، لاحظ مكسيميليان أخيراً خلوّ عينيها من أيّ اعتراف أو أثر للحياة. تشير الرواية إلى تبدّي التحطّم على وجهه حين تخلّى عنها أخيراً وعاد إلى مقصورته. بعد أسابيع في زنزانة الإمبراطور، لم تعد الخارجة هي ذات الشخصية التي عرفها مكسيميليان. بل غدت الماثلة أمامه مجرد دمية قادرة على توظيف سحر مارا ضدّ أيّ شيء يشير إليه مشغلوها".
أوقفت صوفيا قصتها عند هذا الحدّ لتتأمّل تعابير وجه زيك. لم يكن زيك واثقاً، لكنّه ظنّها تبحث في وجهه عن حكمٍ على ما ارتكبته عائلتها. وعلى الرغم من اشمئزاز زيك من الممارسات التي انتهجتها العائلة المالكة في هذه القصة، لم يلم صوفيا على شيٍء منها. فما زالت في السابعة عشرة من عمرها، وكيف له تحميلها وزر أحداث وقعت قبل مولدها بدهر؟
منحها ابتسامة مطمئنة وقال: "لا بأس، أظنّني فهمتُ الخطوط العريضة لما حدث. ليس عليك المتابعة إن لم ترغبي في ذلك".
لكنّ صوفيا هزّت رأسها.
وقالت قبل أن تمضي في سرد الجزء الأخير من حكاية مكسيميليان: "لا، ما زال يفوتك جزء مهم من القصة".
"بدا مكسيميليان شخصاً آخر بعد اكتشافه ما حلّ بمارا. وازدادت حالته النفسية سوءاً مع كل يوم يقضيه على الجبهة. ومع كل مرة يشاهد فيها مارا تُستغلّ لجلب نصر آخر للإمبراطور، تضاعفت مرارته. وبلغ الأمر ذروته ذات ليلة، حين وقع ما دفع مكسيميليان إلى حافة الجنون. لا يُعرف تحديداً ما دار، لكنّ تبعات تلك الأحداث ماثلة حتى اليوم".
امتلأ صوت صوفيا مشاعر وهي تسرد الفصل الأخير من الحكاية.
"في تلك الليلة، سُمعت زئيرات مكسيميليان الغاضبة تتردّد في أرجاء الفيلق المرابط عند الجوار الغربي بأسره. ويُقال إن حتى قوات العدو المحاصرة للجوار ارتعبت من مشاعر الكراهية الخالصة المنبعثة من ذلك الصوت لدرجة امتناعها عن شنّ أيّ هجوم طوال الأسبوع التالي لتلك الليلة. مع إشراقة اليوم التالي، صُدم الجنود برؤية مشهد مروّع. فقد كان كل فرد من الوحدة الخاصة التي أرسلها الإمبراطور معلقاً من عنقه. وبدت أجسادهم محروقة ومحطمة. كأنّ تنيناً يافعاً اتخذهم دمى مضغ. ولم ينطق حارس الليل، الذي لا بدّ أنه علم بما جرى، ببنت شفة. غادر مكسيميليان بمفرده صباحاً، ودخل معسكر العدو حاملاً صرّة مربوطة بحصانه. وعاد بعد ساعات معدودات. لم يصبه أذى، لكنّ حزمته اختفت. تتردد شائعات بأنه سلّم رفات مارا إلى قائد العدو. أراد إعادتها لتواري الثرى بجانب أجدادها، حيث تستحقّ راقتها الأخير".
أنهت صوفيا القصة وعجزت عن حبس الدموع المنهمرة بغزارة على وجهها. وأشعر زيك بحرقة تسري في عينيه وهو يستمع إلى الأحداث المأساوية التي ولّدت كراهية مكسيميليان لسحر عقول غايسترايش. لم يدرك قطّ حجم الألم الدفين خلف تلك الملامح التي رآها على وجه معلّمه. فلم يبدُ الرجل متأثراً بتاتاً حين سأله زيك عن سحرة العقول. أيّ مستوى من ضبط النفس بلغه معلّمه ليناقش بمثل هذه السهولة موضوعاً بهذه الخصوصية من الصدمات العميقة؟
لم يظنّ زيك لحظةً أن مكسيميليان تجاوز تلك الخسارة. وتساءل طويلاً عن سبب إحجام مكسيميليان عن تعليمه شيئاً عن البيوت النبيلة والحروب. وظنّ يوماً أن مكسيميليان يفتقر للإلمام بهذا الموضوع. أما الآن، فأيقن تماماً أن مكسيميليان يكره الخوض في ماضيه في خدمة الإمبراطور. بينما استرجع زيك أحداث القصة، تبدّى له أمر مريب.
ولم يملك إلا أن يسأل صوفيا: "ألم تكن هناك عقوبة لمكسيميليان بعد قتله هؤلاء الرجال؟"
اكتفَت صوفيا بهزّ كتفيها.
"عليك أن تدرك أن مكسيميليان كان آنذاك أحد أحبّ أبطال الإمبراطورية. وكانت قصة عشقه المحرّم لمارا من أكثر الحكايات شعبية بين الآنسات النبيلات. وبلغ من نفوذه حداً يحول دون معاقبته علناً. ويجب القول أيضاً إن مكسيميليان استقال من قيادة الجوار الغربي في اليوم نفسه الذي غادر فيه عبر البوابات، بلا عودة. وإن صدقت الروايات، فقد بكى الجنود لرؤيته يغادر البوابة، وصاحوا خلفه راجين إياه البقاء. وما زالت كلماته الأخيرة محفورة في الأذهان حتى يومنا هذا".
استهوى الأمر زيك فسأل: "وما الكلمات الأخيرة التي تركها خلفه؟"
توقفت صوفيا لحظة للتركيز، إذ استعادت الفتاة السيطرة على مشاعرها ومحاولة تقمّص شخصية مسرحية. وبدت مستمتعة تماماً بالأجواء الدرامية. رمقها زيك بنظرة ثاقبة، كأنه يريد بقوة نظر وحدها دفع الكلمات للخروج أسرع. شرعت الفتاة في تمثيل أفعال مكسيميليان كأن المشهد مقتطف من مسرحيتها المفضلة.
وبحركة استعراضية، اتخذت صوفيا وضعية درامية، كأنها البطل ذاته الذي ابتكر تلك الجملة، وألقت على مسامعه كلمات مكسيميليان: "الجندي الحقيقي يخدم سيّداً واحداً فقط — الشرف. لا أستطيع البقاء، إذ لم يَبقَ لي سيّد لأخدمه".
صُعق زيك بالكلمات التي تركها معلّمه قبل كل تلك السنين. فمهما يكن ما شهده مكسيميليان تلك الليلة، لا بدّ أنه حطّم تماماً صورة الإمبراطورية في مخيلته. ولامست تلك العبارة وتراً حسّاساً في نفس زيك، وشعر بتسارع نبضات قلبه بلا رادع. ولصرف انتباهه، طرح زيك سؤالاً آخر.
"لماذا بقي مكسيميليان في الإمبراطورية بعد كل ما حدث مع مارا؟"
تساءل عاجزاً عن فهم سبب استمرار معلّمه في العمل من أجل رفعة الإمبراطورية عقب المأساة التي علم بها للتو.
أجابت صوفيا بيسر: "لعله فعل ذلك لأجل الناس. طالما جمعت مكسيميليان رابطة خاصة بالعامة. أحبّهم وأحبوه بالمقابل. وحتى اليوم، بعد مئات السنين من اختفائه عن منصبه، ما زالت عائلات عامة في الإمبراطورية تعامله كبطل. وتناقل الآاباء والأبناء أفعاله أجيالاً تعاقبت".
شُدِش زيك، فلم يعلم قطّ بشهرة مكسيميليان الواسعة. لقد تعامل دائماً مع العجوز كأنه جَدّ ودود. ولم يستطع منع شعور بالفخر تجاه معلّمه، مدركاً أن إرثه يعيش عبر الأشخاص الذين خدمهم بنكران ذات. كان قلب زيك يخفق بقوة في صدره، بإحساس أشدّ بكثير من أيّ وقت مضى. قبض على صدره، محاولاً تهدئة تنفسه بأنفاس منتظمة شهيقاً وزفيراً. وإذ لاحظت صوفيا خطباً ما، اقتربت ومدّت يدها تفحص حرارته.
وسألت والقلق مرسوم على وجهها: "زيك، أكلّ شيء على ما يرام؟"
قبل أن تلمس جبينه، هبّ زيك واقفاً فجأة وقبض على عنقها، رافعاً إياها عن الأرض بينما زمجر كحيوان برّي. شحب وجه صوفيا رعباً، واتسعت عيناها ذهولاً لما رأت في عيني زيك. أعاد تعبير الذعر الخالص على وجهها زيك إلى وعيه فوراً. فأرخى قبضته عنها حالاً، مراقباً إياها تنهار على الأرض وهي تسعل. خيم جوّ ثقيل على الغرفة بينما كافح اثناهما لاستيعاب ما جرى لتوه.
هتفت صوفيا ويدها تطبق على فمها دهشة: "عيناك!"
"ما بهما يا زيك؟"
عجز زيك عن الكلام، لكنّه امتّن لهذا الإلهاء عما حدث قبل لحظات. التفت إلى إبريق الشاي المعدني اللامع على الطاولة، متخذاً إياه مرآة مؤقتة لفحص عينيه. جمّد ما رآه الدم في عروقه. فقد استطالت حدقتاه وتحولتا إلى خطين عموديين، كأفعى. تراجع مذعوراً مبتعداً عن الإبريق. لكنّه مع مراقبته، استعادت حدقتاه شكلاهما الطبيعيين ببطء، فأطلق زفرة ارتياح. التفت إلى صوفيا المحدقة إليه بحذر.
وبدت الفتاة مهتزة بوضوح مما شهدته.
تمتم زيك وهو يمرر يداً مرتعشة بين شعره: "لا... لا أعرف ما جرى. عيناي... تغيرتا وحسب. لم يحدث شيء كهذا من قبل، أقسم!"
خفت تعابير صوفيا قليلاً. فكون زيك يبدو مضطرباً بقدرها هدّأ من روعها بعض الشيء، غير أنها حافظت على حذرها.
"علينا أخذك إلى معالج يا زيك. هذا ليس طبيعياً".
هزّ زيك رأسه، مستحيلاً ذهابه إلى معالج بهذه المشكلة.
فقال: "لا أستطيع. أنا أعلم السبب الجذري لهذا التغيير، ولا معالج يقدر على مساعدتي في هذا".
استعادت صوفيا هدوءها عندئذ. جلست مجدداً على الأريكة وربتت على الموضع بجانبها، داعية زيك للانضمام إليها. لبّى الطلب، ممتناً لعفوها. اكتفت الفتاة بمراقبته، وعيناها تطفحان بالأسئلة، لكنّها امتنعت عن الكلام. تردد زيك، ممزقاً بين الرغبة في بثّ شكواه لصوفيا والخوف من خيانتها لسره. وعجز عن الوثوق بها لإخبارها بحقيقة قلبه التنيني. لكنّه حين سبر عينيها، أبصر الألم والخيبة اللذين سبّبهما لها غياب ثقته.
نهضت صوفيا مستعدة للمغادرة، لكنّ يد زيك انطلقت كالسهم، قابضة على معصمها بإحكام. وجذبها مجدداً إلى الأريكة، فجلست طائعة. ولم تغادر نظرات صوفيا وجهه، منتظرة إياه ليبوح. تنهد زيك بعمق وبدأ يسرد عليها مغامراته طوال الصيف. ورغم تخوفاته، أفصح عن حقيقة قلبه التنيني والملابسات المرافقة له. أنصتت صوفيا بتركيز شديد بينما روى زيك حكايته المذهلة. شكّل الكشف عن قلب التنين في صدره صدمة لها.
لكنّ زيك، وكلما استرسل في الحديث، تيقن من صوابية مشاركة أعبائه مع صوفيا. فتلاشى التوتر عن كتفيه إثر بوحه بسره لها.
قالت صوفيا مانحة إياه ابتسامة امتنان: "شكراً لثقتك بي في هذا يا زيك".
أومأ زيك، منفرج الكرب لإفضائه لصوفيا.
وبدت مغرقة في التفكير هنيهة قبل أن تسأل: "ألديك أدنى فكرة عما ستفعله حيال هذا؟ إن بدأ القلب بالتصرف هكذا كل يوم، فلن تقدر على إخفاء السر طويلاً".
أدرك زيك أيضاً خطورة الوضع. فلم يعد التعويذات التي أهداها له مكسيميليان قادرة على كبح تأثيرات قلب التنين. وجب عليه وضع خطة، وسريعاً. نظرت صوفيا عبر النافذة ولاحظت حلول الظلام.
ونصحته: "أظنّ عليك العودة إلى منزلك اليوم يا زيك. ينبغي إخبار معلّمينك بالتغيرات في قلبك. ستغدو مشكلة حقيقية إن انكشف سرك".
أومأ زيك موافقاً على صواب رأيها. رافقته صوفيا حتى البوابة، وتبادلا عناقاً سريعاً قبل أن يخطو زيك خارجاً نحو الأمسية الباردة. وأدرك امتلاكه الكثير من التفكير، وعدم قدرته على التأجيل أكثر. لزاماً عليه إيجاد سبل للسيطرة على قلب التنين قبل فوات الأوان. وما إن انعطف زيك في زاوية حتى لاحظ هدوء شوارع حي النبلاء المزدحمة عادة فجأة وبشكل غريب. بلغ التغيير من الحدة ما أيقظ زيك من تأملاته العميقة.
وارتبك فالتفت، ليصطدم بنظرات رجل يقف خلفه مباشرة. سمع زيك صوتاً من خلفه وأدرك وجود أشخاص محيطين به. وحاول استخدام [الوعي المكاني التام] لتحليل الموقف. وقبل تكوينه صورة واضحة لما يجري، شعر بالعالم يظلم من حوله. تمثّلت فكرته الأخيرة قبل غيابه عن الوعي في إمكانية إرسال رسالة تخاطرية إلى صوفيا من هنا. لكنّه حين هوى منكمشاً على الأرض، أدرك فوات الأوان. أحاط به مهاجمون مجهولون، وعجز عن تكهن نواياهم.
ولم يملك سوى الانتظار والتمني بأن يظهروا رحمة.