اندفع زيك إلى الأمام كالسهم. لم يكن يملك رفاهية إهدار أدنى أفضلية إن أراد الصمود لحظة أطول. لذلك حاول مباغتة خصومه بهجومه المفاجئ. نجح الأمر — إلى حد ما. فوجئ السحرة الثلاثة لكن ذلك لم يكفِه بشيء. بحكم خبرتهم في الحلبات اعتادوا قتال خصوم يتفوقون عليهم جسدياً. بعد زوال صدمتهم الأولى شرعوا فوراً في التحرك وشعر بمانا تتجمع حولهم. مع نفاد نواته لم يوهِم زيك نفسه بقدرته على الاعتماد على سحر في هذا القتال.
حتى أكاشا صمتت. ربما أدركت أن استخدام أي قدر من المانا يزيد الطين بلة. الشيء الوحيد المتبقي له هو استخدام تعويذاته المنقوشة بحدود ضيقة. لكن ذلك يظل أفضل من العدم. منحته حواسه المكانية التامة فكرة واضحة عما ينتظره من خصومه. جيهار ساحر نار ويبدو أنه يشحن تعويذة هجومية. حارساه ساحر برق وساحر ماء على التوالي. مزيج ممتك قاتل إن استُخدم بإتقان. لحسن الحظ بدا أن عليه ألا يقلق بشأن ذلك.
ركزت ثقافة الحلبات في كوروفان على القتال الفردي لا الجماعي وبان ذلك جلياً. بدلاً من التنسيق بدا أن كل واحد من الثلاثة يُعد هجومه المستقل. الاستراتيجية الأفضل اقتضت أن يقيد ساحران حركة بينما يهاجم الثالث. لكنهم أطلقوا جميعاً تعويذات هجومية بحتة. ساحر البرق يُعد صاعقة وساحر الماء سيلاً جارفاً. عوضاً عن خلق توافق عرقل بعضهم بعضاً. مع ذلك لم تكن تعويذات بهذا المستوى مما يطيقه زيك بجسده وحده.
إصابة مباشرة بأي منها قد تكفيه لإخراجه من المعركة. لحسن الحظ لم ينوِ تلقي الضربات قط. استدار زيك على عقبيه متبدلاً مساره فور إحساسه بتكوّن التعويذات. غاص برأسه خلف صخرة. كانت هذه خطته منذ البدء. شششش! أخبره الأزيز الغاضب والتناثر من خلفه بأن التعويذات أصابت الجدار. لكن الضجيج طغى عليه سريعاً صوت انفجارات قريبة. خاطر زيك بنظرة خاطفة. في نهاية القاعة اشتعلت عيناها فولكانو كالشمسين وهو يطلق تيارات الحمم نحو خصمه.
قاتل بكامل طاقته دون ادخار شيء. لم يملك خصمه سوى التخبط طلباً للنجاة أمام هذا الهجوم الكسح. عزم الرجل الضخم على ألا يسقط دون قتال. كانت غرافيتا أكثر ضراوة. حاطتها إعصار من الحصى إن صح التعبير. منحتها التضاريس الصخرية ذخيرة وفيرة. أطرقت المكان بأكمله بوابل من المقذوفات الأرضية صارخة كبنشري. هجوم وحشي كاد ينهي القتال فوراً لو لم يمتلك خصمها القدرة على التجسد كطيف. استوعب زيك ساحة المعركة بأكملها وأدرك مغزى ما قصدته.
المقاتلون الذين جلبهم جيهار شكلوا مضادات مثالية لقدراتهم. خصمها تحديداً بدا شبيهاً بكيانات الظل العنصرية. اتضح استحالة اعتماده على أي منهما على المدى القريب. لكن البقاء خلف التغطية لم يكن خياراً أيضاً. إن قرر زيك الاختباء سينضم خصومه سريعاً إلى إحدى المعركتين الأخريين وهو ما لم يستطع السماح به. فسبيله الوحيد للنصر يكمن في الصمود حتى تنتصر غرافيتا أو فولكانو. دون إهدار مزيد من الوقت خرج زيك من مخبئه.
اختار اللحظة التي انشغل فيها خصومه الثلاثة لبرهة. لكن ردود أفعالهم تجاوزت البشر العاديين. فور ظهوره انطلقت ثلاثية تعويذات باتجاهه. تراجع زيك خلف الصخرة. بعد مرور التعويذات من فوقه اندفع سريعاً إلى التغطية التالية. هكذا خداع لن ينفع مجدداً لكنه نجح في الضغط عليهم بتقليص المسافة. لن يجترئوا على تحويل انتباههم عنه.
"أين ابتسامتك الآن أيها الجبان؟"
سخر جيهار. لم يرد زيك. لم يملك نفساً ليهدره وحتى إن ملك فلا فائدة من تبادل الإهانات. لم يكتفِ جيهار بالسلبية. قبل أن يتكلم أشار لحارسيه باجتياح موقع زيك من الجانبين. في هذه اللحظة استشعر حضورهما يطوقان مخبئه. ثوان تفصله عن الوقوع في مرماهما. عليه التحرك قريباً. السؤال إلى أين؟ نفد الوقت وقرر زيك الاعتماد على حدسه. الهرب لم يعد خياراً لذا سيهجم. بقي منخفضاً عن الأرض وهو ينطلق.
رأى الدهشة في عيوني خصمه حين اقترب. اختار مهاجمة ساحر البرق. تحولت الدهشة سريعاً إلى تهكم حين أشار الحارس بسبباته إليه.
[صاعقة برق]
تأتي الصاعقة تلو السحر الضوئي في السرعة. لا فرصة للتفادي. رغم ذلك هدأت عيناه. صك على أسفاره وثبت على طريقه. في اللحظة التالية أصابت التعويذة صدره. شعر كأن أحشاءه تحترق مع مرور التيار بجسده. لكن الأسوأ في البرق لم يكن الألم أو الضرر بل سلبه إياك أي تحكم. لحسن الحظ تعلم زيك التعامل مع هذا السحر حين تقاتل مع مخلب الرعد. فور تقلص عضلاته تجاوز زيك هذا الأمر باستخدام [التحكم التام بالجسد].
استعد جيداً لدرجة أنه لم يتعثر في خطوه. بخطوة أخرى دخل مدى اشتباك ساحر البرق. ظهر الخوف على وجه الرجل للمرة الأولى. ابتسم زيك بشراسة. ستكون هذه فرصته الوحيدة للاقتراب من أي من الثلاثة لذا عليه استغلالها. لم تشبه هجماته البشر بل الوحوش البرية. لم يعبأ بالعض أو الخدش أو التمزيق بل هدف لإلحاق أقصى ضرر ممكن. لكنه لم يملك سوى لحظة قبل أن تصيب تعويذة جنبه. أظلمت الدنيا في عينيه.
حين استعاد وعيه كان طافياً في الهواء وملابسه مبللة. حظي ببركة عدم جراء ساحر الماء استخدام كامل قوته قرب حليف. رغم ذلك كُسرت ذراعه اليمنى وبارزت بزاوية غريبة. ولم يكن ذلك الأسوأ. من طرف عينه رصع زيك كرة متوهجة تقترب بسرعة. بلا ارتكاز غابت أي فرصة لمحاولة تفاد. حوّل طرفه المكسور بعجز لتلقي ضربة البداية لكنه علم استحالة صنع فرق. بووووم! عنف الاصطدام غيّر مسار جسده بالهواء لكن زيك لم يشعر.
ولا أحس بارتداده عن الأرض الصخرية مراراً وتوقف سوى بعد اصطدامه بجدار بعيد. لا لم يشعر بشيء. فجسده دخل مرحلة صدمة منذ زمن. أحس فقط بالظلام يطبق ورأسه يخف. استند بظهره إلى جدار ليبقى منصبّاً. نظر أسفل جسده ليؤكد ما علم بصحته. زالت ذراعه اليمنى ولم يتبقَ سوى جذع محترق تحت كتفه. أضلاعه لم تكن أفضل حالاً فكثير منها تكسر. أدرك زيك أن السبب الوحيد لعدم تفحم أكثر هو بلل ملابسه.
رغم ذلك ظل عقده صافياً وينبض قلبه بقوة. كم سينفعه ذلك الآن. رفع زيك بصره لسماع وقع خطوات قريبة. توقف خصوم الثلاثة على مسافة جيدة منه. حذرون بوضوح. اثنان منهم على الأقل بينما بدا الأخير غاضباً. لم يخرج ساحر البرق سالماً. كُسرت إحدى ذراعيه وكسوت جسده الخدوش. لكن أسوأ إصاباته كانت قطعة اللحم المفقودة تحت عينه اليمنى. بدا كأن حيواناً برياً هاجم وجهه. تواصل زيك بصرياً بتمعن مع الرجل قبل أن يبصق قطعة اللحم المفقودة.
تذوق حدة معدنية بلسانه. مقزز. مع ذلك رفع زيك طرفي شفتيه ابتسامة ملطخة بالدماء. فعل التمرد الصغير هذا أقصى ما استطاعه.
"دعني أجهز عليه أيها السيد الشقق"
توسل ساحر البرق من بين أسنانه. التفت جيهار جانبياً مستوعباً وضع المعركة. لم يرى زيك ما يدور لكن من شحوب الشاب الطفيف استنتج تفوق الآخرين عليه.
"أنهِ الأمر سريعاً"
قال.
"سيقتلني أبي إن فقدت أحدهم".
ابتسم ساحر البرق.
"لا تقلق سيدي الشاب. لن يستغرق الأمر سوى لحظة".
اقترب من زيك وهمس.
"… لحظة طويلة ومؤلمة جداً".
رصع زيك شرارات ضوء بيضاء مزرقة تتجمع بأطراف أصابع الرجل وتسارع نبض قلبه. تشتت أفكار النجاة وبدأ عقده يهيم. أيصمد طويلاً ليمنح غرافيتا أو فولكانو متعة النصر؟ كيف ستتفاعل عائلته حين يعلمون بموته؟ أيقدرة مايا على تجاوز الأمر مع الوقت؟ ماذا سيفعل الإمبراطور؟ أيتركونهم وشأنهم؟ شك زيك في ذلك لكنها فكرة مريحة. استمر الإصبع بالاقتراب ورأى زيك أول شرارات البرق تبلغ صدره. لم يشعر بألم ولم يرتجف جسده.
أيحاول المقاومة؟ أيقدر؟ فهم سابقاً مدى صلابة جسد الساحر الأعظم. ظن قدرته على إحداث ضرر بقوته. لكنه كان ساذجاً في ظنه. لم يشعر زيك بشيئ حتى حين ضغط الإصبع على صدره. غريب. أكان جسده بهذه الحال المتردية؟ لم يسمع سوى ضجيج طبلة قريبة أصم الآذان. با-دوم. با-دوم. با-دوم. كان عليه تناول شيء. جاع بشدة. ندم على بصق قطعة اللحم قبل قليل. كانت لتشكل وجبة خفيفة لطيفة. ربما وربما عليه أخذ قضمة أخرى.
التفت زيك إلى وجه ساحر البرق النازف وهو يلمس صدره بإصبع واحدة. جهل السبب لكن ألم تكن ملامح وجه الرجل أكثر رعباً من ذي قبل؟ لسبب ما استمتع زيك بذلك هائلاً. ألم يفترض بهؤلاء الأوغاد الواهنين النظر إليه هكذا؟ با-دوم. با-دوم. با-دوم. حقاً من أين أتى هذا الصوت؟ با-دوم. با-دوم. با-دوم. رأى زيك ساحر البرق يحاول سحب يده ووجهه غارق في الذعر. أين ظن هذا الوغد التافه أنه ذاهب؟ أيظن قدرته على الهرب؟
قبل صنع أي مسافة انطلقت ذراع زيك الوحيدة المتبقية. قبض على معصم الرجل وأمسكه بلا عناء. نهض زيك ببطء ممسكاً بالساحر المرتعب. لحظة وتواوجها وجهاً لوجه. بقيت ابتسامة زيك الدامية لكنها بدت مرعبة أكثر. بدت أسنانه كأنها حُدّت وبؤبؤاه استطالا. يحق القول إنها ليست ابتسامة بشر. بلا كلام رفع زيك إحدى ساقيه ليركل… نبه شيئ ما يحلق جيهار والحارس الباقي. استغرقهم لحظة لإدراك أنه جسد رفيقهم المكسور السابق.
التفا الاثنان ليجدا زيك واقفاً باستقامة. فر الدم من وجهيهما حين لاحظا ما يمسكه. كان يمضغ ذراعاً مقطوعة قاطعاً اللحم والعظم بنظافة.
"لذيذ".