ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 242 — الإفلات من المناجم

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 242 — الإفلات من المناجم باللغة العربية على مانجا تايم.

ما إن رمى زيك القارورة حتى انطلقت العناصر الحيّة. لم يكن هدفها القارورة بل الفتى الذي رماها. بدا أنّ الاستعادة أقلّ أهميّة من إزالة التهديد.

قال زيك لنفسه: "أمر منطقيّ للغاية"، واختفى من مكانه حين بلغته أولى العناصر.

استطاع بنقلِه الآنيّ قصير المدى الانتقال إلى أيّ نقطة داخل نطاق إدراكه، وكُلِّفت أكاشا باختيار أفضل موقع. أدرك استحالة مغادرة الحصار بضربة واحدة. لذا، كان اختيار المكان الأنسب أمراً بالغ الأهميّة. ظهر زيك مجدداً عند حافة نطاق إدراكه. وكما توقع نجحت في اختيار موضع قليل السكان نسبياً. لكن هذا لم يعني أنه آمن. بل غيّرت العناصر مساراتها فوراً. بدا أنها حددت هدفه بشكل قاطع.

كان أقربها يلوّح بطرف يشبه المنجل نحو عنقه. شتم زيك وهو يغيّر موضعه. كان يشرع في تكوين تعويذة داخل نواته، لكن الوقت فات. بدل عنقه، شقّ الظلّ الحادّ كتفه. توقع زيك هذا إلى حدّ ما، ورغم ذلك صدمه قلّة مقاومة لحمه. كان سحرة الظلال قتلة مرعبين. في اللحظة التالية، اختفى. أخذه نقله هذه المرة إلى خارج الحصار. وهناك كان الممرّ. شقّت غرافيتاس طريقها لتوّها وأمسكت القوارير الثلاث التي رماها.

فاقتهما سرعةً رغم تكرار نقله الآنيّ. يعود الفضل في هذا أساساً لاستخدام غرافيتاس سحر الجاذبية لزيادة سرعة طيران القوارير. تشابكت نظراتهما للحظة، ثم انقضت، فاستدارت وركضت. أما زيك، فلم يملك ترف إضاعة الوقت. بدأ بالركض فور انتهاء نقله. بفضل نطاق إدراكه، استطاع استشعار الظلال وهي تضيق الخناق. بعد خطوات معدودة، اكتملت تعويذته مجدداً، واختفى زيك للمرة الثالثة. ظهر هذه المرة داخل مدخل الكهف الضيق.

تسمّرت رجلاه، فاستدار فجأة. انعكست في عينيه موجة عارمة من الظلال العازمة على التهامه. بلع زيك ريقه. مهما بلغت خطته من إحكام، لم تحضره لمثل هذا المشهد المرعب. رغم ذلك، لم يتوقف، وباشر العمل على تعويذته التالية. وقبل أن تبلغه الموجة، كان مستعداً. حاجز مكانيّ! اصطدمت سيول الظلال بالجدار غير المرئيّ. كان مشهداً غريباً. أشبه بسقوط ريشة على سطح المحيط عوضاً عن اصطدام عنيف، تذكرة واضحة بمدى ضآلة كتلة تلك الأشباح المظلمة.

مع ذلك، لم يوهِم زيك نفسه بفعالية هذه الطريقة. لن توقفهم طويلاً، ولم تكن مضطرة لذلك. كل ما نوى فعله هو كسب بضع ثوانٍ لأجل غرافيتاس. وكما هو متوقع، وجدت الظلال طريقها قريباً عبر الشقوق الصغيرة في الجرف المحيط بالمدخل، متجاوزة حاجزه بسهولة. تخلّى زيك عن موضعه حين ظهر أول العناصر في الجهة المقابلة. أعدّت أكاشا نقلاً آخر، مانحة زيك انطلاقة مبكرة. ومنذ تلك اللحظة، ركّز على الجري بينما تتولّى هي نقله قبل أن يصيبه الضرر.

بالطبع، لم يكن نظامهما مثالياً، وتعرض زيك لوابل من الإصابات الطفيفة. ركض بسرعة جعلت الهواء يبدو كأنه يحاول الإمساك به أثناء اندفاعه عبر أنفاق التعدين القديمة. ركض أسرع ممّا فعل طوال حياته، وشبح الموت يتلوه أثراً. في كل لحظة، كان جرح جديد ينفتح في مكان ما من جسده، لكن الأمر لم يهمّ. لم يملك اهتماماً يضيعه على تفاهات كهذه. انصبّ تركيزه بالكامل على الممر أمامه والمكان الذي ستخطو فيه قدمه التالية.

أخيراً، وبعد ما بدى دهراً، لمس زيك بصره منعطفاً معيناً في الطريق. رأى الهواء يتلوى، ظاهرياً بلا سبب. لكنه كان على دراية تامة بسبب هذا الاضطراب. قليلاً بعد. صرخ جسد زيك. كان صوته هو الألم الذي يشعر به من كل شبر من جلده، وكل أليف من عضلاته. تجاهل توسله الصامت وأمر قدميه بالركض بسرعة أكبر. وظلّ الإحساس البارد في ظهره تذكيراً مستمراً بالخطر المحدق. ورغم ذلك، انتشرت ابتسامة على وجهه.

لقد نجح. لم يحلم زيك حتى بإبطاء سرعته وهو يغوص برأسه نحو الجدار. وفي منتصف الهواء، أدار رأسه نحو اليمين. التقت عيناه بفولكانوس الذي كان ينتظر هذه اللحظة بالذات. كان الكيميروي مغموراً حتى نصفه في بركة من الحجر المنصهر. بلغت الحرارة مبلغاً جعل الهواء يضطرب في مساحة واسعة حوله. وحين التقت نظراتهما، زأر فولكانوس وأطلق سيلاً من الحمم البركانية. كان مشهداً يبعث اليأس حتى في قلوب أجرأ الرجال، إذ بدا الهواء نفسه يحترق بينما تمرّ به التوهّجات الساطعة للصخور المنصهرة.

لكن عيني زيك كانتا هادئتين وهو يتأمل المشهد. فالهجوم لم يكن موجهاً له بالنهاية. وفي اللحظة التالية، اختفى بلا أثر. بدا الأمر وكأن الجدار انشق له. بالطبع، لم يكن الأمر كذلك. في اللحظة ذاتها التي اختفى فيها من المنعطف، ظهر في ممر آخر على بعد خطوات قليلة. تم اختيار موقع فولكانوس بعناية فائقة لهذا السبب بالذات. سقط زيك على الأرض وهو يلهث بعنف. طلب جسده لحظة راحة، طلب الأكسجين.

فاستجاب له. لكن انتباهه انصبّ على أمر آخر. باستطاعته عبر نطاق إدراكه مراقبة ما يدور في الممر الآخر. يا له من استعراض. ركضت موجة الظلال العناصرية برؤوسها نحو موجة عارمة من الموت المنصهر. لم تستطع العشرات الأولى حتى الصراخ حين أُحرِقت مكانها. أطلقت المجموعة التالية عويلاً حادّاً حين علقت أجسادها في الموجة. لم تمت فوراً، لكن مصيرها انتهى إلى أن يكون أسوأ بكثير بينما كانت تحترق ببطء حتى الموت.

مات العشرات في لمح البصر، وكانت الموجة الثانية من الحمم في طريقها بالفعل. رأى زيك ما يكفيه. تشبّث بقدميه وبدأ بالركض الخفيف. لم ينتهِ دوره في هذه الخطة بعد. وصل إلى موضعه التالي وانتظر، بينما استمر في التقاط أنفاسه. من الأصوات القادمة عبر الممر، لن يتأخر الأمر طويلاً. بعد لحظات قليلة، ظهر فولكانوس وهو يعدو نحوه. برغم حجمه، كان الكيميروي مرناً كالقطط وسريعاً كخيل سباق.

سمح زيك لنفسه بلحظة ذهول، متعجباً من البراعة الجسدية لنوعه. لكن حين مرّ الرجل الضخم، كان مستعداً للتحرك. حاجز مكانيّ! كرر زيك حيلته السابقة، محاصراً الممر الضيق بسحره. في الواقع، كان هذا مجمل خطته. أما غرافيتاس، التي غدت قدراتها عديمة الفائدة ضد العناصر، فستلتقط القوارير وتفرّ. بينما يتناوب هو وفولكانوس على تعطيلهم وتقليص أعدادهم قدر المستطاع. ستكون هذه الاستراتيجية البسيطة خياراً سيئاً ضد أي خصم آخر، لكنها كانت مثالية للعشرات.

مستوى ذكائهم البدائيّ يكفل تقريباً وقوعهم في الفخ نفسه مراراً وتكراراً. لم يوهِم زيك نفسه بتحقيق النصر هكذا. استحال عليه الفوز، إذ ستُولد عناصر جديدة لتعويض الموتى. لكن الفوز بالقتال لم يكن هدفه قط. كل ما احتاجه، كل ما أراده، كان بلوغ السطح. هذه المرة الثانية، صمد حاجزه بشكل أفضل بكثير. بذل هو وفولكانوس قُصارى جهدهما لسدّ أي شقوق مسبقاً. لكن الأمر لم يكن مثالياً. وقبل فوات الأوان، تسلل أحد العناصر، مما أجبر زيك على الركض مجدداً.

طالت لعبة القط والفأر هذه لفترة لا تُطاق. بموضوعية، مرت بضع دقائق فقط، لكنها بدت لزيك كأنها دهر. دفع نفسه إلى ما وراء طاقته له ثمنه، خصوصاً بالتكرار. لم يشعر بهذا الإعهاق منذ أمد بعيد. علم زيك بأنه لن يصمد طويلاً. لحسن الحظ، لم يكن مضطراً لذلك. بعد انتقاله عبر جدار أخير، تعثر زيك وقام على قدميه. كانت رؤيته غائمة وهو يلهث بحثاً عن الهواء. نواته تحترق أكثر من أي وقت مضى.

كاد يعجز عن فتح عينيه مع زحف الظلام على أطراف بصره. رغم ذلك، لم تتوقف قدماه عن الحركة. ثم رأى ضوء الشمس. وهناك، مجسّمة عند المدخل أمامه، كانت غرافيتاس. كان الكيميروي يناديه، حاثّاً إياه على التقدم. عجز عن سماع الكلمات، لكن شفتيها كانتا تتحركان بيقين. ولكن لِمَ بدا وجهها مرعوباً إلى هذا الحد؟ ثم استشعر زيك الأمر. ظهر شكل في نطاق إدراكه. مثل عربة حرب، اندفع فولكانوس هابطاً في الرواق.

ابتسم زيك. لقد نجح هو الآخر. وبعد لحظة، تلاشت ابتسامته. تلت أعقاب فولكانوس مجموعة من الظلال. لم يتبقَّ سوى نحو عشرة في هذه المرحلة. لا بأس بذلك. كان الأمر أكثر مما يطيقان دون إعداد. سيما الآن، ونواته على هذه الحال. رغم إعهاقه، تسابق عقل زيك. ماذا يفعل؟ ما الذي بوسعه فعله؟ مع ذلك، وقبل أن يتوصل لشيء، بلغه فولكانوس. توقع زيك أن يركض الكيميروي متجاوزاً إياه، لكنه لم يفعل. ودون أن يقطع عدوه، أمسك فولكانوس زيك من مؤخرة عنقه.

ومثل هرّة تحملها أمها، حمله بيد واحدة. لم يبدُ الوزن الإضافي ليبطئ العملاق ولو قليلاً. لم يفرح زيك. لن يكفي هذا. بدا أن فولكانوس أدرك ذلك أيضاً؛ فرأى زيك الإدراك يتجلّى عليه. كانت عيناه قلقتين قبل لحظة، لكنهما هدئتا الآن. عوضاً عن الأمل العابر قبل لحظات، أبدتا عزيمة صارمة.

أدرك زيك فوراً ما سيقوم به: "لا!"

لكن الوقت كان قد فات. لقد غادر قبضة الرجل بالفعل وسبح في الهواء بسرعة هائلة. عوضاً عن تباطؤ سرعته، تسارع أكثر حين بلغ مدى غرافيتاس. لم تغادر عيناها قط هيئة فولكانوس التي كانت تصغر وتصغر في الأفق، حتى حين أحاطت به ذراعان نحيلتان. أحسّ بوهن الأشعة الدافئة للشمس على جلده، لكن الأمر لم يهمّ. ظلت عيناه مسمرتين على ذلك الشكل البعيد. كان فولكانوس ما زال يتحرك، لكن بلا جدوى.

لقد أبطأته الرمية أكثر. انعدمت أي فرصة للحاق به. حاول زيك المقاومة، لكن الذراعين أمسكتا به كالمنجلة. حاول الانتقال الآني، لكن أكاشا دمرت التعويذة قبل تشكلها. كان ذلك للأفضل، وأدرك زيك الأمر. ما الذي كان بوسعه فعله أصلاً؟ لقد قال إنه مستعد للمخاطرة بحياتهما، وها قد جاء ملك الموت ليقبض ثمن ذلك الوعد. كل ما استطاع فعله هو المراقبة بصمت لرجل آخر يموت مكانه، يموت ليمنحه فرصة للتقدم بخطوة أصغر.

عجز زيك عن فعل شيء، فلم يفعل شيئاً. ابتلت عيناه حين رأى الظلال تلحق ببطء بالهيئة الرائضة. أراد تحويل نظریه، لكنه أجبر نفسه على الثبات. في اللحظة الأخيرة، قبيل بلوغ النصال ظهر فولكانوس، لمح زيك شيئاً يدخل نطاق إدراكه. بسرعة السهم، مر به المقذوف. لا، لم يكن هذا مقذوفاً. كانت زاحفة صغيرة، وقد ضمت جناحيها، محلقة بسرعة عجزت عيناه عن متابعتها. لقد وصل التنين. مع ذلك، لم يعتقد زيك أنه سيصل في الوقت المناسب.

عندئذ فتح التنين فكيه... وزأر. ناقض الصوت الخارج من حنجرته حجمه الضئيل تماماً. كان هديرًا عميقًا ومجلجلًا. صوتًا بدائيًا لدرجة جعلت كل شعرة في جسده تقشعر. لم يسبق له رؤية تننين، لكن جسده أدرك غريزيًّا وجوب الخوف. كان هذا مفترس قمة، قمة الهرم، السماء التي فوق السماء. لم يقتصر هذا الشعور على زيك. في الواقع، بدا الأقل تأثراً. تجمدت غرافيتاس تماماً؛ فارتفت قبضتها الحديدية، وشعر بهرتعشاتها على ظهره.

اتسعت عينا فولكانوس بشكل هزلي، لكن لحسن الحظ، بدا أن خوفه زاده سرعة فقط. لكن الأبرز كان الأثر على ظلال العناصر. توقفت تماماً. صحيح أن ذهولها دام للحظة، لكنه كفى. انقض التنين وسطها، ممزقاً وناطقاً ومخرباً في كل اتجاه. بطبيعة الحال، تفوقت أمواج ظلال العناصر عليه تماماً. بعد لحظات، اصطدمت الجثة الدامية للزاحف الصغير بالأرض، وشعر زيك بروحه تعود إليه. لكن تضحيته أثمرت. صار فولكانوس أخيراً ضمن مدى سحر غرافيتاس.

وبعد لحظة، سبح جسده العملاق في الهواء. حاولا الإمساك به، لكن بلا جدوى. طرحهما جسده الضخم أرضاً، لكن زيك لم يكترث. في الواقع، لم يشعر بهذه السعادة قط لكونه مقذفاً هكذا. ربت زيك على ظهر الرجل الضخم من مكانه على الأرض مبيّتاً عينيه على ظلال العناصر. وكما توقع، توقفت تماماً قبل ملامسة أشعة الشمس. أطلق تنهيدة عميقة. لقد نجحا.