وقَفَ مكسيميليان أمام زيك بملامح صارمة.
قال: "يا زيك، لقد أمضيت شهوراً تدرس تعويذة [الوعي المكاني التام]. آن الأوان لنرى إن كنتَ قد أتقنتها بحقّ".
أومأ إزيكييل برأسه، وكان قلبه يخفق بخليط من الحماس والخوف. لقد كدح طويلاً لإتقان هذه التعويذة، لكنه اعلم أن الاختبار سيكون عسيراً.
قال مكسيميليان: "سأعصب عينيْك، ثم أرمي نحوَك بعشرات الكرات النارية الصغيرة. مهمّتك هي صدّها جميعاً دون أن تصيبك، مستخدماً وعيك المكاني التام وحدَه".
تنفّس إزيكييل بعمق وسمح لمكسيميليان بعصب عينيه. كان يسمع طقطقة النيران، وعلم أن مكسيميليان يُعدّ الكرات النارية. مدّ شعوره بذهنه مستشعراً الفضاء من حوله. استطاع إدراك الكرات النارية، فكانت كل كرة نقطة ساطعة وحارقة في وعيه. بدأ مكسيميليان إطلاق الكرات النارية، فغمر إزيكييل فجأة طوفان من الحرارة والضوء. تحرّك بخفة وثقة، صادّاً كل كرة نارية بلويحة من عصاه. استشعار حرارة الكرات النارية وهي تمرّ قرب منه، لكنه لم يهن.
بدا الاختبار كأنه يدوم إلى الأبد، لكنه انقضى في النهاية. أزال مكسيميليان العصابة، وفتح إزيكييل عينيه ليرا أنه صدّ بنجاح كل كرة نارية بلا خدش واحد.
نظر مكسيميليان إلى زيك برضى، وقال: "لقد أتقنتَ تعويذة [الوعي المكاني التام] حقّاً. حان الوقت لنقشها في جوهرك".
أومأ إزيكييل برأسه، محاولاً إخفاء الخوف الزاحف في صدره. لقد خاض عملية نقش تعويذات من قبل، وكانت عذاباً مقيماً. لم يظنّ أنه قادر على تحمّل ذلك القدر من الألم مرة أخرى. قاد مكسيميليان إزيكييل إلى غرفة النقش، وهي حجرة صغيرة تزينها نقوش معقدة وتدور حولها دائرة من المرايا المواجهة للداخل.
قال مكسيميليان: "أعلم أنك خائف، لكن صدقني، ستكون العملية أقل إيلاماً بكثير مما كانت عليه في المرة السابقة".
تنفّس إزيكييل بعمق وجلس في دائرة النقش. بدأ مكسيميليان العملية، ولمصلحة إزيكييل المندهشة، أدرك أن الألم لم يكن سوى انزعاج طفيف مقارنة بالعذاب المطلق الذي كابده في المرة الفائتة. وبفضل تحكمه التام بالجسد، استطاع الإحساس بالتعويذة وهي تُنقش في جوهره، وكل نقش يتوهج ببريق ساطع قبل أن يخبو. لم تستغرق العملية كلها سوى خمس وأربعين دقيقة.
قال: "شكراً لك، على كل شيء".
ابتسم مكسيميليان.
"على الرحب والسعة يا زيك. لقد قطعتَ شوطاً طويلاً، وأنا فخور بك. بمعرفة تعويذة [الوعي المكاني التام] منقوشة في جوهرك، ستستطيع إنجاز أمور عظيمة. والآن، لنرَ كيف توظّفها".
ومع نقش تعويذة [الوعي المكاني التام] في جوهره الآن، شعر زيك بإحساس متجدد بالقوة والسيطرة. أغلق عينيه وركّز، مادّاً عقله لاستشعار الفضاء المحيط. كان أثر التعويذة أقوى بأضعاف مضاعفة مما كان عليه قبل نقشها. استطاع زيك الإحساس بكل ذرة غبار في نطاق حوله يمتد لنحو مترين في كل الاتجاهات. بدا الأمر كامتلاك حاسة إضافية، حاسة تتيح له إدراك العالم بطريقة جديدة وعميقة. أعجب بشعور الوعي المطلق لحظةً وأدرك أن هذا الأثر يبدو متاحاً له دائماً الآن، بلا حاجة لتلك التعويذة أصلاً، فقد صار جزءاً منه.
بهذه التعويذة، علم أنه سيتمكن من شق طريقه في محيطه بدقة، وتجنب العقبات بلا رؤيتها، والتفاعل مع التهديدات قبل حتى أن تتجسد. وفي اللحظة التي بدأ فيها يدرك المدى الكامل لقدراته الجديدة حقّاً، تحدث مكسيميليان.
قال مكسيميليان: "يا زيك، حان وقت مفاجأتك".
ارتبك زيك، فمكسيميليان لم يحضر معه شيئاً إلى الغرفة، ولم يدْرِ أيّ نوع من المفاجآت قد يخبئه له معلّمه. لكن مكسيميليان خطا بعدئذ داخل نطاق وعيه ذي المترين، وأدرك زيك فجأة ماهية المفاجأة. وما إن خطا مكسيميليان داخل نطاق الوعي المكاني لزيك، حتى استطاع زيك استشعار كل جزء من جسد مكسيميليان تماماً كما يفعل بجسده الخاص. كان التناغم بين تعويذتي [التحكم التام بالجسد] و[الوعي المكاني التام]
عجيباً بحقّ. فالتحكم التام بالجسد منحه فهماً عميقاً لكيفية عمل كل جزء دقيق في الجسد، بينما منحه الوعي المكاني التام القدرة على رؤية كل شيء حوله برؤية مثالية. وبهاتين القدرتين المتضافرتين، استطاع زيك رؤية الطريقة الدقيقة التي يلقي بها أي شخص آخر التعويذة. استطاع رؤية تدفق السحر عبر أجسادهم، وطريقة تحرك عضلاتهم، والطريقة التي تتجسد بها التعويذة. ورأى الأنماط السحرية المعقدة التي تشكل التعويذة وفهم بنيتها بطريقة لم يستطعها أحد سواه.
غمره شعور بالحماس والذهول وهو يرمق معلمه الذي كان يلقي تعويذات لمنفعة زيك. استطاع رؤية قدرة مكسيميليان على تضخيم آثار كل تعويذة، وكيف استطاع دمج قواهما لإنجاز أمور لم يعلم زيك أنها ممكنة. أدرك زيك أنه بهذا الفهم المتجدد، سيستطيع تحسين إلقائه للتعويذات، وتطوير تعويذات جديدة أقوى، وأن يحجز مكانه بين عظماء السحرة في التاريخ. واستطاع أخيراً فهم ما كان مكسيميليان يتحدث عنه قبل كل تلك الشهور، حين قال إنهما سيحدثان ثورة في أصل مفهوم نظرية السحر.
وفيما كان زيك يملي ناظريه على معلمه، ضربته القيمة الحقيقية للهدية التي منحها إياه مكسيميليان كالموجة. اغرورقت عيناه بالدموع، ولم يسعه إلا الامتلاء بالامتنان لمعلمه. أدرك أن التقنيات التي نقلها إليه مكسيميليان كانت هدية ضخمة بحقّ، شيئاً سيغير حياته إلى الأبد. لم يقل مكسيميليان شيئاً بل وضع يده ببساطة على كتف زيك، وكانت نظرته دافئة ومفعمة بالفهم. لم يحتاج لقول شيء، فقد فهم كل منهما مشاعر الآخر.
في تلك اللحظة، بدت كل الكلمات فائضة عن الحاجة، فقد كانت المشاعر والامتنان واضحة بما يكفي. لم يسع زيك إلا الشعور بالتواضع إزاء تلك اللفتة، فقد علم أن التقنيات التي مُنح إياها لم يحظَ بشرف تعلمها أحد قط في تاريخ السحر، وأنها سترتقي به إلى آفاق جديدة لم يحلم قط بإمكانية بلوغها. بعد هنيهة، تنحنح زيك ومسح أثر الدموع من عينيه. التفت إلى مكسيميليان الواقف ويده ما زالت تستقر على كتفه.
بدأ زيك كلامه: "يا مكسيميليان. تُرَى ما الذي يمكن أن يكون الجزء الثالث من مشروع الثلاثية؟ إن ما أريتني إياه وحده يكفي لإحداث ثورة في مجتمع السحر".
انفرج وجه مكسيميليان عن ابتسامة خبيثة.
"التعويذة الثالثة يا زيك العزيز، تعويذة العقل، قد تكون الأهم بين الثلاثة".
أصخى زيك السمع باهتمام بينما شرح له مكسيميليان تعويذة مشروع الثلاثية الثالثة.
استهل مكسيميليان حديثه قائلاً: "تُدعى [استرجاع الحواس التام]، وهي حقاً إحدى أفضل ابتكاراتي حتى الآن، إنها دمج لثلاث تعويذات سحر عقلي".
ومضى يقول: "وهي مبنية على تعويذات [التسجيل والاسترجاع]، و[العزل الحسي]، و[فهم اللغات]".
مضى مكسيميليان يصف كيف تعمل تلك التعويذات الثلاث.
"تعويذة [التسجيل والاسترجاع] تتيح للمتعويذ تسجيل كل ما يدركه طالما استمر توجيه التعويذة. ويمكن استرجاع المحتوى لاحقاً بوضوح تام".
ثم أضاف: "عيب هذه التعويذة هو استهلاكها الهائل للمانا، لذا لا يمكن استخدامها إلا لفترة قصيرة".
قال مكسيميليان: "أما تعويذة [العزل الحسي]، من جهة أخرى، فتتيح لساحر العقل إطفاء إحدى حواسه. قد يكون هذا مفيداً للغاية للوقاية من الهجمات المعتمدة على الصوت أو لتفادي نتانة فظيعة عند استكشاف مستنقع، لكن العيب هو إمكانية استغلال ضعف الحاسة المفقودة".
مضى مكسيميليان شارحاً التعويذة الأخيرة: "تعويذة [فهم اللغات] ذات اسم مضلل".
وقال: "فهي لا تتيح لك فهم اللغة سحرياً، بل تبحث في دماغك عن أي معرفة تمتلكها عما يُقال. تستخدم كلمات متشابهة النفظ في لغات أخرى، وأنماطاً متكررة، ولغة الجسد لفهم ما يُقال. وكلما طال توجيه هذه التعويذة، فهم المتعويذ قدراً أكبر من اللغة المنطوقة".
وحاول شرح الأمر أكثر بقوله: "تعمل كطفل شديد الذكاء، تمتص كل المعلومات المتاحة كالإسفنجة لتعلم اللغة الجديدة في زمن قياسي. هذه التعويذة لا تكاد تستهلك مانا، لكنها تلقي ضغطاً هائلاً على الدماغ إن طال توجيهها".
استمع زيك باهتمام بالغ، واستطاع فوراً تخيل تطبيقات عملية عديدة لهذه التعويذة، بدءاً من السفر إلى بلدان جديدة وصولاً إلى التفاوض مع أناس بلغات أخرى. التفت مكسيميليان إلى زيك وبريق في عينيه.
"أتعرف يا زيك، ما الذي تظنّ أن تعويذة [استرجاع الحواس التام] تفعله، بناءً على المعرفة بالتعويذات الثلاث التي تبنى عليها؟"
فكر زيك هنيئة، مستذكراً المعلومات التي قدمها له مكسيميليان.
بدأ قوله: "حسناً، أظن أن [استرجاع الحواس التام] تدمج قدرات [التسجيل والاسترجاع] و[العزل الحسي] لتتيح للمستخدم تسجيل واسترجاع كل المدخلات الحسيّة بوضوح تام والقدرة على عزل حاسة واحدة أو عدة حواس حسب الرغبة".
أومأ مكسيميليان برأسه وبدت على وجهه ملامح الاستحسان.
قال: "إنه تخمين جيد يا بني. لكنك مخطئ تماماً هذه المرة. دعني أعطيك تلميحاً: التعويذة الأولى لها مشكلة. والتعويذة الثانية تحل مشكلة الأولى. والتعويذة الثالثة تحل مشكلة الثانية. وممشكلة التعويذة الثالثة يحلها سحر دمك".
حاول زيك تبين وظيفة التعويذة بناءً على ما قاله مكسيميليان. التعويذة الأولى، [التسجيل والاسترجاع]، كانت مشكلتها واضحة، إذ استهلكت مانا مفرطة. وعلم أن التعويذة الثانية، [العزل الحسي]، يمكنها حل هذه المشكلة عبر تسجيل حاسة واحدة فقط من الحواس الخمس، ولكن أيّة حاسة ستكون تلك؟ وكيف يمكن للتعويذة الثالثة، [فهم اللغات]، إصلاح مشكلة الحواس المفقودة؟ أغلق زيك عينيه واستخدم تحكمه التام بالجسد لزيادة طاقة دماغه، فيما كان يفكر في الأمر.
وبفضل وعيه المكاني التام استطاع "رؤية"
كيف كان مكسيميليان يبتسم له بانتظار. وفجأة لمع في ذهنه الحل. بدا كل شيء منطقياً، ففتح عينيه على وسعهما. وسقط فكه ذهولاً. لم يقوَ على تصديق مدلول ما نظّر له لتوه. كان هذا جنوناً. نظر إلى مكسيميليان فرأى العجوز يبتسم له بأوسع ابتسامة رآها زيك قط على وجه العجوز.
ثم تلفظ مكسيميليان بجملة واحدة لن ينسها زيك بقية حياته: "مرحباً بك في مشروع الثلاثية!"