عاد زيك إلى منزله متلهفاً لمشاركة تفاصيل نزاله مع معلمه ماكسيميليان ليجد البيت فارغاً. فتّش الغرف ونادى اسم معلمه فلا مجيب. انتظر دهراً بدا طويلاً وهو يجوب الممرات ويستعيد أحداث النزال في رأسه حتى عاد ماكسيميليان أخيراً. أسرع زيك نحو معلمه مستعداً لفيض قصة نصره لكن العجوز أوقفه تلويحةً من يده.
قال بعينين تبرقان بلمحة تسلٍّ: "أنا أعرف حقاً يا بني".
بُهت زيك.
سأل: "ماذا؟ كيف لك أن تعرف؟".
ابتسم ماكسيميليان وبدأت ومضة شقية تلمع في عينيه: "قد أكون عجوزاً لكن لا يزال بإمكاني التسلل متى شئت. تنكرت في زي طالب وتسللت إلى الحلبة لأشاهد النزال".
لم يستطع زيك منع نفسه من الانفجار ضاحكاً أمام صورة معلمه البدين وهو يحاول التصرف كمراهق. كانت فكرة هذا العجوز الفخور الوقور وهو يتسلل مثل صبي أمر لا يُصمَد أمامه. ضحك حتى آلمته ضلوعه وشعر برباطة أُخوّة عميقة مع العجوز الذي صار بمثابة جدّ له.
ابتسم ماكسيميليان وضربه على ظهره برفق: "إياك أن تخبر أحداً بهذا أتدري؟ سمعتي على المحك".
أومأ زيك ماسحاً دموع الضحك من عينيه: "لن أنطق بحرف أعدك"
وبقي يقهقه. انخرط زيك وماكسيميليان سريعاً في نقاش حول النزال. أثنى ماكسيميليان على قدرة زيك في السيطرة على مجريات الحديث قبل القتال محولاً الحشد ضد مارتن ليجعله يبدو كاذباً وأحمق. غير أنه لم يكن هناك الكثير ليقال عن القتال الفعلي. تحول تعبير ماكسيميليان إلى خيبة أمل وهما يناقشان أداء مارتن الضعيف وكيف انتهى القتال سريعاً وبحسم لصالح زيك.
قال ماكسيميليان متنهداً: "من المرجح أن عائلة فويركرانتز لم تعلمه شيئاً. ربما اكتفوا بدعوته رمزياً إلى العائلة دون تقديم أي من المزايا كالاستثمار أو الموارد".
نظر إلى زيك بمزيج من الأسى والإعجاب وأردف: "ربما كنت قاسياً بعض الشيء في هجومك الأخير".
وحين استقرت حقيقة كلمات ماكسيميليان في ذهنه بدأ زيك يشعر بوخز من الذنب إزاء الطريقة التي أذل بها مارتن وهزمه. كان يعلم أنه طبق الكمية الدقيقة من القوة اللازمة لشل خصمه بفضل إتقانه لمهارة [التحكم التام بالجسد]. لكنه ظن أيضاً أن مارتن سيتمكن من الوصول إلى موارد عائلة فويركرانتز لتساعده على التعافي سريعاً. بدا أنه استخف بمدى حرمان مارتن ولم يستطع إلا أن يتساءل عما إذا كان قد تمادى في هجومه الأخير محطماً عظمة صدور مارتن وتاركه عاجزاً.
ومع تعاظم مشاعر الذنب فكر زيك في كل الأوقات التي عمل فيها مارتن ضده والخطة التي دبرها لإذلاله في النزال. فكر في كل اللحظات التي حاول فيها مارتن التقليل من شأنه وتحقيره وكيف كان يسعى للانتقام. تراجع الذنب بشكل كبير في مواجهة هذا الإدراك وامتلىء بغضب عارم ومحق تجاه مارتن. لكن كل هذه الأفكار تبددت حين تذكر ما حدث بعد القتال.
أخبر زيك ماكسيميليان بخبر سار أخفاه حتى اللحظة وبنبرة يملؤها الحماس: "حين صدرت كل تلك التعاويذ بمهارة [الحاجز المكاني] شعرت بضغط ينبعث من نواة مكاني. أنا متأكد تماماً من أن نواتي المكانية مستعدة للتطور".
وضع ماكسيميليان يده على صدر زيك وأكد شكوكه فكانت نواة التلميذ المكانية مستعدة حقاً للتطور.
قال مفكراً: "أنا متفاجئ قليلاً لسرعة نموك. لكن حين أفكر في الأمر نجد أن الموهوبين الأصغر سناً يمرون جميعاً بنقش التعاويذ خلال عطلة الصيف فنهاية الفصل الدراسي لم تفصلنا عنها سوى شهر واحد الآن".
فوجئ زيك بكلمات ماكسيميليان فهو لم يكن في الأكاديمية سوى لأربعة أشهر ونيف فكيف ينتهي الفصل الدراسي الآن؟ أوضح له ماكسيميليان أن الفصل الدراسي في الأكاديمية لا يتجاوز خمسة أشهر تليها عطلة صيفية مدتها شهر واحد.
وقال: "ولا تنس أنه في نهاية الفصل الدراسي يوجد دائماً امتحان كبير لقياس ما إذا كان الطلاب يحققون تقدماً. وفي نهاية العام يوجد امتحان الارتقاء في الصف. وكل الطلاب الذين يفشلون في اجتيازه مجبرون إما على إعادة العام أو مواجهة خطر الطرد بعد الرسوب لأكثر من ثلاث مرات".
وبينما تملكت الأفكار عن الامتحانات الوشيكة عقله شعر زيك بعقدة من التوتر تتشكل في معدته.
التفت إلى ماكسيميليان وسأل بصوت يفضح توجسه: "هل سيكون الاختبار صعباً؟".
ضحك ماكسيميليان وقال: "لا تقلق يا بني. ستخضع للاختبار في المعرفة السحرية العامة فضلاً عن تقارباتك الثلاثة فقط. وبما أن الحصص حول سحر الدماء والمكان والعقل محدودة للغاية فيما تقدمه فستكون الاختبارات في تلك الموضوعات سهلة أيضاً".
وبتوجس سماع هذا غمرت زيك موجة من الارتياح. انحلت العقدة في معدته وشعر بالتوتر يغادر جسده. وكلمات معلمه الذي طالما كان مرشداً وسنداً له ملأته بالثقة وعلم أنه يستطيع اجتياز الاختبارات بسهولة.
وماكسيميليان يغمز بعينيه مازح ما قاله زيك: "ما يجب أن تخاف منه حقاً هو السؤال عن كيفية قضاء عطلة الصيف الطويلة".
ضحك زيك مفهماً المزحة ورد: "أريد زيارة بيتي ووالدي وأشتاق لأختي الصغيرة".
وأردف بحماسة: "علي أيضاً إخبار والدي بأني تُمُنّيت وتبنتني عائلة فون هوهنهايم وأننا جميعاً أصبحنا نبلاء تقنياً".
استمع ماكسيميليان إلى خطط زيك مؤمئاً بموافقة.
وقال: "من الجيد أنك تريد رؤية عائلتك لكن عطلة الصيف هي أيضاً وقت ينطلق فيه الطلاب في مهام أطول بعيداً عن العاصمة لاكتساب خبرة في الواقع المعيش. ينبغي ألا تقضي كل وقتك مسترخياً مع والديك بل عليك الخروج والاستكشاف أيضاً".
تأمل زيك هذا وأدرك أن معلمه على حق.
أومأ: "أنت محق سأفعل ذلك. سيُسر والداي بالتأكيد إن تمكنت من البقاء في البيت لأسبوع لكن بقية عطلة الصيف يمكن قضاؤها في المغامرة".
ابتسم ماكسيميليان مسروراً باستعداد تلميذه للتعلم والنمو.
وقال: "هذه هي الروح المطلوبة. اخرج واختبر أشياء جديدة وتعرف على ناس جدد واكتفِ باكتشاف أماكن جديدة. هكذا تنمو بأسرع ما يمكن بوصفك ساحراً".
التفت ماكسيميليان إلى زيك وقال: "لن نحتاج للاستعجال كثيراً هذه المرة. لكني ما زلت أريدك أن تنقش نواة تقاربك المكاني قبل عطلة الصيف. لن يكون من الجيد ترك النواة بدون تطور طوال العطلة الصيفية".
وافق زيك من كل قلبه متذكراً الألم الذي عاناه بعدم تطوير نواته الدموية لفترة أطول من اللازم. وهو يعرف أهمية تطوير نواته في الوقت المناسب كما تذكر فوائد ذلك والقوة التي تمنحها إياه.
وبإصرار أضاف: "لحسن الحظ أن مهارتي [الوعي المكاني التام] تتطور بشكل جيد وليس لدي أدنى شك في أنني أستطيع إتقانها في أقرب وقت إن ركزت عليها".
كان يعلم أن إتقان هذه التعويذة سيقربه من تطوير نواته وكان متلهفاً لفعل ذلك.
ورأى ماكسيميليان كم كان زيك متحفزاً فقرر صب المزيد من الزيت على النار: "إن نجحنا في تطوير النواة مبكراً فسأبدأ بتعليمك تعويذة سحر العقل الخاصة بك. وبهذه الطريقة يمكنك الاستمرار في ممارسة تعويذة سحر العقل طوال العطلة الصيفية".
وحين سمع هذا ازداد زيك إصراراً على إتقان تعويذته السحرية المكانية بأسرع ما يمكن. كانت فكرة القدرة على تعلم وممارسة تعويذة جديدة طوال عطلة الصيف مثيرة وعلم أنها ستعقبه خطوة نحو هدفه في أن يصبح ساحراً قوياً. ولكن قبل أن يبدأ بتنفيذ خططه وقع طرق على الباب.
دخل الخادم الغرفة بعد لحظات وأخبر ماكسيميليان بأن "الآنسة الصغيرة فينتانزر"
قد وصلت وهي تنتظر في الأسفل. ارتبك زيك لعدم معرفته من تكون.
رد ماكسيميليان على إعلان الخادم: "إذن أحضرها إلى هنا".
نظر زيك إلى ماكسيميليان مرتبكاً من الوصول المفاجئ لهذه الفتاة المجهولة. لكن العجوز اكتفى بابتسامة مبهمة دون أن يقدم أي تفسير. وبعد ثوان معدودات رُكل الباب وانفتحت الشابة الصغيرة طائرة نحو الغرفة لتستقر بافتخار أمام ماكسيميليان.
أعلنت ويداه على خصرها وصدرها منفوخ باعتفا: "لقد وصلت".
حدق بها زيك عاجزاً عن استيعاب هذا الموقف غير المتوقع. لكن ماكسيميليان بدأ بالتصفيق كأنه للتو شاهد شيئاً مذهلاً بحق. أربك المشهد أمامه زيك بشدة.
فنظر من ماكسيميليان إلى الفتاة الصغيرة ثم سأل أخيراً: "من تكون هذه أيها العجوز؟".
حدق بها ماكسيميليان مذهولاً: "ألست تعرف من تكون؟".
درس زيك الفتاة بدقة أكبر. كان لها وجه جميل بعينين كبيرتين بريئتين وأنفة لطيفة. وبدا فمها وكأنه في ابتسامة قططية دائمة ولها قوام متعرج مدهش بالنسبة لقامتها الصغيرة. نظرت هي الأخرى إلى حزقيال بينما كان يتفحصها من السجاف إلى الحذاء بابتسامة خبيثة عارفة. راود حزقيال شعور بأنه رآها من قبل لكنه لم يستطع تذكر أين.
وبعد أن تفحص حزقيال الفتاة لوهلة أطهر تعبيراً ينم عن الإدراك وقال بثقة: "أأنت امرأة أحلامي؟".
بُهت ماكسيميليان بهراء حزقيال ودون أن يرد صفع الفتى على رأسه.
لكن حزقيال لم يتراجع بل أفلت إجابة مختلفة: "أأنت أمي الجديدة؟".
أراد ماكسيميليان ضرب الفتى مجدداً لكنه أدرك أن زيك كان يعبث معه فحسب. تنحنح ماكسيميليان وبدأ يشرح هوية الفتاة.
"هذه الآنسة الشابة هي فيولا فينتانزر وهي عبقرية في سحر الرياح وواحدة من أكثر الطلاب موهبة في الأكاديمية. إنها طالبة في السنة الثانية وهي أيضاً حفيد الدوق فينتانزر أحد أقوى النبلاء وأكثرهم نفوذاً في المملكة ومدير هذه الأكاديمية. لقد أخذتها تحت جناحي كمساعدتي الشخصية. وهي هنا لمراقبة تدريبك والمساعدة فيه إضافة إلى مساعدتك يا حزقيال".
ابتسم بابتسامة خفيفة: "أعتقد أن وجودها شريكة في تدريبك سدفعك إلى آفاق جديدة ويساعدك في بلوغ أقصى إمكانياتك".
ومع تقديم ماكسيميليان لها ازدادت فيولا فخراً واعتداداً بنفسها. نظرت إلى حزقيال بنظرة تبدو كأنها تنتظر المديح لكن حين لم تسمع منه أي كلمات إعجاب تلاشى تعبيرها.
وأطلقت شفتها بعبوس طفيف وشبكت ذراعيها فوق صدرها وقالت وبلمحة من الانزعاج تتسرب إلى صوتها: "أنتغاشم ونكران جميل. سيضحي الكثيرون بأذرعهم اليمنى ليتمكنوا من التدرب معي".
التفتت فيولا سريعاً إلى ماكسيميليان وتحول سلوكها إلى الضعف والاتهام.
وقالت بصوت يرتجف قليلاً: "جدي إنه يضايقني. لا أعرف ما فعلته لأستحق هذه المعاملة لكن هذا ليس عدلاً. عليك أن تفعل حيال ذلك شيئاً".
نظر ماكسيميليان إلى حزقيال الذي هز رأسه بعدم تصديق وقال بحزم: "لم أرتكب شيئاً من هذا القبيل".
فقالت فيولا بصوت يرتجف عاطفة: "جدي أرجوك لا تصدقه. إنه يحاول التستر على أفعاله فحسب. أريد العدالة فقط وأريدك أن تفعل شيئاً حيال هذا".
لان تعبير فيولا على ضحكة ماكسيميليان وتسللت ابتسامة مرحة إلى زوايا فمها.
استسلمت وقالت وهي تقلب عينيها بمرح: "حسناً حسناً. لكن لا يمكنك لومي على المحاولة أليس كذلك؟".
قهقه ماكسيميليان رداً عليها وهو يهز رأسه.
وحذر ملوحاً بإبعه على سبيل التأديب المصطنع: "ولا تفكري حتى في مناداتي 'بالجد'. فجدك الحقيقي سيقطع رأسي لو علم بذلك".
أطلقت فيولا تنهيدة مسرحية عبست للحظة ثم هزت كتفيها.
وقالت بعينين تلمعان خبثاً: "حسن إذن أعتقد أنه سيتعين علي إيجاد لقب جديد لك. ولكن يكفي هذا فما الذي سنفعله للتدريب؟".
استند ماكسيميليان إلى مقعده مفكراً في سؤالها للحظة: "حسنًا أول الأمور أولاً سنبدأ غداً. ماداً يده لربت على كتفها. "ولكن لِمَ لا تقضيان أنتما الاثنان بعض الوقت في التعرف على بعضكما الآن؟
فليس كل يوم نحظى بمثل هذه الضيفة الساحرة". تهلل وجه فيولا للمديح وتوردت وجنتاها بلون وردي. وقالت وحماسها واضح: "هذه خطة.
لا أطيق الانتظار لرؤية نوع التدريب الذي كنتما تخوضانه.
لقد أخبرني جدي أنك عبقري مطلق فيما يخص تعليم التعاويذ". منحها ماكسيميليان ابتسامة خفيفة فخوراً باعترافها بمواهبه: "هذا صحيح أراهن أنك ستنذهلين.
ولكن علي الآن الذهاب وما زلت بحاجة للتحضير الكثير لتدريب الغد". وبصحبته لتلك الكلمات ترك الاثنين بمفردهما. نظر حزقيال نحو فيولا التي لوحت مودعة ماكسيميليان ثم التفتت لتنظر إليه بدورها. حدق أحدهما في الآخر بصمت ولم يكن لدى زيك أدنى فكرة عما يفترض أن يحدث بينهما الآن وقد غادر ماكسيميليان.