كانت الشمس توشك أن تلامس الأفق عندما انطلق موكب من العربات عبر البوابة الشرقية لمدينة كانيون. كانت هذه إحدى القوافل المنتظمة التي تنقل البضائع والركاب بين العاصمة والحدود. في إحدى العربات الوسطى، جلس شابان بنيّا الشعر في صمت، يملأهما التركيز وهما يتابعان المشهد الجديد. كان اثنان كذين، بالطبع، هما زيكي وليو. لقد نجحا في حجز مقعدين على متن رحلة الصباح الباكر، رغم وصولهما المتأخر.
لم يكن إقناع الرئيس بالأمر العسير على زيكي. بل نجح حتى في خفض السعر عبر وعده بتقديم المساعدة إن اعترضتهما أي مخاطر. سرّ الرئيس كثيراً بحصوله على مساعدة ساحرين نظير تخفيض هزيل في التكلفة. ألم يكن أحمق لو رفض عرضاً كف هذا؟ عوضاً عن دفع أجرهما لقاء خدماتهما، دفع الاثنان المال ليعملا كحراس إضافيين. وما لم يعلمه هو أن ليو كان ليقاتل على أي حال، حتى بلا مقابل. لذا، شعر زيكي بدوره بسعادة بالغ تجاه هذا الاتفاق.
علاوة على ذلك، استبعد تماماً أن يُضطرَا لفعل الكثير. ابتعدت القافلة كلياً عن أي منطقة شديدة الخطورة، كما قلَّ وجود قطاع الطرق. وفوق هذا كله، استعان الرئيس مسبقاً بثلاثة سحرة كبار وأكثر من عشرين ساحراً حقيقياً لتأمين القافلة. تستطيع قوة كهذه التعامل مع معظم الأمور، وحتى إن عجزت، فلن تُحدث إضافة ساحرين حقيقيين أي فارق. حسم زيكي أمره مسبقاً؛ إن واجهوا مأزقاً يعجزون عن حلّه حقاً، سينجو هو وليو بأنفسهما عوضاً عن الالتزام بالاتفاق.
لم يكن التخفيض البسيط الذي منحهما إياه الرئيس سبباً كافياً للمجازفة بحياتهما بلا داعٍ. بطبيعة الحال، لم يعترض زيكي على المساعدة في أي ظروف أخرى. ستستغرق رحلتهما أسبوعين، وسيبدو الجلوس طوال اليوم بلا عمل مبعثاً للملل — بالنسبة ليو على الأقل. وباتسامهما الآن بالصفة الرسمية لأفراد طاقم الحراسة، تمتعا بحرية أكبر بكثير في التحرك باستقلالية. كان هذا السبب الرئيسي وراء موافقته على هكذا ترتيب.
بعد أقل من ساعة، تحققت توقعاته بالفعل حين ضجر ليو من التحديق في الخارج. ولمّا لم يعودا بمفردهما، عجز شقيقه عن متابعة تدريبات دمج السحر، مما قلل من وسائل إلهاء نفسه. وبالمثل، ازداد التضاريس رتابة. وكلما توغلا شرقاً، قلّت معالم المشهد. وحلت التربة الجافة منذ زمن طويل محل الغابات الخضراء والحقول العشبية.
كانت عاصمة كوروفان في قلب الصحراء، لذا وثق باستمرار هذا الوضع. وعلى عكس ليو، لم يجد أي مشكلة في الجلوس بلا حراك. امتلك من الأمور ما يكفي لإشغال تفكيره، فحتى لو تسرب إليه الملل، لاستطاع محادثة أكاشا أو التنين. لكن ليو لم يشبهه، إذ رصد زيك أخاه يبدأ بالتململ.
"لم تمض حتى ساعة واحدة، يا ليو. لم تستبد بك الريبة هكذا بالفعل؟"
التفت إليه ليو.
"وما المفترض بي فعله إذن؟"
أشار زيك إلى الركاب الآخرين.
"تقرأ كتاباً؟"
أطلق ليو شخير سخرية كأن الاقتراح بلغ الغاية في العبث. وعجز زيك عن منع ابتسامة ساخرة من شق طريقها إلى وجهه إزاء رد فعل أخيه.
"لن نبلغ أول منطقة خطر حتى وقت متأخر من المساء، لذا فلن تقع أي معارك لبعض الوقت."
تألقت عيناك ليو عند ذكر منطقة الخطر.
"ما مستواها؟"
زار الاثنان نقابة المغامرين المحلية خلال إقامتهما في المدينة، وفاجأهما الشح الشديد في عدد المهام. لم يكذب الموظف، إذ انعدمت حقاً مهام الإبادة المعروضة. وبدت النقابة ممنوعة من التدخل في أمور كهذه داخل كوروفان، ومع ذلك، لم تذهب زيارتهما سدى إذ نجحا في الحصول على خريطة حديثة للبلاد. بالطبع، ألمَّ زيك بالجغرافيا سلفاً لوجود عدة خرائط في مكتبة عقله، غير أن ما ميز خريطة النقابة تمثل في عرضها لمناطق الخطر المعروفة وتصنيفها حسب حجم التهديد الذي تشكله.
وقد ينبع الخطر من أي شيء، سواء أكان وحوشاً أم قطاع طرق أم حتى طبيعة أرض غادرة. استشار زيك نسخته الذهنية قبل الإجابة.
"فضية."
ابتسم ليو فور سماعه الإجابة. فقد صُممت التصنيفات التي وضعتها النقابة لتتطابق مع رتب المغامرين، فمنطقة خطر مصنفة نحاسياً لا ينبغي دخولها إلا بواسطة فريق متكامل من المغامرين النحاسيين، وبالقدر نفسه، تطلبت منطقة مصنفة فضياً مغامرين من الرتبة الفضية. عنى هذا أن المنطقة قد تطرح تحدياً لا بأس به أمام ليو، مما زاد في حماسته. وصدق هذا بشكل خاص إذا أخذ بعين الاعتبار أن زيك نهاه عن استخدام سحر النار، وذلك بالطبع لإخفاء هويتيهما.
فلن يثير ساحر أرضي أي انتباه، لكن ساحراً يملك تقارباً مع عنصري الأرض والنار سيبرز بشكل فادح. بناءً على ذلك، منعه من استخدام سحر النار إلا في حالات الموت أو الحياة. أما زيك، فوقعت عليه قيود أشد. ولم يكن تعويذه الأساسي، سوط الدم، شيئاً يمكنه استخدامه. فهو في النهاية مبتكر تلك التعويذة، ويمكن ربطها به بسهولة. وعاد ميله المستمر للاستعراض ليضربه في النهاية. عمل زيك خلال الأسابيع الماضية على إيجاد حل لهذه المشكلة، وبدا تفكيره بسيطاً؛
إن تعذر عليه استخدام تعويذته المميزة، أفلا يمكنه ابتكار واحدة جديدة؟ استندت التعويذة التي حاول خلقها إلى السحر الذي استخدمه الأفوكاتيون لاستدعاء ارواحهم المتعاقدة. وتمثل مخططه في ضرب عصفورين بحجر واحد، إذ سعى لإنتاج تعويذة تتيح له التنكر في صورة مستدعٍ مع الإيفاء بوعده للتنين في الوقت ذاته. كان مفترضاً بالتعويذة في شكلها النهائي أن تخلق جسداً مؤقتاً مصنوعاً من السحر يستطيع التنين التحكم به، ويمكن اعتبار هذا نموذجاً أولياً للحل النهائي الذي أراد استخدامه لتنفيذ صفقته مع التنين.
وعلى أقل تقدير، سيظهر هذا استعداده للعمل على الأمر. لكن طموحه تجاوز الحد. فلم يقتصر الأمر على حل مشكلة خلق جسد التنين فحسب، بل وجب عليه إيجاد سريقة للتعامل مع روح لم تتعاقد معه أصلاً. غني عن القول إنه لم يحرز تقدماً يذكر حتى الآن. وتمثل الإشكال الأساسي في جهل زيك بطريقة خلق جسد من الأساس؛ ففي الحالة الطبيعية، لا يكلف الساحر عناءً بشيء من ذلك. إذ يقتصر دوره على توفير المانا بينما تشكل الروح المتعاقدة المانا تلقائياً بالشكل المطلوب.
لسوء الحظ، لم تكن الأمور بالبساطة ذاتها في حالة زيك لغياب أي عقد يربطه بالتنين. وافترض نظرياً أن طقوس استدعاء الأرواح تحل هذه المعضلة عادة، ولهذا درس رفقة أكاشا الطقوس بحثاً عن أي خيوط تدل على حل لتلك المشكلة. وحالفه الحظ إذ سمحت له أوريليا باختبار الطقوس بنفسفة، وإلا تعذر عليه التعرف على تصميمها. بدت تدابيرها الوقائية محكمة، لكن بوجود زيك مباشرة فوق الجهاز، عجز أي شيء عن منعه من إبرام أسرارها.
مع ذلك، وعلى الرغم من كل شيء، سار تقدمه ببطء. فلم تكن الرونام والرموز المستخدمة في بنائها شيئاً صادفه طوال حياته، يضاف إلى ذلك استحالة مقارنة مستوى تعقيد هذا الطقوس العظيم بأي تعويذة عادية أو سحر تمليك. وحتى التنين، الذي حاول أحياناً تقديم بعض الرؤى، لم يقدم نفعاً يذكر هنا. فعلى الرغم من تقديره الدائم للمعرفة، لم يتكبد التنين عناء التعرف عن قرب على نظام سحري بعيد كل البعد عن نظامه الخاص، لذا اقتصرت مساهماته على شتات متفرقة.
ومع ذلك، لم يعن هذا انعدام تقدمهم بالكلية. فقد تضافرت تخمينات زيك مع قدرات أكاشا الحسابية المرعبة لتحقيق تقدم ثابت في فك طلاسم الطقوس. ولم تكن مكاسبه خلال هذه الفترة ضئيلة، إذ بدأ زيك يدرك كيف تعمل الطقوس القديمة على مستوى أساسي، فتحسنت معرفته بسحر الطقوس بفتوحات هائلة. وحين ظن يوماً أن الطقوس السحرية ليست سوى سحر تمليك ضخم، أدرك الآن ضيق أفقه السابق. ربما لم تكن نظرته السابقة للطقوس خاطئة تماماً، لكنها حملت تبسيطاً مفرطاً قارب حد الإهانة.
فقد احتوت طقوس استدعاء الأرواح وحدها العشرات، إن لم يكن المئات، من أسحار التمليك العاملة بتناغم. وما زاد الأمر إثارة تمثل في الشروط واللوائح المدمجة فيها. واستغرق الأمر وقتاً طويلاً لإدراك أبسطها حتى؛ فعلى سبيل المثال، اتبعت الطقوس إجراءً مغايراً تماماً إن حاز المستلم قلباً منقوشاً مقارنة بمن لم يتقدم بعد. وهذه اللوائح ذاتها هي ما سمح باستخدام الطقوس بهذا التحرر.
تساءل زيك منذ ذلك الحين عن كيفية تمكنه وسيلين من استخدامها رغم رغبة الأخيرة بنقش استدعاءاتها على قلبها بينما اقتصرت أمنيته على عقد اعتيادي. وسمحت تلك اللوائح المدمجة للطقوس بالعمل بطرق مختلفة وفقاً لظروف المستخدم، لتبدو كأنها واعية تقريباً. ولا عجب في عجز أي شخص عن الاقتراب من خلق شيء مماثل بعد الآن. فتعقيد البناء تجاوز قدرة زيك على الاستيعاب تقريباً، وأي تغيير طفيف في التصميم العام قد يفضي إلى تبدلات جبارة لاحقاً.
وبدا الأمر كأن الطقوس كائن حي يتنفس بنظام مترابط ذاتي التنظيم يشبه الأعضاء في جسم الإنسان. واستحق لقب الطقوس العظيمة بجدارة. إذا صدق مع نفسه تماماً، أدرك انعدام أي فرصة لفك طلاسم الطقوس دون معونة أكاشا. وغمره إجلال تام للكيان الذي صمم هذه التحفة، واستهوى فرصة دراستها وتعميق معرفته بها. التقط زيك كتاباً من حقيبته ووضعه على حجرِه. وكان هذا مجرد ستار بالطبع؛ فلم يقرأ كتاباً ورقياً منذ أشهر، ولن يفعل غالباً فيما تبقى من عمره، فالقراءة داخل مكتبة عقله أسرع بأضعاف.
لكنه لم يشأ أن يلاحظ الركاب الآخرون إيمانه في الفراغ لساعات متواصلة، فأعد هذه الطريقة ليتيح لنفسه مواصلة أبحاثه دون لفت أنظار مفرطة. وحين انتهت إعداداته، لم يتردد زيك وغاص داخل مكتبة عقله. ورغم أن هذا بدأ كوسيلة للتعرف على طرق ابتكار تعويذته الجديدة، إلا أنه بات مهتماً الآن بتعقيدات سحر الطقوس الذي شكل قمة الهندسة السحرية بحق. مرت الساعات بينما عمل زيك وأكاشا داخل مكتبة عقله.
في العالم الخارجي، بدا مندمجاً في حفظ الرموز السرية داخل كتابه المفتوح، ولم يقلب الصفحة قط طوال ذلك الوقت. وأطلق كثيرون ممن لاحظوا أمره كلمات الثناء، فلا يصادف المرء غالباً شاباً قادراً على أداء مهمة رتيبة لساعات بتركيز تام. مع ذلك، لم يسمع زيك كلماتهم قط، وبدا غافلاً تماماً عن كل ما يدور في الخارج، إلى أن تعرض لهزة أيقظته بخشونة. ومع استعادة عينيه لصفائهما، وقع بصره على ليو المتحمس لتملا وجهه كامل رؤياه بقرب مفرط لم يستسغه زيك.
"ما الأمر؟"
سأل زيك عاجزاً عن كبح الضيق تماماً في نبرته وهو يدفع أخاه بعيداً. لم يكترث ليو لا لنبرته ولا لتصرفه إذ ظل حماسه على حاله.
"أوشكنا على الوصول!"
تطلع زيك عبر النافذة فلاحظ محيطهما الجديد. ورغم عدم دخولهما الصحراء بعد، بدت الأرض كأنها أرض موات مقفرة، وهي عبارة عن مرج لا ينتهي لا يضم سوى ألوان الصفرة والبني.
"وأين نحن؟"
سأل. أشار ليو باتجاه مقدمة قافلتهما حيث استطاع زيك تمييز بقع خضراء خافتة.
"منطقة الخطر."
وهناك تذكر؛ فمنطقة الخطر الأولى في رحلتهما كانت واحة، وسيتعين عليهما عبورها لبلوغ مخيمهما الأول قبل حلول الظلام. أزال زيك التشويش عن رأسه، ومد يده ليأخذ بيد ليو المقدمة ويقف. آن أوان بعض الحركة البدنية.