شقّ زيك وليو طريقهما سريعاً نحو مدخل نزل سيلكرواد سيرينيتي. رمقهما الحارسان الواقفان على جانبي الباب بريبة لكنهما لم يحجبا طريقهما. لم يكن الأمر عجيباً. لم يبدُ الاثنان بدارهما الجلدية المتربة شبيهين البتة بارتي هذا المكان المعتادين. خمن زيك أن السبب الوحيد لسماحهما بالمرور هو شعور الحارسين بنواتيهما لكونهما ساحرين حقيقيين نفسيهما. أومأ لهما زيك برأسه أثناء مروره بهما.
كان الأمر كما توقع تماماً، بدا الداخل مترفاً بشكل لا يصدق. كانت هناك منطقة حانة ومطعم في الطابق الأرضي، وبدا كل من وقع عليه البصر مرتدياً ثياباً فاخرة. جذب دخولهما فوراً انتباه العديد من رواد العشاء، والذين تفحصوا مظهرهما الرث باحتقار. تجاهلهم ليو من جانبه تماماً وهو يحدق في الطعام الموضوع على الطاولات المختلفة. لكز زيك بكتفه مشيراً إلى طبق كبير بشكل سخيف ممتلئ بشرائح اللحم.
"يبدو هذا جيدا جدا. ما رايك ان نأكل اولا؟"
هز زيك رأسه بأسف بينما انتزع هو الآخر نظرته عن تلك الشهية.
"ليس بعد. الأفضل أن نبحث عن غرفة أولاً ونحسن مظهرنا. لا أريد جذب المزيد من الانتباه."
أومأ ليو متفهماً نقطة زيك. نظراً لسفرهما متنكرين، لم تكن الفكرة سديدة في إثارة الكثير من الضجة حول نفسيهما. بعد فترة قصيرة، وجد الاثنان نفسيهما أمام مكتب الاستقبال. انحنت موظفة الاستقبال، وهي امرأة ترتدي زياً أنيقاً، بعمق لدى ملاحظتها اقترابهما.
"أهلاً بكما، أيها الضيفان الكريمان، في نزل سيلكرواد سيرينيتي."
وبينما انحنت إلى الأمام، استعرضت تعمداتها شق صدرها العميق. كانت تحاول بلا شك إغواء الشابين. ومع ذلك، ذهبت جهودها أدراج الرياح تماماً إذ كان كل من زيك وليو يحدقان في أعلى رأسها عوضاً عن ذلك.
"ما الذي...؟"
هتف ليو مشيراً إلى الأذنين الفرويتين البارزتين من شعر المرأة الممشط بدقة. كان زيك يحدق بدوره. كانت أذناها طويلتين وبيضاوتين، وتتدلى أطرافهما للأمام قليلاً. لو كان على زيك تصنيفهما، لقال إنهما تبدوان كأذني أرنب. اشتبه في البداية في كونهما مزيفتين، إذ بدت المرأة بشرية تماماً فيما عدا ذلك. غير أن نظرة سريعة كشفت عن ارتباط الأذنين بجسدها فعلياً. علاوة على ذلك، لم تكن قدماها بشريتين بالكامل أيضاً، حتى أنها أخفت ذيلاً أبيض قصيراً كثيفاً.
بعد لحظة، بدأت المرأة تلتوي في جلستها، وبدت واضحة عليها الحيرة تحت نظراتهما الحارقة. هوى كفّ زيك على مؤخرة رأس ليو، فانتشله من غفلته، ثم التفت إلى موظفة الاستقبال.
قال: "معذرة، أيتها السيدة. أنا وأخي لستنا من هذه النواة، وتلك المرة الأولى التي نشاهد فيها شخصاً من… صنفك".
أومأت المرأة متفهّمة بعد أن نهضت من انحنائتها.
قالت: "الأمر عاديّ تماماً، أيتها السادة الصغار. هذه الحقيرة لم تشعر بالإهانة. علاوة على ذلك، أنا لست سيّدة، لذا أرجو ألا تترددوا في مخاطبتي ببساطة باسم راني".
في تلك اللحظة لاحظ زيك طوقها. كادت فستانها الأنيق تخفيه، لكن الجزء العلويّ ظلّ ظاهراً لمن يدقّق النظر.
قال: "هل أنتِ عبدة، آنسة راني؟"
أجابت راني دون أدنى تغيير في ملامح وجهها: "أنا كذلك".
فوجئ زيك. كان يتوقع أن تشعر ببعض المرارة تجاه وضعها، لكنه كان مخطئاً على ما يبدو. مع ذلك، لم يكن الوقت مناسباً للاستغراق في فضوله.
قال: "حسناً يا راني. أتقع غرف متاحة في الوقت الحالي؟"
ابتسمت راني، لكنها تردّدت قليلاً بعد أن تفحّصت ملابس زيك وليو المغطاة بالأتربة.
قالت: "توجد غرف متاحة، أيتها السادة الصغار، لكنها… باهظة الثمن. يمكنني أن أُرشح لكما منشأة مختلفة إذا كان السادة الصغار يفضلون أسعاراً أكثر اعتدالاً—"
قاطعها زيك قائلاً: "لا داعي لذلك. نودّ الحصول على غرفة واسعة تضمّ سريرين، ومن الأفضل أن تلحق بها مقصورة استحمام أو حوض اغتسال".
تفرّست راني في هيئة زيك الواثقة وطريقته المتعالية في الكلام قبل أن تعود الابتسامة إلى محيّاها. اعتادت في مجال عملها لقاء شخصيات نافذة، لذا كان سهلاً عليها تمييز سيماء الأثرياء والأقوياء. على الرغم من هندامه المذرى، كان زيك شخصاً معتاداً على إصدار الأوامر بوضوح.
قالت: "كما تأمرون، أيها السيد الشغير. توجد غرفة في الطابق الأخير تطابق مواصفاتكم. تلحق بها مساحة للاستحمام والاغتسال وإطلالة رائعة على الشارع الرئيسي".
قال: "سنأخذها".
اتسعت ابتسامة راني. لم يسأل زيك حتى عن سعر الغرفة قبل أن يوافق فوراً، مما عمّق شكوكها في أنه شخصية مهمّة.
قالت: "إلى متى ترغبون في البقاء، أيها السيد الشغير؟"
قال: "أسبوع… في الوقت الحالي".
أومأت راني وهي تحسب التكلفة في ذهنها.
قالت: "شاملة وجبات شخصين، سيكون المبلغ ثلاثة وخمسين قطعة فضيّة، أيها السيد الشغير".
ألقى زيك قطعة ذهبيّة عرضاً نحوها.
وقال: "أيمكنك إرسال خياط إلى غرفتنا أيضاً؟ أودّ بشدة تبديل ملابسي قبل العشاء".
أشرق وجها راني وهي تلتقط القطعة بمهارة من الهواء.
قالت: "بالتأكيد، أيها السيد الشغير. أهناك أيّ شيء آخر يمكنني فعله من أجلكم؟"
هزّ زيك رأسه مبتسماً.
وقال: "ليس الآن. لكني سأحرص على إعلامك إن احتجت إلى أيّ شيء آخر".
أومأت راني وهي مناولة إياه مفتاح غرفتهما.
قالت: "استمتعا بإقامتكما، أيتها السادة الصغار".
دون كلمة إضافية، شقّ زيك وليو طريقهما نحو الطابق الأخير، مترقّبين بشغف نوع الغرفة التي ستشتريهما نصف قطعة ذهبيّة. لكن رغم توقعاته الكبيرة، وجد زيك نفسه عاجزاً عن الكلام لحظةً. كان الهواء مثقلاً بعطر الصندل والبهارات الذكي، وهو يستقبله كحضن دافئ. جال بصر زيك، متأملاً الأقواس الخشبيّة المعقدة والمنسوجات النابضة بالحياة التي تزين الجدران، وتصوّر مشاهد تبدو كأنها خرجت مباشرة من أكثر الأحلام خياليةً.
ثم وقعت عيناه على السرير المهيب، المزود بمظلة من الحرير الفاخر بدرجات عميقة ومغرية. لم يستطع مقاومة رغبة تمرير أصابعه على القماش المطرز، لامساً النقوش المعقدة تحت أطراف أصابعه. كانت الغرفة نابضة بالألوان والثقافة، وأُعجب زيك بالتفاصيل المزخرفة والإحساس بالسكينة الذي تبثّه. حين توغل في الداخل، اكتشف المقعد المنخفض والمبطن، واحة صغيرة حيث يمكن للمرء الاسترخاء وتذوّق اللحظة.
نادت الغرفة عليهما، داعية إياهما لخلع أعبائهما والهروب من قسوة رحلتهما. لم يستطع زيك منع نفسه من الابتسام. لقد كان اختياراً ممتازاً أن ينفق القليل من المال. كان هذا المكان مثالياً للاسترخاء لفترة بعد رحلتهما الشاقة ولياليهما غير المريحة في العراء. لكن قبل أن يتسنى للأثنين استيعاب الغرفة تماماً، دُقّ الباب.
نادى زيك: "ادخل".
خطا ثلاثة أشخاص إلى الداخل، رجل يرتدي ملابس أنيقة يتبعه ما بدا أنه خادمان. وقبل أن يتكلم، تفحّص زيك وليو بعناية من رأسيهما حتى أخمص قدميهما. وعلى الرغم من هندامهما الرثّ، لم تتغيّر ملامحه.
قال: "قيل لي إنكما بحاجة إلى خياط؟"
قال: "بالتأكيد. أنا وأخي في ماسّة الحاجة إلى… ملابس ملائمة".
أومأت الرجل، وظلّ بلا تعبير.
قال: "لأيّ مناسبة؟"
قال زيك: "لتناول الطعام، أولاً وقبل كل شيء. لكني أودّ طلب خزانة ملابس كاملة لكلينا أيضاً".
رسمت ابتسامة خفيفة على وجه الرجل الجامد عادةً.
قال: "اختيار حكيم، أيها اللورد الشغير".
طوال الوقت التالي، واصل استجواب زيك وليو حول تفضيلاتهما بينما كان مساعداه منشغلين بأخذ قياساتهما. وقد حلّ الظلام عندما انتهى الخياط أخيراً.
قال قبل أن يغادر: "أرجو أن تستحما أولاً، أيها اللوردات الصغار. سأحرص على إحضار مجموعتكما الأولى من الملابس إلى غرفتكما في أسرع وقت ممكن. ولن تقلقا أيضاً بشأن تفويت العشاء إذ يظلّ المطبخ مفتوحاً حتى منتصف الليل".
قال زيك متوقفاُ ليوضح أنه لا يعرف اسم الرجل بعد: "لك جزيل الشكر يا سيدي…"
قال: "اسمي فيرما، أيها اللورد الشغير. أرجون فيرما".
قال زيك: "لك جزيل الشكر يا سيد فيرما".
* * *
كان الظلام قد حلّ في الخارج حين خج زيك وليو. غير أن وقتهما لم يضَع هباءً. تبدلت هيئتهما تماماً عما كانتا عليه في السابق. بدلاً من الوجهين المغبرين والملابس التي أنهكتها السفر، صار جلدهما يلمع وهما يرتديان سترات أنيقة. كان كلاهما يرتدي ملابسهما الجديدة المؤلفة من سراويل بسيطة وقمصان طويلة الأكمام تصل إلى الركبتين. وجدها زيك مريحة للغاية. علاوة على ذلك، كانت تحفاً مصنوعة بدقة من حرير زاهي الألوان.
تزيّن ياقتاهما وأساورهما تطريزات ذهبية دقيقة ترسم نمطاً ساحراً من الكروم والزخارف النباتية. انسدلت تصاميمهما مستقيمة القصّة برشاقة على قواميهما، وتطايرت الأكمام الطويلة قليلاً مع كل حركة، لتضفي مسحة من الأناقة العفوية. حين دخلا قاعة الطعام، استحسُن العديد من الساهرين هذين الشابين الوسيمين. لم يكن ذلك مفاجئاً كثيراً، فالسحرة حسنو المظهر بطبيعتهم. المانا التي تغذي أجسادهم باستمرار لا تطيل أعمارهم فحسب، بل تحمل فوائد أخرى عديدة.
كان أحدها أن يبدو جلدهم أكثر صحة ونضارة. زيك المعتاد تماماً على جذب الأنظار لم يلتفت إليهم. أما ليو فلم يكن يكترث البتة بما يظنه الآخرون. عثرا بسهولة على طاولة فارغة ونجحا في الطلب بعد وقت قصير. النادل، وهو عبد آخر حسب الطوق الذي يحيط بعنقه، أصيب بصدمة تامة من حجم ما طلبا. بيد أن صدمته كانت مجرد بداية، إذ طلب زيك وليو المزيد بعد التهام الجولات الثلاث الأولى. وبينما كان ليو يستمتع بكل جوارحه، استغل زيك هذا الوقت للتجسس.
لقد تعمد اختيار طاولة في منتصف القاعة ليتمكن من التقاط أكبر عدد ممكن من الحوارات. بالطبع لم تكن هناك حاجة لأن ينتبه شخصياً بوجود أكاشا، لكنه اختار فعل ذلك رغم كل شيء. على الرغم من فائدتها، لم يستطع زيك إهمال تطوره الذاتي. لقد لاحظ منذ فترة أن الاعتماد المفرط عليها سيعيق نموه. مجرد حقيقة توفر كل معارفها بين أصابعه جعلته كسولاً. حالياً، يبتكر زيك الأفكار والخطط بينما تتولى أكاشا المهام الوضيعة وجمع المعلومات، لكن ذلك قد يتغير في المستقبل.
إن لم يحرص على مواكبة التحديات، سيأتي يوم تصبح فيه مشاركته عديمة الفائدة مثل طفل يحاول مقحمة نفسه في حديث الكبار. لذلك كان زيك يحاول حل مشاكله بمفرده، ولا يطلب رأي أكاشا إلا عند الضرورة. بهذه الطريقة، لا يزال عليه تحدي نفسه يومياً دون الاعتماد على ميزة قدراتها الهائلة إلا إن احتاج المساعدة حقاً. مع ذلك، لم يسمع حتى الآن أي شيء ممتع من الطاولات المجاورة. على الرغم من قدرته على تغطية مساحة القاعة تقريباً بمهارة وعي المكان المثالي.
كانت الحوارات التي يلتقطها بلا مبالاة تذكر بالنسبة إليه. ناقش بعض الناس الأعمال، لكن أغلب ذلك تعلق بطرق التجارة وطبيعة البضائع التي يحملونها. كان زيك يأمل في معرفة أمر حيوي بقدومه إلى هنا، لكنه كان متفائلاً أكثر من اللازم بوضوح. من يناقش أي نوع من الأسرار في العلن؟ غير أنه حين طلبا جولة أخرى من الطعام، لاحظ زيك أمراً ممتعاً. خرجت من غرفة جانبية شخص يعرفه. راني التي تخلصت من زيها، باتت ترتدي ملابس عادية.
لاحظ زيك أن أذني الأرنب تختفيان تحت غطاء رأس حريري وهي تشق طريقها نحو المخرج. فكر زيك في خياراته لحظة قبل أن يقرر مناداتها. راني. التفتت المرأة مفزوعة في اتجاهه ثم تقدمت بتردد. هل تحتاج إلى شيء أيها الشاب النبيل؟ هل انتهيتِ من عملك لهذا اليوم؟ سأل زيك مشيراً إلى ملابسها العادية. حقاً، اعترفت راني بشيء من الحذر. كنت على وشك الخروج لتناول العشاء. ما رأيكِ في الانضمام إلينا قليلاً؟
تعمق شبح الحذر في عينيها. لا ينبغي لي حقاً، أيها الشاب النبيل. زيك، الذي لاحظ سبب ترددها، ابتسم ببراءة. أرجو ألا تساءي فهم الأمر. لقد وصل أخي وتوينا للتو، وما زلنا لا نعرف الكثير عن العادات المحلية. كنت أمل فقط دعوتكِ إلى العشاء مقابل معرفتكِ. ليس لدي أي نوايا أخرى. نظرت راني من وجه زيك المبتسم إلى ليو الذي كان يتجاهل ما حوله منغمسًا كلياً في التهام كومة هائلة من اللحم.
أثارت هذه الرؤية ابتسامة خفيفة على محياها وهي ترتخي حذرها. إن كان الأمر هكذا، فسيسعدني القبول، أيها الشاب النبيل. رد زيك ابتسامتها عارضاً عليها الكرسي المقابل له. أرجوكِ، ناديني بيت.