ابتلع زيك لعابه بصعوبة. كانت بداية محبطة للغاية لهذه الفعالية. كان يعلم حقيقة أن ساحراً واحداً فقط من كل خمسة ينجح في الارتقاء. لكن رؤية ذلك رأي العين شيء آخر تماماً. التفت بنظره نحو ديفيد. بدا الرجل غير آبه بما حدث، لكن زيك لم يكن متأكداً إن كان عليه الوثوق بذلك الهدوء المصطنع. كان ديفيد الأقرب إلى الارتقاء بين الجميع. قد يبلغ جوهره الحد الأقصى لرتبة الساحر العظيم في الشهرين القادمين.
أسيحاول الارتقاء فوراً؟ لم يناقشا الأمر بعد. لكن فكرة خسارة ديفيد أو أي شخص آخر بهذه الطريقة كانت بغيضة للغاية. سيضطر إلى ايجاد طريقة تجعل هذه الإجراءات آمنة لفريقه. وعلى الرغم من المصير المروع لمن سبقه، لم يتردد المشارك الثاني حين تقدم بخطوات ثابتة. حضر وحيداً على عكس الرجل السابق. يعني هذا أمراً واحداً لا غير، أن هذا الساحر يعمل بمفرده. لم يكن في قلب زيك إلا الاحترام لمن يبلغون هذه المرحلة بقواهم الذاتية وحدها.
كانت مشيته بطيئة وثقيلة وهو يشق طريقه نحو وسط الغرفة. ومع كل خطوة، كان العبوس يشتد على وجهه النحيل، كأنما حتى هذه المسافة القصيرة عبء لا يُطاق. ولم يعمل شعره الأسود الخفيف وبشرته الشاحبة إلا على زيادة مظهره المريض.
قال بصوت أجش: "تحياتي".
وبدا صوتاً كئيباً تماماً كما وحي مظهره.
"اسمي إيميليو لاركيسون، وأبلغ من العمر مئة وثلاثة عشر عاماً. وتخصصي الموت".
وفي هذه اللحظة فقط لاحظ زيك عيني الرجل. كانتا بئرتين من الظلام، تماماً مثل عيني أوريليا ثورستين. يبدو أن هذه علامة يشترك فيها كل سحرة الموت. غير أنه مقارنة بزعيمة عائلة ثورستين، بالكاد تُلاحظ العينان السوداوان لدى إيميليو. في الواقع، بدا أي لون آخر غريباً تماماً على وجهه. جلس الرجل متربعاً، واستهلك هذا الوضع كل طاقته وما تبقى من إرادته. تنهد بصوت مسموع، وأغمض عينيه وبدأ عملية الارتقاء.
كانت طريقته مختلفة تماماً عن طريقة المتسابق السابق. فبدلاً من استخدام تعويذة معقدة لتشتيت جوهره، اختار إيميليو نهجاً آخر. راح يمتص المانا المحيطة كحوت، دون أن يوجه أي جزء منها نحو تعويذة. وبعد لحظات، بلغ جوهره الحد الأقصى. تلوى زيك ألماً وهو يراه يئن تحت الضغط. هذا ما حذره منه معلم التحكم بالمانا طوال الوقت. إنها إحدى أسهل الطرق لتدمير الجوهر كلياً. راقب العملية بأنفاس محبوسة، متلهفاً ليرى إن كانت قصص معلمه المرعبة دقيقة حقاً.
كرااااك! بدلاً من شقوق تنتشر ببطء، انفجر الجوهر وحسب. كانت هذه الطريقة تسير بشكل أفضل بكثير مما توقع زيك. وكانت نتائج الانفجار تشبه إلى حد كبير الطريقة السابقة. غير أن المفاجأة الحقيقية كانت في أمر آخر. فقد كانت مانا الموت المتوافقة تتدفق الآن بغزارة لتغمر جسده. لم تكن تحمل أي نوايا أو شكل تعويذة، لكن مجرد وجودها بدا مساعداً للعملية.
"أكاشا؟"
[إجابة.]
يبدو أن المانا المتوافقة قادرة على التأثير في بقايا الجوهر. لا توجد سجلات معروفة لهذه الظاهرة. يلزم مزيد من البيانات. جارٍ إضافتها إلى قائمة مواضيع البحث.
كانت محاولة بعيدة المنال، لكنه اكتشاف واعد مع ذلك. بلا أي تردد إضافي، ولج زيك رؤية الروح. استقبله المشهد ذاته مرة أخرى. روح إيميلو التي اتخذت شكل جمجمة، كانت في طور التمدد بالفعل. وحجمها يماثل حجم روح الرجل الأول. غير أن زيك لاحظ أنها كانت أكثر كثافة بكثير. فحتى الآن، وهي ممتدة إلى ضعفي حجمها الأصلي، لم تصبح شفافة بعد. حتى عند بلوغ المرحلة التي فشل التقدم السابق عندها، ظلت الجمجمة في حالة جيدة، بجميع ملامحها المتميزة بوضوح.
ولم تبدأ الجمجمة في المقاومة بجدية إلا بعد تمددها لتكاد تطابق شكل وحجم جسده بالكامل. نجحت الجمجمة في بلوغ حجم جسده الكامل دون مشاكل تذكر، على الرغم من التشنجات العرضية. بيد أن المشاكل بدأت هنا. بدا أن الخطوة التالية من التقدم هي نوع من تجسيد الروح. لكن العملية كانت تتعرض للاضطراب باستمرار بسبب أصغر هزّة. الجمجمة التي تحولت بحلول ذلك الوقت إلى شكل بشري كامل، كانت تحارب شيئاً ما.
وبدا أنها تعارض جوهرياً التغييرات التي كانت تحدث. في رؤية روح زيك، بدا الأمر كهيكل عظمي يرتدي بدلة سيئة التفصيل. ومهما حاولت، عجزت عن الشعور بالراحة في قوقعتها الضخمة. أنتج المشهد صورة غريبة للغاية، على أقل تقدير. مع كل لحظة استمر فيها هذا، بدا جسد إيميلو يضعف أكثر فأكثر. ولم يمر وقت طويل حتى عجز عن المتابعة. وبعد نبضة أخيره ضعيفة، استسلم قلبه عن أداء مهامه. وسرعان ما توقف جسده بأكمله عن الحركة.
راقب زيك روحه وهي تكف عن المقاومة في الوقت ذاته. للحظة، ظن أن هذا قد يكون جزءاً طبيعياً من العملية. لقد قرأ أن سحرة الموت يتخلون دائماً عن أجسادهم الفانية عند أن يصبحوا سحرة كباراً، ليواصلوا حياتهم كجزء من الموتى الأحياء. ومع ذلك، اتضح أن الأمر لم يكن كذلك عندما لم تستمر العملية حتى بعد مرور وفت. تسمرت نظرة زيك على المشهد. طالما تساءل عما يحدث للروح بعد موت الجسد.
أسترحل؟ أستذهب إلى مكان أفضل؟ كانت هذه فرصته لمعرفة ذلك. غير أن النتيجة كانت مخيبة للآمال إلى حد ما. لم يكن هناك استعراض عظيم، ولا مراسيم مقدسة — لا شيء. بدأت الروح تذوب لا أكثر. وبعد دقائق معدودة، اختفت كل أثر للروح، ولم تترك خلفها شيئاً من الرجل الذي كان يُدعى إيميلو لاركسون. تنهد زيك. كان هذا مخيباً للآمال تماماً. ومنذ أن علم بوجود الروح، ظل يعلق الآمال على شيء أكبر.
لم يكن يعلم تماماً ما هو — أهي تقمص أرواح، ربما؟ أم مستوى روحي خاص بالبشر وحدهم؟ لم يكن الأمر يهم حقاً. لقد حلم فقط بأن هناك ما هو أعظم ينتظر اولئك الذين رحلوا. لكن الواقع بدا قاتماً بدرجة أكبر.
[تنبيه.]
ارتفع مستوى المانا المحيط بنسبة 232 بالمئة خلال الدقائق العشر الماضية.
فحص زيك محيطه. وبسبب ضيق بصره، لم يلاحظ أي شيء غريب على الإطلاق. لم يكن هذا مفاجئاً للغاية، فهو لم يولِ قط اهتماماً يذكر لمستويات المانا المحيطة في المقام الأول. تشبه المانا الهواء من هذه الناحية، فلا أحد يوليها اهتماماً طالما امتلك ما يكفي لتنفسه. ومع ذلك، الآن وقد ركز عليها، لاحظ بوضوح وجود قدر هائل من المانا في الأرجاء.
قال: "تابع."
[فرضية.]
يبدو أن جوهر الرجل المسمى إيميلو لاركسون قد تحول إلى مانا. ومن المرجح أن هذا هو مصير أي روح غير مرتبطة بجسد.
أمن هناك يأتي المانا؟ أمن ارواح الموتى يُولَد؟ بحسب كتاب جيغر، لا يقتصر وجود الأرواح على البشر وحدهم، بل تشمل كل الأجناس، بما فيها الوحوش والحيوانات. إن صح هذا، فسيكون اكتشافاً بالغ الأهمية. بطريقة غريبة، وجد زيك في هذه الفكرة عزاءً. بدلًا من التلاشي ببساطة، تعود الأرواح إلى المانا. وبينما تُغذي أجسادُها الأرض، تُغذي أرواحُها الهواء. وبينما كان زيك يُمعن القول في الموت والحياة، ظل المتفرجون الباقون يرمقون هيئة إميليو بتوق.
ارتبك زيك في البداية، قبل أن يدرك أنهم لا سبيلم لديهم لمعرفة فشل الرجل. فالموت الجسدي خطوة طبيعية في ترقي ساحر الموت بعد كل شيء. لم يترك هذا له خياراً سوى الانتظار. لم يكن يمتلك سبيلاً لنقل حقيقة الوضع إليهم، ليس دون كشف قدراته. استغرق الأمر أكثر من نصف ساعة قبل أن يعلن أحد المنظمين فشل الترقي. وبعد وقت قصير، أُخرج جسد إميليو من الغرفة، ليخلي المكان للمرشح التالي.
كانت المرشحة التالية امرأة خرجت من المجموعة على يسار زيك. وجهها صلب، بخطوط تبدو كأنها نحتت من الصخر. ومن زيها المرتب إلى شعرها القصير المقصوص، كان كل شيء فيها يصرخ جندياً. وبدت مجموعتها مؤلفة حصراً من حراس المدينة. ولمفاجأة زيك، لمس وجهاً مألوفاً بينه. كان الرجل الذي فتش سفينته عند الوصول جالساً هناك، في الصف الأول تماماً. وبتفحصه لمجموعتهم الكبيرة، أدرك أن ثلث الضيوف تقريباً كان مؤلفاً من الحراس.
فدخول هذه المراسم قُدّم لهم على الأرجح مجاناً. ولم تكن هناك طريقة أخرى ليتمكن أي منهم من تحمل تكاليف التواجد هنا. فستستفيد المدينة بشكل هائل من كل ساحر كبير جديد في صفوفها، بعد كل شيء.
صاحت المرأة باختصار قبل أن تجلس: "ميريا بونتي، حارسة مدينة، مئة وثلاثة أعوام، توافق معدني".
حوّل زيك تركيزه إليها. كانت الطريقة التي اختارتها المرأة مشابهة للرجل الأول، لكنها كانت أكثر فظاظة بكثير. لقد كانت تعويذة قوة لا تبدو غايتها سوى تحطيم النواة. تساءل زيك كيف يمكن لأي شخص أن يتعامل بمثل هذا الاستهتار مع ترقيه. ألم تدرك أن مستقبلها على المحك هنا؟ أم أنها كانت واثقة إلى هذا الحد؟ في اللحظة التي استخدم فيها زيك رؤية الروح، انهار تعبيره. كانت روح ميريا الأضعف على الإطلاق حتى الآن.
وكما متوقع، بدأ صراعها باكراً أكثر وكان أكثر عنفاً. استغرق الأمر د్యقائق معدودة ليفشل ترقيها تماماً. ومثل أليساندرو، انتهى مطاف روحها مشوهة وغير مستقرة، مما لم يترك لها خياراً سوى العودة إلى رفاقها خجلى. وكان الأمر ذاته مع الرجل الرابع، نواة مدمرة أخرى، وفشل آخر. بدأ زيك يشك في أنه سيرى حقاً ترقياً ناجحاً اليوم. وحينها وصل المشارك الأخير — ساحر سيف الدم. لم يكن وقاره الصارم ووجهه الصلب ليقلّان بحال عن امرأة الحراس، جندياً حتى النخاع.
لكن شيئاً ما بدا مختلفاً في هذا الرجل. أدرك زيك فوراً ما هو — عيناه. ورغم بدوه في منتصف العمر على أقصى تقدير، كان هناك دهاء وحكمة في نظرته تناقضان مظهره الفتيّ. لقد كان هذا رجلاً لديه حكايات تروى. بإيماءة مقتضبة، عرّف الرجل بنفسه.
"تحياتي، أيها الساحر الأجلاء. أنا تشارلز رايكر، ممثل عائلة سيف الدم ووطني فالور. أنا في الرابعة والتسعين من عمري وأملك توافق دماء".
بعد تعريفه، جلس تشارلز. وتكريماً لاسم البيت الأبرز في فالور، كان عمله التعويذي منظراً يخلب الألباب ولم يستطع زيك حتى بدء التخمين فيما كان يُفترض بتعويذته فعله. كان الدم يتجمع حول نواته محجباً إياها عن الأعين، حتى عن زيك. لكن بعد دقائق من الحركة الضئيلة، لاحظ أن كتلة الدم بدأت تنكمش. وبحلول الوقت الذي تفرق فيه آخر قطرة، لم يبقَ أثر لأي نواة. وقع إدراك ما حدث على زيك كوقع الصاعقة.
لا بد أن التعويذة دمرت النواة شيئاً فشيئاً وغذت بها مجرى الدم. وحتى بعد فقدان السيطرة على نواته، سيظل بمقدور تعويذة معقدة العمل طالما امتلكت المانا. ومن بين كل ما رآه اليوم، علت هذه الطريقة البقية بفارق شاسع. كانت روح الرجل تشبه قلباً دقيق التكوين تشريحياً، بحدقة عين عملاقة في منتصفه. لم يستغرق الأمر طويلاً ليدرك أن هذا لن يكون كأي من المحاولات السابقة. فبدلًا من التمدد والشد، بدت الروح وكأنها تتوسع بشكل طبيعي، متبنيةً شكلها الجديد بطوعها.
وحين أخذت شكلها الجديد كلياً، أدرك زيك ما كان مختلفاً فيه. فحتى بهذا الحجم، ظل القلب كثيفاً ومعتماً كما كان دائماً.
لم تكن مسألة "شد"
بقدر ما كانت منحها مساحة للتنفس. كانت حالتها السابقة شبيهة بزنزانة سجن، تعيق نموها. أخذ زيك لحظة لتفقد حالة الروح الجديدة. ظل مظهرها لحمياً، لكن بدلًا من القلب، أصبحت الآن كائناً بقدمين. وثُبتت حدقتها الوحيدة العملاقة بقوة على صدر كتلة العضلات البشرية. في أي سياق آخر، لكان هذا منظراً بشعاً للغاية. ومع ذلك، لم يستطع التوقف عن التمعن في الصورة الماثلة أمامه. تداخلت رؤيته الجسدية والروحية بوضوح تام.
وفي هذه اللحظة فتح تشارلز عينيه. وفي الوقت عينه، تدفقت كل المانا المحيطة نحوه. ومثل هوة بلا قرار، استهلكها كلها. لم يحتاج زيك حتى إلى [وعيه المكاني التام] لرعاية التغييرات الحاصلة. كان جسد الساحر يمر بنوع من تعميد المانا، مرئي بالعين المجردة. بدا الأمر كمن يراقب رجلاً جائعاً يتولم للمرة الأولى؛ أو كأرض متشقق يغيثها المطر. بالنسبة إلى زيك، بدا تشارلز بخير من قبل — بل وقوياً.
لكن بعد هذا التحول، لم يكن ممكناً وصف مظهره السابق سوى بالمعلول، مقارنة بما هو عليه. نهض تشارلز ببطء، وتفرقعت مفاصله أثناء ذلك. انتظرت الغرفة في صمت مطبق ما سيقدم عليه. ضم ساحر الدم يده اليمنى ليلكم بها صدره، وهي إشارة كررها فوراً جميع أفراد عائلة سيف الدم.
صاح تشارلز وسط هتافات شعبه: "اليوم، ينهض سيف جديد! الشرف لفالور! والشرف لبيت سيف الدم!"
هتف الجميع بصوت واحد: "المجد للشجاعة! والمجد لآل بلودسورد!"
راقب زيك النظرات الحسودة الموجهة نحو رئيس السحرة الجديد بينما عاد تشارلز منتصراً إلى قومه. لم يستطع إخفاء ابتسامته حين فكر فيما قد يقوله هؤلاء لو علموا من هو الرابح الأكبر حقاً في هذا اليوم.
[تنبيه.]
بناء على رغبة المستضيف، استخلصت نموذجاً للحد الأدنى من متطلبات الروح. تلزم تحسينات إضافية لتحقيق ترقٍّ آمن. ثمة حاجة إلى مزيد من البيانات. أُضيف الأمر إلى قائمة مواضيع البحث.