ساد صمت طويل بعد كلمات التنين. تجمّد زيك من شدّة الصدمة ولم يدر كيف يتصرف. حاول مخاطبة التنين مراراً وتكراراً. ظلّ الغموض يلفّ حالته كالسيف المسلط على رقبته منذ أن فرض التنين قلبه عليه. وها هو التنين يتكلم معه الآن بكل بساطة وكأن شيئاً لم يكن. وكان عليه أن يعرف.
سأل: "لماذا الآن؟"
مرت لحظات صمت قصيرة قبل أن يرد التنين: "لا أفهم السؤال."
"لماذا تعرض علي صفقة الآن؟ حاولت مراراً وسألتك عما تريد واستفسرت عن إمكانية التوصل لتفاهم لكنك لم تجب ولو مرة واحدة."
أطلق التنين خواراً ساخراً: "لم أطرح صفقة لعدم وجود أي صفقة من الأساس أيها المخلوق الفاني."
بدا الحيرة على وجه زيك.
"وكيف عرفت ذلك؟ لم نبدأ المفاوضات أصلاً."
أكد التنين بثقة مطلقة: "ما كان ليغيّر ذلك شيئاً. حتى يُبرم اتفاق، يجب أن يمتلك كل طرف ما يفتقده الطرف الآخر. وفي حين أملك الكثير مما قد تشتهيه أنت، لم تكن تمتلك شيئاً أريده."
أمعن زيك التفكير في الأمر لبرهة. وبما أن التنين كان قادراً على قراءة أفكاره إلى حد ما، فمنرجح أنه كان يعرف بالفعل كل ما يستطيع تقديمه. تنازل عن النقطة على مضض.
مع ذلك، تمتم بتذمر لم يستطع كبحه: "كان سيكون أمراً جيداً لو أعلمتني بنواياك على الأقل. أتعرف كم كنت قلقاً من أن تحاول الاستيلاء على جسدي أثناء الليل؟ خصوصاً في البداية."
"لست أمك أيها المخلوق الفاني، ولست صديقاً لك. ولا التزم بأي واجب يجعلني أبذل جهداً لأجل تهدئة عقلك الهش."
عبس زيك.
"نحن جيران بطريقة ما على الأقل، وإن كنا كرهاً. أليس من الأفضل أن نكون على وفاق؟"
أصرّ التنين: "لسنا كذلك. ولا أحمل أدنى ميل نحو بناء رفقة مع حضورك التافه. لكنت استمتعت بنعيم العزلة، لو لم يكن مسعى كهذا محكوماً بالفشل."
كانت كلماته قاسية، لكن المفاجأة لم تكن كبيرة. فالتنينات معروفة بغطرستها بعد كل شيء. وهي تحترم القوة وحدها ولا شيء غيرها، وفقاً للشائعات والقصص. وبدو أن هذا التنين كان أهلاً لتلك السمعة تماماً. تنهد زيك. لقد كان يطمع في قليل من المرونة للتعايش معاً. ومع ذلك، فلن يحقق شيئاً بتأنيب تنين على سوء أدبه. جرّب نهجاً مختلفاً عوضاً عن ذلك.
"بما أنك خرجت عن صمتك، فهذا يعني أن شيئاً ما قد تغير. فهل حصلت على شيء تريده؟"
شعر زيك بإحساس غريب مع تحرك التنين، كأن شيئاً شبه معدوم المادة قد مر بجانبه. وشابه شعوره هبوب نسيح يداعب جلده.
"أنت شديد الفطنة. ولكن لا، ما زلت لا تمتلك شيئاً أبتغيه، أو على الأقل، لا شيء يمكنك منحه."
قطّب زيك حاجبيه.
قال: "يبدو أنك تناقض أقوالك السابقة".
ضحك التنين. تردّد صوته المنخفض والخافت في عمق وعي زيك لفترة طويلة.
قال: "أنا؟"
ما هذا؟ أهو لغز؟ أم اختبار؟ لمَ لا يخرج هذا الزاحف اللعين إلى العلن ويفصح عن رغباته بوضوح؟ مع ذلك، إن أراد التنين اللعب، فسيلبي زيك طلبه. إنه ليس بالأحمق في ألعاب العقل.
فكر زيك بصوت جهر: "تغيّر رأيك هذا مرتبط بأكاشا غالباً. حتى إنك نعتها بـ "كنز الملك" في ذلك الوقت".
قال: "تابع".
ابتسم زيك. في الصميم. أخذ يزن كلماته التالية. أكاشا عامل مهم، لكن التنين لا يريدها هي. لا بد أنه يعلم أن زيك لن يسلمها إليه. أإذن هو شيء تستطيع أكاشا تقديمه؟ لا، هذا مستبعد، أو على الأقل، ليس دقيقاً تماماً. ولكن ما الذي يوجد غير ذلك؟ عصف ذهنه بنظرية تلو الأخرى، ليطرحها بالسرعة نفسها. هذه ليست الطريقة المجدية. ربما كان نهج آخر أكثر إثماراً. ماذا يعرف عن التنين؟ وماذا يبتغي؟
خطر بباله شيء واحد فوراً — جسد. هذا ما أراده التنين منذ البداية. حتى خلال لقائهما الأول في المختبر السفلي، اتخذ فيولا رهينة ليجبر زيك على تسليمه جسده. في ذلك الوقت، منعت تعويذته المنقوشة التنين وحدها من بسط سيطرته الكاملة. لكن هذا لا يمنح أي معنى. فأكاشا لا تمتلك جسداً، ولا تملك أي سيلة لتوفير واحد، فكيف يرتبط اثناهما ببعضهما؟ كل ما فعلته حتى الآن هو تحسين إجراءاته القائمة بالفعل.
تصرفت أكاشا كمضاعف قوة لجميع أفكار زيك. وما إن يبتكر خطة، حتى تبحث هي عن سبل لتنفيذها. كان الأمر أشبه بإضافة جناحين لنمر، لكنه لم يمنحه القدرة على فعل أي شيء لم يكن قادراً عليه من قبل. أيعقل هذا؟ قال التنين إن زيك لا يمتلك بعد أي شيء يريده. أكان يراهن فقط على مستقبله الآن بعدما حاز أكاشا؟
سأل: "أتريد مني أنا وأكاشا أن نفعل شيئاً ما على الأرجح، شيئاً لم أبلغ من القوة ما يؤهلني لفعله بعد؟ أيتعلق الأمر برغبتك في الحصول على جسد؟"
صمت التنين لفترة، قبل أن ينبح إجابته.
قال: "ليس سيئاً".
لمعت بارقة كبرياء في عيني زيك. لقد نجح في مفاجأة الزاحف المتعجرف. هذا جزاؤه لاحتقاره له. ومع ذلك، آن الأوان لإنهاء هذه اللعبة.
قال: "أظن أن هذا القدر من اللهو يكفي. افصح عن مطالبك".
زمجر التنين: "حسناً إذن. أعتقد أنك أنت والروح ستكونان قادرين على تلبية رغبتي في الحصول على جسد جديد في مرحلة ما. سيستلزم هذا درجة عالية من الإتقان في سحر الدم وسحر الروح، لكنه ليس مستحيلاً بالنسبة إليك".
أومأ زيك برأسه. لقد تفكّر في الأمر من قبل أيضاً، سيما الجزء المتعلق بسحر الروح. كان استيعابه لا يزال ضحلاً، لكن ربط الروح بجسد مختلف سيغدو ممكناً بمجرد زيادة تمرسه. إنه لا يدري بعد كيف يصنع جسداً من العدم، ناهيك عن جسد تنين. ومع ذلك، فمع مساعدة أكاشا والتنين، من المتصور أن يفلح في ابتكار سيلة. ورغم هذا، فهذا ليس شيئاً يمكنه الشروع فيه في أي وقت قريب.
قال: "لا أعتقد أن هذا مجدٍ قبل أن أبلغ رتبة رئيس السحرة".
قال: "هذا اعتقادي أنا أيضاً".
لم يتوقع زيك أن يرد بهذا الهدوء. فمرحلة رئيس السحرة لا تزال تبعد عنه عقوداً، في أفضل الأحوال. مع ذلك، لم يبدُ التنين منزعجاً البتة من هذا الانتظار الطويل. أهذا هو الفارق في الإدراك بين البشر والتنين؟ لا، هذا ليس مهمّاً الآن. لقد جرفته وتيرة التنين لدرجة أنه لم يسأل السؤال الأهم بعد.
"إذن، ما الذي ستعرضه في المقابل؟"
ضحك التنين.
"أنت أيها الفاني، جشع دائماً. إنها الخصلة الوحيدة التي تتشاركها جنسك بأسره".
عقد زيك حاجبيه.
قال: "أي جشع في المطالبة بتعويض عادل؟"
"لا تزال تدين لي بجسد، إن كنت أتذكر جيداً. لقد وافقت على منحني جسدك، على أي حال".
سخر زيك.
"وافقت؟ لقد أجبرتني على تلك الصفقة بينما كنت تحتجز فيولا رهينة. لكن الكرّ فرّ، ولم تعد تحتجز أي رهائن".
ضحك التنين مجدداً.
"لقد انقلبت الموازين حقّاً، ولم أعد قادراً على التأثير في العالم الخارجي. ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأني لا أملك أي رهائن".
قبل أن يسأل زيك عما يقصده التنين، عصر الهواء من رئتيه. كان الأمر أشبه بسحقه تحت جبل. لكن ذلك لم يستغرق سوى لحظة. وعقب ضحكة أخرى، زال الضغط. أخذ زيك نفساً مرتجفاً. لم يرغب قط في الشعور بهذا مرة أخرى. ألم الروح نوع من الشقاء الذي لا يمكن للمرء أن يعتاد عليه أبداً. وفي حين يمكن تدريب الجسد على التحمل، فالروح لا يمكنها ذلك. إنه عذاب محض، تماماً مثل المرة الأولى تماماً. كان هذا جرس إنذار.
استطاع التنين مهاجمة روحه بحرية، وبالقوة التي شعر بها لتوّه، لم تكن لديه أي وسيلة حتى للمقاومة. كانت الرسالة واضحة: إنه لا يزال رهينة، ولا مفر من ذلك. ومع ذلك، فلن يدع التنين يملي شروطه بحرية.
قال زيك بحزم: "لقد أوصلت فكرتك. لكننا نعلمان كلانا أنك لا تنوي إقناعة بالقوة. وإلا لما تحدثت عن اتفاق يعود بالنفع علينا نحن الاثنين".
زمجر التنين بامتعاض.
"يا لك من شديد الفطنة بلا داعٍ. لكنك محق، أنوي حقاً أن أعرض عليك شيئاً مقابل مساعدتك".
تألقت عيناها زيك. ما عساه يكون؟ سحر تنين سري؟ قطع أثرية ثمينة؟ كاد يلع لعابه لدى التفكير في نوع المساعدة التي قد يقدمها كائن قديم ومذهل كهذا.
سأل: "ما هو؟"
بدا المرح واضحاً في صوت التنين حين أجاب.
"درس في التاريخ".
خار عزم زيك. أي نوع من المكافآت هذا؟ إنه ليس ممن يستخفون بالمعرفة عادة، أليس هذا مخيباً للآمال أكثر مما ينبغي؟ أقرأ التنين أفكاره فضحك مجدداً.
"يا لك من قصير النظر، أيها الفاني. ألديك أدنى فكرة عن حجم المعرفة التي أحملها؟ أنا حي منذ ما قبل تأسيس إمبراطوريتكم الواهية بكثير. عهد ملكة القمر، وهيمنة الفيلق البرونزي، وإبادة إمبراطورية القبائل، لقد شهدت ذلك كله".
أثار الأمر اهتمام زيك، فلم يسبق له أن سمع بأي من تلك الأحداث. إنه بالكاد يمتلك أي معرفة تعود لما قبل تأسيس الإمبراطورية. ومع ذلك، ومهما أثار هذا فضوله، فلن يساعده على أن يصبح أقوى.
قال: "أفضل شيئاً أكثر عمليّة".
سخر التنين.
"أخبرني، من برأيك ابتكر ما تسمونه بـ "الطقوس الكبرى"؟ ماذا لو أخبرتك أنني لا ألمّ بالأربعة فحسب، بل بالسبع كلها؟"
اتسعت عيناها زيك. سبع؟ هناك سبع طقوس كبرى والتنين يعلمها كلها؟ راح عقده يدور.
سأل: "أهناك طقوس للتقدم بأمان إلى رتبة رئيس السحرة؟"
أجاب التنين بزهو: "ما رأيك أنت؟"
كان هذا جنوناً. إن شيئاً كهذا سيكون أثمن من كل المعرفة التي جمعها زيك حتى الآن.
قال: "إ-إذن، ما الذي تعرضه؟"
لم يستطع زيك رؤية التنين، لكنه تيقن من نبرة صوته أنه يبتسم بخبث الآن.
"حسناً، سأخبرك. ما أعرضه هو معرفة جهاز تنقية المانا".
تلألأت عيناها زيك. إنه أعقل من أن يستخف بأي شيء يقدمه التنين في هذه المرحلة.
سأل: "ماذا يفعل؟"
"ينقي المانا".
"..."
أُفحم زيك وعُقد لسانه. أيحسبه التنين أحمق؟ من ذا الذي لا يستطيع تمييز هذا القدر؟ قرأ التنين أفكاره فزمجر بحرج قبل أن يتنحنح.
"لم أظن أنني سأضطر لشرح مزايا أمر كهذا لساحر، لكن يبدو أنني كنت مخطئاً. باختصار، إنه ينقي المانا المحيطة ويكثفها لدرجة يمكنك معها استخدامها بدلاً مما تسمونه "بلورات الجوهر"..."
أثار الأمر فضول زيك. إن استطاع هذا الجهاز حقاً استبدال بلورات الجوهر، فسيكون نعمة مذهلة. لكن بالنسبة إليه، لن يحدث فارقاً كبيراً. إنه يملك ما يكفي من الذهب لشراء كل البلورات التي سيحتاجها على الإطلاق. وفوق ذلك، بالكاد مسّ المخزون الذي فاز به في بطولة الإمبراطورية. ستكفيه لفترة طويلة قادمة. ومع ذلك، تحطمت أفكاره برمتها عند سماع كلمات التنين التالية.
"...دون إجهاد قلبك بأي شكل."
صرخ زيك رغماً عنه: "ماذا!؟"
كان هذا سخيفاً! لم يكن باستطاعته سوى استخدام بلورة واحدة في المرة الواحدة قبل أخذ قسط من الراحة يدوم أيّاماً. وإن تسنى له استخدامها باستمرار، فسيتمكن من التقدم إلى رتبة الساحر الأكبر في غضون أيام. ضحك التنين بملء فيه، وبدا مسروراً برد فعل زيك.
"الأمر ليس بمعجزة بالقدر الذي تتخيله. فحتى مع وجود الجهاز، سيظل الأمر يستغرق منك حوالي عام لتنمية قلبك بالحجم المناسب. أليس ذلك أسرع بكثير من استخدام بلورات الجوهر مع ذلك؟"
كان ذلك تقليلاً من شأن الأمر. سيستغرق زيك حوالي عشر سنوات للتقدم إلى رتبة الساحر الأكبر بالطريقة العادية. وما عرضه التنين سيقلص هذا الوقت بنسبة تسعين بالمائة. لقد كان تغييراً جذريّاً لقواعد اللعبة بأكملها.
سأل: "أستمنحني شيئاً كهذا؟"
أجاب التنين ببرود: "نعم. من مصلحتي العُليا أن تنمو أنت أيضاً في القوة. ففي نهاية المطاف، لا يمكنني السماح بمقتك قبل أن تصنع لي جسداً".
غمرت السعادة زيك. إن تمكن من وضع يديه على هذا الجهاز، فقد يزال قادراً على الانضمام إلى الحرب الوشيكة. فلن تنتهي على الأرجح في أي وقت قريب. فحرب بهذا الحجم قد تستمر لأعوام، بل لعقود. ومع ذلك، ثمة ما كان يثير فضوله.
سأل: "ألا تخشى أن أخلف وعدي حين يحين الحين؟"
رد التنين فوراً: "لا. لست من نوعية من يخلفون وعودهم. هذا هو السبب الوحيد الذي جعلني أفكر في عقد صفقة أصلاً".
انتفخ صدر زيك كبرياءً. هذه هي المرة الأولى التي يثني عليه فيها التنين. ومع ذلك، أُخمدت معنوياته المرتفعة في اللحظة التالية.
"...وإن كنت مخطئاً، فسآكل روحك وأقتلنا معاً."
التوت ابتسامته. ورغم ذلك، لم منزعجاً من التهديد. فهو لا ينوي نكث وعده. ورغم مشاكلهما الماضية، لم يكن يحمل أي ضغينة تجاه التنين. بل إنه أشفق على الكائن لما تعرض له من معاملة قاسية على يد شعب جيجر. ولو استطاع، لساعد التنين بالتأكيد في الحصول على جسد جديد. بعزيمة متجددة، أفصح زيك عن قراره.
قال: "اتفقنا!"