استيقظ زيك بصداع شديد. فرك عينيه بوهن وهو يعتدل جاحظاً في سريره. لماذا يشعر بهذا الإرهاق كله؟ كم من الوقت بقي ساهراً البارحة... تذكر بغتة كيف انتهى به الأمر إلى هذا الوضع: الطقس!
"أأنت هنا أيها الروح؟"
"الرد: أنا هنا."
"كم من الوقت غبت عن الوعي؟"
"الرد: مضت خمسة عشر دورة منذ يوم التنفيذ."
أومأ زيك برأسه. كان هذا متوقعاً إلى حد ما. خسارة أسبوعين لم تكن أمراً مثالياً، لكنها لم تكن سيئة للغاية أيضاً.
"اقتراح: لا أود اعتبار الوقت ضائعاً أيها المتعاقد. لقد أدت تجاربك خلال الأيام القليلة الماضية إلى نمو الروح بنسبة اثنين وعشرين بالمئة فاصل ثلاثة تقريباً. من المرجح جداً أن هذا كان أسرع اندفاع نمو شهده المضيف على الإطلاق."
صُدم زيك.
"كيف يمكنك معرفة ذلك؟"
"الرد: أنا لا أستوعب السؤال."
"كيف يمكنك معرفة مقدار نمو روحي؟"
وضح زيك كلامه.
"الرد: وفقاً لخطط المضيف، شرعت في قياس أي تغيرات تحدث للروح. تَبَيَّنَ أن مسار العمل هذا هو الطريقة المثلى لتحديد أسرع سبيل لإنماء الروح."
ذهل زيك تماماً. أثناء تجربته، فكر لفترة وجيزة في وضع نظام لتحديد نمو الروح. ها هو الآن يستيقظ ليجد تلك الفكرة العابرة قد تجسدت بالفعل واندمجت.
"استعلام: ألم يعد هذا الهدف هدفاً بحثياً؟ هل أزيله من قائمة المهام النشطة؟"
"لا!"
هتف زيك.
"لقد أبليت بلاء حسناً، حسناً جداً. ما المدرج على قائمة المهام النشطة أيضاً؟"
"الرد: توجد حالياً أربع مهام مراقبة نشطة. 1) رصد تغيرات الروح. 2) رصد تغيرات الجسد والجوهر. 3) مراقبة المحيط بحثاً عن الخطر. 4) مراقبة المحيط بحثاً عن اكتشافات جديرة بالاهتمام."
اتسعت عيناك زيك.
"كيف تراقب المحيط؟"
"الرد: أستخدم البيانات التي توفرها مهارة الإدراك المكاني التام."
سقط فكه من التدهش.
"يمكنك استخدام تعاويذي؟"
"الرد: مؤكد. يمكنني استخدام تعاويذك وحتى السيطرة على جسدك إن لزم الأمر."
كان هذا قدراً هائلاً من النفوذ، ولم يكن زيك متأكداً تماماً من رضاه عن ائتمان الروح به. من ناحية أخرى، كان جزء كبير منه يفكر بالفعل في كل الاحتمالات التي تفتحها هذه الخطوة. قد تكون لها تطبيقات بعيدة المدى في كل جانب من جوانب حياته.
"اقتراح: إذا كان المتعاقد غير راضٍ عن هذا الترتيب، فيمكنني تقييد نفسي وفقاً لذلك."
فكر زيك في الأمر لحظة. ومع ذلك، هز رأسه بعد فترة قصيرة.
"أي قيد تضعه على نفسك سيكون بلا معنى. تظل مسألة التزامك بتلك القواعد راجعة إلى الثقة في النهاية."
"استعلام: أنا لا أستوعب المشكلة. ماذا يُفترض بي أن أفعل؟"
تنهد زيك. بغض النظر عن مشاكل الثقة لديه، كان هذا سؤالاً وجيهاً. هل هناك جدوى من ارتياب المرء في استدعائه الخاص قط؟ لم يسمع قط عن روح تنقلب على متعاقدها. بالطبع، كانت هناك قصص عن استدعاءات ترتكب أخطاء، لكن زيك لم يسمع يقط عن خيانتها لمتعاقديها صراحة. أكان هذا مجرد جنون هواجس يعتريه؟
"ليس عليك فعل أي شيء أيها الروح. قم بما تفعله فحسب وسأخبرك إن كنت تتجاوز حدك."
"الرد: مؤكد."
نهض زيك من سريره وركز على حالته. كان يشعر بحالة جيدة بشكل مدهش، بالنظر إلى المحنة التي عانى منها. كانت المزية الوحيدة للألم الروحي هي أنه لا يُضعف الجسد على الإطلاق. بعد الاستيقاظ تماماً وأداء بعض تمارين التمدد، شعر بأنه بحالة جيدة كأنه وُلد من جديد. كان الاختلاف الوحيد الذي يمكنه استشعاره هو استنزاف طفيف في جوهره. لم يكن يزعجه كثيراً ولم يكن شيئاً يستدعي القلق أيضاً.
سيكون قادراً على تحمل هذا بلا عناء طوال اليوم. بصراحة، توقع زيك أن يكون العبء على جوهره أكبر بكثير.
"أيها الروح، هل هذا هو الحد الأدنى من المانا الذي تحتاجه للبقاء؟"
"الرد: غير صحيح. لا أحتاج إلى أي مانا للبقاء طالما أنني مندمج في روحك. المانا التي أستخدمها تتناسب طردياً مع المهام التي أشغلها."
"كم مهمة تشغل في الوقت الحالي؟"
"الرد: تسع."
تجمد زيك في منتصف تمدده.
"كم؟"
"الرد: تسع."
طرف زيك بعينيه.
"أتريد إخباري أن بإمكانك فعل تسعة أشياء في الوقت نفسه بهذا القدر الضئيل من المانا؟"
"الرد: مؤكد."
"ما الحد الأقصى للأشياء التي يمكنك فعلها دفعة واحدة؟"
"الرد: ليس لدي حد شخصي. العامل المقيد الوحيد هو كمية المانا المنسوبة إلى العقل التي يمكن لجوهر المضيف إنتاجها."
لا حدود لعدد المهام التي يمكنه إنجازها في آن واحد؟ لم يدرِ زيك أينبغي له أن يخاف أم يتحمس لطرح سؤاله التالي.
"كم من الوقت ستستغرق لقراءة كتاب في مكتبة عقلي؟"
"الرد: سيعتمد هذا كلياً على طول الكتاب. يجب أن تكون سرعة قراءتي مكافئة تقريباً لسرعة المضيف مع إمداد المانا الحالي."
أومأ زيك برأسه. لقد كان يطمح إلى المزيد، لكنه سيكون قادراً على زيادة التقدم الذي يحرزه في ذلك المشروع على الأقل.
"اقتراح: بناءً على المانا المقدمة، سيكون بإمكاني إما زيادة سرعتي أو قراءة عدة كتب دفعة واحدة."
بدا هذا واعداً أكثر. بفكره، ظهر زيك في مكتبة عقله. ولمفاجأته، كان هناك شخص موجود بالفعل. جلس شخصية على كرسيه وكانت تقلب صفحات السجلات الأكاشية حالياً.
"أيها الروح؟"
سأل زيك بتردد. رفعت الشخصية ذات الشعر الأحمر رأسها. ومما أثار دهشة زيك، أنه وجد وجهه ينظر إليه.
"لماذا تبدو هكذا؟"
"استعلام: أليست هذه هيئة مقبولة؟"
تردد زيك. لم يكن يريد تثبيط الروح عن إظهار سلوك شبيه بالبشر. ومع ذلك، فإن النظر إلى وجهه جعله يشعر بعدم ارتياح واضح.
"أيمكنك تغييرها؟"
"الرد: مؤكد. ما الهيئة التي تريد مني اتخاذها؟"
هز زيك كتفيه.
"الأمر يرجع إليك. أريدك أن تكون راضياً عن مظهرك. فقط لا تختر مظهر شخص أعرفه."
فكر شبيهه في الأمر لحظة قبل أن ينظر إلى زيك مرة أخرى.
"استعلام: هل ستتقبل اختياري؟"
شعر زيك بأنه يمشي نحو فخ. ولكن حتى بعد التفكير في الأمر مرة أخرى، لم يستطع معرفة ماهيته.
"طالما أنه ليس شخصاً أعرفه، يمكنك اتخاذ أي مظهر تحبه، أعدك بذلك."
كان زيك ليقسم أنه رأى بريقاً في عيني الروح قبل أن تذوب شخصيته في ذرات من الضوء الأزرق أعادت ترتيب نفسها بسرعة. بعد لحظة، حدق زيك في مظهر استدعائه الجديد. وقف أمام زيك أجمل شخص رأاه في حياته على الإطلاق. بدا واضحاً أن الفتاة ليست شخصاً يعرفه. ومع ذلك، كانت مألوفة بشكل مخيف في الوقت ذاته. لقد أخذته هذه الظاهرة الغريبة على حين غرة لدرجة استغرقت منه وقتاً ليلاحظ أنها لا ترتدي أي ملابس.
استدار زيك بسرعة ووجهه يشتعل حمرة.
"لماذا لا ترتدين أي ثياب أيتها الروح؟"
"الإجابة: لم يكن ذلك شرطاً."
"صار شرطاً الآن!"
صرخ زيك.
"الإجابة: غشاش..."
"أيتها الروح!"
"عِلْم."
منح زيك استدعاءه لحظة للامثال ثم استدار مجدداً. ظلت الفتاة نفسها. غير أنها كانت ترتدل فستاناً خفيفاً يشابه بشكل مريب شيئاً رآه على صوفيا من قبل. تذكر كيف سحره ذلك الفستان في ذلك الحين. ربما كان هذا هو السبب الذي دفع الروح لاختياره... انتظر لحظة! فحص زيك وجههابتدقيق. هذا هو! استغرق الأمر لحظة ليدرك مصدر هذا الشعور لكن الفستان منحه التلميح الأخير الذي يحتاجه. كان عليه أن يتعرف فوراً على تلك العينين الزرقاوين العميقتين وتلك الأنف الصغيرة المستديرة وذلك الشعر الأبيض المنسدل.
"هل هذه عيون صوفيا وأنف فيولا وشعر أوريليا؟"
"الإجابة: صحيح."
"أهذا... قوام لارا؟"
"الإجابة: صحيح. إنه لأمر مذهل سرعة تمكنك من التعرف عليه أيها المتعاقد."
غمرت حمرة خفيفة وجنتيه مرة أخرى. أكان ذلك إطراءً أم أن الروح نعتته للتو بالمنحرف لقدرته على تميز النساء من شكل أجسادهن وحدها؟
"لماذا اخترت هذه التوليفة؟"
سأل زيك لتبديد الإحراج.
"الإجابة: لقد استوعبت الملامح التي يجدها مضيفي أكثر جاذبية."
تفحص زيك المرأة من رأسها حتى أخمص قدميها وهو يزداد حمرة كالطماطم طوال الوقت. نعم لتبديد الإحراج حقاً! أهذا حقاً شكل فتاة أحلامه؟ كلا لا أهمية لذلك الآن. هذا الشكل غير مقبول. كان على وشك فتح فمه حين قاطعته الروح.
"اعتراض: ...لقد وعدت!"
أبق زيك فمه مطبقاً. كانت الروح على حق لقد وعد بالفعل بأنه يمكنها اتخاذ أي شكل تريده طشط طالما لم يكن شخصاً يعرفه. تقنياً لم يرهق بصره برؤية المرأة الماثلة أمامه قط. ومع ذلك كان هذا مشتتاً بشكل لا يصدق. خاطر زيك بنظرة أخرى. لم يستطع الإنكار فالصتاة أو قل الشابة بدت جذابة له بشكل لا يصدق. نجحت الروح في دمج كل تلك الملامح تماماً دون أن تبدو غريبة في مكانها. سمح زيك لعينه بالتجول مرة أخرى فوق قوامها الممتلئ.
أكان يحب النساء الأكبر سناً؟ لمَ لم يكن يعلم بذلك؟ انتظر... أكانت تلك شفاه سيلين؟ مستحيل أن يكون قد وجد شيئاً جذاباً في تلك الفتاة الوقحة ألا يعقل أنه فعل! تنهد زيك مطيحاً بتلك الأفكار.
"حسناً إن كان هذا هو الشكل الذي اخترته فلا أرى سبباً للاعتراض."
قامت الفتاة بحركة صغيرة بقبضتها وهي حركة وجدها زيك محببة بشكل لا يصدق لسبب ما. تنحنح.
"على أي حال ماذا كنت تفعلين حين وصلت؟"
"الإجابة: كنت أفحص الكتاب الذي أنشأته"
قالت الروح وهي تعود إلى المكتب والتقطته.
"من بين جميع اختراعاتك وأفكارك أعتقد أن هذا هو الأعد واعداً."
"لماذا تعتقدين ذلك؟"
سأل زيك بفضول.
"فرضية: مع نمو قوة المضيف سينمو نطاق إدراكه بشكل طردي. سيسمح هذا بجمع المزيد والمزيد من المعلومات بمرور الوقت. ومع نظام مناسب لتخزين وتصنيف كل تلك البيانات قد تصبح أكاشا حقاً كتاباً يضم جميع أسرار العالم."
أخذ زيك يقلب الأمر — حقاً كانت صورة مغرية. غير أن هناك عيباً هائلاً في تلك الفرضية. هز رأسه.
"مستحيل أن أتمكن من مواكبة هذا الكم من المعلومات. حتى الآن لا يمكنني الانتباه إلا لجزء ضئيل مما تلتقطه تعويذتي. سيزداد الأمر سوءاً مع نمو النطاق. هذا دون حتى احتساب كل الكتب التي ما زلت بحاجة لقراءتها."
"اقتراح: ...يمكنني فعل ذلك نيابة عنك."
توقفت أفكار زيك تماماً.
"ماذا تقصدين؟"
"توضيح: عقلي ملائم تماماً لتحليل كميات ضخمة من البيانات. على سبيل المثال يمكنني بسهولة توزيع انتباهي عبر نطاق واسع من أنشطة المراقبة. وأيضاً مقارنة بالعقل البشري فأنا لا أنسى أي ذكريات بمجرد تخزينها. أعتقد أن هذا يجعلني الأنسب للاحتفاظ بمجموعة واسعة من المعلومات وجعلها في متناول المضيف."
التزم زيك الصمت. كان عقله يضج بالتبعات لما قيل للتو. إنها لا تنسى أبداً أي معلومات تستهلكها... وأفضل بكثير في تحليل البيانات... أكان هذا يعني ما ظنه؟
"ما الذي تقترحينه؟"
"الإجابة: أنا... أريد أن أحل محل المكتبة."
حدق زيك في الفتاة. كانت تفرك يديها ببعضهما وهي تترقب رد فعله. بدا هذا السلوك غريباً بالتأكيد ولم يره قط بمثل هذا التوتر من قبل. إما أنها حيلة معقدة أو أن استدعاءه يريد هذا الدور حقاً ولسبب ما.
"لماذا تريدين فعل ذلك؟"
سأل زيك أخيراً.
"الإجابة: أعتقد أن هذا سيجعلني الأكثر قيمة للمضيف."
"لماذا تريدين أن تكوني ذات قيمة بالنسبة لي؟"
"الإجابة: أعتقد أن هذه هي غايتي."
أوقف هذا زيك عن الكلام. غايتها أن تكون مفيدة له؟ يا له من مفهوم غريب. كيف يمكن لغاية وجود شخص أن تكون بسيطة ومجردة من الأنانية إلى هذا الحد؟ مع ذلك لم يستطيع إنكار القناعة التي سمعها في ذلك التصريح. أمعن النظر في الاقتراح مرة أخرى. إن استطاعت الروح فعلاً فعل ما وعدت به فسيكون ذلك مكسباً هائلاً له. ومع ذلك تردد... عرف زيك السبب. سيكون عليه وضع قدر هائل من الثقة في الروح.
ستكون هذه قفزة هائلة في الإيمان بالنسبة له. حتى الآن لم يدخل دائرته المقربة في أسراره قط. ومع ذلك سيوكل غريباً بجمع وإدارة كل معرفته؟ كيف له أن يبرر خوض مثل هذه المغامرة؟ تماماً حين كان على وشك رفض العرض وافته ذكرى. تذكر اليوم الذي تبناه فيه ماكسيميليان. خلافاً لتقديره الأفضل سأل العجوز عن سبب ثقته به إلى هذا الحد. ففي نهاية المطاف لم يكن ماكسيميليان يعرفه حتى. حتى يومنا هذا تذكر زيك بوضوح ما قاله العجوز.
"سيكون يوماً حزيناً حين لا أجرؤ على الثقة خوفاً من الخيانة. استمع يا بني — الثقة علامة على القوة والشجاعة وليست ضعفاً أبداً لا ضعفاً قط."
ابتلت عينا زيك وهو يتذكر تعبيرات وجه العجوز. لم يشكك مرشده فيه قط — ولا لثانية واحدة. ورغم أن ثقته بلا حدود قادته في النهاية إلى سقوطه شك زيك أن الرجل ندم على ذلك قط. كانت هذه الصفة التي طالما أعجب بها أكثر في ماكسيميليان. رغم كل شيء كان العجوز دائماً يرى الأفضل في الناس. انقبض قلب زيك وهو يحدق في الفتاة المترقبة مرة أخرى. ها هنا شخص يريد مساعدته؛ يريد مشاركة أعبائه؛
يريد أن يكون مفيداً له... أيرفضها زيك؟ أيرفضها خوفاً من الخيانة؟ بعد أن لم يُمضِ هو نفسه سوى رؤية الثقة بلا حدود؟ كلا! لم يكن ماكسيميليان ليرغب في ذلك قط. بصراحة سيبدو مرشده على الأرجح محبطاً للغاية — محبطاً لرؤية أن الدرس الوحيد الذي تعلمه زيك من أسره هو عدم الثقة بأحد بعد الآن. لقد حان الوقت للتخلص من القيود التي تعيقه. تقدم زيك وأخذ الكتاب من الفتاة. 'أكاشا — كتاب الكل'، هكذا قرأ العنوان.
ودون أي تردد رمى به من فوق كتفه. تلاشت مجلدات الجلد الثقيلة قبل أن تلامس الأرض حتى. ودون حتى التفاتة إلى الوراء وضع زيك يديه على كتفي المرأة.
"من الآن فصاعداً سيكون اسمك أكاشا. أوكلك بمساعدتي في جمع كل سر مفرد يمكن للعالم أن يقدمه. ستكونين سجل التاريخ وحكم الحقيقة وذاكرة الكوكب. أتقبلين هذه المسؤولية؟"