ما إن نطق زيك بتلك الكلمات حتى تغير المشهد. اختفى مسرح الطقوس برمته من أمامه ليحل محله فراغ لا نفاذ له. شعر بنفسه يهوي، لكنه لم يكن متأكداً أهو يسقط نحو الأعلى أم الأسفل. في الواقع، لم يكن متأكداً من أي شيء في هذا المكان الغريب. عجز عن معرفة مكانه، وعن تقدير ما مضى من وقت. حتى سحره أبى أن يستجيب لندائه. لحسن الحظ، لم يكن وحيداً في هذا الفراغ. خاطبه صوت ناعم على نحو مباغت، وبنبرة اصطناعية.
ذكّرته إيقاعاته بالحراس الآليين التابعين للجيغرز.
"أهلاً بك أيها المتعاقد. شكراً لقبولك عرضي".
التفت زيك برأسه فجأة محاولةً العثور على الكيان المتحدث. غير أن الظلام وحده كان يواجهه حيثما وجه وجهه.
قال الصوت: "اقتراح: لن تجدني إن بقيت تنظر حولك. توضيح: أنا لست خلفك ولا أمامك. أنا لست فوقك ولا تحتك".
سأل زيك: "أين أنت إذن؟"
أجاب الصوت: "إجابة: أنا بداخلِك. توضيح: ليس الأمر كما خشيت. أنا لست داخل جسدك. أنا بداخلِك أنت".
"...داخل روحي؟"
أجاب الصوت: "إجابة: صحيح. أنا داخل ما تطلق عليه روحَك".
"أتستطيع قراءة أفكاري؟ ذكرياتي؟"
أجاب الصوت: "إجابة: صحيح. أستطيع قراءة أفكارك وذكرياتك معاً".
قرر زيك ألا يفكر في التبعات التي قد يحملها هذا وحاول بدلاً من ذلك التركيز على وضعه الحالي.
"ما هذا المكان؟"
أجاب الصوت: "إجابة: هذه مرحلة الربط. توضيح: هنا يُستكمل وضع اللمسات الأخيرة على عقدنا".
"ماذا يعني هذا بالضبط؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لن يُبرم عقدنا بالكامل إلا بعد أن أندمجَ فيك — في روحِك".
أمعن زيك التفكير في الأمر.
"ألا يزال بإمكاني إلغاء العملية في هذه المرحلة؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لا. توضيح: محاولة إيقاف الاندماج في هذه المرحلة ستلحق الضرر بكيلينا".
أومأ زيك برأسه ببطء. لم تكن لديه أي نية للتراجع عن قراره، لكن معرفة خياراته لم تضر قط.
"كم ستستغرق هذه العملية؟"
أجاب الصوت: "إجابة: معلومات غير كافية. توضيح: سريان الزمن نسبيّ في هذا المكان. ستستغرق العملية برمتها ما يقرب من ثلاث نبضات قلب في العالم الحقيقي".
كان هذا مبعث ارتياح. شعِر وكأنه كان هنا منذ وقت طويل بالفعل، وكان من الجيد معرفة أنه لن يُفقد في العالم الحقيقي. وبما أن لديه وقتاً يضيعه، فقد تكون الفكرة جيدة لو عرف قدر ما تستطيع معرفته عن رفيقه الجديد.
سأل زيك: "أليس لديك اسم؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لا".
"إذن... ماذا تريد مني أن أسميك؟"
ظل الصوت صامتاً لنبضة واحدة وأعطى زيك انطباعاً واضحاً بأنه كان يفكر ملياً في شيء ما.
أجاب الصوت: "إجابة: أودُّ أن يكون لديّ لقب..."
"أقصد اسماً؟"
أجاب الصوت: "إجابة: صحيح".
"لمَ لم تستخدم كلمة اسم فحسب؟"
أجاب الصوت: "إجابة: ..."
انتظر زيك، لكن لم يأت أي رد حتى بعد فترة.
"أين الإجابة؟"
أجاب الصوت: "إجابة: ما زلت أتأقلم مع السلوك البشري والعادات. إنه... أمر مربك للغاية. لكن من ذكرياتك، استخلصت أن الاسم شيء مهم للبشر. لم أكن متأكداً ممّا إذا كانت الكلمة مناسبة لي".
قال زيك على الفور: "بالتأكيد هي كذلك. أنت حيّ، تستطيع التفكير وتشعر. لمَ قد لا يكون الاسم مناسباً لك؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لا. توضيح: أنا حيّ، لكنني لا أستطيع التفكير بمفردي، كما أنني لا أمتلك مشاعر".
"كيف يكون ذلك؟"
أجاب الصوت: "إجابة: جنسي يعتمد حصراً على مانا العقل. اللحظة التي أُعزل فيها، أبدع في التدهور. علاوة على ذلك، قدرتي على التفكير تعتمد حصراً على القدرة العقلية لمضيفي".
"تعتمد عليّ؟ أيمكنك توضيح ذلك؟"
أجاب الصوت: "إجابة: صحيح. توضيح: يتغير شكلي ليكون نسخة مطابقة لمركز الإدراك الأساسي لمضيفي. يشمل هذا كل تجربة وكل ذكرى يمتلك المضيف حق الوصول إليها".
بدا هذا مفيداً إلى حد ما. كيف كانت تقول المצאلة القديمة؟ رأسان أذكى من رأس واحد؟ بل وأفضل بكثير إن كان هذان الرأسان متزامنين تماماً. ومع ذلك، لم يكن أي من هذا يهم حقاً في الوقت الحالي.
"ألا تمتلك مشاعر؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لا".
لسبب ما، وجد صعوبة بالغة في تصديق ذلك. صحيح أن طبعه بدا صارماً نوعاً ما، لكنه لم يعطِ انطباعاً بأنه خاوٍ تماماً من المشاعر أيضاً. لقد شعر بوضوح بيأسه عندما اقترب منه الروح الصغير.
قال زيك بابتسامة خبيثة: "إذن، إن لم تكن تمتلك أي مشاعر، أظن أنني سأسميك عديم الفائدة من الآن فصاعداً. ما رأيك بهذا الاسم يا عديم الفائدة؟"
أجاب الصوت: "إجابة: ..."
"تكلم يا عديم الفائدة. أيعجبك الاسم؟"
أجاب الصوت: "إجابة: أنا... أنا لا أحب هذا الاسم".
سأل زيك متظاهراً بالارتباك: "هاه؟ كيف يكون هذا ممكناً؟ ظننت أنك لا تمتلك أي مشاعر؟"
أجاب الصوت: "إجابة: أنا... أنا لا أُقدَّر بالشكل اللائق. الكلمة لا تحمل أي ارتباطات إيجابية في عقلك. أقترح شيئاً مرتبطاً بذكريات عزيزة".
"ما الذي يدور في ذهنك؟"
أجاب الصوت: "إجابة: إليك قائمة بالأسماء المفضلة بترتيب تنازلي. مايا، ميا، جيرالت، ماكسيميليان، ليو، فيولا، ماركوس—"
قاطع زيك على عجلة: "توقف، توقف، توقف! "
لم يكن يريد سماع ترتيب لعائلته وأصدقائه. حتى فكرة أن استدعاءه يستطيع تكوين قائمة كهذه فوراً كانت شديدة التدخل.
"لا يمكنك أخذ أي من هذه الأسماء، حسناً؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لمَ لا؟ هل فعلتُ ما يثير سخطك أيها المتعاقد؟"
"ماذا؟ لا! لم قد تفكر في هذا؟"
أجاب الصوت: "إجابة: لأنك لا تسمح لي باختيار أي من أسماءك المفضلة".
لم يستطع زيك منع نفسه من الضحكة لهذا الرد. هذا أقصى ما يمكن بلوغه من كون المرء نسخة مطابقة.
"تلك ليست أسمائي المفضلة — هؤلاء هم أشخاصي المفضلون. الأسماء لا تعني شيئاً دون الشخص الذي تصفه. يمكنك تسمية نفسك مايا قدر ما تشاء، لكن هذا لا يعني أنني سأعاملُك كأختي".
أجاب الصوت: "إجابة: هذا مربك للغاية".
قال زيك بابتسامة خفيفة: "ستعتاد الأمر. ما رأيك بهذا؟ سأكتفي بمناداتك بالروح حتى نجد اسماً يناسبك بشكل أفضل".
أجاب الصوت: "إجابة: هذا الاسم مقبول في الوقت الحالي".
"هذا رائع. سررت بلقائك يا روح، أنا إزيكييل".
"سررت بلقائك يا إزيكييل. لقبي المؤقت هو الروح".
"حسناً يا روح. أيمكنك إخباري بمدى تقدمنا في عملية الاندماج؟"
أجاب الصوت: "إجابة: صحيح، العملية تتقدم بشكل خطيّ وقد اكتملت بنسبة ثلاثة وتسعين بالمئة".
إذن فقد كادا ينتهيان.
"أي شيء آخر أترقب معرفته قبل أن ننتهي؟"
ظل الروح صامتاً لبرهة.
"أجاب الصوت: أقترح أن تجهز نفسك لعدم ارتياح شديد".
راودت زيك شعور سيّء حيال هذا.
"بأي درجة من الشدة؟"
أجاب الصوت: "إجابة: أتتذكر طقس النقش الأول لك؟"
"...نعم؟"
أجاب الصوت: "إجابة: ربما أسوأ من ذلك".
أطلق زيك أنة. ما زال يرتجف كلما استرجع طقس النقش الأول. كانت تجربته الأكثر إيلاماً على الإطلاق. تلك الساعات الثلاث المعذبة بدت وكأنها أبدية. كان يرجو أن يكون الروح مبالغاً في مدى سوء ما ستؤول إليه الأمور. لكنه شكّ في ذلك نوعاً ما.
أجاب الصوت: "اقتراح: استعد، لقد بلغنا خمسة وتسعين بالمئة".
أغمض زيك عينيه وأصلب نفسه. بدا الزمن وكأنه تباطأ إلى زحف وهو ينتظر العودة الوشيعة إلى العالم الحقيقي. كان انتظاراً مرعباً، وكاد زيك يتمنى لو أن الروح لم يحذره أبداً. هكذا، كان يتخيل الأسوأ بالفعل قبل أن يحين الوقت حتى.
"كم من الوقــ..."
قبل أن يتمكن من إتمام سؤاله، انتفض جسده. لا، لم يكن جسده. لقد جاء هذا من مكان أعمق. ومع إدراك مرعب، تذكر زيك أين شعر بهذا من قبل. لقد كان متشابهاً حقاً مع إحساس نقش تعويذة على جوهره. لكن مقارنة بالمرة السابقة، وصل الشعور بكامل قوته منذ البداية. انفتحت عينا زيك على مصراعيهما بينما أطلق عواءً من الألم. كانت عيناه ضبابيتين بسبب العذاب الحارق للعظام الذي هاجم كيانه ذاته.
ومن خلال رؤيته الضبابية، ظن أنه يستطيع تمييز طيف أوريليا وهي تهرع نحوه لتلتقط جسده الساقط. كل ما بعد ذلك لم يكن سوى مزيج من ومضات وعي ضئيلة. في أحد الأوقات، رأى سيلينا تنظر إليه بقلق. ثم رأى وجه ديفيد، وقد بدت تعابيره أكثر صرامة مما رآه زيك عليه قط. رأى أوريليا وهي توصله إلى سفينته برفقة حراسه. لا بد أنها استطاعت تهدئة ديفيد والآخرين. تقلب زيك يميناً ويساراً، ساقطاً في غياهب اللاوعي وخارجاً منها.
لكن لم يكن هناك أي راحة تُرجي في الإغماء. مقارنة بالجسد، لم يكن هناك حد للألم الذي يمكن للروح احتماله. ولم يكن هناك سقف للعذاب الذي يمكن أن تدركه قبل أن تنطفئ. كم مرة توسل التحرر المبارك لانعدام الوعي؟ لم يستطع زيك التذكر. لكن أمراً كدذا كان مستحيلاً للروح بالطبع. حزن وغضب، لعن وهدد، لكن ذلك لم يجدي نفعاً. مع ذلك، كان جزء عميق الخفاء منه مسروراً أيضاً لحقيقة أنه لم يُمنح الخيار لإيقاف هذا.
مهما بلغ حرصه على الحصول على استدعاء، لما استطاع قط احتمال هذا العذاب الجحييمي إن كانت لديه أي طريقة للخروج. لحسن الحظ، كانت تلك التجربة بعيدة المنال. وكل ما يستطيع فعله هو كزّ أسنانه المجازية وانتظار عبور العاصفة. تحولت الدقائق إلى ساعات وتحولت الساعات إلى أيام بينما احتمل زيك. ورغم حالته، كان واعياً بما يكفي في كثير من الأحيان لملاحظة دورات الليل والنهار. ومع ذلك، لم تكن الأخبار سيئة كلها.
كانت الساعات الأولى هي الأسوأ، وقد خف الألم تدريجياً منذ ذلك الحين. وبحلول الآن، أصبح عدم الارتياح أكثر احتمالاً بلا مقارنة. أخيراً، بعد ما لا بد أنه كان أسابيع، سمع زيك صوتاً مألوفاً داخل رأسه.
"هنيئاً لك أيها المتعاقد. لقد كان الاندماج ناجحاً تماماً".
بسماعه تلك الكلمات، وشعوره بغياب الألم لأول مرة فيما بدا كأبدية. استغرق زيك في نوم هانئ.