ظل زيك ساكنا كتمثال لساعات طويلة قبل أن ترف أهدابه. انفتحت عيناه بعد وقت قصير. بدأ يتبين ملامح الشكل الماثل أمامه ببطء وسط رؤيته الضبابية. جلست المرأة على كرسي قبالته طوال الساعات الماضية. ابتسم زيك باتساع. لم تكن هذه الحركة لمجرد إخفاء تعابير التوتر على وجه الشابة وحدها. بل كانت تعبيرا صادقا عن سروره أيضا.
قالت بيترا بتردد: "شكرا جزيلا لك، يا سيد. لقد كنت عونا عظيما!"
ثم أردفت: "أ-أحسنتم، هل يمكنني التنظيف الآن؟"
التفت زيك مستطلعا أرجاء غرفته. تذكر للتو أن الخادمة دخلت أساسا بهدف التنظيف. لكن زيك أورطها في تجاربه فور رؤيتها. وحيث إنه كان أحد القلائل الذين لا يملكون قدرات سحرية، فقد احتياج بشدة إلى شخص مثله لتجربة تحسيناته على بصر الروح.
قال زيك: "بالطبع، بالطبع. أنا آسف لتعطيلك طوال هذا الوقت."
"لم يكن الأمر مزعجا، سيدي الشاب."
خفَّت ابتسامة زيك قليلا وهو يزن الموقف. قد يسبب لها غيابها عن مسؤولياتها لساعات بعض المتاعب. ومع ذلك، أراد التأكد من عدم تعرضها للتوبيخ بسبب ذلك.
قال: "أنا آسف لابعادك عن واجباتك. إذا سأل أحد، فأخبريه أنك كنت تساعدينني في عملي. هذا خطئي أنا وليس خطؤك."
أشرق وجهها بوضوح عند سماع كلماته، مما جعل ابتسامته تعود هي الأخرى. غادر الغرفة بعد إيماءة أخيرة، تاركا بيترا لتؤدي واجباتها. تكررت مواقف مشابهة، وصار زيك أبراح في التعامل معها. لم يكن اعتياده على كل غرابة منصبه كرأس للعائلة أمرا سهلا. لم يحتاج زيك، كفتى من قرية صغيرة، إلى إيلاء أي اهتمام لأي نوع من الإتيكيت الاجتماعي. اعتاد الجميع في قريته، أثناء نشأته، التعبير عن آرائهم بحرية تامة.
وفي أسوأ الأحوال، ستجرّك كلماتك إلى شجار. أما الآن، في هذا العالم المليء بالمال والقوة والمكانة، فقد وجد أن معظم الناس لا يبحرون بكنون صدورهم أبدا. واثقا تمام الثقة من أن بيترا ما كانت لتجرؤ على لومه على تأخرها، حتى لو ضُغط عليها. لاحظ زيك مؤخرا فقط أنه يتسبب في مثل هذه المشكلات. ومهما طلب منهم إخباره بمثل هذه المخاوف ببساطة، فإنهم لا يفعلون أبدا. لذا، لم يترك له سوى خيار واحد يتمثل في أداء دوره بشكل أفضل.
لقد وعد نفسه بأن يكون أكثر وعيا، وسعد لأنه لم ينسَ الأمر هذه المرة، رغم حماسته. ونعم، لقد كان متحمسا. فقد أثمرت أيامه في العمل والتجارب أخيرًا! تجنب زيك تماما استخدام بصر الروح خارج ورشته الخاصة بعد أن أدرك مدى هشاشة موقفه. غير أن هذا لم يكن حلا طويل الأجل بالمرة. ولا سيما عندما يحتاج إلى استخدامه علنا. مثلت هذه المشكلة أمرا شائكا، إذ لم يستطيع زيك طلب المساعدة من أحد.
علاوة على ذلك، فقد غدت مجموعته الهائلة من الكتب بلا فائدة هذه المرة أيضا. حتى نصوص سحر الروح الخاصة بآيغر لم تحتوِ على أي تلميحات تخص هذا الأمر. بل بدا أن قومهم لم يفكروا يقط في أي تدابير للسلامة. كان هذا السلوك المتهور منطقيا بالنسبة لوضعهم، لكن زيك لم يمتلك هذا الترف. لحسن الحظ، جاء الحل بسيطا إلى حد ما. فبدل مغادرة جسده بالكامل، كان زيك يمد خيطا رفيعا واحدا فقط من روحه إلى خارج جسده.
وكما أكد للتو مع بيترا، فقد كان هذا يكفيه تماما ليجني الفائدة الكاملة لبصر الروح. إلا أن هذا كان الجزء السهل. إذ بدا التوصل إلى تدبير مضاد للهجمات أصعب بكثير. فحتى أصغر جزء مكشوف من روحه قد يتيح لسحر العقل التوغل في داخله. درس زيك العديد من المقاربات المختلفة، لكن الطريقة التي فازت في النهاية كانت ذكريات طفولته. في قرية فيلدشتات، وخلال أشهر الصيف الدافئة، اعتاد زيك وليلي وماركوس قضاء ساعات في اللعب بالخارج.
وظلت لعبة صيد السحالي إحدى لعبهم المفضلة دائما. إذ حاولوا الإمساك بتلك الزواحف الصغيرة أثناء تشمسها فوق الأحجار الدافئة لجدار القرية. تمكنت تلك الكائنات الصغيرة من التحرك كالبرق فور استشعارها للخطر. وما زاد الأمر إحباطا هو حركة هروبها الخاصة. أيقن زيك في أكثر من مناسبة أنه قبض على إحداها، ليفاجأ في النهاية بذيل سحلة مقطوع كمكافأة وحيدة له. استطاعت تلك الزواحف الملونة بالفعل فصل جزء من أجسامها لإنقاذ نفسها.
ومن ذكريات الطفولة هذه استوحى زيك الإلهام لوسائل سلامته الخاصة. ومثل تلك السحالي، قرر زيك التخلي عن ذيله، إن صح التعبير، حال تم الإمساك به. لم يكن فصل جزء من روحه بالأمر المؤلم على الإطلاق، مما أثار دهشته. بل إن زيك لم يلاحظ أي اختلاف في البداية. لكن بعد تكرار الفعل بضع مرات، لاحظ أمرا غريبا. إذ بدأت ذكرياته عن تلك الأيام في صيد السحالي تبهت أكثر فأكثر. وبعد فترة، وجد صعوبة بالغة في استرجاع أي تفاصيل على الإطلاق.
سرى عرق بارد على ظهره عندما أدرك زيك ثمن استراتيجيته. فالبديهي أن الروح مرتبطة ارتباطا وثيقا بالذكريات. وكل جزء يفقده يعادل فقدان دقيقة أو ساعة أو يوم. وارتجف عند تفكيره فيما قد يحدث لو فقد جزءا كبيرا من روحه—فقد يكلفه ذلك سنوات. مع ذلك، لم تذهب التضحية سدى. فقد تعلم زيك أمرا قيّما بحق. إن كانت الروح مرتبطة بالذكريات، فإنه يستطيع زيادة حجم روحه بصنع ذكريات جديدة. وأعاد هذا الإدراك إلى ذهن زيك أحد أول الدروس التي علمه إياها ماكسيميليان.
سأل زيك معلمه آنذاك عن سبب حاجته للخروج والصيد. محتجا بأن بقاءه في البيت وممارسة التعاويذ سيكون أكثر فائدة لنموه بكثير. ماذا قال العجوز يا ترى؟
"يضع توتر القتال الفعلي ضغطا هائلا على العقل والجسد. ويُعد هذا الضغط أفضل طريقة لتحفيز التقدم. فالوتر، كما ترى، وسيلة تعليمية رائعة."
لن يطلق ماكسيميليان، بخبرته التي تمتد لقرون، مثل هذا الادعاء طيشا. ولم يشك زيك ولو للحظة واحدة في فائدة خبرة القتال الحقيقي للنمو. ولكن، ماذا لو أساء العجوز تفسير سبب هذه الظاهرة؟ ماذا لو... بدلا من التوتر، كانت مجرد أسرع طريقة لتنمية الروح؟ لم يساور زيك أي شك في أن الذكريات ليست كلها متساوية. فقد أثرت لحظات معينة في حياته أكثر من غيرها. وحتى دون استخدام سحره، توجد مشاهد معينة استطاع استرجاعها بوضوح تام.
اللحظة التي أخبرته فيها ليلي بالابتعاد... اللحظة التي استبدل فيها حياته بحياة فيولا... اللحظة التي أُخذ فيها ماكسيميليان... أغلق زيك تلك الذكريات في الحال. لم يملك الوقت ولا الرغبة لاستعادتها في هذه اللحظة. ومهما كانت مؤلمة، فإن مثل تلك الذكريات هي التي أثبتت وجهة نظره بدقة. إن كان على صواب، فإن هذا الاكتشاف يمثل مصدر قلق له. فقد فضّل دائما طريقة حبس نفسه داخل ورشته والعبث بتعاويذه ليزداد قوة.
ولكن، إن صحت تخميناته الجديدة، فلن يساعد ذلك على النمو طويل الأمد. ماذا لو... ماذا لو انتهى به الأمر بترسانة من التعاويذ المميتة بينما يملك عذرا ضئيلا ومذبولا لروحه؟ لم يدر زيك نوع السلبيات التي قد يسببها تخلف الروح، لكن رجلا معينا ظهر بغتة في ذكرياته. قضى مارلون بلودسورد، والد تريستان، حياته كلها في أبحاث التعاويذ. وتذكر زيك لوحة ذلك الرجل بوضوح. لم يرتقِ مارلون أبدا ليصبح ساحرا مهيبا طوال حياته.
بل تجاوز الأمر ذلك. فقد بدا واهيا وعاديا... وضعيفا. وبالمقارنة مع تريستان، الذي قضى نصف حياته على جبهة القتال، بدا كقشرة فارغة لرجل. وافتقر تماما إلى ذلك النور النابض في عينيه والذي يشيع بين فرسان البسالة. لم يعلم زيك إن كان هذان الأمران مترابطين، لكنه أيقن تماما أمرا واحدا: إنه لا يريد أن ينتهي به المطاف هكذا. ولا يرغب في أن يبدو كجثة مذبولة كلما زحف خارج معمله. فهذا ليس المستقبل الذي يريد خلقه لنفسه!
لكن كل هذا يبقى مجرد نظرية في الوقت الراهن، ولا يعدو كونها تكهنات من طرفه. احتياج زيك إلى إثباتات قبل اتخاذ قرارات مصيرية في مساره كساحر. وسيكون من الحماقة تصديق نظرية مبنية على لا شيء سوى القليل من الاكتشافات التي حققها اليوم. لكن هذا يترك سؤالا قائما: كيف سيتمكن من إثبات شيء كهذا؟ والأهم من ذلك أنه سيضطر إلى اتباع منهج علمي. تماما كما علمه ماكسيميليان، فسيتعين عليه إجراء تجربة سليمة...
تجمعت قطع الخطة في رأسه ببطء. ووضعت المعطيات، ولم يتبقَّ سوى مشكلة إيجاد الأشخاص المناسبين. فهو بحاجة لاثنين منهم، وقبض عقله فورا على مرشح مثالي. أما بالنسبة للشخص الثاني، فاضطر إلى مراجعة قائمة موظفيه. ووجد شخصا ملائما في نهاية المطاف... أرسل زيك رسالتين تخاطريتين ثم شرع في إعداداته. ولم يستغرق الأمر سوى بضع دقائق حتى دخل شخصان إلى ورشته.
سأل ليو: "مرحى، ماذا تريد؟"
وسأل الفتى الآخر: "أطلبتني يا سيدي الشاب؟"
تفرس زيك في موضوعي تجربته بدقة شديدة. ارتدى ليو ملابس كاجوال كعادته. وجعله التراب العالق بملابسه يشك في أنه قدم مباشرة من ساحة التدريب. بينما ارتدى الفتى الآخر، ميلو، رداء أبيض ناصعا. فقد كان أحد سحرة الحياة الذين استأجروهم مؤخرا. ولسبب ما، فضّل جميع المعالجين الذين التقى بهم زيك مثل هذه الهيئة.
اعترف زيك مباشرة: "أريد إجراء تجربة معك."
وأضاف: "لن تكون خطيرة، لكنها تتطلب قدرا معينا من الثقة..."
أدار ليو عينيه وقال: "أخبرني بما يجب أن أفعله فحسب."
"ماذا عنك يا ميلو؟"
"ممم... حقا؟"
"حين قلت قدرا معينا، قصدت أن عليك ائتماني على حياتك. ألا يزال ذلك مقبولا؟"
"أمم..."
عرض زيك قائلا: "سأدفع لك قطعة ذهبية واحدة."
وافق ميلو فورا: "أوافق! سأفعلها!"
هتف ليو: "مهلا! هل سأتقاضى أجرا أنا أيضا؟"
أجاب زيك بابتسامة خبيثة وهو يقودهم نحو غرفة الجلوس: "لا."
توجد على الطاولة المنخفضة أمامها إبريق شاي وكوبان. ملأ زيك كلاً منهما وناول واحدا لكل من الفتيان اللذين جلسا قبالته.
أوضح زيك: "هذا ليس شايًا عاديًّا. فيه قدر لا بأس به من جذور السوبرا. لن تذوقوها، ولكن بعد دقائق معدودة، ستفقدان القدرة على استخدام السحر. هذا ضروري لتجربتي".
ابتلع ليو الشاي فورًا، ثم لعق شفتيه.
"شراب جيد".
تردد ميلو قليلًا، لكن إغراء المكافأة الموعودة غلب في النهاية. وبعد رشفات حذرة، أنهى شرابه هو الآخر. أخذ زيك الكوبين وأسند ظهره إلى مقعده الوثير.
"الآن، قبل أن أبدأ تجربتي، لا بد لي من طرح بعض الأسئلة الأساسية أولًا. لنبدأ بك يا ميلو".
قال: "ب-بالتأكيد".
"نشأت في تريدسباير؟"
"نعم".
"أنت ساحر ذو تقارب مزدوج؟"
"نعم".
"أخضت شجارًا قط؟"
احمرّ وجه ميلو قليلًا.
"ل-لا".
"وأنت في السادسة عشرة من عمرك؟"
"نعم".
هتف زيك: "ممتاز!".
كان هذا تحديدًا ما يبحث عنه.
"والآن أنت يا ليو. كم شجارًا خضت برأيك؟"
فكر ليو برهة.
"لا أعرف، المئات... وربما الآلاف".
"كم مرة تعرضت فيها حياتك للخطر أثناء القتال؟"
أجاب ليو: "صعب القول. العشرات على الأرجح".
أذهلت هذه الإجابة زيك. كان الأمر أكثر بكثير مما توقع.
"عشرات المرات؟"
أوضح ليو: "بدأت العمل كمغامر وأنا في الثانية عشرة. لم تكن دار الأيتام تطعمني بالشكل الكافي. قد تسخر مني يا زيك، لكنني واجهت صعوبة حقيقية في إسقاط زوج من العفاريت في ذلك الوقت..."
ردّ زيك بسخاء: "لا عار في ذلك".
ومع ذلك، كانت أفكاره الداخلية مغايرة تمامًا. ابن اثنتي عشرة سنةً؟! يقاتل عفاريت؟! لقد كاد يموت محاولًا فعل الشيء نفسه بعد أن صار ساحرًا. أيّ طفل هذا الذي يقاتل الوحوش لقاء القليل من الطعام الإضافي؟! أعاد زيك انتباهه في النهاية إلى الفتيين. على الرغم من الصدمة التي أحدثها له شقيقه، كان هذا ممتازًا. بدا ليو مرشحًا أفضل ممّا تجرأ زيك على تأمله. حان وقت البداية إذن...