عاد ليو إلى نقطة بدايته، وجال بنظره حوله بتلهّف. عرف زيكي هذه النظرة؛ كان ينتظر التحدّي التالي. ونسي تماماً الجرح الذي في ساعده الأيسر لسبب ما. اقتربت فانيسا. أمسكت بذراعه لتتفقد الإصابة. تركها لتعمل ما تشاء بينما تحسّست برفق الجلد حول الجرح.
قالت فحسب: "لا تقاوم".
أومأ زيكي موافقاً لنظرة أخيه المتسائلة. أياً ما كانت تحاول فعله، فلن يكون ضاراً على الأغلب. وبعد لحظة لم يحدث فيها شيء، لاحظ زيكي أن الدم بدأ يتحرك. كان بطيئاً في البداية لكنه تسارع بسرعة. وانقسم إلى عشرات الخيوط، لم يكن عرض الواحد منها أوسع من شعرة. ومثلما تقودها إبر خفية، شرعت الخيوط الدقيقة تخيط الجرح ليوصد. من ملامح وجه ليو، لم تبدو العملية مؤلمة للغاية. وبعد لحظات معدودات، التئم الجرح تماماً.
لوّح ليو بيده، ومضّ عضلاته وقبض كفّه. ومع ذلك، مهما حاول، صمدت الغرز.
سأل زيكي: "كيف فعلت ذلك؟"
شرحت مينا: "إنها تعويذة تُدعى [غرز الدم]. تُستخدم لرتق الجروح وسط المعركة لمنعها من الانفتاح أكثر. عادةً، يكفي تجددنا الذاتي لشفاء أي إصابة عادية بمفرده، لكن هذا لن ينفع مع صديقك..."
أومأ زيكي. بصفته ساحر دم، يمكن لجرح مُضمَّد جيداً أن يلتئم في غضون دقائق. كانت هذه التعويذة طريقة عبقرية للاستفادة من تلك القدرة. بيد أن هناك مشكلة واحدة.
"إنها ليست تعويذة للسحرة الحقيقيين، أليس كذلك؟"
قالت مينا: "لا. تتطلب قدراً عالياً من التحكم. وحتى لو كان ممكناً أداء التعويذة بصفتك ساحراً حقيقياً، فسيكون الأمر بلا جدوى. إن استغرق الأمر منك دقائق لإغلاق جرح، فسيكون من الأفضل لك إيجاد معالج".
على الرغم من تردده في الاعتراف بذلك، وجب على زيكي الموافقة. لقد راقب فانيسا وهي تلقي التعويذة وعلم بيقين تام أنه لا يستطيع فعل هذا. وبقدراته الحالية، سيكون مجدياً أكثر على الأرجح إمساك الجرح مغلقاً بيديه والتركيز على تجدده. كانت هذه المرة الأولى التي يشعر فيها زيكي بالغيرة حقاً من موهبة شخص ما. لم تقتصر على استخدام تعويذة متقدمة كأنها لا شيء، بل استخدمت دم ليو أيضاً.
وحتى هذه اللحظة، لم يكن زيكي يعلم أصلاً بأنه من الممكن فعل ذلك. إن السيطرة على دم شخص آخر قدرة مدمرة. كان جسد المرء مشبعاً بماناه لدرجة تجعله مقاوماً للمؤثرات الخارجية. ومع ذلك، صُدم زيكي لرؤية كم كان سهلاً عليها سحق تلك الحماية للتو. يعود جزء من هذا إلى كون الدم خارج جسد ليو، لكن لم يكن ذلك كل شيء. لقد سحقت مانا الخاص به بقوة عمياء واستولت على السيطرة. وإن كان هذا ممكناً بالفعل وهي ساحرة كبرى، فارتعد زيكي عند تفكيره فيما يمكن لساحر عظيم فعله...
وبينما كان الاثنان يتحدثان، بدأت معركة أخرى. تفقد زيكي نواة الصبي ووجد نقشاً مختلفاً عن فيليب. ووفقاً لشرح مينا، كان هذا [توليد الدم]. ومن طريقة سير المعركة، بدأ زيكي يدرك كيف يقاتل سحرة الدم الحقيقيون. كان للنوعين نهج مختلف جوهرياً. منح [ضغط الدم] السحرة احتياطياً أكبر بكثير. ومن واقع ما رآه زيكي، احتوى جسد فيليب على ضعف كمية الدم التي في جسده تقريباً. سمح له هذا بكونه أكثر سخاءً في استخدام هذا المورد الثمين.
فلن يستخدم زيكي دمه سلاح قذيفة أبداً، على سبيل المثال. وكان سحرة [توليد الدم] أكثر سخافة في هذا الصدد، كما بدا جلياً في المعركة الدائرة حالياً. كان الصبي المسمى جيمس يطلق وابلاً من الإبر. تعرّف زيكي عليها بوصفها التعويذة ذاتها التي استخدمها فيليب: [عتاد الدم]. مع ذلك، لم يكن لاختياره للسلاح مقبض حتى. بدا واضحاً أن جيمس لا نية لديه للقتال جسداً لجسد. وبدلاً من ذلك، استعمل أسلحته حصرياً وقوداً للقذف.
داخل جسده، رأى زيكي التعويذة المنقوشة قيد العمل. استُبدل الدم الذي يستعمله فوراً. ومن خلال المظهر، سيسع جيمس مواصلة قصفه طويلاً. والعامل المحدد الوحيد كان مدى صمود نواته أمام استهلاك المانا الهائل. للوهلة الأولى، تبدو هذه الطريقة النهج الأسمى لسحر الدم. غير أن زيكي علم خطأ ذلك. في الواقع، لم يكن يحمل سوى الاحتقار لهذه الممارسة. لم يكن ذلك لأنه يقلل من شأن تعويذات المدى البعيد.
كلا، بل لحقيقة أن طريقتهم في استخدام تقاربهم تقف في تعارض مباشر مع القوة الأساسية لسحر الدم. أو على الأقل، القوة الأساسية كما يفهمها زيكي. مع ذلك، في اللحظة الراهنة، كان ليو يعاني. حاول تفادي أكبر عدد ممكن من المقذوفات، لكنه جُرح أكثر من مرة بالفعل. أُطلقت إبر الدم كالسهام، بدقة مرعبة. جعل الهجوم المتواصل استحالة اقتراب ليو حتى. لم يستعمل سحر النار بعد، لكن إن استمر القتال هكذا، فسيتعين عليه الكف عن كبح جماحه.
صاح زيكي فوق أصوات المتفرجين المتحمسين: "يا ليو! لا داعي لخوف الإبر. فهي لا تشبه خناجر آنفا".
استجاب ليو فوراً. قفز جانباً، محولاً هبوطه إلى درحرجة. في نهاية حركته، كان نصف جسده مغطى بالتراب بالفعل. لا يستعمل ليو [درعه الترابي] على كامل جسده غالباً. فهو يقيّد قدرته على الحركة وضد سوط زيكي، لا يقدّم أي حماية تذكر. حتى خناجر فيليب كانت ستخترق طبقات الحجر والتراب. أما بالنسبة لإبر الدم...
لاحظ زيك بارتياح أن الإبر لم تخترق سوى عرض إصبع في طبقة الأرض والحجر التي سُمِكَت بسرعة. صار ليو مُحاطاً بالكامل الآن، وتكيَّف [درع الأرض] مع شكل جسمه. كان يطغى على كل الحاضرين بطول يزيد على خطوة كاملة على الأقل. أعاد ذلك إلى ذهن زيك نسخة مصغرة من [هيئة الحجر] الخاصة بماكسيميليان عندما هاجموا قصر فوييركرانتز. ومع ذلك، لم يتحرك التمثال الحجري. بل اكتفى بالنظر إلى الأسفل حيث اصطدمت الإبر العديدة بصدره.
ثم أمال رأسه ونظر باتجاه زيك. وحتى بلا كلمات، فهم تماماً ما أراد ليو معرفته.
صاح زيك: "سأخبرك بعد القتال".
أومأ العملاق، واقترب من خصمه بخطوات سريعة خادعة. كان وجه جيمس يزداد شحوباً مع كل ثانية. ورغم ذلك، لم يُوقف وابل الإبر، مُحاولاً بيأس العثور على أي نوع من الثغرات. غير أنه حين طغى ليو عليه، لم يكن أمامه سوى تقبّل مصيره.
قال بصوت ضعيف: "أنا أستسلم".
"فائز النزال الثاني: ليو".
تهافتت طبقات الحجر واحدة تلو الأخرى. وبعد لحظات، وقف ليو يبتسم بسعادة فوق كومة من الأنقاض.
قال ليو: "كان هذا قريباً. كدتُ أضطر لاستخدام كامل قوتي".
شمخ جيمس بأنفه، مُسوئاً فهم ثناء ليو ليعدّه إهانة. ولم يُعر ليو أي اهتمام لردّ فعله وهو يشق طريقه نحو زيك.
"بحق الجحيم يا زيك؟ لماذا كان سحر دمه ضعيفاً إلى هذه الدرجة؟"
توقف جيمس، الذي كان يُهمّ بالمغادرة، في منتصف خطوته. التفت وحدّق في الاثنين.
ابتسم زيك بارتباك وهو يبدأ في شرح نظريته بأفضل طريقة ممكنة ودون إحراج: "الأمر ليس أن سحر دمه ضعيف يا ليو. إنه فقط يفتقر إلى الميزة المعتادة".
سأل ليو: "أي ميزة معتادة؟"
كان الكثير من الفتيان المحيطين يستمعون أيضاً. شك زيك في أن أي سحر دماء يجهل هذا، لكنه شرح مع ذلك.
"فكر في الأمر فحسب. ما الذي يجعل تعواذات الدم أقوى من تعواذات الماء؟"
فكر ليو في السؤال لبرهة.
"أليست الإجابة أن دمك يتغذى بنواتك؟ ألم تقل إنه يصبح أقوى كلما مكث داخل جسمك لفترة أطول؟"
أومأ زيك موافقاً.
"هذا صحيح تماماً. والآن فكر، كمية الدم التي استخدمها جيمس أثناء قتالك، كم بلغت؟"
اتسعت عيناه ليو. ونظر إلى الأرض الملطخة بالاحمر من حولهما.
"أكثر بكثير مما يمكن أن يتسَع داخل جسمه... هل استحضر ذلك الدم أثناء القتال؟"
أثنى زيك: "ذكي. فبدلاً من الاعتماد على احتياطاته، كان يخلق دماً طازجاً في الحال. إنها استراتيجية مقبولة لمعركة استنزاف. غير أن لها جانباً سلبياً هائلاً أيضاً. فمن دون أن تتغذى على نواتك، لا يكون سحر دمك أقوى إلا بهامش طفيف مقارنة بتعويذة ماء مكافئة".
تحول حدق جيمس نحو مينا.
"كم أخبرته أيتها الحقيرة؟ لمَ لا تُعلّمينه كل تعاويذنا وأنتِ في ذلك!"
حاولت مينا الدفاع عن نفسها: "أ-أنا لم أفعل"، لكن العديد من المحيطين باتوا يحدقون فيها بغضب.
تقدّم زيك فوراً ليقف أمام الفتاة، حامياً إياها من نظراتهم.
قال بحدة: "أرجو أن تمتنعوا عن توجيه اتهامات لا أساس لها يا جيمس. كل ما أخبرتني به مينا هو اسم التعويذة. لا يتطلب الأمر عبقرية لكي يدرك المرء ما تفعله [توليد الدم]. لا تنسَ أنني أضطررتُ، مقارنة بكم جميعاً، إلى بحث سحر الدم بمفردي. فمن الطبيعي تماماً أن تكون لي قبضة راسخة على النظرية الكامنة خلفه".
بدا واضحاً أن جيمس أراد الجدال، لكن موردريخ بادر بالكلام أولاً.
قال: "يمكنني أن أشهد على ذلك. لم أكن أبعد سوى بخطوة واحدة، ولم تكشف مينا عن أكثر من أسماء التعاويذ. إن لوم عرضك المثير للشفقة يقع على عاتقك وحدك يا جيمس".
تذمّر الفتى والتفّ مبتعداً بخطى متسرّعة. مع ذلك، لم يفت زيك ملاحظة الحمرة التي تسللت إلى وجنتيه. كان واضحاً أنه يشعر بالإحراج أكثر من الغضب. وفي تلك الأثناء، شقّ موردريخ طريقه نحو مركز الحلبة المرتجلة. جال بنظره حول المكان.
صاح: "لقد رأيتم جميعاً مهارة ليو. وحسب ما أستطيع تقديره، لا يمكن لأي ساحر جيلٍ في عمره أن يتغلب على [درع الأرض] الخاص به. ما رأيكم يا شباب؟"
سُمعت تمتمات استياء من نحو نصف الفتيان. ورغم ذلك، لم يعارض أحد الملامح في النهاية. أومأ موردريخ.
"وبالمثل، فإن أفضل سحرة الضغط لدينا ليسوا أفضل بفارق يذكر مقارنة بفيليب. وحتى لو نجح شخص ما في الفوز بالنهاية، فسيكون ذلك لأننا أنهكناه شيئاً فشيئاً، لا لأننا كنا أفضل".
صاح شخص ما: "يبدو هذا وكأنك تقترح أن نستسلم".
ضحك موردريخ بخفة.
"مستحيل! لكن ليو لن يكون قادراً على القتال للأبد. علينا اختيار مرشح تتوفر له فرصة حقيقية حقاً، ألا توافقونني الرأي جميعاً؟"
سألت فانيسا وبلمعة داهية في عينيها: "ومَن يكون هذا؟"
أجاب موردريخ فوراً: "أنا بالطبع. إلا إذا كان ليو لا يجسر على مقاتلة شخص يكبره بعام كامل؟"
اشتعلت عيناه ليو بالتوقع. كان يتوق بوضوح لهذا التحدي. لكنه لم يوافق فوراً. فاليوم، كان مجرد حارس للبوابة. نظر باتجاه زيك، لتبدو السؤال واضحة في عينيه. فكر زيك للأمر لحظة، ثم أومأ. لم يكن متأكداً من قدرته على هزيمة موردريخ حقاً، لكن ذلك لم يكن يهم. ورغم كلماته السابقة، لم يكن زيك يهتم كثيراً بسمعته. فأي فائدة تكمن في اعتباره الأفضل بين أقرانه إذا كان كل شخص يكبره ببضع سنوات قادراً على مسح الأرض به؟
القوة النسبية عديمة المعنى. ونادراً ما كانت الحياة الواقعية لطيفة لدرجة أن تضعه في مواجهة أشخاص من عمره. راقب زيك بأنفاس محبوسة بينما دخل ليو الحلبة. وخلافاً للمباريات السابقة، لم يهجم، حتى بعد أن أعلنت فانيسا بدء النتال. ودون أن يحول بصريه عن خصمه، بدأ يكسو يده اليمنى بالحجر. مع ذلك، لم يبدُ هذا كـ[درع الأرض] المعتاد منه. كان الحجر أسود اللون تماماً. كان ليو يحقن الحجر بمانا النار والأرض في الوقت ذاته، ليخلق مادة سوداء ذات حواف حادة.
أدرك زيك للحظة ما كان يحدث. كان شقيقه يخلق حجر السج. وهو حجر طبيعي يتشكل عندما يندفع الحمم البركانية من بركان بأقل قدر من نمو البلورات. ولم يكن أمامه سوى التخمين حول الكيفية التي استطاع بها ليو معرفة طريقة صنع شيء كهذا. وما إن اكتست يده بالكامل، حتى امتدت منها خمس مخالب شبيهة بالسكاكين. بدت تلك المخالب مزيجاً بين نسر ودب، ويبلغ طول كل منها ضعف عرض إصبع. وما إن رضي ليو عن سلاحه، حتى استضرع [رمح لهيب]
بيده اليسرى. بدا أنه قرر استخدام كامل قوته منذ البداية. صدرت صيحات دهشة من المتفرجين. ولم يُدرك معظمهم في تلك اللحظة إلا مقدار ما كبحه ليو من قوته في نزالاته السابقة. فلم يكن أي من خصميه الأخيرين قوياً بالدرجة التي تفرضه على إبراز عنصره الثاني. حتى وجه موردريخ تبدل قليلاً، لا ليتحول إلى صدمة، بل إلى حماسة. عرف زيك هذا التعبير. كان يشبه ذلك التعبير الذي يعلو وجه ليو حين يقاتل خصماً قوياً.
وبالفعل، في هذه اللحظة بالذات، تقاسمت عيناهما النظرة الحماسية نفسها. انحنى ليو للأمام مستعداً للانقضض.
"سواء أكنت مستعداً أم لا... ها أنا قادم!"