شَقَّ زيك وليو طريقهما في الدرب الملتوي خلال حديقة القصر. كانا قد انتهيا لتوّهما من مبارزة الصباح المبكّر. استعاد الاثنان في اليومين الأخيرين عادة التنافس بينهما. لم يكن شيء ليحفز زيك قدر رؤيته لمدى سرعة تقدم ليو. كان ليو يتحسن كل يوم رغم شح الموارد المتاحة له. أدفعه غياب أي تعويذات جديدة إلى التركيز على إتقان ترسانته الحالية. صار التحكم في التراب والتحكم في النار مهارتيه الأساسيتين.
تفوقت مرونة الاثنتين تماماً وتوافقت مع أسلوب قتال ليو السلس والغريزي، رغم أن تعلم تعويذات سليمة كان توفيراً أكبر للطاقة. اعترف زيك لنفسه بتفوق ليو الساحق عليه في الارتجال وسط المعركة. بل وتفوقه على أي شخص رآه زيك في حياته. بدا له أن السحرة الأقدم والأقوى قد استقروا جميعاً على أسلوب قتال يألفونه. ولم لا؟ فالأسلوب الثابت والمجرب يتفوق في أغلب الأحيان على أي شيء يمكن ارتجاله.
تطلب الأمر قدراً معيناً من الجنون لاختراع استراتيجية جديدة كلياً على عجل خلال كل قتال. أعجب زيك بهذا الجانب في ليو. كان أخوه محارباً بالفطرة ولم يساور زيك أدنى شك في ذلك. مثلت المرونة التي يمنحها إياه نهجه السبب الرئيسي لثقة ليو الكبيرة قبل خوض أي قتال. اضطر الساحر النموذجي لتجنب الخصوم إن استغلوا نقاط ضعف كثيرة. كالمشكلة التي شكلها سحرة الرياح لزيك قبل توفر الأدوات المناسبة للتعامل معهم.
غير أن ليو لم يعبأ بهذا قط طوال حياته. فلم ينسب خسارته لشيء سوى عجزه عن إيجاد السبيل الصحيح نحو النصر. ألقى زيك نظرة جانبية على الفتى الأشقر الماشي بتثاقل إلى جواره. علت وجه ليو عبسة وبدا كمن يساق إلى حبل المشنقة. لم يكن السبب تفوق زيك في مبارزتهما اليوم بل العكس تماماً. ظن زيك أن ليو يستمتع بالخسارة أكثر من الفوز بكثير. تدرب بضعفي القسوة لمباراتهما التالية عقب كل هزيمة.
لا، بل تمثل سبب ملامح ليو تلك في إجبار زيك له على فعل أبغض الأشياء إليه.
قال: "لن يكون الأمر سيئاً إلى هذا الحد".
تذمر ليو.
قال زيك بابتسامة ساخرة: "لا تكن هكذا. إنها الوسيلة الوحيدة لتصبح أقوى على المدى الطويل".
تذمر ليو مجدداً وقال: "لا أوافق على هذا".
بلغ زيك نهاية حيلته. استحال إقناع ليو بأهمية الدراسة على ما يبدو، ولا سيما بأي حجة مألوفة.
جرب نهجاً مختلفاً بعد هنيهة وسأل: "أتعرف كيف تُبنى المنازل؟"
بدا ليو متفاجئاً بتغيير الموضوع المفاجئ لكنه أجاب بحسب وسعه: "تسوي الأرض، وتصف الطوب للجدران، ثم تستخدم العوارض الخشبية والطين للسقف؟"
أومأ زيك موافقاً: "جوهر الأمر هكذا. أيمكنك تعلم فعل هذا بمفردك بعد محاولات معدودة ودون أي معرفة متقدمة؟"
أكد ليو: "بالتأكيد، قد لا أكون عبقرياً لكني أستطيع فعل هذا القدر".
هز زيك رأسه موافقاً: "إذن ما رأيك بقصر؟"
سأل ليو: "ماذا تقصد؟"
وضح زيك: "كيف يُبنى القصر برأيك؟"
أراد ليو قول شيء لكنه تردد.
هز رأسه في النهاية وقال: "لا أعرف".
أومأ زيك في ديرته. لو زعم أخوه أنه يشبه منزلاً عادياً لكنه أكبر حجماً لشعر بخيبة أمل.
طمأنه قائلاً: "لم أكن أتوقع منك معرفة هذا. تحتاج معرفة واسعة في الهندسة المعمارية والتصميم ومجالات أخرى عديدة لتشييد قصر حقيقي".
"حسنس، لكن ما علاقة هذا بأي شيء؟"
قال زيك وليلألأ البريق في عينيه: "لهذا ندرس نظرية السحر. فهي تؤثر في مدى بلوغك غايتك. إن بقينا في نطاق التشبيه، فهذا هو الفارق بين القدرة على بناء قصر أو كوخ. قد تتوصل لاكتشاف طريقة تصبح بها ساحراً لا باس به بمفردك، لكن هذا ليس مرادك، أليس كذلك؟"
أجاب ليو وشرارة القناعة تلتهب في عينيه: "لا".
"ماذا ترغب إذاً؟"
"أريد أن أكون الأقوى!"
أومأ زيك باستحسان: "وكيف ستصل إلى هناك؟"
تجهم ليو وقال: "نظرية السحر؟"
أقر زيك: "نظرية السحر".
وأردف بعدما رأى كم تدهورت معنويات ليو: "... إلى جانب ساعات من التدريب والقتال الحقيقي".
"يمكنني الموافقة على هذا".
قال زيك: "رائع. ولا تقلق كثيراً، فلن تشبه هذه الحصص ما يُعطى في إليمنتيم".
سأل ليو حاجبًا حاجبه: "ماذا تعني؟"
ابتسم زيك بغموض وقال: "سترى".
مضى اثنان صامتين. وحملتهما قدماهما مبتعدين عن المبنى الرئيسي للقصر. كانا يتجهان نحو الغابة الصغيرة حيث قامت منشأة جديدة. استأجر زيك إحدى أفضل شركات المقاولات في ترايدسبير ودفع رسوم الخدمة السريعة حتى. وشُيِّد المبنى في أيام معدودة بفضل تقديمه مخططات تفصيلية.
بدا المبنى الجديد كملجأ أنيق من الخارج. جدران خشبية بنية فاتحة وسقوف عالية لمنزل الثلاث طبقات. استوحى زيك التصميم من قصر فيندتانزر في العاصمة حقيقة. أعجبته طريقة اندماج المبنى بسلاسة مع الغابة المحيطة منذ أول نظرة. استعمل خشب الأشجار المحيطة للجدران الخارجية بالمقابل. سمح اللون والملمس المتطابقان للمبنى بألا يبدو غريباً في مكانه. وصلا الاثنان إلى وجهتهما أخيراً. رمق زيك اللوحة فوق الباب بابتسامة على وجهه.
كُتب عليها: الارتفاع عبر الاستنارة. دخلا من الباب الواسع المفتوح وخطوا إلى منطقة الاستقبال. انحنت المرأة المسؤولة عن المدخل فوراً.
حيّت قائلة: "سيّدي الشّاب، لقد تجمّع الآخرون بالفعل".
ابتسم لها زيك وأومأ برأسه. تقدّم صاعداً الدرج وخلفه ليو مباشرة. نظر أخوه إلى كل شيء بفضول. لم يسبق ليو أن تواجد هنا من قبل بخلافه. احتاج زيك إلى الضربة الآن وقد تحفّز اهتمامه.
شرح زيك: "الطّابق الأرضيّ مخصص للاستجمام وأنشطة المجموعات أساساً".
قال: "يعجبني هذا".
قال: "ظننت ذلك. هناك استقبال ومقافتريا وغرفة مشتركة وردهة. فضلاً عن ذلك، يوجد معالج واحد على الأقل في حالة استعداد دائماً في المحطة الطبية".
سأل: "منذ متى ونحن نملك هذا العدد من المعالجين؟"
أجاب زيك بافتخار: "تمكنت أمّ من توظيف بضعة أشخاص. أربعة منهم مجرد سحرة حقيقيين حتى الآن، لكنّ واحداً ساحر عظيم. سنكون بخير على تلك الجبهة باستثناء أسوأ الإصابات".
أومأ ليو بسعادة.
قال: "هذا يعني أن بإمكاننا بذل قصارى جهدنا في نزالاتنا من الآن فصاعداً".
اتسعت عينا زيك. أكان ذلك يعني أن ليو كان يكبح جماحه؟
قال بصوت عالٍ مع سعال محرج: "بالتأكيد. لكنّ ذلك الطابق الأرضيّ فقط. لدينا كلّ صفوفنا الدّراسيّة في الطّابق الأوّل. لدينا صفّ واحد فقط الآن، لكنّني أريد توسيع ذلك مستقبلاً".
أومأ ليو وبدات علامات فقدان الاهتمام تظهر عليه.
تابع زيك: "وفي الطّابق العلويّ، توجد الخزنة".
سأل ليو: "ماذا؟"
كرّر زيك: "الخزنة. إنّها الموقع الأكثر تحصيناً في العقار بأكمله بصرف النظر عن ورشتي. جدران مقاومة للسحر وحرّاس على مدار الساعة وسحر كشف مجرد إجراءات قليلة من بين ما وضِع لـ..."
توقف زيك عن شرحه حين رأى عيني ليو تذهلان.
أضاف بسرعة: "على أيّة حال، الأمر ليس بهذه الأهميّة. ما يجب أن تنتبه إليه حقاً هو ما تحتويه الداخل".
"ماذا تحتويه الداخل؟"
أوضحت نبرته أنه يسأل لإرضاء زيك فقط لا عن اهتمام حقيقي. انتشرت ابتسامة صغيرة على وجه زيك وهو يراقب ليو باهتمام. لم يرد تفويت ردة فعل أخيه عندما يعلم الغرض الحقيقي للطابق العلوي.
قال ببساطة: "تعاويذ".
انتعش ليو. أقسم زيك أنه رأى أذنيه تترجحان حتى.
سأل ليو وعيناه مثبتتان على زيك: "ماذا تقصد بذلك؟"
اتسعت ابتسامته. لم يخِب ظنه بهذه ردة الفعل.
"فقط هذا. خزنة التعاويذ مليئة بالتعاويذ".
"أيّ نوع من التعاويذ؟"
شرح زيك: "إنّها تعاويذ أساسيّة في الغالب بالوقت الحاليّ. لكن المجموعة واسعة. نار، ماء، ريح، أرض، ضوء، ظلام، معدن، برق، طبيعة، حياة، عقل، زمن، وفضاء. لدينا مجموعة تعاويذ لكلّ تلك العناصر ستكفي حتى مستوى الساحر العظيم".
سأل ليو وعيناه واسعتان: "من أين حصلت عليها؟"
أجاب زيك بابتسامة خبيثة: "ما رأيك؟ كتبتها كلها بنفسي بالطبع".
"كيف؟ أفهم العناصر الأربعة. لكن كيف يمكنك معرفة البقية بحق الجحيم؟"
بقي زيك صامتاً ولا تزال الابتسامة الخبيثة مرسومة بثبات على وجهه. رأى أن ليو بدأ يغضب وقرر أن الوقت قد حان لإنهاء التمثيلية.
"...المال والخداع".
هتف ليو: "ما اللّعين الذي يعنيه هذا؟ كفّ عن محاولة أن تكون غامضاً. هذا مزعج".
قال زيك وهو يلوح بيديه ليطلب من ليو الهدوء: "حسناً، حسناً، سأخبرك. أسمعت أنني دعوت بعض المعلمين لمايا؟"
أجاب ليو: "نعم. ظننت أن ذلك غريب. أنت لا تعرف حتى الانتماء الذي ستكون عليه".
أجاب زيك وهو يدير عينيه: "إنه غريب بالطبع. كان ذلك جزء الخداع بالنهاية. دعوتهم تحت ذريعة البحث عن معلمين محتملين. لكي يظهروا مؤهلاتهم، طلبت منهم عرض جميع تعاويذهم التي دون مستوى الساحر العظيم".
سأل ليو: "وفعلوا ذلك هكذا فقط؟"
تساءل زيك: "لماذا لا يفعلون؟ أولاً، لم أطلب منهم أن يعلموني شيئاً، وإظهار التعويذة ليس بالأمر الجلل وإلا فلن تقع المعارك أبداً. ثانياً والأهم، دفعت لكل واحد منهم مئة قطعة ذهبية مقابل وقته. تلك ثروة مقابل أقل من ساعة عمل ألا تقول ذلك؟"
تألقت عينا ليو.
"...ولأنك كنت كريماً جداً، كانوا مستميتين للعرض؟"
أومأ زيك موافقاً: "نعم، وليس ذلك فحسب، بل ألمحت أيضاً إلى أنني سأدفع ألف قطعة ذهبية شهرياً للتعيين الفعليّ. منصب لن يوجد على الأرجح".
صرّح ليو: "مخادع".
لكن الابتسامة المتوحشة على وجهه أوضحت أنه موافق.
وعد زيك: "سأحاول توسيع المجموعة مستقبلاً. لكنّ هناك بضع تعاويذ هناك قد تجدها ممتعة حتى الآن".
أومأ ليو بحماس. كان تعلم تعاويذ جديدة شيئاً يهتم به دائماً. لكن حاجبيه تقطبا بعد لحظة.
"ماذا عن سحر الدّماء؟"
"ليس هناك بعد. سنلتقي بترستان بلودسورد في غضون بضعة أيام. أتمنى الحصول على فهم أفضل لكيفية عمل سحرة الدماء الحقيقيين منه. فكل قدراتي متعلمة ذاتياً في النهاية".
أومأ ليو. لكن حاجبيه ارتفعا عندما استوعب كلمات زيك تماماً.
"نحن؟"
قال زيك: "نحن بالطبع. أنت لست مجرد خادم، بل عضو حقيقي في عائلة فون هوهنهايم. ستذهب أنت أيضاً إن كانت هناك دعوة رسمية".
أنين ليو: "أورغ".
طمأنه زيك: "لا تقلق. لا أظن أنه سيكون حدثاً مملاً".
رآه ليو بريبة.
"أستخبرني بما تعرفه؟"
أجاب زيك: "كلا، أين المتعة في ذلك؟"
تذمر ليو: "متعة لك ربما".
وصلا الاثنان أمام الصف الدراسي في نهاية الممر بالطابق الأول. حمل الرقم 01-01. فتح زيك الباب وأشار ليو للدخول. استطاع رؤية أن المجموعة المنتظرة قد وصلت بالفعل بعد خطوه للداخل. جلس ديفيد ومارغريت وكريم معاً. تواجد ستة أشخاص آخرين بصرف النظر عنهم وجميعهم سحرة عظماء. أشار زيك ليو ليجلس هو الآخر بينما شق طريقه نحو المنصة. سقى بخطى عادية نحو المكان المخصص للمحاضر تحت أنظار الجميع المترقبة.
مسح زيك كل فرد من الحاضرين بدورهم وهو يقف أمام الصف.
قال أخيراً: "أهلاً بكم في درس نظرية السحر الأول الخاص بي".