ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 160 — باحث الحقيقة

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 160 — باحث الحقيقة باللغة العربية على مانجا تايم.

حدّق زيك في الرجل الماثل أمامه. سار كلّ شيء وفق الخطة حتّى هذه اللحظة. تحوّلت لارا إلى شريكة دون أن تدري. تطلّب الإعداد لهذا اللقاء ساعات لا تُحصى من البحث والتحليل. جمع ثقته كاملة وطرح مقترحه.

قال: "باحث الحقيقة. أليس هذا ما جئت حقّاً من أجله؟"

أثار ذكر الاسم ردّ فعل فوريّاً. غاب الأثر عن وجه الرجل الذي ظلّ هادئاً كبحيرة راكدة. أُعجب زيك حتّى بروعة تحكّم الرجل بتعابير وجهه. ألبرت ثورستين أستاذ في هذا الميدان وحده. لكنّ بقية جسده حكاية أخرى. كشفت اثنتا عشرة إشارة عن مدى ذهول الرجل حقّاً. تسارعت نبضات قلبه وغطّى العرق ظهره، على سبيل المثال لا الحصر. سحرة العقل، رغم رجاحة عقولهم، يُخدعون بسهولة كالبقية بل وأكثر في بعض الحالات.

اعتمد ألبرت كثيراً على وجهه الجامد وعقله المحصّن، ممّا جعله عاجزاً على الأرجح عن إدراك كيف استطاع زيك النفاذ من خلف قناعه. تبدو الأشياء كلها مسامير لمن يحمل مطرقة. ينطبق هذا على الموقف ذاته. يفرِض سحرة العقل دائماً افتراضات تعرّض عقولهم للخداع بطريقة ما. استبعد زيك أن يكون ألبرت قد بدأ حتّى في توقّع استخدامه لسحر المكان. ترك الرجل نفسه مكشوفاً تماماً جراء هذا القصور في الفهم.

قال ألبرت: "يبدو أنك تعرف الكثير عني".

ردّ زيك بلا اكتراث: "أعرف الكثير عن الجميع".

أراد تجنّب إدراك ألبرت لحجم الوقت الذي بذله في التحضير لهذا اليوم. سانَدَتْه لارا بحسن طالع.

تخلّلت الحديث قائلة: "هو كذلك حقّاً يا ألبرت. كان عليك رؤيته في المزاد، فهو يعرف الجميع. عشت هنا لعقود وما عرفت نصف الموجودين هناك. كان أمراً مذهلاً. سأعرف عاجلاً أم آجلاً كيف يفعل ذلك".

امتن لارا لكلماتهم. أظهرته بصورة الكفء والقادر والمغمض بالغموض. لم يرد سوى الظهور بمثل هذه الهيئة اليوم. اعتمدت خطته برمّتها على ذلك. حدّق فيه ألبرت طويلاً.

"أنت مليء بالمفاجآت حقّاً يا زيك".

أضاف بعد هنيهة قصيرة: "نعم، أنت محقّ. أود حقّاً استخدام باحث الحقيقة… ولكن بموافقتك وحدك".

قال زيك فوراً: "موافقتي معك".

قال ألبرت وهو يبشر بجمع المانا المحيطة: "أعطني لحظة".

أومأ زيك برأسه وثبّت نظراته على يد ألبرت الممتدة. قاد الرجل المانا جميعها هناك. انبثق مخطط ينبض بالحياة من يده المتوهجة. بلغ طوله نحو ذراع، وبدا أكثر وضوحاً مع كلّ حركة. تحوّلت الكتلة مجهولة المعالم خلال النبضات التالية. تجسد الشكل عقب وميض أخير. جلست بومة ممتلئة ذات ريش أبيض وعيون واسعة دائرية على الذراع الممتدة. قفزت على ذراع ألبرت واستقرت على كتفه دون أدنى إبطاء، فرمقت زيك بنظرة.

لمع الذكاء في عينيها بخلاف أي حيوان شاهده زيك من قبل. حذّر نفسه من الانخدع بهيئة البومة المحببة. ما هذه ببهيمة بل استدعاء — استدعاء ينتمي إلى توافق العقل.

قال زيك بعد أن تفحّص الطائر السمين بحواسه كلّها: "مذهل".

لم يكن يختلف للعين المجردة عن كائن من لحم ودم. لكنّه استطاع أن يرى بوضوح في نطاق وعيه أن جسد البومة بأكمله يتكون من المانا بالكامل. غابت كل سمات الكائن الحيّ فلا دم ولا عظام ولا جلد ولا ريش ولا حتى مخ في أي مكان داخل ذلك الجسد. كان هذا مجرد محاكاة للحياة، صورة رمزية مصطنعة تخضع للتحكم. لو لم يكن ألبرت ساحر عقل لودّ زيك لو استعمل بصره الروحيّ لفحص المخلوق. كان يحترق فضولاً لمعرفة ما سيكتفشه.

لكن المخاطر كانت أكبر من أن تُحتمل. كانت ذكرى ما حدث مع الجاسوس طازجة في ذهنه. كان هذا تذكرة أخرى بحاجة ملحة للبحث عن حلّ. كان عليه إيجاد طريقة آمنة لاستعمال بصره الروحيّ دون تعريض نفسه للخطر. وبينما كان زيك يفحص المخلوق فحصته البومة بدوره. لمعت عيناها الذكيتان ببريق ماكر. مقارنة بنظيرها الحيواني كان هناك فرق ملحوظ واحد، الكريستال الأزرق المخضر بين عينيها. عرف زيك غرضه بالطبع.

لقد كان الأداة ذاتها التي سُمي الطائر تيمناً بها، كريستال كاشف الحقيقة. وفقاً للوصف الذي قرأه فإن الجوهرة سيتغير لونها إن اكتشف الطائر كذبة. على الرغم من استخدامه لسحر العقل لم يكن هناك تصدٍّ. كان مجهولاً تماماً كيف يفعل الطائر ذلك. كان زيك يأمل في أن يتمكن من تعلّم التعويذة اليوم. غير أن فرص حدوث ذلك باتت ضئيلة الآن بعد أن علِم أن الطائر ليس له جسد حقيقيّ. على الأرجح أنه كان يستعمل شكلاً مغايراً تماماً من السحر أيضاً.

تماماً كما هو الحال مع التنانين سيكون نهجه في سحر العقل غير متوافق تماماً مع إلقاء التعويذات البشريّ على الأرجح.

استفسر ألبرت بعد أن منح زيك لحظات قليلة: "أأنت مستعد للأسئلة؟".

"تفضل".

"حسناً، أول ما أحتاج إلى معرفته هو هذا: من أين حصلت على المعلومات الواردة في المستند الذي سلمتني إياه؟".

فكر زيك في اختيار الكلمات لإجابته. كان أحد أهدافه اليوم معرفة مدى فعالية كاشف الحقيقة حقاً. لقد عرف أنه سيكون قادراً على كشف كذبة صريحة ولكن ماذا عن كذبة بالإغفال؟ قد يكون مهمّاً للرجوع إليه مستقبلاً معرفة إلى أي مدى يمكنه ثني الحقيقة عند الاستجواب.

قال زيك: "معظم المعلومات من مرشدي".

فجأة تغير لون الكريستال على جبهة البومة وتحول من الأخضر النابض بالحياة إلى برتقالي كدر. انتظر ألبرت حتى استقر الكريستال قبل أن يرفع حاجباً واحداً.

"ليس هذا دقيقاً تماماً أليس كذلك؟".

قال زيك: "قد أضطر لتوضيح تلك العبارة... صحيح أن معظم المعلومات مستندة إلى وثائق قديمة من فترة عمل مرشدي في الجيش. غير أنني دمجت حينئذ كل هذه البيانات القديمة مع مجموعة متعددة من المتغيرات لأضع تنبؤاً حول الوضع الحالي".

تحول الكريستال هذه المرة إلى أخضر ساطع — مثير للاهتمام. لقد قال زيك الحقيقة فعلاً دون أن يحدد أياً من المتغيرات العديدة. إذن كان هناك قدر معين من المرونة.

تابع ألبرت: "ما المتغيرات التي استعملتها في تنبؤاتك؟".

"الملومات تأتي من مصادر عديدة. سيستغرق الأمر وقتاً لتسميتها كلها، لكن أهمها هي الشايعات والنميمة والتغيرات في ديناميكية القوة والملاحظة الشخصية".

بقي الكريستال أخضراً ممّا أثار ابتسامة صغيرة على وجه زيك.

"أتستطيع إخباري بما تقصده بالتغيرات في ديناميكية القوة؟".

أومأ زيك برأسه.

"كما أنا متأكد من إدراكك فهناك العديد من عائلات السحرة في الإمبراطورية. تقف أربع منها فوق البقية جميعاً. تلك هي عائلات فويَركْرانز، وڤيندتْسانتسر، وڤيلّينروڤر، وشتاينر. غير أن مواقعهم ليست منقوشة على صخر. نظرياً يمكن استبدال الأربع في أي وقت. حدثت آخر حالة مماثلة عندما وصلت عائلة ڤيلّينروڤر إلى السلطة. لقد استبدلوا عائلة ريغنماخر قبل مقتل أرخات السحرة الثلاثة الأقوى لعائلة ريغنماخر في آن واحد قبل مئتين وأربعة وثلاثين عاماً".

تدخلت لارا قائلة: "أنا أتذكر ذلك".

كانت ابتسامة خبيثة على وجهها.

"...يا له من يوم مجيد".

قال زيك قبل أن تستطيع لارا إخراج شرحه عن مساره أكثر: "على أي حال. بسبب هذا الاحتمال تحافظ كل عائلة على تعقب قوة أي عائلة أخرى. وفقاً لجودة سحرتهم فإنهم يقعون بدقة في نوع من التسلسل الهرمي. عندما ينهض موهبة جديدة تنهض العائلة معهم. باستعمال هذا المقياس سيكون بمقدور مراقب حاد الذكاء تحديد القوة النسبية لأي عائلة".

أومأ ألبرت بفكّر: "أتعتقد أنك شخص كهذا؟".

قال زيك دون تفكير ودون تأخير وعيناه تفيضان ثقة: "لم أُقابِل ندي بعد".

ألقى ألبرت نظرة خاطفة على البومة التي على كتفه. لم يتحول الكريستال على جبهتها مرة أخرى عن اللون الأخضر النقي بعد تلك الحالة الأولى. أمال الطائر رأسه إلى جانب واحد غير متأكد مما أراده ألبرت. عُقِدت حاجِباه بينما طرح سؤاله التالي.

"أتعتقد أن معلوماتك دقيقة؟".

"لم أخف شيئاً ولم أُزوّر شيئاً عن قصد. كل ما في تلك المستندات دقيق على حد علمي".

بقي الكريستال أخضراً.

"هل يُحتمل أنك تلقيت معلومات خاطئة متعمداً؟".

اعترف زيك قائلاً: "بالتأكيد هذا احتمال قائم دائماً. لن أزعم أبداً أنني معصوم من الخطأ. غير أنني متأكد من أنك ستوافقني الرأي في أنني لست شخصاً يُخدع بسهولة".

أومأ ألبرت. بطبيعة الحال لن يشكّ في مكره بعد عرض زيك الذكيّ السابق.

"السؤال الأخير. ما نواياك من إعطاء هذه المعلومات للتحالف؟".

أجاب زيك: "أعتقد أنكم ستكونون بحاجة لأي مساعدة يمكنكم الحصول عليها. عندما قابلت أوتو غايشْترايخ استطعت تأكيد أمر ما...".

لمعت عيناها ألبرت بينما انحنى إلى الأمام.

"ماذا عرفت؟".

قال زيك بعد توقف قصير: "...لقد كان واثقاً بنفسه أكثر من اللازم. لم يبدو كرجُل على شفا حرب شاملة. بدا مهتماً بأوراقه أكثر من نتيجة الهجوم القادم. لن أزعم أبداً القدرة على سبر أغوار رجل مثله تماماً. لكن ما أنا عليه هو مراقب دقيق للغاية وكان أوتو غايشترايخ مسترخياً تماماً خلال لقائنا".

تساءل ألبرت: "ما ظنك أن يعنيه ذلك؟"

ولاحظ زيك تسارع ضربات قلب الرجل.

قال زيك ببطء: "تلك الأعداد التقديرية في مستنداتي... أودّ اعتبارها الحد الأدنى المطلق لما ستدفعه الإمبراطورية في الميدان. لم يبدو المستشار من النوع الواثق عبثاً. هذا يقودني إلى الاعتقاد بأن لديهم نوعاً ما من ورقة الرابحة المخفية".

ظل ألبرت صامتاً ولم يُبدِ وجهه شيئاً كالعادة. لكن زيك لم يُخدع بالواجهة الرواقية. لقد استاب بوضوح كيف كان عقل الرجل يعمل بأقصى طاقة. كانت هذه علامة جيدة؛ بدا أن تكتيكه قد نجح. كان ألبرت يأخذ التحذير مأخذ الجد بوضوح. كان هذا أحد الأسباب التي جعلت زيك يحاول جاهداً الظهور بمظهر الكفء اليوم. أما عن الآخر...

قال ألبرت أخيراً: "لقد منحتني الكثير لأفكر فيه".

وبوميض ضوء تبدد الطائر الذي على كتفه إلى جزيئات متوهجة.

"شكراً لتعاونك يا زيك. لم يكن جمع كل تلك المستندات أمراً سهلاً. سأحرص على إبلاغ المجلس بمساعدتك".

صرف زيك الثناءتلويحة عرضيّة بيده.

"لا تهتم بالأمر. أنا أكثر استثماراً في سقوط الإمبراطورية من معظم الناس. أنا أخطط حتى لاستثمار مبلغ كبير من المال لتحقيق هذا الهدف...".

هتفت لارا: "أعطني إياه! إن كنت تريد إيذاء الإمبراطورية فلا يوجد أحد يضع تلك الأموال في استخدام أفضل مني".

قال زيك: "مفهوم. لكن على الرغم من أنك مرشحة قوية يا لارا ما زلت متردداً. بلدك إيكونوكس هي إحدى القوى الرئيسية الثلاث الواقفة في وجه الإمبراطورية هذا صحيح. لكنني سأجتمع مع تريستان بلودسوورد في غضون أسبوع. آمل هناك أن أتعرف أكثر على وضعهم وخططهم".

لعق ألبرت شفتيه.

وتحدث متردداً: "أفكرت في إنڤوكاثيا؟ بالتأكيد سيرى شخص يتمتع ببصيرتك مثلك ميزة في فعل ذلك".

عقد زيك حاجبيه قليلاً. غير أنه كان مبتهجاً في قرارة نفسه.

قال ببطء وكأنّه يتدبر طعم الكلمة ويقلبها في فيه: "...إنڤوكاثيا ها؟"

ممّا أضاء وجه ألبرت. بدا أن المال كان نقطة ضعفه.

قال زيك بتفكر: "مع ذلك ليس لدي أي صلات ببلدك. مقارنة بإيكونوكس وڤالور سيتعين عليّ إئتمان أموالي لغرباء. بالتأكيد تدرك كيف أن هذا يمثل مشكلة".

وافق ألبرت وعقله يعمل بأقصى طاقة: "بالتأكيد. إذا رغبت فيمكنني ترتيب لقاء مع بعض قادتنا. سيلتقي بعض قادتنا في ترايدسباير في غضون شهر...".

قاطعه زيك: "أطول من اللازم. كنت أمل في التحرك أسرع من ذلك. أنا قلق للغاية بشأن تحركات الإمبراطورية أتردد في فهمك".

صّر ألبرت على أنيابه. في هذه اللحظة كان الرجل مكشوفاً للغاية لدرجة أن زيك استاب أفكاره على وجهه. وصل أخيراً إلى الحل الوحيد المتبقي له.

"ما رأيك... بأسبوعين؟".

تظاهر زيك بالتفكير في الأمر لحظة قبل أن يومئ ببطء.

"من أجلك يمكنني تأجيل قراري طوال تلك المدة".

هتف ألبرت: "ممتاز! سنعقد حدثاً مهماً للغاية في غضون أسبوعين. لا يُدعى الغرباء عادة، لكن لا يمكنني التفكير في طريقة أفضل لإقناعك بإمكانياتنا. كما أن عمتي ستكون هناك أيضاً".

قال زيك: "أوه؟ السيدة إيتيرنيكسوس ستكون هناك أيضاً؟ لقد أثرت فضولي. أي نوع من الأحداث هو؟".

ابتسم ألبرت بافتخار: "ربما لم تسمع بعد لكن عبقرية ظهرت في عائلتي ثورستن. لقد استيقظت مؤخراً بقرابة مثالية للبرق. وكما جرت العادة ستخضع الفتاة لطقوس استدعاء الروح في غضون أسبوعين. لأسابٍ لا يُسمح لي بالإفصاح عنها ستُعقد الطقوس في ترايدسباير".

سخرت لارا: "أليس الأمر لمجرد التفاخر؟ ألم تدعو عائلتكم كل الشخصيات البارزة في التحالف لهذا السبب؟".

تتنحنح ألبرت متجاهلاً كلمات لارا تماماً.

"ما رأيك يا زيك؟ كشفابة شابة نفسك قد تكون هذه فرصة جيدة لكليكما".

انتشرت ابتسامة عريضة على وجه زيك. كان سيكون من الواضح لأي شخص يعرفه جيداً مدى غطرسته في هذه اللحظة. لكنه بدا لألبرت كالابتسامة العادية لمراهق مبتهج.

"سيكون ذلك شرفاً لي".