عَادَ زيك إلى غرفته. انطوى على سريره وغطى نفسه بالكامل. مرّ أكثر من ساعة على الحادثة. لم يتوقف رجفان يديه. لم يكن قتل الرجل هو ما أزعجه. قط. كان مستعدّاً لذلك. المؤثر حقّاً هو مدى التلاحم بينهما. لم يشبه قراءة الأفكار. لم يشبه شيئاً سمعه من قبل. كأنه عاش حياة الرجل نفسه. مع كل إغماضة عين ظهرت ومضات ذكريات. ذكريات ماضٍ لا يخصه. شعر زيك كأنه قتل صديقاً طوي العمر. شخصاً يعرفه كمعرفته لنفسه.
اتصلت روحهما وعقلاهما وتمازجا وتشاركا. الجزء الأشد تقززاً؟ تيقن زيك أن روحه وجوهره قد قويتا من هذه التجربة. أهذا ما فعله الإمبراطور؟ أبهذا بلغ مرتبة الإكسارك؟ لم يدرِ زيك. بل لم يكن لديه أدنى فكرة عن فوائد هذا. مع ذلك عرف أمراً واحداً بيقين تام. لا يريد أيّ صلة بهذه الممارسة الدنيئة. شعر في هذه اللحظة بتقزز شديد من مفهوم سحر العقل برمته لدرجة تفكيره في التخلي عنه للأبد.
قاطع أفكاره طرق على الباب. لم يتحرك زيك. أمر حرّاسه بإخبار أي سائل أنه لا يريد إزعاجاً. بعد لحظات صمت تكرر الطرق. من كان هذا أصرّ على هدفه.
بعد أن تجنب الرد مجدداً جاء صوت ناعم: "زيك؟ هل أنت بخير؟"
إنها مايا. بالطبع هي. من غيرها سيتجاهل أوامر الحارس هكذا؟ قلائل في هذا البيت تجرؤوا على ذلك، وهي منهم. فكر زيك فيما ينبغي فعله. لا يريد رؤية أخته على هذه الحال. ابتلع زيك ريقه. عليه التأكد من صلابة صوته وثقته حين يجيب.
حين تحدث أخيراً ظل صوته أضعف مما نوى: "لا تقلقي، أنا بخير."
لم يأتِ رد. خشي زيك أن يكون صوته قد كشف شيئاً.
لكن بعد نبضات قليلة ردت مايا: "أتحكي الحقيقة؟ أنا قلقة بحق..."
استنفد زيك كل إرادته للنهوض. لكنه احتاج لاستعادة قوته، احتاج لأن يكون مقنعاً. نهض ببطء، أخذ نفساً عميقاً، ملأ رئتيه ونفخ صدره.
حين تحدث هذه المرة استعاد صوته نبرته العميقة الواثقة المعتادة: "لا تقلقي يا شمس الضحى. أتعامل فقط مع بعض الأمور الشخصية. سألعب معك لاحقاً، حسناً؟"
هتفت مايا بنبرة أسعد بكثير: "هذا وعد! سأطالبك به. بالمناسبة، لوي هنا أيضاً. قولي شيئاً يا لوي!"
بعد لحظة تحدث صوت أنعم: "أتمنى أن تكون بخير يا زيك. لـ لقد كنت قلقة حقّاً."
رغم كل شيء رسمت ابتسامة صغيرة على وجه زيك: "الأمر على ما يرام يا صبيبتي. مررت بحادث بسيط. سأعود لطبيعتي قريباً."
نادت مايا قبل أن تهرع بعيدة: "أراك لاحقاً أيها الأخ الأكبر."
رددت لوي بعد لحظة بنبرة أهدأ بكثير قبل أن تفر هي الأخرى: "أراك لاحقاً أيضاً، أـ أخي."
ظل زيك واقفاً في مكانه. أجبر نفسه على التمثيل لأجل مايا. لكن ما إن أخرج نفسه من كبوته حتى عاد إليه وميض صفاء. كل هذا لم يكن سوى سحر الروح يعبث بمشاعره وأفكاره. عليه التماسك. عليه تذكير نفسه بالحقيقة. لم يكن الجاسوس صديقاً مقرباً ولا فرداً من العائلة. بل حاول الرجل إيذاء عائلته الحقيقية. راح زيك يردد الأسماء مراراً وتكراراً. ماكسيميليان وليو. مايا وميا وجيرالد. لوي وجيتيرو.
مارغريت وديفيد وكريم. ماركوس فيولا و... صوفيا. مع كل تكرار تصاعد غضب زيك. هؤلاء هم أصدقاؤه الحقيقيون وعائلته الحقيقية. لا نذل نكرة قضى نصف عمره في اغتيال الأبرياء طمعاً بالمال! نجح تصاعد غضبه في طرد البقايا الأخيرة للسحر العابث بعقله. ما زال يشعر بالسوء، لكن أفكاره صارت صافية على الأقل. زفر زيك ببطء. لا يزال منزعجاً من مشهد ما سبق ومن فعله، لكن سماع صوت أخته ساعده في ترتيب مشاعره.
لم ينُد قتل الرجل بهذه البشاعة، لكنه تذكر لم خاطر في المقام الأول. احتج زيك لمعرفة من أرسل الرجل. فعلها لحماية نفسه ومن يهتم لأمرهم. طالما غاب ماكسيميليان فمسؤولية حماية العائلة تقع على عاتقه. مهما بلغت بشاعة التجربة فسيكررها إن كان في ذلك سلامة أسرته. مع تجدد قناعاته شق زيك طريقه نحو الباب.
فتحه بمقدار شق ونادى الحارس في الخارج: "أرسل من يجد ديفيد. أريد الحديث معه."
أدى الرجل التحية ونقل التعليمات. شرع زيك يخطو في الغرفة ذهاباً وإياباً. تعلم أموراً بضعاً من هذه التجربة. أولها وأهمها مدى حظه حتى الآن. أدرك الآن فقط أن ما يسمى وضع الدمية يجعله شديد التضعضع أيضاً. كان ليترك حماية جسده طوعاً عارضاً روحه. لم يضبطه أحد في تلك الحالة، لكن زيك لم يدرِ أإن كان سحرة العقل الأقوى سيلحظون ذلك. لا يمكنه الاستمرار في فعل هذا بحياته اليومية.
الأمر الثاني الذي تعلمه زيك هو كم الشعور البائس الذي يجلبه سحر العقل. تيقن تماماً أن هذه الممارسة ستغيره كشخص إن واصل استخدامها. مهما بلغ سر عظيم من شأن لن يغزو روح أحد مجدداً... إلا في الموت والحياة. بعد طرق حاد دخل ديفيد الغرفة. توقع زيك غضبه، لكن الرجل بدا متردداً عوضاً عن ذلك.
"أطلبتني؟"
لم يقط قط ورأى ديفيد هكذا. شعر غريزياً بأهمية بالغة لتهيئة الأجواء فوراً.
قال متفرساً في وجه ديفيد: "قبل أي شيء، أظنني مدين لك بتفسير. ما حدث بالأسفل... لم أدرِ أنه سيؤول إلى هذا..."
بدا التفسير واهياً حتى لزيك. لم يتفاعل ديفيد، لكن وقفته اليقظة أظهرت إسناده السمع.
"انظر. علمت أنها فرصتي الأخيرة وفكرت في أمر جديد أجربه. بدا أنه نجح وفي غمرة حماستي واصلتُ جاهلاً بالعواقب."
أومأ ديفيد برأسه قليلاً مشجعاً زيك على المتابعة.
"بصراحة، جعلتني التجربة بأكملها أشعر بالغثيان."
صمتا كلاهما وكل ضاع في أفكاره. لكن ما لبث أن أشرق إدراك مروع في ذقن زيك.
"قل لي يا ديفيد..."
نظر إليه الرجل متسائلاً عما يريد زيك معرفته.
"هذا... أليس هذا ما يفعله الجايسترايش بماكسيميليان؟"
لم يرد ديفيد فوراً. بدا كمن يزن كلماته بعناية.
"أعتقد أنه شبيه بذلك يا سيد الشاب. حسب ما سمعت، قد يكون لاقتحام العقل عنوة تجربة مؤلمة جسدياً."
سأل زيك بصدمة: "كيف يعقل هذا؟ لقد مات السجين بعد دقائق معدودة."
شرح ديفيد: "لم يقته سحرك. رغم حالته كان بإمكان الرجل العيش سيما مع معالج. لا، ما قتله حقّاً كان طقس الختم. وكان هذا سبب عجزك عن معرفة شيء رغم... نجاحك."
ارتبك زيك. هذا ليس صحيحاً.
"نجحت في معرفة أشياء، بل أكثر من القليل في الحقيقة. رأيت حياة الرجل بأسرها يا ديفيد، منذ كان طفلاً صغيراً وحتى إرساله في هذه المهمة، كل شيء."
قال ديفيد فوراً: "هذا مستحيل. كان الطقس ليقتله فور لمسك أي شيء حساس."
قال زيك وهو يركب القطع ببطء: "أظن أنه فعل. يبدو أن الطريقة التي استخدمتها لا تحتاج لجسد حي."
بدا وجه ديفيد مفزعاً.
"أين لك أن تتعلم شيئاً دنيئاً كهذا؟"
قال زيك: "أطلال جيجر. لست متأكداً مما أخبرك به ماكسيميليان، لكنها كانت متقدمة للغاية. لهذا السبب أغرقت ذلك المكان. لم أستطع المجازفة بوقوع هذا السحر في الأيدي الخاطئة."
أومأ ديفيد تقديراً: "اختيار حكيم يا سيد الشاب. كما رأينا اليوم، الضرر الذي يمكن أن يحدثه ساحر عقل مبتدئ بهذا كبير للغاية. علينا ضمان عدم معرفة قدرتك على التحايل على طقس الختم. أظنني لست مضطراً لإخبارك بما سيحدث إن انتشر الخبر؟"
أومأ زيك. بدا طقس الختم أداة قمع للوهلة الأولى، لكن وظيفته الحقيقية كانت حماية الناس من الاختطفات والتعذيب. إن علم أحدهم بإمكانية التحايل على الطقس فلن يأمن أحد بعد.
سأل ديفيد أخيراً: "ما الذي علمته يا سيد الشاب؟"
"رأيت وجه من أرسل الجاسوس خلفنا. شخص عرفته."
خمّن ديفيد: "فويركرانز؟"
هز زيك رأسه.
"أتتذكر السحرة الأربعة الكبار الذين جاؤوا لاعتقال ماكسيميليان؟ هي نفسها!"
سأل ديفيد بتشكيك: "سابرينا فيلنروفر؟ لم تفعل هذا؟ عائلة فيلنروفر لا تكنّ ضغينة لآل فون هوهينهايم."
قال زيك بنبرة مستسلمة: "لا أظن الأمر مرتبطاً بذلك."
لديه نظرية أمل ألا تتحقق. حدق به ديفيد فقط. بدا واضحاً عجزه عن فهم ما يرمي إليه زيك.
"ما هي برأيك أبرز سمة لسحرة الماء يا ديفيد؟"
أجاب فوراً: "التكيف."
أومأ زيك.
"ربما استولى الجايسترايش على أصول ماكسيميليان في الإمبراطورية، لكن ماذا عن تلك الموجودة هنا؟ برأيك من سيبادر بالخطوة الأولى؟"
"مستحيل! قد تكون عائلة فون هوهينهايم صغيرة، لكننا نملك مكانة كبيرة و-"
قاطع زيك: "وماذا في ذلك؟ بدون ماكسيميليان يروننا مجرد حثالة مهرجين راقصين. يظنون أننا لا نملك قوة للدفاع عن أنفسنا. وتعرف ماذا؟ هم محقون في ظنهم. كاد رجل واحد أن يقضي علينا."
قبض ديفيد على يديه وبدا وجهه غاضباً. استجابة لذلك طالت الظلال في الغرفة وترعشت باضطراب. بدت كعدد لا نهائي من الأيدي الممدودة. رغم العرض المخيف لم يهتز زيك قط. لم يكن غضب الرجل موجهاً إليه. بل على الأرجح إلى نفسه هو. فهم زيك سخط ديفيد تماماً. عرف معنى الشعور بالعجز. اقتراب بخطى واثقة من حارسه. وضع زيك كلتا يديه على كتفي الرجل الأطول قليلاً وحدق عميقاً في عينيه.
"...لكن هذه آخر فرصة سنمنحها لهم."
انتظر تركيز ديفيد على نظراته قبل إتمام حديثه.
"لقد ضربوا وأخطئوا. الآن نعرف من هم، وأين هم، وما يريدون. سنجمع أولاً المال والمكانة وأخيراً القوة. لا تنسوا هذا أبداً: ضعفنا مؤقت، لكن ثأرنا أمد الدهر."
رأى زيك العزم يتصلب في عيني ديفيد وتحول غضبه إلى قناعة.
تابع زيك منجرفاً بزخم نفسه: "...وحين نضرب لن نخطئ. سيكون الأمر مدمراً. سنملح الأرض ذاتها كي لا يقوم لهم قيام أبداً. المجد أم الموت!"
صرخ ديفيد فوراً: "المجد أم الموت!"
مفاجئاً زيك نفسه بحماسته. لكن ابتسامة أشرقت على وجهه بعدها مباشرة. لم تكن ابتسامة سعادة بل مفعمة بغضب مكتوم وظمأ دماء.
هتف زيك: "ممتاز. سنحفظ هذا الحقد كلينا وننقشه في قلوبنا. وحين يحين الأوان لن نبدي رحمة."
استرخى سلوكه بعد قول ذلك.
"لكن علينا الآن كبح جماحنا وجمع قوتنا. هدفنا الأول حل مسألة المال. لدي خطط لجعل اسمنا يدوّي في المدينة قريباً بعد ذلك. لكن هذه الخطوة الأولى تظل حاسمة."
أومأ ديفيد ببطء. بعد لحظة صمت استدار وراحل دون تفوه بكلمة أخرى. صار زيك وحيداً مجدداً. رغم رغبته الجامحة في الثأر فوراً، أدرك استحالة ذلك. عليه التفكير بعقلانية لا بعاطفة الآن. ظلت أهدافه قصيرة المدى كما هي. احتاج لنجاح مشروعه جوندولا. كل خططه اللاحقة اعتمدت عليه. حان وقت الشروع في العمل.