تأمل زيك الروح المكشوفة أمامه. هذه هي مرته الأولى في رؤية واحدة. من شدة حماسته، لم يدقق النظر حتى. كان إدراك الأرواح غريباً بشكل لا يصدق. يشبه مزيجاً من الرؤية والسمع والشعور. على الرغم من عدم وجود أي عنصر بصري، امتلك زيك صورة واضحة تماماً لما يقع أمامه. كان بصره مثالياً — كأنما نزعت عيوب العين البشرية. كلما طال تأمل زيك، زاد ارتباكه. لم يبدو أن الشيء الذي أمامه يمتلك شكلاً ثابتاً.
كان ظلاً متوهجاً يتبدل شكله باستمرار. على الرغم من أنه كان في حالة تغير دائم، بدت كل الأشكال بشرية بوضوح. من رجل ضئيل ومفتول العضلات إلى امرأة بدينة، ومن فتاة جميلة إلى محارب طويل — راقب زيك بشغف كبير الأشكال العديدة التي تحول إليها. على عكس شكله المتغير، ظل لون الروح ثابتاً. كان بنياً رمادياً عكراً، وهو من أبشع الألوان التي رآها زيك في حياته. لسبب ما، زاد هذا المنظر من سوء مزاجه.
كلما تركز بظره عليه، أصبح زيك أكثر كآبة وحزناً. عندما حول نظره بعيداً، هدئ مزواده فوراً. على ما يبدو، لم يكن منيعاً ضد التأثر. بعد أن هدأ، شرع زيك في المهمة التي جاء لأجلها. الآن بعد أن وجد طريقة للوصول إلى روح السجين مباشرة، باتت لديه فرصة فعلية لمعرفة من أرسل هذا الرجل. كان زيك عازماً على انتزاع كل شيء منه. لم يكن ذلك فقط لأن الرجل حاول تحطيم وخرّب عمل أبيه. كلا، بل كان من المهم أيضاً معرفة ما إن كان لديهما عدو لا يعلم عنه زيك شيئاً.
إن وُجدت قوة خفية ظلت مجهولة حتى الآن، فسيكون من بالغ الأهمية معرفة هويتها. بحذر، جرب سحر العقل. عوضاً عن نواته، استغل روحه ذاتها لإلقاء سحر تعويذته. مد مجرد خيط من مانا العقل كتجربة. لمفاجأته، كان الأمر عفوياً تقريباً. امتلك الجيجريون نظرية مفادها أن النواة ليست سوى تجسيد مادي لروح الشخص. إن كان ذلك صحيحاً، فمن المنطقي تماماً أن تستطيع الروح استخدام التوافقات نفسها.
تعامل زيك مع الخيط بسلاسة. على الرغم من أن هذه كانت محاولته الأولى، بدا وكأن تحكمه أفضل من أي وقت مضى. لم يكن هناك أي ارتباك أو تأخير في الطريقة التي تبع بها السحر كل فكرة منه. لم يشبه الأمر إلقاء تعويذة، بل أشبه بتشغيل جزء من جسده الخاص. بعد دقائق قليلة من التجريب، أرجع زيك انتباهه إلى الظل المتوهج أمامه. كلما حاول غزو عقل الجاسوس، كان عليه منافسة الحواجز العقلية للرجل.
لكن، لم يعد ذلك صحيحاً. زاد زيك المانا التي صبها في خيطه، واقترب ببطء من الكيان أمامه. لم تكن هناك جدران، ولا فخاخ، ولا دفاعات أخرى بينما اقترب سحر زيك من الروح بلا مقاومة. فور بلوغه هدفه، شبك الخيط مباشرة بروح الرجل. لم يأمره زيك حتى بفعل ذلك. على ما يبدو، كان سحر العقل متوافقاً جداً مع الأرواح. بدا الاتصال مستقراً للغاية وثبت الخيط بإحكام. عودة إلى الزنزانة، انتفض جسد الجاسوس.
كان واضحاً أنه شعر بهذا. بدأ يختلج ويرتجف لحظة تلامس الخيط. انفتحت عيناه على وسعها وهو يحدق في الفتى أمامه بعدم تصديق مطبق.
"ماذا فعلت؟"
لم يرد زيك. لم يعد يولي الرجل أي انتباه حتى. استهلك تركيزه بالكامل بما استطاع استشعاره من اتصالهما. كان هذا أغرب شعور خبره زيك قط. كلما ركز عليه، زاد قوة. قبل هذه اللحظة، لم يكن زيك يعلم شيئاً تقريباً عن الرجل. ومع ذلك، سمح له الاتصال الذي يشتركان به الآن باختبار جوهر الرجل ذاته. لم تكن كلمات هي ما نُقل، بل صور ومشاعر وأفكار. على سبيل المثال، علم أن الرجل كائن متناقض للغاية، مفعم بالازدراء والحسد في آن واحد.
لقد شعر بهذا الشعور منذ أن كان طفلاً صغيراً، منذ... منذ... لم يستطع زيك تحديد الأمر تماماً. كان هناك شيء هناك، لكنه ظل بعيد المنال بالكاد. ربط خيطاً ثانياً. أدى هذا الغرض. كان الرجل يحسد الجميع تقريبا منذ أن كان طفلاً صغيرأ. لقد نشأ في ملجأ أيتام. لقد كره المكان هناك. لم يكن هناك ما يكفي من الطعام أبداً، وكان جائعاً على الدوام. لكن الأسوأ كان عندما رآهم، الأطفال الآخرون.
جميع الأطفال خارج الملجأ لديهم آباء وبدوا جميعاً سعداء. آه، كم تمنى لو كان واحدًا منهم. خيط ثالث، ثم رابع. كانت النشأة في العاصمة يتيماً أمراً قاسياً. عامله الجميع كآفة. بدا وكأنه يحمل مرضاً معدياً. لقد كره ذلك. لم يكن ذنبه أنه بلا آباء. ثم أتى اليوم أحيراً. اليوم الذي غير كل شيء... خيط آخر — اليوم سيخكتشف أنه يملك توافق لحم. لم يكن يعرف ما يعنيه ذلك، لكن الناس هنأوه. اقترب منه في ذلك اليوم ذاته رجل لم يره من قبل.
كان الرجل يرتدي ملابس نظيفة وبدا مرتباً للغاية. امتلك شعره أيضاً أكثر لون غريب رآه في حياته. وعدوه بالطعام، وعدوه بالدفء، وعدوه بمنزل. وافق الفتى فوراً. بالنسبة لابن الرابعة عشرة، كان هذا كل ما تمناه طوال حياته — وقليلًا ما درى بالمعاناة التي تنتظره. لم يعد عليه أن يتضور جوعاً، ولم يشعر بالبرد خلال الشتاء، لكنه لم يكن منزلاً. اتضح فوراً أن الناس حوله ليسوا عائلته.
لم يروه نداً لهم على الإطلاق. في الواقع، بالنسبة لهؤلاء الناس، لم يكن بشراً حتى. كلا، بل كان سلاحاً، لا أكثر ولا أقل. مع ذلك، كان حاله أفضل من الملجأ. هنا، حظي بفرصة التعلم على الأقل. تعلم كيف يحاترب، وكيف يقرأ ويكتب ويعد. تعلم الأخلاق والآداب، لكن والأهم من ذلك كله، تعلم السحر. لم يستغرق طويلاً قبل أن يتمكن من تغيير وجهه، ثم جلده، وشعره، وطوله، وحجمه، وعينيه. بحصيولو الكبر، فقد المفهوم ذاته كل معنى.
استطاع أن يكون أي شخص يشاء. استطاع أن يكون عجوزاً في لحظة، وفتاة صغرى في التالية. ثم أتى اليوم الذي أُرسل فيه في مهمته الأولى. كُلف بالتسلل إلى منزل. لم يكن بحاجة للسرقة أو فعل أي شيء. كان هذا مجرد اختبار. احتاجها للبقاء متخفياً طوال يوم كامل ثم العودة. أوضح معلموه بجلاء تام أنه سيُقتل إن قُبض عليه، ولن يأتي أحد لإنقاذه. صدق الفتى كلامهم قطعاً. لقد علم أنه لا شيئاً بالنسبة لهم.
كان متوتراً في البداية وغير شكله عدة مرات. لقد تلمذ على نسخ العادات التي راقبها. بحلول نهاية اليوم، كان مسترخياً تماماً. لم يكن لدى الناس من حوله أدنى فكرة. أكان من المفترض أن يكون هذا صعباً؟ لم يكن هذا صعباً البتة. فور عودته، مُدح للمرة الأولى في حياته. ما هذا الشعور؟ لقد تعطش له، تعطش إليه بكل كيانه. لسنوات، عاش الحياة ذاتها. تلت مهمةً أخرى. عادة ما كان يُرسل للحصول على معلومات.
أحب تلك المهمات، دخول وخروج، سريعة وسهلة. لو كان هذا كل ما سيفعله على الإطلاق، لربما استمتع بمسيرته المهنية. مع ذلك، في كثير من الأحيان، أُرسل في مهمات تخريبية. لم يستمتع بها كثيراً، لكنه كان بارعاً فيها. إحراق مصنع، تدمير خطط، سرقة عربة — لقد فعل ذلك كله. أحياناً، مع ذلك، كان يُرسل ليقتل. لم يحب تلك المهمات؛ بل كرهها في الواقع. المرة الأولى التي سلب فيها حياة شخص كانت عندما بلغت السابعة عشرة.
لقد حضّر نفسه عقلياً وتأكد أنه سيكون بخير. لكن عندما وجد سكينه قلب الفتاة... لم يكن بخير. رأى الخوف في نظرتها المرتجفة. لا بد أنها كانت في نفس عمره تقريباً وقتها. شهد اللحظة التي غادر فيها كل أمل، بينما نزفت حتى الموت على الأرض. لم يدرِ بالضبط ما حدث بعد ذلك، سوى أنه ركض — ركض هارباً في خزي وذنب. ربط زيك الخيط العشرين، أم لعله كان الثلاثين؟ في طريقه إلى البيت، تقيأ بلا انقطاع.
لماذا لم يستطع الرؤية؟ لماذا كانت عيناه غائمتين إلى هذا الحد؟ كل ما أراده هو النوم، لكن النوم استعصى عليه. لم يجد أي راحة تلك الليلة، ولا التي تليها. كانت هذه أسوأ تجربة في حياته الفتيّة على الإطلاق، لكن مع مرور الوقت، اعتاد عليها ببطء. كلا، لم يكن ذلك صحيحاً، فلم يعتد عليها أبداً. كان جزء صغير منه ينهار دوماً عندما يسلب حياة. لكن في نقطة ما، لم يبدأ هناك ما يكفي للانهيار، مما خدر الأثر.
مض