سأل زيك للمرة الثانية أو الثالثة: "ألم يكن هناك أي شيء مريب إطلاقاً؟".
أجاب الحارسان بالطريقة نفسها التي أجابا بها في المرة السابقة. بدأ الغضب يتسرب إلى نفس زيك. لم يريا أي شخص مريب، ولم يسمعا أي صوت غريب، ولم يغادرا نوبتيهما قط. إذا كان ما قالاه صحيحاً، فلا بد أن المتسلل كان شبحاً حقيقياً.
قال: "أرى ذلك. دعونا نجرب شيئاً آخر. أخبراني بكل ما حدث بين لحظة مغادرتي واللحظة التي وجد فيها جيتيرو السحر المحطم بعد أربع ساعات".
هتف الحارس الأكبر سنّاً: "حاضر يا سيّدي! حضرت الآنسة ميا بعد وقت قصير من مغادرتك. أرادت أن تعرف المدة التي قضيناها في المكتب. أخبرناها أنك للتو غادرت، فضربت أرضية بقدميها وقالت: 'ذلك الفتى يشبه أباه تماماً!' قبل أن تغادر".
تجهم وجه زيك. لا بد أن جيتيرو قد وشى به. واثق هو من وجود توبيخ بشأن هذا قريباً جداً. مع ذلك، بدا التفاعل بريئاً بما يكفي.
سأل: "ماذا حدث بعد ذلك؟".
"بعد وقت قصير، حضر السيد جيرالت وسأل السؤال نفسه. بعد أن أخبرناه أنك للتو غادرت، ضحك بخفة وقال: 'ذلك الفتى يشبه أمه تماماً!' قبل أن يغادر هو الآخر".
رغم مزاج زيك السيئ، إلا أن تصرفات والديه جابت البسمة على وجهه. لكن وجهه عاد متجهماً بعد قليل. لضمان سلامتهما، أصبح القبض على ذلك الجاسوس أكثر أهمية.
"بعد ذلك؟".
قال الرجل: "لم يحدث الكثير غير ذلك. بعد زيارة السيّد ديفيد، لم يزعجنا أحد على الإطلاق حتى عثر المهندس على السحر".
سأل زيك بذهول: "ديفيد؟ ما علاقة هذا الأمر به؟".
نظر الحارسان إلى زيك بنظرة تشابه حيرته الخاصة.
"ألم تكن مع السيّد ديفيد قبل لحظة يا شاب العائلة؟".
سأل زيك: "أنا؟".
سأل الحارس: "بالتأكيد، لا بد أن السيّد ديفيد قد أخبرك أنه دخل مكتبك هذا الصباح لاستعادة مستند مهم؟".
كذب زيك: "...بالطبع فعل. ما زلت أريد سماع تفاصيل الحادثة منكما. أرجو ألا تتركا حتى أبسط التفاصيل".
لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً، فهو لا يملك أي معنى على الإطلاق. لا يمكن أن يكون ديفيد هو الخائن. استمع زيك إلى رواية الحارسين. كان عقله يعمل بسرعة هائلة. لم يتبدُ أي شيء غير طبيعي، ولم يلاحظا أي غرابة في سلوك ديفيد أيضاً.
قال زيك: "يكفي هذا أيها الرجال. لن أمنعكم عن راحتكم أكثر من ذلك".
أدى الاثنان التحية العسكرية قائلين: "يا سيّد"، وانصرفا تاركين زيك وحده في غرفة الاجتماعات.
ظل جالساً لفترة، غير مقتنع بالخطوة التالية. هل يواجه ديفيد؟ وما الذي سيحقق هكذا؟ ما هي الخطوة الصحيحة؟ كان عقل زيك يدور. عليه أن يكون ذكياً في هذا الأمر. ماذا يريد أن يحقق؟ كيف يمكنه تعظيم احتمالية النجاح؟ ما هي الأسوأ من النتائج؟ كيف يمكنه تجنبها؟ أسئلة تعقبها أسئلة. استمر زيك في تقليب الأمور، مبتكراً خطة تلو الأخرى ثم متخلياً عنها. أخيراً، أشرق في ذهنه حلّ حين تذكر سطراً معيناً من كتابه المفضّل — قلب الرجال.
'الذكاء الحقيقي لا يكمن في توقع تحركات العدو، بل في صياغة رغباتهم، وإجبارهم على السير عن طيب خاطر في شبكة صممها المرء.' رسمت ابتسامة ببطء على وجهه. بعد فترة وجيزة، بدأت خطة تتبلور. إن أراد استباق الأحداث، فليس لديه وقت يضيعه. في المساء نفسه، تجمع معظم أفراد أسرة فون هوهنهايم في قاعة الاجتماعات الكبرى. كان ذلك قبل العشاء مباشرة. أُخبر الناس بأن إكزافيك فون هوهنهايم سيطلع الجميع على ما حدث في وقت مبكر من اليوم.
مع حلول الموعد المحدد، امتلاءت القاعة بالموظفين القدامى والجدد. وحدها الحارس وطاقم ورشة العمل كانا غائبين. نظر زيك إلى بحر الوجوه. بمظهر جاد، بدأ خطابه.
"شكراً لحضوركم جميعاً. أنتم جياع ولن أطيل عليكم. كما سمع الكثير منكم، وقعت حادثة في وقت مبكر من اليوم. تدمير قطعتين سحريتين من الدرجة الأولى بقيمة مجمعة بلغت أربعة آلاف قطعة ذهبية. المكونان كانا حاسمين لنجاح مشروعنا الحالي...".
ترك زيك صوته يتلاشى ببطء، مانحاً الحشد وقتاً لاستيعاب كلماته. سرت همهمة عصبية عبر القاعة. كان معظم الناس قلقين. لم يكن سرّاً أن مستقبل العائلة يعتمد على مشروعهم الحالي. استطاع حتى رؤية نظرة يأس ترتسم على وجوه كثيرة. وقبل أن يتصاعد الذعر أكثر، تحول وجهه الصارم فجأة إلى ابتسامة ماكرة.
تابع زيك: "لحسن الحظّ، توقعت حدوث شيء كهذا. لهذا السبب، صنعت مجموعة ثانية من السحر وأخفيتها في مكان آمن. رغم ذلك، أحثكم جميعاً على اليقظة في المستقبل. هذا كل شيء في الوقت الحالي".
كان الحشد مذهولاً أولاً، ثم مسروراً. استطاعت بصيرة زيك المذهلة إنقاذ العائلة من هلاك محتم. سُمِع أكثر من صوت يثني على قيادته بينما شق الناس طريقهم نحو الوجبة الموعودة. سُمِع كثيرون أيضاً وهم يتكهنون بشأن من حاول تخريب مشروعهم. رسمت ابتسامة على وجه زيك. الطعم وُضِع، والوقت وحده سيحدد أي فأر سيأتي لتقرضه. لبقية اليوم والصباح التالي، لم يحدث شيء. ثم وقعت حادثة أخرى. احترقت نصف منحوتات والده المكتملة.
لأسباب تتعلق بالسلامة، حُفِظت معظم الأجزاء المهمة على متن ألكسندريا. كان من المفترض أن يتمتع زيك وكريم وحدهما بإمكانية الوصول إلى منطقة التخزين. مجدداً، ادعى الحارس أن شيئاً غريباً لم يحدث، لكنه ذكر أن القابتان بنفسه قد زار المكان قبل ساعة تقريباً من اندلاع الحريق. لم يواجه زيك كريماً بشأن ذلك، لكن الشك في عقله ترسخ. بذل جهداً للتأكد من الجميع بأن هذه لم تكن انتكاسة كبرى وأنه ما دام السحر لا يزال آمناً، فلن يكون المشروع في خطر.
كانت هذه كذبة بالطبع، وكان على زيك أن يعض على لسانه حتى لا يفقد أعصابه تماماً عندما رأى عمل والده الجاد مدمراً. لحسن الحظ، تقبل جيرالت نفسه الانتكاسة بشكل غير متوقع. وضع يده على كتف ابنه وابتسم.
"لا تقلق يا زيك. الآن بعد أن أصبحت أملك خبرة أكبر، ستكون الأعمال القادمة أفضل بكثير".
كلمات والده الصادقة نجحت في تسويق الكذبة بشكل أفضل بكثير من أي شيء كان بإمكان زيك ابتكاره. كما كان من دواعي ارتياحه الكبير أن والده لم يبدُ محبطاً على الإطلاق. بدا جيرالت أسعد بكثير مما رأه زيك من قبل. الآن بعد أن أصبح مفيداً فحسب بل ويلاحق شغفه في الوقت نفسه، بدا والده أصغر بعشرين عاماً. لم تحدث أي حادثة أخرى لبضعة أيام، وتقدم الإنتاج وفقاً للجدول الزمني. وحين ظن زيك أن الجاسوس قد لا يبتلع طعمه، حدث شيء ما.
كان صباح اليوم الثالث بعد الحادثة الأخيرة وكان زيك للتو قد أنهى جولة التفتيش مع جيتيرو عندما تلقى زائرًا غير متوقع. كان الاثنان على وشك دخول مكتب أمه، حيث كانت هي وديفيد تعمالن على الأوراق عندما ظهر خيال يتسابق في الرواق. توقف الشكل تماماً أمام زيك وهو يلتقط أنفاسه.
سأل زيك بوجه غريب: "مارغريت؟ ماذا تفعلين هنا؟ ظننتك تطاردين خيطاً أثراً؟".
نطقت مارغريت بين الأنفاس: "نعم... ركضت طوال الطريق... وجدت شيئاً... السحر في خطر!".
هتف زيك: "ماذا؟! كيف عرفتِ ذلك؟".
بعد بضع أنفاس عميقة أخرى، استطاعت مارغريت أخيراً التحدث بوضوح.
"وجدنا دليلاً على أن الجاسوس يعمل لصالح شركة غولدفينغر. زعمت رسالة أنه وجد مخبأ مجموعة السحر الثانية. لكن لا يمكننا التأكد من مدى قدم الرسالة، لذا عليك التحقق في أسرع وقت ممكن مما إذا كانت لا تزال آمنة".
عقد زيك حاجبيْه. صمت للححظة، وبدا مركزاً بعمق. كان أمام مكتب أمه مباشرة، حيث كان ديفيد. لكن بدل من الدخول أو طلب المساعدة، استدار نحو مارغريت.
"لنذهب يا مارغريت. ستكونين حارستي الآن. علينا تفقد الأمر في أسرع وقت ممكن ولا أعرف من يمكنني الوثوق به في الوقت الحالي".
أشرق وجه مارغريت. تبعت زيك صامتة عبر السلالم، تاركة جيتيرو في حالة من الحيرة خلفهما. شق الاثنان طريقهما إلى قبو القصر. قادهما زيك متجاوزاً الصناديق المليئة بالمؤن الغذائية. كان يقودهما عميقاً أكثر فأكثر داخل المتاهة السفلية. وصلا الآن إلى أعمق وأظلم زاوية في القبو ووصلا إلى طريق مسدود.
سألت مارغريت بعد فترة: "أهو هنا في مكان ما يا شاب العائلة؟".
ألقى زيك نظرة عليها وتوقف ببطء. التفت ونظر مارغريت مباشرة في عينها.
"أنت سيئة جداً في هذا الأمر".
سألت مارغريت بحيرة تامة: "في ماذا؟".
أجاب زيك: "في كونك مارغريت. أولاً وقبل كل شيء، هي لا تدعوني قط بـ'شاب العائلة'. لقد كنا صديقين قبل فترة طويلة من أن أصبح سيد أي شيء".
بقيت مارغريت صامتة، ولم تكشف تعابير وجهها عن أي شيء بعد. لم يتزعزع زيك على الإطلاق بسبب هذا، فتابع شرحه.
"وأيضاً، لماذا تظاهرت بأنك خارج النفَس؟ مارغريت ساحرة رياح. لكانت طارت بدلاً من الركض".
مجدداً، بقيت 'مارغريت' صامتة.
تابع زيك: "وأيضاً أيضاً، ألم تظني أنني سأكتشف لعبتك بعد أن قمت بالحيلة نفسها عدة مرات بالفعل؟ لا بد أنك تعتقدين أنني غبي جداً. بصفتي ساحر عقل، أنا منزعج بشدة".
لا تزال المرأة صامتة، لكن زيك ظن أنه يستطيع اكتشاف تلميح من العداء في نظرتها الآن.
"تعلمي، حتى لو لم ترتكبي كل تلك الأخطاء، لكنت كشفت أمرك على الفور. أتدبرين لماذا؟".
ألقت المرأة نظرة خلفها، للتأكد من أنهما لم يتعقبا. بعد عدم رؤية أي شخص في أي مكان، أعادت نظرتها إلى زيك. عندما تحدثت، كان ذلك بصوت غير مألوف.
"كيف؟".
أجاب زيك بابتسامة ماكرة: "أنتِ تنبعث منك رائحة سحر اللحم".
قالت المرأة بصوت عميق ورجولي: "تعلم، بالنسبة لشخص ذكي جداً، فأنت بالتأكيد تبالغ في تقدير قدراتك كثيراً. لم يكن ذكياً أن تأتي معي بمفردك".
رد زيك: "لكنت هربت لو جلبت المزيد من الناس. أنا متأكد من أنك جهزت استراتيجية هروب عندما اقتربت مني".
أجاب الصوت العقيقي: "...لم يكن ذكياً للغاية رغم ذلك".
قال زيك بنبرة حادة: "أظن أنه يتعين علينا اكتشاف ذلك فقط. كنت أريد وضع يدي عليك منذ أن أحرفت عمل أبي، أيها الحقير اللعين".
ابتسم الشخص الذي يرتدي وجه مارغريت بخبث.
"لن يعجبك كيف تنتهي هذه القصة أيها الفتى".
قال زيك بنبرة اشمئزاز: "آه؟ لا يمكن أن يكون أسوأ بكثير من سماعك تتحدث بهذا الصوت غير المتطابق، يا مسخ الطبيعة".
دون كلمة أخرى، هجم ساحر اللحم. لم يكن خاملاً أثناء حديثهما. ببطء، غير شكل ساقيه ليمنحه دفعاً أفقياً مذهلاً. انطلق نحو زيك كالسهم، مسدداً لكمة فائقة السرعة بقبضة تضخمت حتى بلغت حجم رأس زيك. لم يكن لدى الفتى حتى الوقت لرفع دفاعه. تواصلت اللكمة وابتسم المهاجم. ومع ذلك، كان احتفالاً قصير الأمد، إذ لاحظ في اللحظة التالية أنه لم يضرب الفتى على الإطلاق. بدلاً من ذلك، ضربت قبضته حاجزاً أسود ظهر مباشرة أمام الفتى.
اتسعت عيناه عندما لاحظ ما كانت المادة أمامه.
"كيف يمكن أن...".
لكن قبل أن يتمكن حتى من إنهاء التعجب، ظهرت العشرات من المحاليق من كل شق، وكل زاوية، وكل ظل. في القبو الكئيب، لم يكن هناك مفر من الظلام. قاتل الرجل بشجاعة فائقة. كان من الصعب للغاية تثبيته، حيث كان يغير شكله كلما تم القبض عليه. كان منظراً غريباً، يشبه شمعة تذوب يهاجمها مد لا ينتهي من الظلام. لكن بغض النظر عن مدى قتاله، فازت المحاليق في النهاية. لقد غيروا الاستراتيجية وبدأوا ببساطة في ضرب الرجل حتى الاستسلام.
بعد دقائق معدودة، لم يتبقَ سوى فوضى دامية. ظهرت شخصية بصمت من الظلام خلف زيك.
قال زيك دون أن يلتفت: "آمل ألا تكون قد قتلته يا ديفيد. أود حقاً معرفة من أرسله".
"بالطبع لا يا شاب العائلة. ليست هذه المرة الأولى التي أفعل فيها هذا".
استدار زيك، ناظراً مباشرة إلى ديفيد بابتسامة عريضة على وجهه.
أثنى بكل صدق: "عمل جيد".
لقد أدى الرجل دوره بشكل مثالي. كانت رسالة تخاطرية واحدة كل ما يحتاجه الخادم لتنفيذ هذه الخطة. ضحك ديفيد بخفة.
"لنقم بحبس هذا الرجل قبل أن يستعيد وعيه. يتمتع سحرة الأجساد بقدرات شفاء ذاتي مذهلة".
أومأ زيك برأسه. وبصفته ساحر أجساد بنفسه، كان بالطبع على دراية تامة بذلك. عندما عادت عيناه إلى الشخصية التي كانت تنزف على الأرض، أصبحتا باردتين.
"أعتقد أن الوقت قد حان لنحصل على بعض الإجابات".