جلس ماكسيميليان وزيكي داخل العربة وكلاهما غارق في أفكارهما. كانا في طريقهما إلى غابة مجرورة تلقى فيها ماكسيميليان بلاغات عن مشاهدات لعفاريت من نقابة المغامرين.
"تسلل العفاريت إلى القرى المجاورة لسرقة الطعام"، هكذا شرح ماكسيميليان.
"وحتى إنهم حاولوا مهاجمة أطفال تركوا بمفردهم. هم عادة أجبن من أن يقاتلوا رجلاً راشداً وجهاً لوجه، لكنهم يهجمون إذا تفوقوا في العدد على هدفهم".
أومأ زيكي برأسه مدركاً الخطر الذي تمثله العفاريت. كان يعلم أنها شريرة وماكرة. وكانت تجاربه الخاصة في صيدها إحدى أسوأ اخفاقاته حتى الآن.
تابع ماكسيميليان: "لا يتجاوز طول العفاريت متراً وثلاثين سنتيمتراً، لكن عضلاتهم أقوى مما توحي به أذرعهم النحيلة. مع ذلك، هم أضعف قليلاً من رجل بالغ يعمل في الحقول طوال اليوم. عليك فقط أن تكون حذراً وتراقب الكمائن".
أومأ زيكي مرة أخرى وشعر بمزيج من التوتر والإصرار. كان هذا اول اختبار حقيقي له بعد تبنيه، وعقد العزم على إثبات نفسه.
وبينما كانت العربة تمضي وتجوب الطريق، بدأ زيكي يتساءل عن خبرة ماكسيميليان في هذا المجال: "هل تمتلك خبرة واسعة في قتال الوحوش؟"
رمقه ماكسيميليان بنظرة معقدة.
وقال: "اعتدت صيد الكثير من الوحوش عندما كنت طالباً. بحلول السنة الثالثة، كنت بالفعل مغامراً من الفئة الفضية. لكني لم أخض أي مهمة للنقابة منذ ذلك الحين".
شعر زيكي بالحيرة.
"لمَ لا؟ ألا المفترض بالمجحرين الأقوياء مثلك أن يقاتلوا جميع الوحوش القوية؟"
بدت مسحة من الحزن على وجه ماكسيميليان لسؤال زيكي.
"للأسف، الامور لا تسير هكذا. معظم السحرة لا يُستعملون لقتال الوحوش على الإطلاق. بل يُستعملون لغرض آخر".
سأل زيكي: "وما هو؟"
أجاب ماكسيميليان وصوته مثقل بالمشاعر: "الحرب... السحرة غالباً ما يُستعملون أسلحة حرب، يقاتلون في الخطوط الأمامية ويستعملون سحرهم لقلب دفة المعركة. السحر الواحد يساوي أكثر من ألف جندي عادي".
صُدم زيكي. بالطبع كان يعلم أن السحرة ينشرون في ساحات المعركة. لكن الطريقة التي تحدث بها ماكسيميليان رسمت صورة مختلفة تماماً عن تلك التي استقرّت في قلبه. كان يتخيل السحرة يهبطون لإنقاذ الموقف. لا بوصفهم آلات قتل عمياء تمطر النار والغضب على الضحايا العزل. لم يستطع تخيل استعمال سحره لغاية مدمرة كهذه. فضلاً عن أنه شعر بحيرة شديدة إزاء أمر آخر.
سأل: "إن كان السحرة لا يقاتلون الوحوش القوية كاللتانين والتنانين العمالقة، فمن يفعل إذن؟"
ازداد تعبير ماكسيميليان حزناً.
وقال: "لا أحد مضطر لقتالها على الإطلاق. الوحوش مثل التنانين ليست وحوشاً خرقاء بلا عقول، بل تمتلك ذكاءً شبيهًا بذكاء البشر. لها حياتها الخاصة ولا تتجول هكذا لقتل البشر الضعفاء مثلما تفعل أجناس الوحوش الأدنى".
صُدم زيكي لهذا الكشف.
سأل: "إذن لمَ توجد قصص كثيرة جداً عن أبطال يذبحون تنانين شريرة؟"
تحول وجه ماكسيميليان إلى الجدية وهو يشرح: "في أغلب الأحيان يكون البشر هم من يدخلون مساكن تلك الوحوش ويقتلونها من أجل أجزاء أجسادها القيمة. إنه عمل وحشي وخطير ولست أقره. لكن هناك دائماً من هم على استعداد للمخاطرة بحياتهم مقابل وعد بالثروة. وعندما يعود الأب إلى منزله ويجد عشه مسلوباً، وقد قُتل أطفاله ورفيقته، فماذا تتوقع أن يفعل التنين؟"
سأل زيكي بقلق متزايد: "الانتقام؟"
أجاب ماكسيميليان: "أصبت كبد الحقيقة. لا تفهمني خطأ، التنانين ليست قديسين. لعلها المخلوقات الأكثر غروراً تحت الشمس. لكن ذلك الغرور بالذات هو ما يمنعها من مهاجمة البشر، فهي ترانا أدنى منها بكثير. كلا، تفضل كثيراً لو نتركها وشأنها".
أصيب زيكي بالذهول لهذه الأنباء. لطالما اعتبر الوحوش مخلوقات هائجة بلا عقل، لكنه أدرك الآن أنها أكثر تعقيداً بكثير مما تخيل قط. قضيا ما تبقى من الرحلة في صمت، وكل منهما غارق في أفكاره.
وحين وصلت العربة إلى حافة الغابة، التفت ماكسيميليان إلى زيكي وقال: "حمل الوقت لتنطلق".
شعر زيكي بقليل من التوتر لاحتمال دخول الغابة بمفرده بعد ما حدث في المرة الأخيرة، لكن ماكسيميليان طمأنه.
وقال: "سأظل مختبئاً وأتبعك، لكن حاول ألا تعتمد على مساعدتي إن أمكن. هذه فرصتك لتثبت نفسك. أرني ما لديك".
أخذ زيكي نفساً عميقاً ودخل الغابة، وشعر بمزيج من الإصرار والقلق. كانت الغابة هادئة، وانتابه شعور مخيف بأن شيئاً ما يراقبه.
نادى ماكسيميليان من مكان ما خلفه: "يجب أن تكون العفاريت نحو المركز. افتح عينيك وأذنيك جيداً، وكن مستعداً لأي شيء".
أخذ زيكي نفساً عميقاً ووطن نفسه للمهمة المنتظرة. بعد المشي في الغابة لنحو نصف ساعة، بدأ زيكي يسمع أصواتاً غريبة من بعيد. تتبع الصوت وعصاه جاهزة، وسرعان ما رأى ثلاثة مخلوقات عرف أنها عفاريت منحنية فوق صندوق وتأكل شيئاً يبدو كالسمك المجفف. بدا وكأنهما لم يلاحظاه على الإطلاق، فحاول التسلل نحوهما على أمل مباغتتهما. لكن مع اقترابه، شعر بوخز في ظهره. وبشكل غريزي، انقض إلى الأمام ونجح بطريقة ما في تفادي هراوة هُوجم بها من الخلف.
استدار ليرى عفارين آخرين كانا مختبئين خلف الأشجار. مرة أخرى، كانت العفاريت تحاول مهاجمته من الخلف. خفق قلب زيكي. لقد تجنب الضربة بأعجوبة هذه المرة، لكنه أدرك أنه يجب أن يتحرك بسرعة إن أراد النجاة ضد هذا العدد من الخصوم. كانا يحاولان تطويقه بالفعل. باستعمال تحكمه بالدماء، زاد سرعة دماغه ليتتبع حركات أعدائه. وفي الوقت نفسه، زاد تدفق الدم إلى ساقيه، مستخدماً القوة المتزايدة لمحبوب الخروج من محاولة التطويق.
بصرخة إصرار، لوح زيكي بعصاه نحو رأس أقرب عفريت. تفادى المخلوق الأخضر الضرب بسهولة، واستغل العفاريت الأربعة الآخرون الفرصة للهجموم. نجح في تفادي ثلاث ضربات، لكن أحدهما استطاع تسديد ضربة إلى ضلوعه بهراوته. ألمته الضربة قليلاً، لكن ليس بالقدر الذي توقع زيكي. وأدرك أن الفضل في ذلك يعود على الأرجح إلى لب الدم الذي جعل جسده أقوى وأكثر صلابة. حاول زيكي قصارى جهده ضرب العفاريت، لكنه بدا عاجزاً عن تسديد ضربة واحدة لأي منها.
كانا سريعين ورشيقين، وكافح لمواكبتها. تلقى عدة ضربات أخرى من العفاريت، إحداها في رأسه، لكنه عوضاً عن أن يحبطه سير المعركة، وجد نفسه متحمساً. وسرعان ما أدرك أن العفاريت لا تملك الوسائل لإلحاق أي ضرر حقيقي به. حتى عندما تصيب هجماتهما، كان درعه الجلدي وخوذته يحميان مناطقه الحيوية. وتولى قدرته على الشفاء الباقي. ساعد هذا الاكتشاف زيكي على الهدوء. توقف عن الهجوم بلا هدف وركز بدلاً من ذلك على الحماية والتفادي.
كان يستغل هذه الفرصة لتحليل أسلوب قتال العفاريت للمرة الأولى. وكان يحاول معرفة كيف يتمكنان دائماً من التفادي. للوهلة الأولى، بدا غير منظمين. لكن مع استمراره في المراقبة، أدرك أن هناك دائماً واحداً منهما يبالغ في مد موقعه عمداً. كان ذلك اللعين المتغطرس يستدرجه بوضوح لمهاجمته، قبل أن يبتعد بتفادٍ في اللحظة الأخيرة. كانت تكتيكاً ذكياً لم يستطع زيكي رؤيته إلا الآن بعد أن أصبح هادئاً ومركزاً.
قرر زيكي الاستفادة من بصيرته بتزييف هجوم. كان يأمل في مباغتتهما بذلك. تظاهر بالاندفاع للأمام بعصاه، مما جعل العفريت ينكمش للوراء محاولاً التفادي. لكن بدلاً من المضي قدماً في الهجوم، غير زيكي وقفته. وكانت العفاريت الأخرى تندفع بالفعل للاستفادة من هجومه الفاشل. وسرعان ما لاحظا ما كان يفعله وحاولا تعديل تكتيكاتهما، لكن الأوان كان قد فوات. هاجم زيكي من الجانب، مستغلاً حقيقة أن العفاريت كانت تحجب طريق بعضها البعض ولم تستطيع التقدم أو التراجع بفعالية.
لوح بعصاه لأعلى، فأصاب أحد العفاريت تحت ذقنه بضربة قوية لدرجة أنها أرجعت رأس العفريت للخلف بصوت طحن مقزز. ووقع العفريت على الأرض هامداً. تفاجأ زيكي بالطريقة التي سارت بها المشهد. وحاول معرفة كيف حدث ذلك. وأدرك أنه قبيل ضرب العفريت مباشرة، بدأ لاواعيّاً بتعزيز القوة في ذراعيه بدلاً من ساقيه. لم يسبق له أبداً أن تمكن من تعديل تحكمه بالدماء بهذه السلاسة. لم يحاول قط استعمال سحره بمثل هذه الطريقة، لكن في خضم المعركة، توافق جسده وعقله تماماً، مما سمح له بإطلاق ضربة سلاح لم يكن يعتقد أنه قادر عليها.
وقف زيكي مسماراً، محدقاً في العفريت الميت عند قدميه. وما زال يفكر في سلسلة الأحداث التي أدت إلى هذه النتيجة. وفي هذه الأثناء، حدق به باقي العفاريت ببساطة في صدمة. أعطى هذا زيكي ثوان معدودة ثمينة، لكن اللحظة التي بدأ فيها أحد العفاريت بالتحرك، عرف زيكي أنه يجب أن يتحرك. تهيأ لهجوم. ويا للمفاجأة، استدارت العفاريت كلها كرج رجل واحد وهربت. وقف مذهولاً يحدق وهي تختفي في الغابة.
شعر زيكي بالحيرة. كانت لا تزال معركة أربعة ضد واحد، فلم هربت العفاريت؟ فكر زيكي لحظة فيما ينبغي عليه فعله. كان بإمكانه اللحاق بها ومحاولة الإمساك بها، أو العودة إلى ماكسيميليان وإبلاغه بنجاحه. وفي النهاية، قرر المطاردة. كان يعلم أهمية القضاء على جميع التهديدات الموجهة للقرى المجاورة، مهما بدت صغيرة. ولن يسامح نفسه أبداً إن انتهى الأمر بأحد تلك العفاريت بقتل طفل لأنه سمح له بالهرب اليوم.
وجد زيكي من السهل اللحاق بالعفاريت الهاربة، بفضل السرعة المعززة من تحكمه بالدماء. وصل إلى الأول في ثوان معدودة. ولم تكن ساقاه القصيرتان قادرتين على حمل المخلوق بسرعة كبيرة. تجاوزه زيكي من الجانب الأيسر قبل أن يغرس قدميه بثبات على الأرض ويلوح بعصاه بكل ما أوتي من قوة. لم يستطع العفريت رد الفعل في الوقت المناسب، وأدى زخم عدوه مجتمعاً مع القوة الحركية لضربة زيكي إلى تصادم مدمر.
ثبت أن نهايتي العصا الحديديتين الثقيلتين أصلب من رأس العفريت. ومع صوت طحن العظام المقزز، قُذف العفريت إلى الوراء وسقط بقوة على شجرة. صُدم زيكي بهذا المنظر البشع. وقف مكانه جذعاً ومحدقاً في جثة العفريت. لقد قتل كائناً حياً، ولم يكن متأكداً كيف ينبغي أن يشعر حيال ذلك. في المرة الأخيرة كان مركزاً أكثر من أن يفكر في الأمر. لكن هذه المرة الثانية كانت مختلفة، فقد تتبعه صيداً، ولم يحظَ الوحش الصغير بأي فرصة حتى لقتال.
لم يبد وكأنه قتال عادل بل بد وكأن مفترساً يصطاد طريدة عاجزة. راقب زيكي العفريت الميت فترة بينما فكر فيما أخبره به ماكسيميليان سابقاً. وفكر في كيف أن للوحوش حياتها الخاصة. وبعد فترة وجيزة، سمع شخصاً يقترب فاستدار وسلاحه جاهز. خفضه عندما رأى من يكون.
سأل بنبرة مبهمة: "كيف تشعر بعد أزهاق روح للمرة الأولى؟"
تنهد زيكي وهز رأسه.
وقال: "ليست المرة الأولى. لكني أعتقد أنني أشعر بالسوء غالباً لتدمير حياة العفريت".
حدق به ماكسيميليان لحظة قبل أن يقهقه.
"لا داعي لتشعر بالكثير من السوء حيال ذلك. الوحوش لا تطور ما يُعرف بالغرور إلا بعد نقطة معينة. كان ذلك العفريت أشبه بوحش أهوج يتصرف بالغرائز وحدها. لا تنخدع بمدى ذكائه الظاهري. لم يكن لديه أي مفهوم لحياته الخاصة أو قيمة الآخرين".
أومأ زيكي مستوعباً هذه المعلومة الجديدة. وما زال غير متأكد من شعوره تجاه أزهاق روح. على الأقل استطاع إيجاد العزاء في حقيقة أنه كان يدافع عن القرى المجاورة من الأذى. جلبت له تلك الفكرة قدراً ضئيلاً من الراحة. تبع زيكي ماكسيميليان في صمت وهما يعبران الغابة، وما زال عقله يعج بأحداث القتال السابق. وبعد قليل، صادفا تلا صغيرة، وبدأ ماكسيميليان في صعودها مشيراً لزيكي أن يتبعه.
وحين بلغا القمة، استقبلهما منظر قرية صغيرة رثة مليئة بالعفاريت. بدت الأكواخ مصنوعة من الخشب الطافي وأجزاء مسلوبة من قرية بشرية، حتى إن زيكي رأى عفريتاً يبدو أنه يعيش داخل عربة يد مقلوبة. كان زيكي يتأمل المنظر بصمت، إلى أن تحدث ماكسيميليان موقظاً إياه من ذهوله.
سأل: "أتدري لمَ يمتلك بعض السحرة أسماء وسطى؟"
نظر زيكي إلى ماكسيميليان والحيرة ملء عينيه.
"ظننت أن الأسماء الوسطى تقليد للنبلاء".
قهقه ماكسيميليان وهز رأسه.
"كلا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق. لا تُمنح الأسماء الوسطى إلا للسحرة البارعين. إنها طريقة لتكريم إنجازاتهم وإسهاماتهم في المجتمع السحري. وثمة اسم آخر لها وهو أسماء السحرة".
تفقد ماكسيميليان سريعاً القرية تحته للتأكد من أنهما لم يُكتشفا بعد. ثم استدار مجدداً نحو الساحر الشقق وتحدث بصوت خفيض.
وقال بنبرة جادة: "يجب أن تكون حذراً بشأن السمعة التي تكتسبها كساحر يا بني. عرفت يوماً رجلاً بارعاً بشكل لا يصدق في سحر الهواء والماء. لطالما حلم بتلقي الاسم الأوسط عاصفة، وبدا وكأن نقابة السحرة ستمنحه إياه بعد إنجازات قليلة أخرى. لكن عندها حدث ذلك..."
سأل زيكي: "ماذا حدث؟"
"ذات ليلة في حفلة هامة، أصبح ثملاً للغاية. ولا أعني ثميلاً بقليل... أعني أنه كان مخموراً تماماً حتى الثمالة. وأثناء قضاء حاجته، استعمل سحر الماء ليجعل تيار بوله يدور حوله ونسي أن يوقفه قبل العودة إلى الحفلة. انتهى به الأمر برش عدد من أكثر السحرة نفوذاً ببوله. أتدري ماذا أطلقوا عليه في النهاية؟"
نظر زيكي إلى ماكسيميليان بتعبير متسائل. هز ماكسيميليان رأسه بأسف وتنهد.
وقال بتلميح من التسلية في صوت: "أطلقوا عليه اسم عاصفة البول. ودعني أخبرك، هذا ليس الاسم الذي ترغب في أن تُعرف به في مجتمع السحرة. غالباً ما يكون اسم السحر أهم من الاسم الذي ولد به. لست أتذكر حتى ما هو اسم ذلك الرجل الحقيقي، الجميع ينادونه ببساطة عاصفة البول".
اتسعت عيناه زيكي اشمئزازاً عند فكرة أن يُعرف بـعاصفة البول. لم يستطع تخيل الإحراج والخزي الذي لابد أن الساحر المسكين قد شعرا به بعد حادثة عامة كهذه. رمق ماكسيميليان زيكي بنظرة جادة وتحول تعبيره إلى الجدية.
"تذكر، من المهم أن تحذر مما تُعرف به. يمكن لسمعتك أن تبنيك أو تهدمك، لا سيما في عالم السحر".
وأثناء حديثه، نهض ماكسيميليان من وضعية القرفصاء، جائباً فوراً انتباه العشرات من العفاريت بالأسفل. استدار نحو زيكي وأخبره أن يضع نصب عينيه ما قاله، قبل أن يرفع كفه باتجاه القرية.
وقال قبل أن ينطق بكلمة واحدة: "انتبه جيداً: ثوران".
لم يطيق زيكي الانتظار لرؤية سحر معلمه أخيراً. لكن لمفاجأته، لم يبدو أن شيئاً حدث، مما دفع العفاريت لإطلاق القهقهات والسخرية. ومع ذلك، لم تدم ضحكتهم طويلاً إذ بدأت الأرض تهتز تحت قدميهم. وفجأة، ثارت الأرض نافثة النيران والحجارة في كل اتجاه. وانحلت القرية إلى حطام في لمح البصر، وابتلعت الفوضى صرخات العفاريت. وكأن الأرض ذاتها مدت أصابعها المنصهرة لتطالب بجزيتها. ومع انقشاع الدخان، خيم صمت ثقيل على المنطقة.
حدق زيكي بصدمة في الفوهة الهائلة التي حلت محل المكان الذي كانت القرية فيه للتو. وتقاطرت الحجارة المنصهرة على الأرض هنا وهناك، مغمرة المنطقة بنور شاحب ومخيف. تعلم زيكي أن هذه المادة تُدعى الصهارة، لكنه لم يره قط من قبل. التفت إلى ماكسيميليان وعقله يعج بإدراك القوة التي يمتلكها هذا الرجل. راقب زيكي ماكسيميليان وهو يقف شامخاً ووجهه قناع من الهدوء، على الرغم من الدمار الذي سببه للتو.
وتذكر الاسم الكامل الذي أعطاه إياه ماكسيميليان قبل أيام: ماكسيميليان بومباستوس فون هوهنهايم. كان اسماً يفرض الاحترام، اسماً يتحدث عن القوة والنفوذ. وحين تأمل الشيخ، فزع مما وجد. للحظة واحدة، سُمح له بلمس شيء ما خلف حجاب الود. وجد رجلاً رأى وفعل أموراً لا يمكن لمعظم الناس تخيلها. رأى مخضرماً في الحرب، وقاتلاً للرجال بأعصاب من فولاذ وقلب بارد كالجليد. كان هذا رجلاً قادراً على إطلاق دمار لا يوعى بنفضة إصبع، ومع ذلك يقف شامخاً راسخاً.
لم يتحدث أي منهما بينما تبع زيكي ماكسيميليان هابطاً التل وعائداً إلى الغابة، وما زال يحاول استيعاب الأحداث التي للتو تكشفت. وأثناء مشيهما، تحولت هيئة ماكسيميليان مجدداً إلى الشخصية الطيبة الشبيهة بالجد التي اعتاد عليها زيكي.
التفت إلى زيكي وقال: "أظن أن هذا يكفي لهذا اليوم".
أومأ زيكي وما زال غارقاً في أفكاره، وتبع ماكسيميليان عائداً عبر الغابة، وامتلات رحلتهما للوطن بصمت تأملي من الجانبين.