ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 137 — هندسة اساسية

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 137 — هندسة اساسية باللغة العربية على مانجا تايم.

راقب حزقيال بأنفاس محبوسة العجوز وهو يقلّب التصاميم المفرودة على طاولة الاجتماعات. استمر هذا الوضع طوال ساعة كاملة تقريبا. كانت التهمهمات الخافتة الصوت الوحيد الذي أصدره المهندس طوال ذلك الوقت. تنقلت عيناه سريعا بين اليمين واليسار وهو يمسح ملخص المشروع. أخيرا وضع ورقة العمل الأخيرة.

قال: "مذهل".

"أهذه جيدة؟"

سأل زيك وفي نبرته توقع واضح.

"صعب القول."

أجاب جيتيرو.

"من أين قلت إنك حصلت على هذه المخططات؟"

"لم أقل."

رد زيك حاجبيه مرفوعان.

"أيمكث فرق؟"

"ليس حقاً. فضلت فحسب، المخططات تشبه شيئاً لم أره قط."

"أعلى نحو جيد؟"

عاد زيك فسأل. بدأ الضيق يتسلل إليه من الإجابات المبهمة.

"اهدأ."

قال جيتيرو.

"التوتر سم القلب."

امتدت يد زيك إلى صدره دون وعي. فرك أصابعه بالمعدن البارد للتميمة التي تغطي موضع قلبه. رغم العائق، استشعر نبضات قلبه بوضوح. كان العضو ينبض بإيقاع قوي، كطبول الحرب. رسمت ابتسامة طريقها إلى وجهه.

"سأتدبر أمري. الأجدر بك أن تقلق على نفسك ايها العجوز."

قهقه جيتيرو.

"لا تقلق، لم أصل إلى مرحلة الهشاشة بعد."

تحول وجهه إلى الجد في اللحظة التالية وهو يمعن النظر في المخططات للمرة الأخيرة ليستجمع أفكاره.

"إنها متناقضة."

قال أخيراً. عقد زيك حاجبيه. حاول استيعاب العبارة الغامضة لكنه خرج خاوي اليدين.

"ماذا يعني هذا؟"

"من أنشأ هذا لابد أنه مجنون."

صرح العجوز.

"بعض الأجزاء مبهرة للغاية، لابد أن أقر. خصوصاً أفكار جعل السفينة أكثر جاذبية للزبائن المحتملين مدروسة بعناية. راودتني الكثير من هذه الأفكار أيضاً على مر السنين."

انتفخ صدر زيك. شعور جميل أن يُعترف بعمله الشاق من قبل شخص بارع بحجم الرجل الماثل أمامه. بيد أن روحه المحلقة هوت في اللحظة ذاتها.

"...لكن الجانب التقني قصة مختلفة تماماً. كأن هذه المخططات رسمها طفل — وليس ذكياً! تلك التصاميم تقرأ كقصة خرافية، كمزيج من مفاهيم شتى دُمجت في خليط واحد بغيض! خلق مجنون بلا أساس في الواقع! انحراف مقيت عن كل ما هو صالح وصحيح في العالم!"

أدار زيك عينيه.

"يمكنك التوقف الآن. حسناً، سأعترف؛ أنا من صنعها."

أوقف العجوز نوبته بابتسامة رضا.

"اعترف باكراً في المرة القادمة، أو ذق غضبي مجدداً ايها الشقي!"

"أنا أرتجف رعباً أيها العجوز الشمطاء."

قال زيك بابتسامة ماكرة. تحول تعبيره إلى الجد بعد لحظات.

"ما الحكم النهائي؟"

أجاب جيتيرو بنبرة جادة بالقدر نفسه.

"المخططات بدائية للغاية. مأخوذة مباشرة من كتاب مدرسي. لا أظن أنك ستتمكن من بيع وحدة واحدة إن بنيت هذا على حاله الآن."

"لم تكن تلك الخطة قط."

قال زيك هازاً رأسه.

"كانت تلك الرسوم مجرد نقطة بداية. وما حدث أنني اصطدمت بعقبة تلو الأخرى حين حاولت صياغة تصميم ملائم لأفكاري."

"ما رأيك أن تصف تلك الأفكار وسأخبرك بما هو ممكن واقعياً؟"

عرض جيتيرو. ابتسم زيك. هذا بالضبط ما كان يأمله.

"التركيز الأساسي لرؤيتي هو جعل السفينة أصغر وأخف. أريدها خفيفة لدرجة أن ساحرا حقيقيا واحدا يمكنه تشغيل التعاويذ."

"أمر مستبعد."

تدخل العجوز.

"الصفائح وحدها على الهيكل أثقل من أن —"

"تباً للصفائح."

قاطعه زيك.

"ما تقصد بتباً للصفائح؟ بلا صفائح ستهبط القدرات الدفاعية للسفينة إلى ما يقارب الصفر."

"وماذا في ذلك؟"

تحدى زيك.

"إذن يمكن نسفها من السماء بسبعة واحدة."

شرح العجوز بنبرة منزعجة.

"وماذا في ذلك؟"

تحدى زيك مجدداً بابتسامة خبيثة. احمر وجه جيتيرو حتى بدا على وشك الانفجار.

"تباً لك ولعقلك المتعفن أيها الشقي! إنه أمر غير آمن بتاتاً!"

"استرخ أيها العجوز، التوتر سم القلب."

قال زيك ببرود. وفي اللحظة التالية تغير سلوكه. أوضح تعبيره الوقور أنه جاد في مقترحه.

"أعتقد أنك تسلك الطريق الخاطئ يا جيتيرو. ومثلك كل المهندسين الآخرين في تسبرباير. لقد أصبحتم جميعا جامدين في طريقة تفكيركم."

"حسناً، لنسع. لا أطيق الانتظار لأنال الاستنارة."

قال العجوز بسخرية. لقد سيطر على غضبه وبات ينتظر بفارغ الصبر فرصة ليفحم زيك على معتقداته الجاهلة.

"دعني أسألك هذا: لمازا تبني وسائل النقل الخاصة بالطريقة نفسها التي تبني بها منطاداً كامل الحجم؟"

تساءل زيك.

"لم لا؟"

سأل جيتيرو بذهول.

"إنه مفهوم مثبت من ناحية. ولم التغيير أصلاً؟"

"لأنها لا تستخدم للأغراض ذاتها البتة."

قال زيك.

رأى نظرة الريبة على وجه العجوز فتابع شرح نقطته: "تحدثت عن الصفائح آنفاً، أليس كذلك؟ عن كيف يمكن إسقاط المنطاد بتعويذة واحدة؟"

"نعم، وما بها؟"

"كم مرة ترى الناس يستخدمون السحر واسع النطاق في المدينة؟"

سأل زيك. التزم العجوز الصمت لكن تعبيره المعارض أوضح أنه لا يزال غير مقتنع.

"ألا ترى؟ لا مبرر لذلك البتة."

قال زيك بإخلاص.

"التجار الأثرياء يتجولون في المدينة بملابس حريرية متخلين عن أي حماية كانت. لكن ما إن يصعدوا إلى منطادهم حتى يواجهوا خطر التعرض للهجوم فجأة، أيمتثل هذا للمنطق في نظرك؟ إن وجد خطر كهذا حقاً لكانوا يرتدون الدروع."

تحولت ملامح جيتيرو المترددة إلى التأمل بينما كان زيك يتحدث. بدا أن زيك نجح في حمله على دراسة الأمر على الأقل.

"كل تدابير الحماية تلك منطقية على سفن مثل الإسكندرية."

تابع زيك.

"تلك الأوعية تسافر بين المدن وتعبر أحياناً أراض معادية. لكن أي منطق في اعتماد التدابير ذاتها لسفينة أصغر لن تغادر المدينة أبداً؟"

صمت زيك بعد شرحه. أراد منح العجوز وقتاً للتفكير في الأمر بتمعن. كان قلبه يخفق في صدره. هذه لحظة مهمة لزيك. إن وجد جيتيرو عيباً جوهرياً في تفكيره فعليه إعادة النظر في استراتيجيته برمتها. مرت دقائق صامتة بينما استغرق العجوز في مكانه شارداً. تجاهل تماماً الصبي الذي يتململ أمامه وهو يزن تبعات هذا المقترح. سهمت عيناه في الفراغ وهو يلوي شاربه. رآه زيك يفعل هذا أحياناً. تأكد تماماً أن العجوز كان يراجع عقلياً أثر المقترح.

يتطلب الأمر قدراً استثنائياً من الخبرة للقيام بذلك بهذه السهولة.

"حسناا..."

قال العجوز ثم صمت فجأة.

"أنا... أظن أن هناك قدراً من الصحة فيما قلت. ربما أصبحنا جامدين بعض الشيء في تفكيرنا بالفعل."

انبسطت ابتسامة عريضة على وجه زيك فوراً. عادل هذا تأكيداً بأن أفكاره قابلة للتنفيذ.

"أليس كذلك؟!"

هتف زيك بابتهاج.

"لا تستبق الأحداث يا بني."

حذر جيتيرو.

"تطبيق تغييرات جذرية كهذه لن يكون سهلاً. هنالك تعديلات هيكلية عدة يجب إجراؤها إن أردنا تغيير مادة الهيكل وإزالة الصفائح."

"لكنه ممكن؟"

سأل زيك وبابتسامته لم تتبدد.

"...نعم."

أقر العجوز.

"الأمر... ليس سيئاً."

"عظيم!"

صاح زيك.

"لأن لدي الكثير غيرها!"

حل الصدمة على وجه العجوز.

"...إلى ماذا أقحمت نفسي؟"

سأل العجوز بنبرة ضيق، لكن الابتسامة الخفيفة على وجهه كذبت كلماته. كانت هناك خفة في خطواته وهو يتجه نحو مخطط المنطاد العملاق على الجدار.

"انظر هنا، إن أردنا المضي قدماً في خطتك حقاً فعلينا استبدال المقدمة بأكملها بمادة مختلفة."

أصخى زيك السمع باهتمام بينما أخذه العجوز عبر التغييرات الضرورية. أذهلته السرعة التي استطاع بها العجوز ابتكار تصاميم عاملة. لا عجب أنه لُقب بالعبقري في شبابه. استغل زيك معرفة جيتيرو بالكامل مطروحاً كل سؤال خطر بباله. شعر كأنه إسفنجة جافة أُلقت في بركة ماء فصارت تمتص كل الحكمة المحيطة بها فجأة. مرت الأيام التالية في لمح البصر بالنسبة لزيك. قضيا جل وقتهما محبوسين في غرفة الاجتماعات.

لم يعلم أحد بما كانا يفعلان. لم يبلغ زيك دائرته المقربة حتى بما يفعلوه. ظل مصراً على الحفاظ على الوهم بأنه حصل على المخططات من مصدر غامض. صراحة لم يكن لديه خيار آخر إن أراد إبقاء قدراته سرا. لن يشارك أسراره مع أحد حتى يجدوا الجاسوس على الأقل. رغم أن العجوز لابد تساءل كيف اكتسب زيك كل تلك المعرفة فلم يطرح الأمر أبداً. خمن زيك أن جيتيرو أدرك رغبته في إبقاء المسألة خاصة فلم يحشر أنفه مراعاة له.

لم يسأل العجوز قط كيف سينوي زيك تحويل لوي إلى ساحرة. لسبب ما وثق بأن زيك سينفذ ما وعد به دون إلحاح. دون علم العجوز، بدأت جلسات 'اللعب' التي جمعت لوي بمايا تسلك بها ذلك المسار. ولسعادة زيك، أصبحت الفتاتان صديقتين مقربتين سريعاً. لقد أمر شقيقته بأن تعلّم لوي كيف تتأمل فابتهجت مايا بتوجيه الصغرى. رتب زيك أيضاً لاستئناف جلسات التأمل المنتظمة للأطفال. رغم جدول أعماله المزدحم، تعهد بالإشراف الشخصي على تقدمهم مرة أسبوعياً على الأقل.

جلب له هذا القرار قدراً مسعفاً من النوايا الحسنة من قبل الطاقم. لم يدرك زيك تماماً حجم التوتر بين رجاله. رغم التزام أغلبهم الصمت حيال مشاعرهم الحقيقية، إلا أنه شعر أن كثيرين منهم غير سعداء بقيادته. أكثر من مرة ضبط أشخاصاً يناقشون خططهم لمغادرة خدمته من ورائه. جعله مجال إدراك الواعي شديد الحساسية تجاه أمور كهذه. تنوعت الأسباب التي ذكروها لكنه بدا خلوّاً من النقائص.

لم يملك سنين الخبرة ولا القوة ولا الثروة التي امتلكها ماكسيميليان. ليست خطأهم، لكن سماع الكلمات من أفواههم نال منه. صراعاته لإبقائهم آمنين وفي وظائفهم لم تنعكس على موقفهم إطلاقاً. مع ذلك لم يملك رفاهية الانشغال بمثل هذه الأمور في الوقت الحالي. كان عليه الالتزام بموعد إن أراد لعائلة فون هوهنهايم مكاناً في تسبرباير بنهاية الشهر. أخذ زيك نفساً عميقاً وأعاد كتفيه إلى الوراء قبل دخول غرفة الاجتماعات.

وجد ديفيد ومارغريت وكريم في أحد أركان الغرفة. بمجرد دخوله توقفوا عن نقاشهم لتحيته. أومأ زيك مبادلاً التحية قبل أن يركز انتباهه على البقية. جلس والداه وجيتيرو بالفعل على الطاولة يتبادلان أطراف الحديث بمرح عن لوي ومايا. بدا وكأنهم لا يملكون التعب من التباهي بأحدث إنجازات الفتاتين لبعضهم. رغم كل شيء، وجدت ابتسامة طريقها إلى وجهه. سرّه أن والديه انسجما مع العجوز جيداً.

أراد أن يشعر المهندس بالترحيب هنا. سرعان ما استحال وجهه إلى الجد مرة أخرى. أشار للجميع باتخاذ مقاعدهم. سيكون اليوم هو اليوم. سيقدم اليوم ثمار تعبه لدائرته المقربة. بعد هذا الاجتماع لن يكون هنالك رجعة ولا تعديلات في مسارهم. سيحدد هذا الاجتماع مستقبل دارهم.