قال الرجل: "هذه قاعة طعامنا. كما ترون، لا نقدم سوى الأفضل. مهما بلغ رقي الذوق، فلا بد أن تجد الآنسة الصغرى ما يعجبها".
تبع زيك ومايا الرجل إلى غرفة فخمة. لم تشبه شيئاً من قاعات الطعام التي رآها زيك في أي مكان من قبل. بدت الغرفة كأنها مطعم راقٍ. التفت فرأى أن كل طالب يرافقه خادم واحد على الأقل. بالملاحظة الدقيقة، لاحظ زيك أن العديد من أولئك الخدم كانوا سحرة أنفسهم. لم يكن الأمر مجرد سحرة يرتدون زي الخدم. بل كانوا سحرة حقيقيين يعملون كخدم لدى الأثرياء. كاد زيك لا يصدق عينه حين رأى امرأة تبدو في مقتبل العمر تمسح فم صبي مراهق.
عندما تفحص نوّاتهم، وجد زيك أن المرأة ساحرة كبرى ذات تقارب قوي مع سحر العقل. أما الصبي، فكان مجرد مبتدئ ذي تقارب ضئيل مع سحر الماء. وصل في اللحظة المناسبة ليرى الصبي يصفع يد المرأة بعيداً كأنها ذبابة مزعجة. جحظت عيناه لدى معاينة المشهد. لم يستوعب هذه الجرأة قط. لابد أنه أطال التملّق بنظراته، إذ لاحظ الصبي نظراته وردّ التحديق. لم يرغب زيك في التورط مع مثله وأبعد نظره عقب تواصل قصير بالعيون.
خلافا لنواياه، اعتبر الصبي هذا استفزازاً على ما يبدو. من طرف عينه، رأى زيك الصبي ينهض ويشق طريقه نحوه والمرأة تتبع خطاه مباشرة. لم يستطع كبح تنهيدة أسف. لم تكن هذه المرة الأولى اليوم التي يزعج فيها صبياً نبيلاً بطريقته. نظر زيك إلى أخته وقد علت وجهه علامات الذنب. مايا، لدى رؤيتها نظرته، أدركت سريعاً ما يحدث. ألقت نظرة على القادمين ثم عادت لنظر أخيها قبل أن تطلق تنهيدتها الخاصة.
لكن اللمعان في عينيها أوضح جلياً أنها وجدت متعة ليست بقليلة في حقيقة وقوعه في المشكل مجدداً.
تطلب ذلك الصبي المتغطرس معرفة سبب التحديق بقوله: "على ماذا تحدق أيها الفتى؟"
ردد زيك بعدم تصديق: "…فتى؟"
لم يتوقع قط أن يُخاطب هكذا من صبي يصغره سناً بوضوح. لم يكن أصغر منه فحسب، بل إن وجهه العريض وجسمه المترهل جعلوه يبدو أكثر طفولة. الآن وقد وقفا متقاربين، بدت فروقهما الجسدية أكثر وضوحاً. بدأ قدّ زيك يشبه قدّ أبيه أخيراً. لقد طال قليلاً ليجاوز المتر وثمانين سنتيمتر خلال عطلة الشتاء، واتسعت كتفاه كثيراً أيضاً. مقارنة ببنية زيك الرياضية وملامحه الحادة، بدا الصبي الآخر ككتلة بلا ملامح.
لم تستطع الساحرة الكبرى كبح ضحكة ساخرة عند رؤيتها لحيرة زيك التامة. غير أن الصبي سمع الضحكة وحدها واعتبرها فوراً سخرية منه. ودون أن يلتفت حتى، ألوح بيده للخلف ليصفعها على وجهها، مما جعلها تصمت فوراً. دوى صوت الصفعة العالي في أنحاء الغرفة. توقف كثيرون ممن حولهم عن تناول طعامهم للاهتمام بالضجة. بعد لحظة، سُمع الهمس من كل حدب وصوب. احمرّ وجه الصبي المتغطرس الذي صار فجأة محط الأنظار خجلاً.
صاح: "لا تحاولي إحراجي مجدداً ايتها العاهرة!"
كانت المرأة تنظر إلى قدميها، لكن زيك استطاع رؤية أن الصفعة المفاجئة جعلتها تعض شفتها ليجري خط رفيع من الدم على جانب فمها.
تابع هجومه نحو زيك: "وأنت! سألتك عما كنت تحدق به!"
تلاشت آخر بقايا المتعة من تعبيرات زيك قبل قليل. حتى مايا، التي تحمست لرؤية عرض، لم تعد تنظر للمشهد إلا باشمئزاز. جعلته حقيقة عدم قيام أي من أفراد الطاقم بتصرفات الصبي يحسم أمره؛ لا توجد طريقة تجعله يدع مايا تحضر هذه الأكاديمية أبداً. ومع حسم أمره، تخرّبت أيضاً أي رصانة مصطنعة تجاه الأبله أمامه. لم يرد زيك على الصبي، ولم ينظر حتى في اتجاهه. بل مضى بخطوات واثقة متجاوزاً إياه مباشرة.
بحركة حاذقة، استل منديلًا من جيب صدره ومدّه للمرأة. لم تتوقع اللفتة ولم تدر كيف تتصرف. ظل زيك صابراً في مكانه، دون أن يعجلها قط. بعد لحظة، مدت يدها بتردد لتأخذ المنديل المعروض.
صاح الصبي: "أيها النذل! أنا أكلمك!"
لكن زيك استمر في تجاهله. مسحت المرأة آثار الدماء على شفتيها ثم مدته لزيك مجدداً. عندما لاحظت أن القماش الأبيض تلطخ بالدماء الآن، ترددت. منحها زيك ابتسامة ودودة وأخذه برفق منها.
أخبرها عبر التخاطب: "إن احتجت لعمل جديد يوماً، فابحثي عني".
جهاراً، خاطب الصبي أخيراً.
"أنت، أيها الغلام. إن كنت تريد مبارزة، فابحث عني. اسمي إزيكييل فون هوهينهايم، وريث عائلة فون هوهينهايم والمتوج حديثاً بالموهبة رقم 1 في إمبراطورية أركانهايم. أنا مستعد تماماً لقبول حتى مبارزات الموت… إن تجرأت، بالطبع".
"هاه! اسمي هو—"
قاطع زيك الصبي: "لا أهتم. تعال أو لا تعال، فقط وفر عليّ هراءك".
عند هذا، استدار وغادر، ممسكاً بيد مايا في طريقه نحو المخرج. قبل خطوه عبر الباب، ألقى نظرة أخيرة على الرجل الذي قادهم عبر الأكاديمية. اختفى مرشدهم لحظة بدت الأمور وكأنها تنذر بالمتاعب. كان هذا السلوك الجبان لمعلمي إليمينتيوم تحديداً هو ما قاد تجربته الخاصة ليكون هدفاً للتنمر. لم يكن لدى زيك سوى الاحتقار الخالص لأمثاله.
قال بصوت بارد حين لاحظ محاولة الرجل اللحاق بهما: "سنجد طريقنا وحدنا للخارج".
قريباً، شق اثناهما طريقهما عبر البوابة الأمامية، حيث استقبلتهما مارغريت والحارسان الآخران في الخدمة.
قال زيك متنهداً: "ربما يكون القادم أفضل".
وافقت مايا بإيماءة نشطة: "ممم".
ثم شرعت بحماس تحكي لمارغريت عن كل ما شهداه. ابتسم زيك للمشهد. بصراحة، نصف سبب تصرفه كفارس بدرع لامع الآن كان معرفته بمدى حب مايا لتلك الأمور. إن سماع أخته تروي باحترام أفعاله البطولية لم يخل قط من رسم ابتسامة على وجهه. مع ذلك، بدأ يقلق قليلاً. لقد زارا بالفعل تسع أكاديميات مختلفة، وحتى الآن كرها الاثنتين معاً كل واحدة منها تماماً. المشكلة تكمن في أن أفضل المدارس تقع بأكملها في الطبقات الثلاث العليا للمدينة.
هنا، مع ذلك، ظن كل غلام صغير أنه مهم حقاً. ظن زيك أن نبلاء الإمبراطورية سيئون، لكنه تعلم في صباح واحد فقط أنه يكره تجار ترايدسبير بدرجة أكبر. كان النبلاء الصغار بالإمبراطورية لا يطيقون أحياناً، لكنهم على الأقل طمحوا جميعاً ليكونوا سحرة أقوياء أنفسهم. هنا، لم يبدُ أن الأبناء المدللين يملكون أي طموحات من أي نوع. وما زاد الطين بلة، لم يُحترم الأقوياء. لم يتجاسر حتى فرد من العائلات العظمى على صفع ساحرة كبرى على وجهها بينما لا يزالون هم أنفسهم مبتدئين حقايرين.
على الأقل، ليس دون وجود حراس حولهم. كساحرة عقل، استطاعت تلك المرأة غالباً إقعاد الصبي بمجرد فكرة. لكن لسبب ما، شعر بثقة في معرفته بأنها لن تفعل. هذه الجبن هي ما وجده زيك محيراً تماماً. نفض زيك آخر ذكرى لهذا الحادث البشع سريعاً، بينما اقتربا من المدرسة التالية. هذه المرة، زارا مدرسة طبخ سحرية، وعلق زيك آمالاً عظاماً. تقبل الأكاديمية تشكيلة واسعة من التقارب، ولم يرد زيك شيئاً أكثر من أن تصبح مايا طباخة.
هكذا، سيعرف أنها بأمان وسلام طوال الوقت. أيضاً، سيحب تناول وجبات لذيذة كل يوم…
قال زيك وهو يدلفان: "لنأمل أن تكون هذه هي المنشودة!"
لم تكن هذه الأكاديمية هي المنشودة للأسف. عدا عن جولة سريعة في المكتبة، تحولت هذه الزيارة إلى خيبة كاملة أيضاً. لم يتوقع زيك قط أن يصيح معلمو الطبخ بمثل هذا القدر، أو أن يكونوا… مسيئين بلا داعٍ. تضاعف إحباطه مع كل إخفاق جديد. كان المهندسون متعجرفين، وكان المقاتلون فظين، وكان الفنانون سكارى أجمعين. لم يدْرِ زيك أيبكي أم يضحك عند هذه النقطة. كان اثنانهم قد زاروا الأكاديمية الشهيرة كافة في الطبقة الثالثة، وما استساغوا واحدةً قط.
التفت ناظراً إلى مايا التي كانت تمشي بجانبه.
سأل زيك مجسّاً: "ما رأيك؟"
أجابت الفتاة: "لست متأكدة".
سأل زيك مستطرداً: "أعلم أن المدارس كانت فظيعة، لكن ألم يبدُ أيّ من الدروس ممتعاً على الأقل؟"
لم تردّ مايا برهة غير أنها كانت تخلس النظر إلى وجه زيك بين الحين والآخر.
قالت أخيرًا: "... بدا القتال ممتعاً".
أُسقط في يد زيك من هذا الرد. كان قد تكوّن لديه انطباع بأن مايا أشدّ الناس كراهية للقتال. لقد أمسكت بيده بشدة طوال مدة وجودهما في مدرسة سحر القتال. التفت ليتفقد تعابير وجهها فأدرك الفتاة وهي تختلس النظر إليه. ما إن التقت أعينهما حتى أشاحت بوجهها ثانية. كانت لدى زيك فكرة عما يدور. أشار إلى مارغريت بالتوقف والتفت نحو أخته بكليته.
قال زيك بصوته الألّف: "مايا، لا داعي لأن تكلفي نفسك ما لا تطيقين. مجرد أنني أصادف القتال كثيراً لا يعني أن عليك فعل المثل".
قالت: "لكنك قلت آنفا إن الناس هنا لينا الجانب وليس لديهم أي طموحات".
ابتسم زيك للخطأ اللطيف وحبّ على رأس أخته.
"هذا صحيح. لكن هذا لا يعني أنني أعتقد أن القتال هو الدرب الأوحد. أأقول لك سرّاً؟"
أومأت مايا برأسها بجدية. نظر زيك يمنة ويسرى كأنه سيوشوشها بأعظم أسرار الكون.
اقترب حقاً من أذنها قبل أن يهمس بلطف: "أنا لا أحب القتال أيضاً".
اتسعت عيناها دهشة.
سألت: "حقاً؟"
قال زيك: "أقسم بذلك".
"حتى إنني قلت لماكسيميليان مرة إنني أود أن أكون باحثاً لا مقاتلاً".
سألت مايا بعينين واسعتين: "وماذا قال الجد؟"
أجاب زيك بابتسامة وهو يستعيد الحديث الذي دار بينه وبين ماكسيميليان آنذاك: "قال إن بوسعي أن أكون باحثاً متى ما كنت قوياً بما يكفي لحماية نفسي".
بدا له مستغلقاً الآن كم كان ساذجاً آنئذ.
سألت مايا: "أعليّ أنا أيضاً أن أكون قوية إذن؟"
قال زيك مبتسماً: "كلا. لا داعي لأن تشومي همّ شيء من ذلك. لأنني سأظل أحميك، دائماً".
تساءلت مايا: "ماذا لو لم تكوني حولنا؟"
أجاب متبجحاً: "الأمر يسير، عليّ فحسب أن أصير قوياً لدرجة أن مجرد ذكر اسمي يكفي لحمايتك".
سألت مايا: "كم يبلغ قَدْر تلك القوة؟"
قال زيك بجدية: "أقوى حتى من ماكسيميليان".
سألت مايا بعينين واسعتين: "أقوى حتى؟"
قال زيك: "أشدّ بأساً بكثير!"
تشاجر اثنانهما ذهاباً وإياباً وهما يشقان طريقهما عائدين إلى عقارهما. قبل أن يجوزا البوابة، عاد زيك جادّاً مرة أخرى.
قال: "اسمعي، يا مايا. الشيء الوحيد الذي ينبغي أن تشغلي به بالك هو ما تريدين فعله. لا سيما إن اضطررنا للانتقال إلى الطبقة الثانية أو حتى الطبقة الأولى. سآخذك إلى مدن الأقزام إن اضطررت. مهما يكن الأمر، سأجد سبيلا لتحقيق ذلك حين يحين الحين، حسناً؟"
همهمت مايا: "ممم"، قبل أن تعانق زيك عناقاً سريعاً.
وما لبثت أن هرولت داخل القصر، لعلها تخبر والدتهما بكل ما حدث اليوم. رمق زيك قفاها وهي تختفي عبر الباب الأمامي بابتسامة.
سألت مارغريت وهما يدلفان جنباً إلى جنب: "أحظيت بما ابتغيت؟"
قال زيك بابتسامة ماكرة: "نعم. والآن آن أوان الشروع في العمل!"