رغم انقضاء دقائق عدّة، عجز زيك عن استعادة سكينة روحه. شعر بأن الأعداء يحيطون به من كل جهة، وأنه لم يتبقَّ له أحد يلجأ إليه. أطلق تنهيدة عميقة، ثم اعتدل جالساً أخيرًا. لم يفده الاستلقاء في تهدئة عقله. جاب بنظراته الغرفة المقفرة بحثاً عما يلهيه. لكنه لم يرَ ما يشدّ انتباهه. وما إن همَّ بالاستسلام حتى لمح شيئاً. ومن طرف عينه، رقَب جسماً مستديراً في أقصى الغرفة. وبدلاً من أن يعيره من نهب المكان أيّ اهتمام، اعتبره تافهاً فيما يبدو.
ركّز زيك ذهبه محملقاً في الكرة مباشرة. وبدأت بالحركة ببطء. راحت تتدحرج نحوه قبل أن ترتفع في الهواء. استهلّ الجسم حركته متذبذباً بعض الشيء لكنه ما لبث أن حلّق في الأجواء بطريقة منضبطة. وبحركة خاطفة، انتزع الكرة من الهواء. كان الجسم الذي في كفّه كرة بحجم قبضة اليد. لم يسبق له أن رآها مثيلة، لكنها كانت طريّة ومزخرفة بألوان. وبدت وكأنها نوع من اللعب للأطفال الصغار. قذفها زيك مجدداً في الهواء وجعلها تدور ببطء حول رأسه.
وكلّما مرت اللعبة أمام وجهه، حاول تخيل ما أدى إلى تركها هناك هكذا. ألم يعد مالكها السابق يرغب بها؟ أضضاعها طفل ولم يسعفه الوقت للبحث عنها حين طُرِدوا؟ أكانت الكرة أثراً سحرياً غامضاً وخطيراً سعى قصداً إليه لمساعدته في بلوغ الهيمنة على العالم؟ نجح تمرّن الإبداع هذا في تهدئة عقله القلِق بعض الشيء أخيراً. لكن مع السكينة حلّت الأفكار الأخرى التي جرى قمعها. ذكّره استخدامه لمهارة [تحريك الأشياء عن بُعد]
بصوفيا عن غير قصد. لقد أهدته كتاب تعويذات تلك التقنية في يوم ميلاده، محتملة في سبيل ذلك خطراً ليس بالهين. خلال رحلتهما عبر الإمبراطورية، خصص زيك كل يوم وقتاً للتدريب. أراد إبهارها بتقدمه في لقائهما التالي. بدا كل ذلك سخيفاً للغاية الآن، وشعر زيك بانقباض في قلبه عند تفكيره في كيف سيجري لقاؤهما القادم. أليلتقيا كأعداء؟ أيراه مجدداً من الأصل؟ ماذا عن فيولا؟ كيف تفاعلت حين علمت بالأمر؟
ربّما لم تكن تدري شيئاً عمّا حدث بعد. أستنقلب ضده؟ وماذا عن ماركوس؟ أوقع صديقه في المشاكل أيضاً بسببه؟ اجتاح زيك شعور عميق بالخسارة حين واجه مجدداً ألم ترك الكثير من أقرب أصدقائه وراءه. ولربّما كان يجهش بالبكاء على الأرض الآن لو لم يفلح على الأقل في جلب عائلته معه. ورغم عدم قدرتهم على إعانته كثيراً في مأزقه الحالي، منحه وجودهم العزاء. وأكثر من ذلك، منحوه سبباً لعدم الاستسلام للعجز.
ورغم الظروف، رسمت أفكار أقرب أصدقائه ابتسامة على محياه. كل ما تمناه هو أن يكونوا بخير. أكثر ما أقلق زيك هو أمر صوفيا. ستواجه المتاعب في المستقبل بسبب هكذا على الأرجح. لم يكن بالغباوة بحيث لم يدرك حتى الآن أنها أُمرت بالاقتراب منه. لكن حقيقة السماح له بالهروب تعني أنها كتمت قلب التنين وأي شيء آخر قد تكون اكتشفته سراً. غير أن هذا يعني أيضاً أن أي فعل استثنائي يأتيه مستقبلاً قد يُعد إخفاقاً من جانبها.
وداهمه إدراك مروع. أيمكنه حتى نشر أبحاث التأمل؟ ستعلم الإمبراطورية من أين أتت. ومن المرجح أن تقع تداعيات هذا على عاتقي صوفيا النحيلين. برزت في ذهنه فكرة غير متوقعة. أمر لم يعتقد زيك قط أنه قادر على تصوره. لكن، ما إن أقرّ بوجودها، حتى استحال التخلص منها. ومثل دودة، حفرت طريقها عميقاً في عقله حتى تجذّرت تماماً في وعيه.
"أأرغب حقاً بنشرها؟"
كانت الفكرة دخيلة عليه لدرجة لم تترك لزيك خياراً سوى اعتبار الأمر تدبراً خبيثاً. أتمكن الإمبراطور أو أي ساحر أذهان آخر من غزو وعيه؟ أكانت صوفيا؟ لكن، كلما طال تفكيره في الأمر، ازداد يقناً بأنها فكرته الخالصة. لقد تعلم أن خير سريقة لمعرفة إن كان المرء متأثراً بسحر الأذهان هي مساءلة الدافع والمبرر وراء كل فكرة. وفي أغلب الحالات، لا تصمد تلك الأفكار أمام التدقيق الدقيق.
غير أن هذا كان العكس تماماً. فكلما أمعن التفكير في الأمر، وجد أسباباً أكثر تدلل على أن نشر أبحاثه سيكون فكرة سيئة. كان سبب حرصه الشديد على تعليم تقنيته للعامة متجذراً في اعتقاده بأنها ستفيدهم. لقد أراد منحهم قوة أطول، وكلمة مسموعة أكثر في كيفية تسيير الأمور. وكان واثقاً تماماً من قدرته على تحسين حياتهم عبر فعل ذلك. لكنه لم يعد متأكداً البتة. كان احتمالاً قائماً بقوة أن تؤدي أبحاثه فقط إلى تضخم الجيوش في كل جوانب الصراع.
وقد ترتفع أعداد الضحايا خلال الحرب المقبلة ارتفاعاً هائلاً بسبب ذلك. وما كان أسوأ من ذلك هو أن أبحاثه لن تكون فعالة إلا على الصغار. وبات بإمبراطورياته تخيل سرب من الفتيان المستيقظين حديثاً في سن الرابعة عشرة وهم يُستخدمون كوقود حروب من قِبل الطرف الخاسر في محاولة يائسة لقلب الطاولة. بقشعريرة، نفض زيك تلك الصور الحية التي استدعاها دون قصد. كان مستقبلاً أقتم من أن يُحتمل حتى.
وطوال الوقت الذي أمضاه سارحاً في أحلام اليقظة بشأن المستقبل الوردي، لم يفكر قط في المخاطر المحتملة المتضمنة. حتى مع قدرة العامة جميعاً على الترقي إلى مرتبة الساحر الحقيقي. سيظلون مجرد نمل في أعين العائلات الكبرى. مجرد... نمل أكبر حجماً بقليل. بتنهيدة، قطع قطار أفكاره هذا.
وغمغم قائلاً: "تلك مشكلة ليوم آخر".
كانت لديه هموم ألحّ في الوقت الحالي. تصدّر المال القائمة تماماً. وأثناء دراسته للقانون، تعثر زيك بأمر جعل وضعهما أسوأ بكثير. فلحظة فقدان عقيرتهم، ستفقد عائلة فون هوهينهايم أيضاً كافة حقوق المواطنين هنا في ترايدسبير. ومن المرجح جداً تسليمهما إلى الإمبراطورية عندئذ.
فكّر زيك بصوت عالٍ: "مئة ألف قطعة ذهبية، هاه؟"
قبل عام، لكان هذا مبلغاً من المال يفوق ما يمكنه تصوره واقعياً. لقد كان ذهباً يكفي لشراء قلعة في الإمبراطورية. وربّما بقي لديه ما يكفي لشراء القرى المحيطة بها أيضاً. غير أنه بات مجبراً الآن على جني هذا المبلغ خلال خمسة أسابيع زهيدة، وحياته على المحك، لا أقل من ذلك. وبدل اليأس الذي تمكن منه سابقاً، أفلتت قهقهة هادئة من شفتيه. وتعالى صوتی حتى تحول إلى ضحكة كاملة. أثبت الصوت كيف أن الجدران تعكس أصداء المرح عليه، فجعلته يضحك بقوة أكبر.
صاح زيك: "أَتظنان أنكما أحكمتما الحصار عليّ؟! لتبتعدوا جميعاً!"
واستطرد: "لن يوقفني هذا! انظروا إليّ أيها العجوز!"
انقضت دقائق وزيك يصيح بشتى الشتائم والتباهي. أطلق العنان لكل إحباطاته، دون كبح أي شيء. وبعد دقائق، تهاوى زيك الملهوث أخيراً مستنداً إلى الجدار. توجب عليه أخذ استراحة لالتقاط أنفاسه. وبظهر كفه، مسح قطرات دمع عصيّة من عينيه. وما إن التقط أنفاسه حتى شعر بتحسن كبير بعد تفريغ ضغطه المكبوت. ومع صفاء ذهنه، حان الوقت لوضع الاستراتيجيات أخيرًا. حقق زيك نجاحاً باهراً بالمراهنات خلال البطولة، لكن تلك كانت حالة خاصة.
فمعرفته المعمقة بالمتسابقين الآخرين مدمجة بمشروع الثالوث منحته أفضلية تنافسية آنذاك. لم تكن تلك أموراً يمكنه التعويل عليها هنا. وحين انقضت دقائق عدّة ولم يتوصل زيك إلى أي شيء بعد، جرب مقاربة جديدة. كف عن الدوران وشق طريقه نحو الباب. ربما يساعده القليل من الهواء النقي على الخروج بشيء ما. لم يكن زيك بالغباوة لتجاوز حدود العقار، لكنه تجرأ مع ذلك على التجوال في الحدائق الفارهة المحيطة بالقصر.
شكلت الحدائق المعتنى بها جيداً تذكيراً صارخاً بوجود أكثر من مئة شخص يعملون هنا حتى الأسبوع الماضي. تساءل زيك عما إذا كان قادراً على إيجاد أولئك الناس. أيرغبون أصلاً بالعمل لصالح العائلة في هذه المرحلة مجدداً؟ بلغ أطراف العقار عما قريب. كانت المدينة مصممة على هيئة هرم، مما يعطيه القدرة على الإشراف على أي من الطبقات السفلى من موضعه. وامتدت المتروبوليس الصاخبة تحته.
شعر زيك وكأنه مَلِك يطل على رعايا من الأعلى هنا. لم تفت رمزيّة هذا النمط المعماري إدراكه.
فهنا في هذه المدينة، يحدد نجاحك المالي حرفياً من يمكنك «الازدراء».
وبالطبع، صح العكس تماماً. استدار زيك ناظراً إلى الطبقتين اللتين تعلوان موقعه الحالي. فالقصور الفارهة التي تبدت له فوقه جعلت عقاره يبدو مزرياً بالمقارنة. وأدرك زيك أن ذلك كان متعمداً على الأرجح. ولعله كان السبب في فرط طموح وقسوة القلاع هنا. فهم مضطرون طوال حياتهم للتملي بكل تلك الرفاهيات التي يعجزون حتى عن حلم امتلاكها. بحكم نشأته في فيلدشتات، لم يعتبر زيك نفسه فقيراً قط.
ورغم كونهم مزارعين مجردين، لم تعوز عائلته شيئاً. عاش الجميع في البيوت ذاتها، وتناولوا الطعام ذاته، وارتدوا الثياب ذاتها. وعامل الناس بعضهم بعضاً بلطف عموماً. أما غياب الثرف الحقيقي، فجعل أسباب الحسد شبه منعدمة. رحلت نظرات زيك نحو قمة الجبل تماماً، صوب قلب المدينة. وحاول تخيل كيف كان ليكون لو وُلِد هنا بدلاً من ذلك. فوقعت عيناه على البرج في قمة الجبل تماماً. بدا كمنارة سماوية، تغوي الحمقى الغافلين بوعود الثراء والرخاء.
تواجدت سفن طائرة عديدة في الأجواء المحيطة بالبرج. وبدت لزيك كأسراب ذباب. وبمقارنتها بالمقاطعات السفلى، بدا أن الأثرياء والأقوياء يفضلون السفر على متن تلك المنطادّات الصغيرة. لا غرو في افتتان زيك أيضاً عقب رؤيته إياها لأول مرة. فلم تكن سريعة ومريحة فحسب، بل خدمت استعراض الثروة والمكانة أيضاً. وكل واحدة منها كانت تساوي ثروة. شاهد زيك إيصالاً لواحدة منها بين ركام مستندات جيلدروي.
فقد بيعت المركبة بثلاثة عشر ألف قطعة ذهبية مذهلة. ولن يكون عليه سوى بيع بضعة منها لسداد دينه. ضرب الإدراك زيك كالصاعقة. كان عليه فقط بيع بضعة منها لسداد دينه، أليس كذلك؟ أ... أكانت هذه خطة مجدية؟ ربّما نجحت بالفعل. ومسلم بها حقيقة جهل زيك بكيفية بناء تلك السفن بعد، لكنه امتلك أرشيفات واسعة عن تشغيل المعادن والهندسة في مكتبة عقله. وفوق ذلك، تيقن من احتواء ترايدسبير على مكتبات ومدارس يمكنه ارتيادها.
أخذت ملامح خطة تتشكل في ذهن زيك. ألم يرغب دوماً في معرفة المزيد عن الهندسة؟ فمنذ يوم رؤيته لتلك العجائب القديمة المدفونة في الإمبراطورية تحت الأرض، حلم بفعل ذلك. كانت الإمبراطورية مكاناً قاحلاً فيما يخص الهندسة السحرية، لكنه صار الآن في المنبع. لكان ارتكاب جريمة صريحة عدم الاستفادة القصوى من الوضع! ومع تنامي شعور بالترقب، تتبعت عيناها زيك النقاط الكثيرة المترحلة في الهواء بعيداً في الأفق.
وأخيراً، وجد وجهة. وفقط الآن أدرك كم تاق عقله المنهك والقلق إلى هدف محدد يطارده. تتدفق فكرة تلو الأخرى إلى ذهنه دون حتى أن يحاول. ورسمت ابتسامة نفسها أخيراً على محياه، مع تبلور خطة بشكل أو بآخر في رأسه. لم يكن لديه وقت يضيعه، لكن الأمر لا يزال ممكناً إن لعب أوراقه صحيحة. نهض زيك من مقعده على العشب. وسُمعت سلسلة طقطقات مرضية حين مد ظهره ولوّح بكتفيه. وما إن غادر آخر تصلّب جسده، حتى وضع زيك يديه على جنبيه مراقباً المدينة أسفله.
وأعلن بابتسامة: "حان وقت البدء".