ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 65 — الدور ربع النهائي ٣

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 65 — الدور ربع النهائي ٣ باللغة العربية على مانجا تايم.

وقف فيليكس مكانه وبسط ذراعيه. تشكّل تاج من اللهب فوق رأسه. لم تقوَ خيوط النيران الرقيقة تلك على مجاراة تعاويذ الأساطير التي قرأ عنها زايد. تشير نصوص العائلات الكبرى إلى أن [تاج النار] الخاص بعائلة فويَركْرانز يوازي هيبة زينة الملوك. مع ذلك، بدت النسخة المصغرة مبهرة بما يكفي لساحر في مستوى فيليكس. لم يتوقع زايد قط أن ينجح في استدعائه. بدت ملامح كاتيا صارمة هي الأخرى.

بدا أنها تشارك زايد رأيه. لم يكن هذا نبأ ساراً بالنسبة إليها. يتيح [تاج النار] لعائلة فويَركْرانز السيطرة على أي نار في محيطهم. يشبه الأمر نسخة مطورة بلا حدود لمهارة [التحكم بالنيران]. تعمل التعويذة على نيران السحرة الآخرين أيضاً. تُستخدم في الحروب لتركيز القوة النارية لعدة سحرة في تعويذة واحدة. تجعلهم في النزالات شبه منيعين ضد سحرة النيران الآخرين بينما تقوي تعاويذهم الخاصة.

استعادة كاتيا رباطة جأشها بعد لحظة. رسمت ابتسامة على وجهها.

قالت: "لا مجال لأن تتحكم بناري [اللهب الكاسح]، ليس في مستواك هذا".

لكن الارتجاف الطفيف في صوتها أوضح أنها لم تكن متأكدة تماماً من ذلك.

تحدى فيليكس: "ما رأيك أن نكتشف ذلك".

أومأت الفتاة برأسها. رمت كرة اللهب نحو فيليكس بكل قوتها. ساد صمت مطبق بين الحاضرين بينما تتابع الجميع المقذوف وهو يقترب من فيليكس. مدّ ذراعيه وأخذ يطلق تعويذة تلو الأخرى نحو الكرة الزرقاء القادمة. بدا أن [اللهب الكاسح] يزداد حجماً مع التهام كل هجماته. عجزت ومضات [كرات النار] عن إبطاء سرعة التعويذة إلا لماماً. علقت عينا زايد بالكرة التي بلغ حجمها حجم رأس إنسان الآن. كان زايد من أوائل من لاحظ التغير.

كانت التعويذة تتباطأ. بدا التغير طفيفاً في البداية. كلما التهمت التعويذة المزيد من نيران فيليكس، تباطأت أكثر. أصبحت بالكاد تتحرك حين باتت على بعد أمتار قليلة من ساحر عائلة فويَركْرانز. أخفض فيليكس يديه أخيراً. تشكّلت قطرة عرق على جبينه. رغم ذلك، علت وجهه ابتسامة رضا. رسم دائرة في الهواء بإصبعه السبابة. بدأت تعويذتها تدور حول فيليكس وسط رعب كاتيا. لقد فقدت السيطرة.

أعلن فيليكس: "يبدو أن هذه هزيمتك".

صرّت كاتيا على أنباضها وقبضت على كفيها. بدا أنها ستشن هجوماً شاملًا. غير أن الجو المشحون لم يستمر سوى لحظة. تمدد جسدها مع تنهيدة. ظلت عيناها معلقتين بتعويذتها. راحت كرة النار الزرقاء تطفو بطاعة في الهواء خلف فيليكس.

اعترفت: "حسناً، حسناً، إنها هزيمتي. أستسلم".

علت هتافات متفرقة من بين المتفرجين. لم يكن النزال ممتعاً للمشاهدة بقدر سابقه. لقد حُسم كل شيء في معساة سحرية خفية. لم يلم زايد الحشود على رد فعلهم الفاتر. شعُروه بخيبة أمل من هذه النتيجة أيضاً. لودّ لو رأى الثنائي يتصادم وجهاً لوجه.

أعلن يورغيل: "تهانينا لفليكس فويَركْرانز لتأهله إلى نصف النهائي. إلى المتسابقين التاليين: الرجاء الاستعداد لقتالكما".

قالت صوفيا: "هذا أنت يا زايد. أتريد بعض النصيحة؟".

أومأ زايد على مضض. لم يحبذ فكرة امتلاك أفضلية غير عادلة عبر مساعدة خارجية. مع ذلك، لم يكن من طبعه رفض معرفة متاحة. كان واثقاً من أن رولاند سيستغل كل وسيلة ممكنة للفوز بنزالهما.

سألت صوفيا بابتسامة: "ما الذي تريد معرفته؟".

سأل زايد: "ما حجم درايتك بسحر التخصص لعائلة إيرهير؟ لدي إدراك تام بقدرات رولاند منذ شهر مضى. لكني لا أعرف ما علمته إياه عائلته".

أكدت صوفيا: "هذا سهل. لقد رأيت ذلك بنفسك، في نزاله الأخير".

استرجع زايد المعركة بين رونا ورولاند. اختبأ رولاند تحت الأرض ثم هزم خصمه بهجوم مفاجئ.

خمّن زايد: "أهي قدرته على التحرك تحت الأرض؟".

أثنت صوفيا: "هذا صحيح. قد لا تبدو هذه القدرة شيئاً يُذكر للوهلة الأولى، لكنها تشكل مشكلة بالغة لبعضهم. سحرة الرياح، على سبيل المثال، لا يملكون رداً لهذه الاستراتيجية في المستويات الأدنى".

أجرى زايد المحاكاة في عقله. سيختبئ رولاند تحت الأرض، ليصعد ساحر الرياح إلى السماء. تبدت المشكلة واضحة على الفور. يستطيع رولاند البقاء تحت الأرض لفترة غير محدودة تقريباً. في المقابل، لا يمكن لساحر رياح في مستواهم الصمود طويلاً في الهواء. سينتهي النزال اللحظة التي ينفد فيها مخزون ساحر الرياح. ومع انعدام أي سبي لضرب هدف مدفون، لن تكون لساحر الرياح فرصة للنصر. تكتيك جبان يليق بشخص جبان.

رغم ذلك، اضطر زايد للاعتراف بأن هذه ميزة ضخمة. يستطيع ساحر أرض آخر التصدي لهدف تحت الأرض بسهولة، لكنها مشكلة لمعظم السحرة الآخرين. فكر زايد في خياراته للقتال القادم.

سأل زايد بجبين مقطب: "برأيك، ما مدى مداه تحت الأرض؟".

أجرت صوفيا حسابات سريعة قبل أن تجيب: "أمتار قليلة".

سأل زايد: "بالمحدد كم؟".

أجابت: "ربما نحو خمسة أمتار. سيضعف تحكمه أكثر فأكثر كلما ابتعد. لا أظن مداه الفعال يتجاوز ذلك. ما لم يخفِ سراً لا أعلمه".

جلب ردها ابتسامة على وجه زايد.

قال زايد: "جزيل الشكر يا صوف. أنا منطلق!".

سألت: "ماذا أنت فاعل؟".

قال غامزاً وهو يدير ظهره: "سترى".

ودون إهاعة مزيد من الوقت، شق زايد طريقه نحو منطقة الانتظار. كانت لديه بضع دقائق، لكنه سيستغلها لتهيئة ذهنه للقتال. بعد برهة قصيرة، كان زايد مجهزاً بالكامل وينتظر إشارة دخول الحلبة. اتكأ على عصاه ومقْلتاه مسمرتان إلى الأمام مباشرة. حانت فرصته أخيراً. لقد ندم على عدم إيقافه رولاند خلال المعركة الكبرى لفترة الآن. لو علم بطبع الصبي البغيض، لتصرف بشكل مختلف. بدل ساحر الأرض، لربما ظلت رونا وبيتر في البطولة.

لقد غلب الطابع العملي على تفكيره. أدرك زايد أن هذا كان تأثير لب عقله. سيتيح له تقاربه العقلي تحديد المسار الأكثر فائدة في جزء من الثانية. غير أن الشخصية العملية العديمة المشاعر لتقاربه العقلي لن تأخذ أي نوع من المشاعر بعين الاعتبار عند تقديم النصح. توجب على زايد توخي الحذر. إن وثق عمياء بحدس لبه العقلي، فقد يدفع ثمناً فادحاً يوماً ما بسبب خياراته الخاصة. انقطعت أفكاره حين نغزه الرجل المجاور للبوابة في كتفه.

رفع زايد بصره ليجد الرجل يومئ نحو البوابة. لقد حان الوقت. خطا إلى ساحة الحلبة للمرة الثانية اليوم. علا التصفيق أكثر مقارنة بظهوره الأول. نجح زايد في انتزاع لقب المتسابق الأكثر شعبية من ليو. لقد كسب خطابه الملتهب مع أسلوبه القتالي الشرس قلوب الجماهير. رأى زايد رولاند يدخل الحلبة من الجانب الآخر. بدا النبيل الشافع منزعجاً وضوحاً من شعبية زايد. فكر لبرهة في إثارة استعراض لإزعاج الصبي أكثر.

لكنه تخلى عن الفكرة. كان حماسها أكبر من أن يؤجل القتال أكثر. أقدم يورغيل مقدمة قصيرة. لقد كان ذكياً بما يكفي ليدرك أن أي تأخير إضافي لن يثير سوى حفيظة الجمهور. لم تكن هناك حاجة لخلق مزيد من الصخب لهذا النزال. أشار بإيماءة إلى الرجل السمين ذاته ليقرع الصاجات. تردد صدى الصوت القوي في أرجاء الكولوسيوم بعد لحظة. لقد بدأ القتال. ألقى رولاند بنفسه على الأرض فوراً. تيقن زايد أن الغاية منع تكرار ما حدث مع كارل.

لقد كان الأمر مستبعداً تماماً، إذ لم تغادر عصاه يديه. راقبه وهو يهوي مسطحاً على الأرض. احمرّت أذناه حين لاحظ بقاء زايد ساكناً. مع ذلك، لم تدم ملامحه المرتبكة طويلاً إذ بدأ يغوص في الأرض فوراً تقريباً. اختفى ساحر الأرض عن الأنظار بعد ثانية. ومقارنة بفراره من تعويذة رونا، لم يبقَ هذه المرة حتى أثر لحفرة. شرع زايد في التقدم. توقف في منتصف الحلبة وانتظر. أمكنه التحليق في الهواء باستخدام [خطوة الهواء]، لكن ذلك سيقود إلى الوضعية ذاتها التي واجهت سحرة الرياح.

حتى لو استطاع الصمود أطول من خصمه بتلك الطريقة، سيصاب الحضور بملل قاتل وهم ينتظرون تعب أحدهما. لم يرغب زايد في إعقاب خطابه بالقتال الأكثر مللاً على الإطلاق. كما أنه توصل إلى استراتيجية أفضل بكثير. ركز على مهارة [الإدراك المكاني التام]. امتد نطاق الكرة أمتاراً قليلة تحت الأرض. قد يكفي مداه لرصد رولاند إن اختبأ الصبي الآخر تحته مباشرة. بيد أن زايد لم يقصد الاعتماد على الحظ في هذا النزال.

ركز على الأرض أسفل قدميه مباشرة واستخدم تعويذة [الحاجز المكاني]. كان [الحاجز المكاني] من أقوى تعويذات الدفاع في مستواهم. يُعوض القدرة الدفاعية الهائلة بعيبين رئيسيين. أولهما، وجوب بقاء السحر في مكانه أثناء التجسيد. لم يكن هذا شرطاً حتمياً، لكن التغير في موقع المرء يجعل الحفاظ على التعويذة بالغ الصعوبة. المشكلة الثانية هي ضرورة امتلاك خط رؤية دائم للمنطقة التي يؤثرون عليها.

فحتى حاجز من الغبار يكفي لكسر التعويذة. استطاع زايد الالتفاف حول هذا الشرط نوعاً ما بفضل [الإدراك المكاني التام] حين ألقى التعويذة قريباً من جسده. صنع زايد الحاجز تحت قدميه مباشرة. أمكنه التأثير على الأرض لأمتار قليلة في كل اتجاه. شعر بتحجر الأرض بعد برهة. كان الإحساس مألوفاً للغاية بالنسبة له. كان يستعمل المبدأ ذاته كما في [خطوة الهواء]. فطالما لم يهاجم رولاند الحاجز، سيستطيع إبقاءه لأجل غير مسمى.

ومع اكتمال تحضيراته، حان الوقت لتنفيذ الخطوة التالية من خططته. تثاءب زايد بملء فيه. جالت عيناه في الحلبة بملامح ملولة كأنه يبحث عن خصمه. شبك ذراعيه على صدره وانتظر. شرع بعد ثوان معدودات ينقر الأرض بإحدى قدميه. كان استعراض العضلات مهماً لخطته. التقط الجمهور غرابة المشهد قريباً. بدا زايد نائماً بنصف عين وهو ينتظر تحرك خصمه. أُلقيت عصاه جانباً على الأرض. بدا لأي ناظر كأن رولاند فرّ تحت الأرض خوفاً.

وبدا ساحر الأرض كأنه يختبئ بلا أي نية للقتال قط. تعزز هذا التصور حين جلس زايد دون أدنى اكتراث.

صاحت امرأة: "يا جبان!".

وكأن سداً قد انفجر ليتدفق سيل من الهتافات من كل اتجاه بعد لحظات.

صاح رجل: "لست بهذه الشجاعة الآن أيها الفتى!".

صاح آخر: "تختبئ كالجرذ! مشين!".

هتف أحدهم: "قاتل كرجل!".

ادعى صوت حاد: "أنت تجلب العار لدارك يا جبان!".

لم تؤثر محاولات يورغيل لكبح جماح الناس. اكتسب السيل المتواصل من الإهانات زخماً كلما طال بقاء رولاند ساكناً. علت وجه زايد ابتسامة. لم يدرك الحشد أن رولاند كان يدفع حاجزه لدقائق خلت. غير أن محاولاته باءت كلها بالفشل إذ عجز سحر الأرض عن مقارعة [الحاجز المكاني]، لا سيما من مسافة. بدا أن إهانات الجمهور تبلغ من رولاند مبلغا. استطاع زايد استشعار تصاعد حدة محاولات اختراق الحاجز.

لم يعنِ هذا سوى شيء واحد: اقتراب ساحر الأرض من موقعه. ولمزيد من التأكيد، تثاءب زايد مجدداً. شرع الحشد يلعن رولاند بحماسة متجددة. رصد زايد حركة عند أطراف كرته أخيراً. رغم ذلك، ظل ساكناً. ولم يكشف عن ابتهاجه سوى الابتسامة المتمتعة التي توسعت على وجهه. هدأ الحشد حين لاحظ وقوع أمر ما. وارتفع صوت جديد بعد صمت معظم المتجبرين. كان ضحكاً، لكنه ليس ضحك مرح أو سرور. ضحكة مفعمة بالخبث، قهقهة ماكرة تبث الرعد في فرائص كل سامع.

بدا الصوت قادماً من كل مكان ومن لا مكان في آن، متردداً عن جدران الكولوسيوم وخلق جواً غريباً ومشؤوماً في الفضاء الهادئ الآن. استغرق الأمر بعض الوقت ريثما عثر المتفرجون على المصدر. تبين أنه زايد. كان يقهقه بخبث ومقْلتاه مسمرتان نحو الأرض. نظر زايد إلى الأسفل مباشرة كأنه يراقب شيئاً لا يراه سواه.

أعلن انتصاره بصوت أخفت من أن تسمعه الجماهير: "سيكون هذا رائعاً".