جلس زيك ومكسيليان في غرفة خاصة. سكبا الشاي وبقيا صامتين. فكر زيك في كيفية البداية لكنه لم يجد الكلمات.
قال مكسيليان بعد أن وضع قدحه: "بماذا كنت تريد التحدث، بني؟"
سأل زيك عوض أن يجيب: "ألست غاضباً؟"
سأل العجوز: "بسبب ما قلته في المقابلة؟"
أومأ زيك برأسه فقط ثم خفض بصره. هل تمادى كثيراً؟ لم يهاجم عائلة نبيلة واحدة فحسب، بل هاجم مؤسسة النبلاء برمتها. تخلّل ذهنه بسهولة احتمال تحول هذا إلى فضيحة كبرى. فكر مكسيليان في السؤال قليلاً. بدا أنه يزن جوانب مختلفة وهو يميل برأسه يمنة ويسرة، مستغرقاً في التفكير. لم يقطع زيك على العجوز خلوته وانتظر في صمت.
قال أخيرًا: "حسنًا، لم تكن خطوة ذكية تمامًا. لو كانت الظروف مختلفة قليلاً، لَعُدَّ هذا دعوة للعصيان."
سأل زيك: "أيبدو ذلك جريمة خطيرة؟"
تردد مكسيليان ههنا برهة.
"يعتمد الأمر على ذلك. لو حرضت النبلاء الآخرين للتحرك ضد الإمبراطور، لكان العقاب الإعدام. لكن في أغلب الظروف، لا يكترث النبلاء كثيراً لرأي العوام. والسبب الوحيد لاكتراثهم بكلماتك هو هذا."
أشار مكسيليان نحو الشاشة المعلقة على الجدار. عرضت الشاشة رولاند إردهر، المرشح الثاني الذي استُدعي للمقابلة. كان المنظر على الشاشة مختلفاً تماماً عما كان عليه الأمر حين صعد زيك إلى هناك. فبدلاً من هتافات الحشد وتبجيله، لم يُسمع سوى صيحات الاستهجان والشتائم. كان نظام التسجيل في الملعب يغير تلقائياً ما يعرض على الشاشة. فقد نجح في التقريب على وجه زيك ليلتقط غمزته، وها هي هذه الميزة تُستغل بطريقة مغايرة تماماً.
فبعد كل إجابة لرولاند، تقرب الشاشة عليه بينما تمطرها الجماهير بالصياح. ومع كل لقطة تالية، كان عبوسه يشتد وعروق وجهه تبدو أكثر بروزاً. لم يستطع زيك إلا أن يتخيل مدى مقت الشاب النبيل لسخريّة حشد من العوام منه. بعد بضع أسئلة، أقلع رولاند عن المقابلة وانسحب بلا مراسم. حتى ظهره المنسحب بدا غاضباً. ابتسم زيك لهذه النتيجة. لقد تمخضت أفعاله عن شيء جيد على الأقل. بدا أن قاعدة رولاند الجماهيرية بأكملها، أو على الأقل ما كان منها في مدرجات العوام، قد تخلت عنه بعد خطاب زيك.
صار ساحر الأرض الآن المتسابق الأشد بغضاً في البطولة. عاد انتباه زيك إلى المحادثة حين عاد مكسيليان للكلام.
قال مكسيليان وبسمة تعلو شفتيه: "أتررى المشكلة؟ أغلب النبلاء لا يستسيغون التعرض لمثل هذا الإذلال."
ثم عادت عيناه إلى الجدية في ثانية وهو ينظر إلى زيك: "لا أظن أن أياً منهم سيقدم على فعل طائش بسبب هذا، لكن احذر ظهرك داخل الساحة وخارجها. شيء واحد مؤكد، لم تكوّن الكثير من الأصدقاء بين أقرانك بخطابك."
تخلص زيك من هذا الهم بهز كتفيه. كانت هواجسه تتجه نحو وجهة مغايرة تماماً.
سأل زيك: "ماذا لو حدث عصيان؟ بسبب ما فعلت؟"
اكتفى مكسيليان بهز رأسه.
"لن يعصي العوام بسبب هذا. وحتى لو فعلوا، فلن يغير ذلك شيئاً."
"ماذا تقصد؟"
"أترى عائلات النبلاء قلقة من تعرضها لهجوم من العوام؟ قد لا تعي هذا في مستواك من القوة، لكن ما إن تبلغ مرتبة الساحر الأعظم أو الأسمى حتى يتغير الوضع. يكف الشخص العادي عن تشكيل أي تهديد لك عند تلك النقطة. لكن هذا ليس العامل الأهم حتى. لن يفرق الأمر لو استنفر كل فرد من العوام في الوقت ذاته. سَيُهزمون جميعا من دون حتى خوض معركة."
سأل زيك: "كيف يُعقل ذلك؟ لابد أن هناك مليون شخص في العاصمة. من يستطيع هزيمتهم فوراً؟"
سأل العجوز: "ألم تدرك ذلك بعد؟ فكر في الأمر لبرهة، ما هي نوعية التعاويذ التي لا يملك العوام أي سبيل للدفاع ضدها؟"
فكر زيك في السؤال. لا سبيل للدفاع ضدها؟ ماذا كان يقصد بذلك؟ لم تكن هناك تعويذة لا- أصاب الجواب زيك كالصاعقة! بالطبع!
هتف زيك: "سحر العقول! حتى في مستواي، يمكنني التأثير بالفعل على عقل أي شخص بلا حماية نواة."
أومأ مكسيليان برأسه.
"لا تنسَ أبداً، ساحر المرتبة العليا الوحيد في أركينهايم، الإمبراطور نفسه يقيم في العاصمة. ورغم أنني لست واثقاً من مدى قدراته، فلن استبعد أبداً أن يُغشي على كل فرد من العوام في المدينة من دون أن يغادر غرفته حتى."
سأل زيك: "أتقول لي إن ما فعلته لم يُعد جريمة لأن العوام أضعف من أن يفعلوا شيئاً؟"
اكتفى مكسيليان بالئوم. وبدو منه أنه تقبل تماماً هذا الخط من التفكير بوصفه الحقيقة.
اعترف زيك: "هذه فكرة مقبضة. يبدو الأمر كأن العوام لا قيمة لهم البتة. أنت لا تصدق شيئاً من هذا، أليس كذلك؟"
"بالطبع لا، بني. إنه لفكره سيئة دائماً أن تفكر في المطلقات. العوام ضعفاء ولا فائدة منهم، والنبلاء أقوياء وفضلاء. كيف لمثل هذه التعميمات العامة أن تصدق قط؟ لكن لا ينبغي لك ارتكاب خطيئة نبذ قيمة النبلاء جزافاً أيضاً. هذا ليس عالماً مسالماً نعيش فيه، زيك."
شرح مكسيليان بنبرة حازمة.
سأل زيك: "أعلم ذلك، لكن ما علاقة هذا بالنبلاء؟"
"أتعلم حقاً؟ أتعلم حقاً البتة؟ ليست لديك فكرة عن التضحيات التي تتحملها أغلب العائلات النبيلة في سبيل ازدهار الإمبراطورية. إنهم يضحون بأطفالهم وآبائهم وأمهاتهم وإخوتهم وأخواتهم على مذبح الحرب. لا يتزوجون حباً بل لتقوية سلالاتهم. وكل ذلك لخلق سحرة أشد قوة في الجيل القادم. لا تفهمني خطأ، فهم يقترفون الكثير من الحماقات المريبة أيضاً، لكن لا يمكن القول إنهم لا يأخذون مسؤولياتهم على محمل الجد. كل ما تراه هنا في العاصمة هو كيف تتشاحن العائلات وتكطد. فنحن في المركز السياسي للإمبراطورية بعد كل شيء. دعني أكن واضحاً، هذا ليس الوجه الحقيقي للعائلات الأربع الكبرى. لن ترى القيمة الحقيقية لسحرة الإمبراطورية إلا على جبهات القتال. العائلات الأربع الكبرى هي السبب الوحيد لبقاء هذه الإمبراطورية طوال هذه المدة."
صعق زيك.
هتف: "كيف يمكنك الدفاع عنهم وعن الحرب؟ كنت أظن أنه بعد تجربتك الخاصة -"
توقف بغتة، مدركاً ما كان على وشك قوله. تألقتا عينا مكسيليان.
"بعد تجاربي الخاصة في الحرب، أحرّي بي أن أكرِه الإمبراطورية؟"
عضّ زيك على شفته. وبعد وقفة، استرسل مكسيليان في الحديث.
"لا تخدع نفسك، بني. ترتكب الأفعال الهمجية داخل الإمبراطورية وخارجها، على يد النبلاء والعوام، الحلفاء والأعداء، وكائنات لم تسمع قط حتى همساً بأسمائها. للإمبراطورية عيوب كثيرة، لكنها ليست الأسوأ في الوجود بفارق شاسع."
صمت زيك. إن كان صادقاً مع نفسه، فقد بدأ يعتبر العائلات النبيلة شبه عديمة الفائدة في قرارة قلبه.
سأل مرغماً: "كيف هي إذن؟"
قال مكسيليان بنبرة مستعيدة للذكريات: "إنه لمنظر يستحق المشاهدة حقاً. أقصد جيوش الإمبراطورية. تبني عائلة شتاينر وسحرة الأرض هياكل دفاعية في دقائق. ويمكن تحويل سهل قاحل إلى حصن منيع في غضون ظهيرة واحدة."
"تمتلك عائلة فينتانتسر هيمنة مطلقة على المجال الجوي للإمبراطورية. لم تنجح قط أي أسطول جوي أجنبي في التسلل إلى أراضينا. كما يستحيل الفرار من الإمبراطورية أيضاً. ليست هناك سفينة قادرة على مجاراة سرعة سحرة فينتانتسر."
"تستأثر عائلة فيلينروفر بالمحيط. إنهم يحشدون أقوى بحريّة في القارة. يتيح هذا للإمبراطورية مهاجمة أي دولة تشاطئ البحر وقت ما تشاء. لا تجرؤ أي قوة على مواجهتهم في المياه."
كان زيك على علم بالأدوار المختلفة التي تلعبها العائلات النبيلة في الدفاع عن الإمبراطورية. ومع ذلك، لم يكن مدركاً لمدى تفرّد العائلات في مجالاتها الخاصة.
سأل زيك: "إذن ماذا عن عائلة فويِركْرانتس؟"
ابتسم مكسيليان.
"يشكل سحرة النار أغلب القوات النخبوية للإمبراطورية. وهم أشاوس بلا مهابة في القتال. لعلّك لاحظت أن سحرة النار تميل فتيلتهم للقصَر وعادة ما يكون معاشرتهم غير مستساغة؟"
أطلق زيك شخير ازدراء. كان ذلك انطباعه تماماً عن أغلب سحرة النار.
واستطرد مكسيليان: "أؤمن بصدق أن سحرة النار قد خُلِقوا للحرب. ففي أوقات السلم، لا تجد عدوانيتهم الفطرية منفذاً. وهذا ما يجعلهم متوترين وسريعي الغضب. أما في ساحة المعركة، فعلى النقيض تماماً، يمتلكون كل الصفات التي ترغب فيها في الجندي. لم أرة قط ساحراً نارياً يفر من معركة. فشجاعتهم، وقوتهم، وحتى عدوانيتهم تجعلهم مقاتلين مثاليين. ما من عائلة أخرى تجسد تلك الصفات أفضل من عائلة فويِركْرانتس."
أربك هذا الثناء العالي زيك. لم يكن يظن أن لمكسيليان مثل هذا الرأي الرفيع في عائلة فويِركْرانتس.
سأل زيك: "لكنّك هاجمت ديارهم في العاصمة مباشرة! كم يمكن أن يكونوا أقوياء إذا استطاع ساحر واحد اقتحام المكان هكذا؟"
سخر مكسيليان من هذا السؤال.
قال مكسيليان: "لا تستخف بالعائلات الأربع الكبرى، بني. السبب الوحيد الذي جعلني أنفد بجلدي من تلك الحماقة هو أن أقوى السحرة منشرون بالفعل. الهجوم الوشيك يتطلب معظم نخبة الإمبراطورية."
سأل زيك: "إذن كم أنت قوي مقارنة ببقية السحرة الأعدام؟"
طالما راوده الاهتمام بالوصول إلى جواب هذا السؤال. بدا العجوز غير مهاب لأحد في الإمبراطورية سوى الإمبراطور نفسه.
أعلن مكسيليان: "أنا على الأرجح بين العشرة الأقوى. لكن هناك عدداً من السحرة الأعدام ممن يمكنهم هزيمتي في قتال فردي. وأنا أعلم يقيناً أن كل واحدة من العائلات الكبرى تمتلك واحداً منهم على الأقل."
هتف زيك: "كيف يُعقل ذلك؟ كنت واثقاً جداً حين وقفت في وجه ريتشارد فويِركْرانتس. أكنت تتهدّد باطلاً؟"
سأل مكسيليان بنبرة حائرة: "ريتشارد؟ لا، لا، لا، يمكنني سحق ذلك الجرو ويداي مربوطتان خلف ظهري. وحتى لو هاجمني الساحران الأعدام اللذان خبأهما معي لانتصرت أيضاً. بسهولة."
ورمق مكسيليان زيك بابتسامة متوحشة. حدق فيه زيك مذهولاً. لم تكن لديه فكرة عن وجود المزيد من السحرة الأعدام في مسرح الأحداث، لكن لم يكن ذلك ما أدهشه أكثر من أي شيء آخر.
سأل: "إذن لماذا هو بطريرك العائلة إن كان بهذه الضعف؟"
قهقه مكسيليان على كلمات زيك الفظة.
"إنه ليس ضعيفاً، بل شاب وحسب. ريتشارد في الثالثة والثلاثين بعد المائة من عمره فقط. ولم يغدو ساحراً أعظماً سوى منذ نحو ثلاثين عاماً. إنه أقوى بكثير مما كنت عليه في سنّه، لكن واأسفاه، أنا أنيف عن خمسمائة عام. كيف له أن يجاريني؟"
سأل زيك: "إذن لماذا هو بطريرك العائلة؟"
قال مكسيليان: "نادراً ما يشغل منصب البطريرك الشخص الأقوى في العائلة. كلا، البطريرك مجرد واجهة علنية. أغلب القرارات المهمة يتخذها الشيوخ، لا البطريرك."
كابد زيك لابتلاع كل ما أخبره به مكسيليان. إن كانت العائلات الكبرى حقاً متفردة في مجالاتها كما زعم العجوز، فلا عجب إذن أن يسمح لها الإمبراطور بالإفلات بأي شيء تقريباً.
سأل زيك: "إذا كانت الإمبراطورية بهذه القوة، فلِمَ لم نغزُ القارة حتى الآن؟"
شرح مكسيليان: "تسيطر إمبراطورية أركانهايم على المساحة الأكبر من بين سائر البلدان بفارق شاسع. ومع ذلك، تظل قاصرة مقارنة بمساحة الدول الأخرى مجتمعة. تلك هي حقيقة وضعنا الحالي. انضمت معظم الدول إلى التحالف ضد الإمبراطورية عند هذه النقطة. ليس هناك دولة واحدة لم تدرك الخطر الذي نمثله في هذه المرحلة."
حدق زيك في معلمه بذهول.
"أفنحن أعداء لكل دولة أخرى إذن؟ لم تكن لدي فكرة عن أن الإمبراطورية مكروهة هكذا عالمياً!"
قال مكسيليان: "اهدأ، زيك. لم تتكتل الدول الأخرى ضدنالأنها تكره الإمبراطورية. لقد فعلت ذلك لأن الإمبراطورية أصبحت قوية للغاية. ولأصبح الأمر ذاته حيال أي دولة أخرى تصادف وجودها في مكاننا."
سأل زيك: "أتقول إن سبب تحالفهم هو الضرورة فحسب؟"
وافق مكسيليان: "يمكنك قول ذلك. أنا لا أزعم أن الإمبراطورية لا تمتلك أعداء حقيقيين. إيكينوكس وفالور تكرهان الإمبراطورية حقاً. لكن ليس هناك دولة واحدة في الوجود ليس لها أعداء."
استوعب زيك قدر ذلك. كانت هناك أشياء كثيرة يمقتها في الإمبراطورية، لكنه لم يعلم مكاناً سواه. وكما قال مكسيليان، لعلها كانت لتكون أسوأ. والوقت وحده سيحدد ما إذا كان بمكانه مؤازرة الإمبراطورية بفخر. عادت أفكار زيك إلى المشكلة القائمة.
سأل: "إذن، برأيك ما هو أفضل مسار عمل أتبعه؟"
"هناك أمران يجب عليك فعلهما. أولهما أن تخفض رأسك في الوقت الحاضر. لا مزيد من الخطابات الدرامية، لا مزيد من استفزاز العوام، لا شي. أتستطيع فعل ذلك؟"
وافق زيك فوراً. كان هذا ما سيحاول فعله بغض النظر. فقد كانت لديه موهبة مؤسفة في البروز، وفي أغلب الحالات حتى الآن، لم يجنِ سوى العناء من جراء ذلك.
سأل زيك: "وما الأمر الثاني؟"
قال مكسيليان وهو يمنح زيك ابتسامة متواطئة: "الأمر الثاني هو أن تحقق نبوءتك بنفسك."