لم يجبْ زيكُ تساؤلَ رولاند فوراً، بل تفحّص ساحرَ الأرض من رأسه حتى أخمص قدميه. ارتسمت على وجه رولاند ابتسامة خبيثة وهو يردّ النظرة بمثلها، متّكئاً على إحدى الطاولات بينما يحتسي شرابه باسترخاء. أوحى الاحمرار الخفيف في محيّاه بأن ما يشربه كحولٌ مسكر.
سأل زيكُ: "أواثقٌ أنت من رغبتك في الشرب؟ ستواجهني في الجولة القادمة."
أجاب رولاند باستهتار: "آه، لا بأس! سيقوم معالجٌ بتطهير الأثر قبل النزال. ثمّ, ربّما لن أحتاج إلى ذلك حتى أمامك."
قبض زيكُ كفّه إلى جنبه، ثمّ بسطها بعد هنيهة. هكذا كان أسلوب رولاند تماماً؛ يحاول استفزاز خصومه قبل القتال ليرفع حظوظه. وهذا سبب فوزه الوحيد على رونا في جولته السابقة.
قال زيكُ: "أمتيقنٌ أنت من صواب هذا؟ أعتقد أنه يجدر بك الكفّ عن ألعابك الذهنية مع ساحر أذهان، لئلا تفضح نفسك أكثر. يعلم الجميع هنا كيف تمكنتَ من التقدم يا رولاند. كنا جميعاً هناك حين هاجمتَ بيتر بغتةً أثناء المعركة الكبرى."
جاء دور رولاند ليجزّ على أسنانه. لم يكن استفزاز ساحر الأرض بالأمر العسير، فالفتى مشهورٌ بحِدّة طبعه على أي حال.
هسّ بردّه من خلال أسنانه المصطكة: "وما المانع؟! لم يكن سوى عاميٍّ جاهلٍ بقدره!"
أدرك غلطته فور تفوّهه بها. وفي اللحظة التالية، كان ليو هناك. اقترب من رولاند وحدّق فيه بنظرات تتقد غيظاً.
طالب ليو: "ماذا قلت للتوّ؟ ما رأيك أن تعيدها في وجهي؟"
لم يردّ رولاند فوراً. كاد زيكُ يلمس تروس العقل وهي تدور خلف عينيه. أوقع رولاند نفسه في مأزق. لم يننوِ افتعال شجار مع ليو، لكن كبرياءه أبى عليه سحب كلامه والاعتذار. تملّك زيكُ الفضولُ لمعرفة كيف سيتعامل مع الموقف. أسيحاول تهدئة الأمور؟ أم سيلقي باللوم على الكحول؟ أم...
صاح رولاند بصوت أعلى ممّا ينبغي: "سمعتني جيداً أيها الوضيع! قلتُ إنّ ذلك الفتى لم يكن سوى عاميٍّ. وما كان له أن يحاول حجز مقعدٍ لنفسه في النهائيات."
صلبت نظرات ليو.
وقبل أن يأتي بأي حركة، بادر زيكُ بالكلام مجدداً: "ما تعنيه؟ حسب آخر عهدي، تتبنّى عائلة نبيلة بيتر."
سخر رولاند: "عائلة من سحرة الطبيعة. بالكاد يستحقون لقب نبلاء. لكن هذا موضوع آخر. أنتم الفتيان المُتبنَّون تظنون أنكم نبلاء لمجرد السماح لكم بحمل اللقب؟ يعلم الجميع أن الأعضاء المتبنين ليسوا سوى خدمٍ للمهمات تجمّل أسماؤهم. عاميٌّ البارحة، وعاميٌّ اليوم."
صُعق زيكُ لهذا الاعتراف الصفيق. أهكذا هي الحال حقّاً؟ أهكذا تعامل بقية العائلات النبيلة سحرتها المُتبنَّين؟ التفت حوله فرأى الكثيرين يغضون أبصارهم. بدا أن في دعوى رولاند شيئاً من الصحة على الأقل.
عارض زيكُ: "إن صحّ هذا، فكيف اختيرت ميراندا فيلنروفر ممثلةً للعائلة لا أحد النبلاء بالولادة؟"
لوّح رولاند بكفّه استخفافاً: "تلك استثناء. أحد الكبار في العائلة يميل إليها، لا أكثر. ولن يغيّر ذلك حقيقة أنها لن تظفر بأي منصب نفوذ. أحسن الأحوال؟ تتزوج أحد نبلاء العائلة الحقيقيين."
بدا أن رولاند استعاد ثقته بعد زلّته السابقة. رمق زيكُ بابتسامة تحدٍّ وضاعف مساعي استفزازه.
"تعلم، أنا لا أُحسد صديقتك تلك حقاً. ما اسمها مجدداً؟ ميني؟ ميلي؟ لا، كان اسماً آخر... آه صحيح: ليلي! وافقت على الزواج من صامويل لمجرد أن تتبنّاه العائلة. وذاك رجل ذو طبع شرس، دَعني أخبرك."
لم يتأثر زيكُ بالاستفزاز. حسمت ليلي أمرها بنفسها ولن يشفق زيكُ عليها لأجل ذلك.
رد زيكُ بسخرية: "يا له من كلام يأتي منك. لم أقبلْ بعد بمن هو أشسّ طباعاً منك. لا عجب أنك تعجز عن إقناع أي فتاة بالزواج منك رغم لقبك النبيل المُعظَّم."
أثار تعليق زيكُ بعض الضحكات الخافتة. استشاط رولاند غيظاً. حدّق في زيكُ وكاد يسطو عليه، لكنّه تمالك نفسه في اللحظة الأخيرة. تنفّس عميقاً ورسم ابتسامة مصطنعة على وجهه من جديد.
قال رولاند بنبرة لزجة: "من يدري؟ ربّما لم أجد الفتاة التي تعجبني بعد. وبمناسبة أخرى تماماً، أتلكم أختك هناك؟ كم عمرها؟"
اختبأت مايا خلف تانيا. لم يعجبها طالع الفتى الأكبر منها وهي ترمقها. لكن لم يطول بها العذاب تحت نظراته إذ تقدم ليو ليقف أمام الفتاتين حاجزاً إياهما عن الرؤية.
سأل من بين أسنانه: "ألَيْس لديك حياء؟ أيها الحيوان القذر."
بلغ الغضب بزيكُ مبلغه. كيف جرؤ رولاند على زجّ أخته في الأمر؟ أظنّ أن هذا سيهبُه الفوز بالنزال؟ إن أفضى الأمر لشيء، فلن يفضي إلا لتكرار معركته الأخيرة.
صاح رولاند في الحضور: "يا للروعة! انظروا إلى المنحدرين من أصل عاميٍّ يتكاتفون. كأنكم عائلة سعيدة واحدة. ألا ترون ذلك يا رولاند؟"
لم يظنّ زيكُ أنه سيظفر بأي سند من أحد هنا. ولدهشته، تكلم أحدهم منتصراً له.
قال إميل غوتهاند: "أعتقد أنه لشرف عظيم لأختك أن تصهر عائلة إيرهير، يا إزيكييل. لا أدرِي لِمَ تراه إهانة."
زاد استشاطة زيكُ كلامُ إميل. آمن الفتى حقّاً بأن صيرورة مايا دميةً لنبيلٍ كرولاند شرفٌ لها. بذل كل طاقته ليضبط مشاعره. وبدا الأمر عسيراً إذ كان قلبه يقرع في صدره وشعر بجسده بأسره يتهيّأ لقتال.
سأل بنبرة هادئة بقوة: "أهكذا تسير الأمور؟ إذن ما رأيك بهذا: سأمرّ بعائلتكم لاحقاً وأصطحب جمعاً من أخواتكم. من يدري؟ قد يعجبني إحداهنّ."
صاح إميل: "ما كنت لتجرؤ!"
وقبل أن يسترسل، مقاطعا إياه زيكُ.
"ولِمَ لا أجرؤ؟ أنا الوريث الأول لعائلة فون هوهينهايم. لا يرقى مقامك لمقامي، ولا يدانيني بطريرككم. فما أنت فاعل حيال ذلك؟"
رمق إميل زيكُ بنظرة حارقة وعجز عن الرد. وفي المقابل، هدأ زيكُ قليلاً وتابع بنبرة أكثر ليونة.
"لا ترمقني هكذا يا إميل. حجتك تلك لا حجتي. يستحيل أن أقدم على فعل كهذا. لست وحشاً فجّاً على أي حال. أتمنى فقط أن يصدق هذا على كل الحاضرين هنا،"
قال زيكُ ملقياً نظرة صوب رولاند.
سخر رولاند: "كما توقعت. إلى متى ستظل مختبئاً خلف ظهر مرشدك؟ العجوز لن يدوم للأبد، أتعلم؟ حذارِ ممّن تختاره خصماً يا 'زيكُ'. متى انفضّت عنك تلك الحماية، سيصطفّ الناس طابوراً ليقتصّوا. وحينها، قد لا تُؤخذ أختك وحدها."
اكتفى زيكُ من هذا العبث. تقدّم خطوة أمام رولاند، كاد يعجز عن كبح نفسه عن خنق الفتى في مكانه ولساعته.
"هذا آخر تحذير لك! إن أتيتَ على ذكر عائلتي مرة أخرى فأقسم أن أجعل غاية حياتي محو عائلتك من الوجود."
بدأ رولاند بالقول: "كيف لك أن-"
لكن زيكُ بتر كلامه.
قال زيكُ وهو ينتزع الكأس من يد رولاند: "أظنّ أنك يجب أن تكفّ عن الشرب الآن... قبل أن تردي نفسك قتيلاً."
ثمّ أفرغ محتوى الكأس فوق رأس رولاند. راقب بلا مبالاة السوائل وهي تقطر على وجه الفتى وتلطّخ درعه.
كاد رولاند ينفجر غضباً حين انطلق صوت من خلفهما: "ما الذي يحدث هناك؟"
صرخ رولاند: "أبي! هذا العاميُّ يتجرّدأ فيدّعي تهديد عائلتنا! ما فكّرت فيه إلا اقتراح زواج بيني وبين أخته. وإذ به يهذي بقتلنا أجمعين. لقد جُنّ ساحر الدماء!"
طاف بصر أبي رولاند بين الطلاب الحاضرين. أبصر ليو واقفاً بحماية أمام تانيا ومايا. تفقد وجوه النبلاء الأحفاد. غضّوا جميعاً أبصارهم. وبدا جلياً أن ثمّة ما يحاك في الخفاء. ورغم ذلك، لم يكترث الرجل كثيراً.
قال الرجل: "تلك كلمات جسيمة يا إزيكييل. إنّ مجرد تهديد عائلة نبيلة لجريمة، أتعلم؟ أرى أن الأجدر بنا التحقيق في هذا الأم-"
قاطعه أحدهم إذ لفّ ذراعه حول عنقه. التفت البطريرك بملامح منزعجة. مَن ذا الذي يجرؤ على مقاطعته في هذه اللحظة؟ بعد أن التفت جانبياً لم يبصر سوى جدار من الشعر الرمادي. صعدت عيناه إلى أن وقعتا على الوجه المتصل بتلك اللحية. كان ماكسيميليان يرمق الرجل من فوق بنظرة صارمة.
"لا حاجة لأي تحقيق يا كلاوس. إزيكييل يتحدث باسم عائلته. إن تجرأ أيّ من مسوخ إيرهير القذرين على استهداف مايا مجدداً، فستكون هناك عواقب. لتكن الأمور بالغة الوضوح: حين أعني عواقب، أعني أنني سأقتل كل واحد منكم بنفسي."
بدلاً من بطريرك إيرهير، أجاب أحدهم: "ليس من شأنك تأديبهم يا ماكسيميليان. إن كانت لديك مشكلة مع عائلة إيرهير، فيمكنك مناقشتي فيها."
أطلق ماكسيميليان الرجل والتفت. أتى الصوت الأجشّ العميق من بطريرك شتاينر. فقد أتى برفقة غالبية النبلاء ليستطلعوا ما يجري. وبصفته المسؤول عن سحرة الأرض في الإمبراطورية، لم يستطع غض الطرف عن هذا التهديد.
سأل ماكسيميليان بصوت حواري: "أهذا صحيح؟ إذن عدّ هذا إخطاري الرسميّ بالشكوى."
قال بطريرك شتاينر وهو يومئ نحو هيئة رولاند المبللة: "ممّا تتذمر؟ يبدو لي أن فتاك هو من بادر بالإساءة."
أراد زيكُ التوضيح، لكن ماكسيميليان رفع ذراعه إشارةً له بالصمت.
التفت إلى ديفيد وقال: "لا تجهد نفسك يا زيكُ. جعلتُ ديفيد يراقبك. أنا على دراية بما جرى."
بُهت زيكُ. لم يلحظ تتبع ديفيد له قط. أكان الرجل يراقبه؟ تفقّد تسجيلات عقله للتجمع فوجد أن الرجل كان في نطاق وعيه طوال الوقت تقريباً. عليه إيجاد طريقة أجدى لإبقاء هذا تحت السيطرة. وقبل أن يتسنى له إمعان التفكير في هذا أكثر، بادر ماكسيميليان بالكلام. رفع ماكسيميليان إصبعاً وبدأ يعدد شكاواه.
"أولاً: أدلى الفتى بادعاءات بحقّ السحرة المنحدرين من أصل عاميٍّ لا أوافق عليها. أعتقد أن حرف قوله كان 'خدم المهام تجمّل أسماؤهم'. وبصفتي ساحراً من أصل عاميٍّ، فهذا يمسّني."
بدأ ماكسيميليان برفع إصبعه الثاني: "ثانياً: هو-"
قاطع بطريرك شتاينر: "حسبك. أرى أن إهانات تودلت من الطرفين. وأعتقد أن الأفضل أن يحلّ الفتيان مظالمهم في الحلبة. أليس هذا موافقاً لرغباتك أيضاً؟"
صمت ماكسيميليان ههنا برهة.
وبعد تنهيدة، أجاب: "تعلم، طالما فخرت بامتلاك تقارب الأرض. أغلب سحرة الأرض قوم أطهار كادحون. وحتى إن آثرت عائلة شتاينر العزلة جُلّ الوقت، فما زلتم متمسكين بمبادئكم. لا أعي لِمَ تتركون هذا الفتى يفلت بسلوكه. نعلم اثنَاننا أنه لا يجلب لنا نحن سحرة الأرض سوى العار باستخدامه تلك الأساليب."
حان دور بطريرك شتاينر ليصمت. وحين تكلم تالياً، شعر زيكُ أنه يلمح بصيص حزن في نظراته. كانت هذه أكثر لحظة رأى فيها الرجل معبّراً.
بدأ يقول: "أحياناً... النتائج هي وحدها ما يهم."
وما إن قال ذلك حتى التفت وابتعد. وبدا جلياً أن هذا كل ما سيفصح عنه في هذا الصدد. وهدأ ماكسيميليان بدوره، وبدا العجوز مستغرقاً في تفكير عميق. في هذه اللحظة دخل يورغل الغرفة مجدداً. تنبه للأجواء المشحونة لكنه آثر تجاهلها بعد نظرة سريعة حوله.
هتف بنبرة مفعمة بالحيوية: "حسناً، آن أوان البدء بالمقابلات. ما رأيك أن تأتي معي أولاً يا إزيكييل؟ الحشد يتوق لسماع صوتك منذ أدائك في المعركة الأخيرة!"