تغيّر الجوّ ما إن غادر الثلاثة المنطقة الخاصة. امتلأت الاستراحة عن آخرها. كان بعض الطلاب يشربون قرب المجرى. وكان آخرون يقفون في طابور مائدة الرهانات. وكان أغلبهم يسترخون مع أصدقائهم في إحدى مناطق الجلوس المنفصلة. غير أنّ زيك ما إن وطئت نواته الموقع حتى خفتت الهمهمات والتفت الناس ليطيلوا النظر إليه. لقد اعتاد نظرات البعض من حين لآخر، لكنّ هذا كان مستوى آخر تماماً. بدا له أنّ كل طالب قد توقف عما يفعله ليشخص ببصره نحوه.
حتّى زيك شعر بالانزعاج من هذا القدر من الاهتمام.
صاحت فيولا: "ألم تروا رجلاً وسيماً من قبل؟ ما رأيكم لو تتحلون ببعض الحياء وتدعونه للخروج حين لا أكون أنا وصوفيا بجانبه، ها؟"
أثّر كلامها فوراً إذ صرف معظم الناس أنظارهم. احمرّت وجوه بعض الفتيات وهنّ يحوّلن أبصارهنّ بخجل. أما الفتيان فأداروا رؤوسهم بسرعة جعلت زيك معجباً بهم. تجنبوا بعناد النظر في اتجاهه. لم يكونوا مستعدين لتحمل مخاطر إحداث أي سوء فهم بشأن ميولهم. أومأ إزيكييل برأسه شكراً لفيولا، فردّت ساحرة الريح بابتسامة قططية.
نفخت صدرها وكأنها تقول: "دعوا الأمر لي".
شقّ الثلاثة طريقهم نحو مائدة الرهانات وانخرطوا في الطابور. ظلّ بعض الطلاب المحيطين يتصرفون بتجهم طفيف عند اقترابهم. بيد أنّ معظم التوتر قد تبخر. لمرّة أخرى، لمرّة أراد زيك ألا يمنح الطلاب سبباً إضافياً لنبذه. كانت حادثة قصر فوييركرانز والنزال مع ألكسندر قد رسرتا عنه صورة معينة بالفعل. لم يرغب في أن يخافه زملاؤه. أدرك زيك أنه لم يُحسن صنعاً بأدائه في النزال الأخير.
كان هدفه الأسمى محاولة قلب الصورة التي ربطها الناس بسحرة الدماء. لقد علّموهم في الصف أنّ سحرة الدماء وحوش كاسرة. إنهم يتوقون ظاهرياً إلى دماء أعدائهم ولا يفهمون حتى معنى كلمة الرحمة. استرجع إزيكييل نزاله وقطب حاجبيه.
لو كان عليه وصف أدائه في جملة واحدة لاستخدم عبارة: "وحش كاسر لا يفهم حتى معنى كلمة الرحمة".
منهكاً، حنى كتفيه ونتظر في الطابور صامتاً. ربما لم يكن أفضل سفير لسحر الدماء بعد كل شيء. قضى وقته في الإنصات للفتيات عوضاً عن ذلك. كانت فيولا وصوفيا أمامه، تتحدثان عن حظوظ النزال القادم. لقد طوّرت الثنائية نظامهما الخاص للرهان. كانت ساحرة الريح الثرثارة تمدّهما بكل المعلومات التي جمعتها. أما صوفيا بعقلها اللامع فكانت تستوعب كل ذلك ثم تحدد مسار عملهما. كانت الاثنتان ناجحتين تماماً في قماريهما.
نادراً ما راهنتا بمبالغ كبيرة مع ذلك. لقد كان الأمر أشبه بلعبة بالنسبة لهما. يتشارك هذه العقلية معظم الطلاب المحيطين. لم يكن الرهان سوى طريقة لإظهار معرفتهما ورؤاهما. والألعاب يجب أن تكون ممتعة في النهاية، لذا راهن أغلب الطلاب بما اعتبروه نقوداً معدنية في جيوبهم. زالت حالة زيك المزاجية السيئة فور وصولهم إلى مقدمة الطابور. كان أمين السجلات يرمقه بنظرة حانقة. زادت هذه اللفتة من حماس زيك أكثر فأكثر.
بوعين متطلعين، رمق الطالب الأكبر سناً. أنّ أمين السجلات باحباط. ومع ذلك، بعد لحظة تفكير، برزت تعبيرات متأملة على وجهه. عزم على تحويل هذه الخسارة إلى فرصة. أخذ نفساً عميقاً، لاملئ رئتيه عن آخرهما قبل أن يعلن بصوت عالٍ.
"بدأ إزيكييل فون هوهنهايم رهاناته اليوم بمبلغ ضئيل قدره ألف قطعة ذهبية. ومع ذلك، وقبيل نزاله الأخير، كان قد جمع بالفعل ثروة قدرها خمسة آلاف وخمسمائة قطعة ذهبية! لقد امتلك هذا الطالب الذكي البصيرة والجرأة ليراهن بكل شيء على نفسه. ومع احتمالات بلغت واحد وثلاثات من مئة، أصبح الآن المالك الفخور لمبلغ مذهل قدره تسعة آلاف وستمائة وخمس وعشرون قطعة ذهبية!"
علت الهتافات وصيحات الإذهال من كل حدب وصوف عند هذا الإعلان. لم يكن زيك معتاداً على إعجاب أقرانه، واحمرّ وجهه قسماً. ابتسمت له فيولا التي رأته يتصرف بخجل. كان واثقاً من أنها ستشاكسه بهذا في الأيام القادمة. أشار أمين السجلات بيديه ليهدئ الحشد. يبدو أن لديه المزيد ليقوله.
أعلن الفتى لإرباك الجميع: "لسوء الحظ، شارفت سلسلة انتصارات إزيكييل على النهاية".
"يجب علينا، في دار رهانات الخزانة، الالتزام بقواعدنا. لا يمكن لأي مشارك سوى ربح مبلغ إجمالي أقصاه عشرة آلاف قطعة ذهبية في اليوم الواحد".
قبل أن يحظى الحشد بأي وقت للاستجابة، تابع الفتى خطابه بصوت أعلى.
صاح الفتى: "قد تنتهي سلسلة إزيكييل، لكن هذا يعني فقط أن بطلاً جديداً سيأخذ مكانه".
أشار إلى طالب سمين في الحشد وسأل: "أستكون أنت، الشاب السيد شتاينر؟ أم ربما أنتِ، الآنسة فيلينرويفر؟"
بعد لحظات، كان الحشد قد نسي تماماً إقصاء إزيكييل غير العادل. ومن كل مكان، ارتفعت أصوات تعلن بصوت عالٍ أنها البطل القادم. قلب زيك عينيه إزاء الاستراتيجية الذكية لأمين السجلات. لم يجعل الفتى من المستحيل على زيك الرهان فحسب، بل استغل هذه الفرصة أيضاً لإثارة الغوغاء. كان أمين السجلات يبتسم له بتعبير ظافر على وجهه. على الرغم من أن زيك كان منزعجاً قليلاً من التكتيكات التي استخدمها الفتى الأكبر سناً، فإنه لم يحمل ضغينة حقيقية.
لقد ربح مبلغاً فلكياً من المال من رهاناته. وبعد انتهاء الجولة الأولى، لن يتبقى سوى السحرة الأكثر وعداً. لما تجرأ زيك على الرهان بمبالغ كبيرة على مباريات الدور ربع النهائي على أي حال. لقد تعلم من نزال كاتيا برينبار أن العائلات النبيلة استثمرت بكثافة في متسابقيها. من يدري مدى دقة بياناته القديمة لهؤلاء المتسابقين حتى الآن؟ بعد إجراء بعض الحسابات السريعة في ذهنه، وضع زيك رهاناً على إدموند شتاينر.
لقد كان متأكداً من الفائزين في النزالين المتبقيين. تضمنت كلتا المباراتين أحد أشقاء فيلينرايتر الأربعة. كان زيك واثقاً من أن سابرينا وماتياس سيخسران نزاليهما على التوالي. لقد راهن بالمبلغ الدقيق لتغطية الذهب المتبقي البعدد ثلاثمائة وخمسة وثمانين في حال فوز إدموند. إن كان الحد الأقصى عشرة آلاف قطعة ذهبية فتلك هي الكمية التي سيبلغها. لن يتخلى عن فرصته في الحصول على أعلى مبلغ ممكن من المال من هذه الفرصة.
عاد الثلاثة إلى حلبة النزالات الخاصة بهم وانتظروا بدء النزال التالي. أعلنت فيولا بحماس أنها تستطيع بالفعل التنبؤ بنتيجة أي نزال. بعد دقائق قليلة، بدأ يورغيل إعلانه. خطا المقاتلان إلى الحلبة، وواضح من وقفتهما وحدها مستوى ثقة كل منهما. بدت سابرينا فيلينرايتر مستسلمة، وقد انحنى كتفاها وارتسمت على وجهها تعبيرات جادة. مشى إدموند شتاينر وقد رجع كتفاه إلى الوراء وخرج صدره.
ورغم أن تعابير وجهه ظلت صارمة كالمعتاد، فلم يكن هناك أي توتر في ملامحه. لم يعد إزيكييل يولي اهتماماً بالنزال بعد الآن. لقد كان متأكداً من أن سابرينا لن تتمكن حتى من كشف أوراق إدموند الرابحة. عوضاً عن ذلك، انشدّ بصره إلى شيء آخر. في حشد المتفرجين من العوام، لمح زيك وجهاً مألوفاً. كاد زيك لا يصدق عينيه واستمر في التحديق. في المؤخرة تماماً للمدرجات، محشوراً بين رجلين سمينين، جلس ليو.
تساءل زيك إلى أين هرب صديقه طوال هذا الوقت، إذ لم يره في الاستراحة. كانت الاستراحة مخصصة للنبلاء، لكن زيك لم يصدق لثانية واحدة أن هذا كان عائقاً ليو. لم يكن صديقه المفضل للفوز بالبطولة فحسب، بل كان محبوباً بشكل لا يصدق في الصف أيضاً. كان من السهل على ليو الجذاب العثور على شخص ليحضره إلى الاستراحة. تساءل زيك لماذا قرر صديقه البقاء مع العوام عوضاً عن ذلك. وبعد لحظة تفكير، قرر الذهاب والسؤال وحسب.
فلن يفوت أي شيء مهم للغاية من خلال عدم مراقبة النزال الجاري على أي حال. شرح زيك نيته للفتاتين ووعد بالعودة قريباً. وبعد حسم الأمر، غادر استراحة النبلاء على عجلة. كانت لديه فكرة عامة عن كيفية الوصول إلى قسم العوام. وبعد أن ضل طريقه بضع مرات وسأل عن الاتجاهات مرتين، وصل أخيرًا إلى وجهته. لقد رأى من الشرفة أن هناك مخرجاً بالقرب من موقع ليو. حين خرج إلى المدرجات، ضربته فجأة عاصفة من الأحاسيس.
كانت هناك صيحات عالية وشتائم في كل مكان. كان هذا مختلفاً تماماً عن جو الاستراحة الذي اعتاد عليه في اليومين الماضيين. جلب المناخ الصاخب ابتسامة على وجه الفتى. تذكر زيك احتفالات رأس السنة في بلدته. لم يكن المزارعون يشربون غالباً في الأيام العادية، فالعمل الشاق والاستيقاظ المبكر يعملان كواذع. لكن هذا يعني فقط أنه في المناسبات الخاصة، مثل المهرجانات، يتحولون إلى شياطين.
الحس التالي الذي ضربه كان أقل ترحيباً. كانت هناك رائحة لا تُطاق في الهواء. كان مزيجاً من العرق والأوساخ، والسوائل المسفوحة، والطعام المتساقط. كاد زيك يتقيأ وهو يتنشق العبير. جعلته ظروفه الأخيرة يستحم ثلاث مرات في اليوم بعد التدريب. لقد كاد ينسى مدى سوء رائحة الناس العاملين. بتطبيق سريع لـ [التحكم المثالي في الجسد]، خفض حاسة الشم لديه تماماً لتصل إلى عشرة في المئة تقريباً من الحساسية.
شاعراً بالارتياح، أطلق أنفاسه المحتبسة ومسح المحيط بحثاً عن صديقه. وقبل أن يتمكن من تحديد موقع ليو، وجد أن العديد من المحيطين كانوا يحدقون به. لقد جذب شعر زيك الأحمر اللافت انتباه الأقربين إليه. اكتفى الحشد بالتحديق فيه وبدأ بعضهم حتى بالهمس خوفاً. شعر إزيكييل بالحزن للطريقة التي نظروا بها إليه. كان هناك رعب واضح في أعينهم. لكن الخوف لم ينبع من تقاربه مع الدم هذه المرة بل من مكانته كنبيل.
سأل صوت: "هل يمكنني مساعدة سيادتك في شيء؟"
التفت زيك لينظر إلى المتحدث. كان رجلاً عجوزاً، حنى رأسه فوراً حين وقع بصر زيك عليه. ظل الرجل في تلك الوضعية، وظهره منحنياً. بدا جسد الرجل المتقدم في السن عضلياً مع ذلك. إنه لبنية جُمعت من العمل الشاق، بلا شك. تساءل زيك عما إذا كان العجوز عاملاً في منجم. لقد تحدث إلى بضعة منهم من قبل، وكانوا شعباً مرناً وقوياً. درس وجه الرجل بعد ذلك، بينما ظل رأسه متجهاً نحو الأرض. تحدثت التجاعيد في جميع أنحاء وجه العجوز عن حياة من المشقة والخسارة.
قال الرجل: "نحن مجرد أناس بسطاء نحاول الاستمتاع بالعرض. لا نريد أي متاعب".
قال زيك: "أرجو أن ترفع رأسك يا سيدي. سيضرب أبي مؤخرتي عندما يعلم أنني أجعل عجائز مثلك ينحنون لي".
فوجئ الرجل بكلمات زيك، لكنه بعد لحظة رفع رأسه مع ذلك. وعند رؤية الابتسامة الودودة على وجه الفتى، زاد ذهوله. لم يكن مألوفاً أن يتحدث نبيل بهذه الطريقة إلى العوام.
بدأ قائلاً: "اسمي إزيكييل، إزيكييل من فيلستاد، وليس سيداً"، لكنه قطب حاجبيه فوراً بعد ذلك.
"أظن أنني أدعى إزيكييل فون هوهنهايم الآن، أليس كذلك؟ لكن هذا لا يغيّر من أين أتيت! "اصغ إلي أيها العجوز.
كنت أجرف روث الخيول بنفسي قبل أقل من عام، لذا لا تتجول منادياً إياي بالسيد". بدأ الحشد بالتمتمة فور سماع تعريف زيك لنفسه. لقد كان متأكداً تماماً من أنه سمع عبارة تنين الدم من أكثر من اتجاه واحد. لم يلق الفتى بالاً للحشد إذ كان نظره منصباً وحده على العجوز. بدا الرجل المعني غير متأكد من كيفية التصرف. نظر إلى وجه زيك بشك، وبدو أنه اعتقد أن سلوكه كان تمثيلية. تنهد إزيكييل وخطا أمام الرجل العجوز. رفع ذراعه اليمنى أمام جسده. في بلدته، كانت هذه هي التحية المعتادة. عوضاً عن المصافحة الأكثر تهذيباً التي يستخدمها النبلاء، كانوا يشبكون سواعد بعضهم البعض. قال زيك: "حيث أتيت، من المعتاد أن يُعرّف المرء عن نفسه بعد أن يخبره الطرف الآخر باسمه". حرّك إزيكييل أصابعه بمشاكسة أمام الرجل. درس الرجل العجوز وجه زيك وبدأ أخيراً بالضحك وهو يمسك الساعد المعروض. أعلن الرجل العجوز بصوت عالٍ: "أصبت يا بني!
أصبت! لدينا العادة نفسها هنا. اسمي فيليكس.
إنه لشرف لي أن أتقابل مع تنين الدم بنفسه!"
كانت المصافحة بين الرجلين بمثابة إشارة للحشد المحيط إذ استرخى الناس جميعاً. تحول الجو بحيوية فجأة، بل وصاح بعض الناس تشجيعاً لزيك. تقدم الكثيرون نحوه ليتمنوا له الحظ السعيد. شعر إزيكييل بالارتياح لتمكنه من التواصل مجدداً مع الناس العاديين. في اللحظات الأولى، حين رأى الخوف في أعينهم، شعر وكأنه فقد جزءاً هاماً من نفسه. لقد حاول معلمه دائماً أن يكون بطلاً للجماهير، ولم يرغب زيك في نسيان جذوره أيضاً.
في اللحظة التالية، شعر بأن أحداً ينقر على كتفه. التفت فرأى ليو يحدق به.
سأل ليو: "ماذا تفعل هنا يا زيك؟"
رد زيك: "هذا ما جئت لأسألك عنه في الواقع. لماذا لست في الاستراحة مع بقية الناس؟"
فكر ليو في الأمر لبرهة ثم أشار لزيك نحو مدخل الملعب. بدا وكأنه يريد التحدث عن هذا في بيئة أكثر خصوصية. بابتسامة، لوّح زيك مودعاً فيليكس والحشد المحيط وهو يتبع صديقه إلى الممر.