مضطرة للطيران الفصل 42

اقرأ مضطرة للطيران الفصل 42 باللغة العربية على مانجا تايم.

*وجهة نظر كاترينا*

هبطت سيريما على الحافة العليا بينما اختار أندار وركوتا الحافة الواقعة مباشرة فوق المساحة المكشوفة. بعد تفحص دقيق لخط الأشجار، انحنى ركوتا ليسمح لي بالنزول.

قال لي: "سنقضي الليلة هنا".

وعلق أندار: "أنا ذاهب للصيد. هل تمانع في مراقبة راندل ريثما أغيب؟"

أجاب ركوتا: "بالتأكيد".

قال التنين الأخضر وهو يشرع في الطيران فوراً: "سأحضر شيئاً للأكل من أجل البشر".

حجب راندل عينيه بيده اتقاءً لتيار الهواء النازل من جناحَي أندار، ثم تمطى والتفت متفرساً. أشرق وجهه حين لمس بصره كومة الحطب الهائلة في الأسفل.

"سأشعل النار!"

ركض في الاتجاه الآخر ليصل إلى المنحدر، ومضى يختفي رويداً تحت الحافة وهو يهبط نحو المرج.

راقب ركوتا ما يفعله بامتعاض وعلق: "إن لم يكن حذراً، فسيرمّد الغابة برمتها".

اقتربت من الحافة أكثر وأنا أقدر المسافة الفاصلة بين الحطب الجاف والوقد.

"الحطب قريب جداً من نوع النيران التي يحب إشعالها".

لم يمضِ سوى يومين على إحراقه ملجئي عن طريق الخطأ، وكانت المسافة أبعد بمرضعين آنذاك. لو استقرت شرارات في الأغصان الجافّة، فقد يجد راندل نفسه أمام نار أكبر بكثير ممّا كان يطمح إليه. تنهد ركوتا باستسلام.

"أنتعاون لضمان ألا تتحول هذه إلى مشكلة؟"

كان منع كارثة نشتعل فيها من جديد فكرة سدّاد.

"إن استطعتَ نقل كومة الحطب الكبيرة بعيداً، فسأتكفل أنا بتنظيف بقايا الحطب الصغير".

صمت مطولاً.

"هذا يكفي".

جعلني نبرة صوته المشحونة ببعض الإحباط ألتفت للوراء نحو التنين الأحمر، الذي كان يقطب جبينه ناظراً إلى الفارس وهو يشعل النار في عيدان صغيرة. ورغم كلامه، لم يحرك ساكناً للنزول إلى المرج. كنت أنا أيضاً مترددة في النزول، لكن مرد ذلك أن الشمس لن تغيب لخمس ساعات على الأقل، ولم أكن أشعر برغبة حقيقية في الجلوس والثرثرة مع راندل طوال تلك المدة.

سألت محاولة إلهاء الساعات الطويلة الآتية: "أيتورط التنانين الصغار بمثل هذا القدر من المشاكل؟"

أمال رأسه بتفكر.

"في الواقع، ربما بأكثر من ذلك".

استفسرت بتردد، متمنية ألا يأخذ الأمر بحساسية بعدما طرح أسئلة كثيرة حول عائلتي: "ألديك أطفال؟"

كنت أعرف أن التنانين تبيض، ولكن ليس أكثر من ذلك. بدت صورة التنانين الرضع الصغار وهم يتدحرجون ويتصارعون مثل الجراء لطيفة لدرجة تمنعني من عدم السؤال عنها. جلس ولف ذيله حول قدميه الأماميتين بتأمل.

"لا، رغم أن سيريما وأنا نأمل في إنجاب بعضهم ذات يوم، ويفضل عاجلاً لا آجلاً. وهذا في الواقع مرتبط بما كنت أنوي طلب مساعدتك فيه".

عقدت حاجبيّ.

"كيف ذلك؟"

رفع يداً وثنى مخاليبه.

"تحتاج الصغار إلى مساعدة في التفقيس، ومخاليبنا ملائمة لشق ناغا نصفين أفضل بكثير من مساعدة صرصور صغير على التحرر. تستغرق قشورهم أسابيع لتصلب، وحتى ذلك الحين، يكون جلدهم رقيقاً تقريباً مثل جلدك".

سألت وإن كان الأمر منطقياً: "يحتاجون إلى مساعدة في التفقيس؟"

ربما كانت بيوض التنانين ذات قشور سميكة جداً، وكان الأبوان ليؤذيان صغارهما غالباً إن محاولا مساعدتهما على الخروج. لم تكن أظافري الكليلة تشكل أي تهديد لقشور التنانين، بغض النظر عن مدى نعومتها.

"نعم، وتضطر التنانين للاعتماد على البشر في ذلك".

تصارع إغراء رؤية تنين صغير مع خطر اكتشاف التنانين أنني منبع سحري. لم تدم المعركة الداخلية طويلاً. لم أجرؤ على الانكشاف.

سألت محاولة إيجاد حل بديل: "ألا يمكن لأحد الفرسان مساعدتك؟"

"لا أستطيع تخيل براندن يرفض. حتى راندل سيساعد على الأرجح إن طُلِب منه ذلك".

تمتم ناظراً نحو الأفق البعيد ثم التف لي: "أتمنى لو كان الأمر بهذه السهولة".

ثم عاد لينظر إلي.

"للسحر قواعد. غير مريحة في الواقع. تمنع بعض هذه القواعد الفارس من مساعدة التنانين الأخرى في هذا النوع من الأمور. لقد أقلعتُ عدداً لا بأس به من البشر في مرسى التنانين، لكنك حتى الآن الوحيدة التي التقيتُ بها وأظن أنني أستطيع وثوقها لمساعدة أطفالي".

فتحت فمي ثم أغلقته. كيف كان مفترضاً بي الرد على كلام كهذا؟ حدقت عيناه فيّ برقة، وبدتا كأنهما تلمعان تقريباً.

"أنت أول إنسان رأيته يرفض قط ذهباً أو عروض تعاويذ. سيتقاضى أغلب النبلاء ثروة ويتذمرون حين يكتشفون عدم وجود قلعة أو فراش وثين في عُش تنين. لم نتمكن من المجازفة بطلب مساعدة ساحر أو جندي لاحتمال احتجازهم الطفل رهينة، أو تعويذه، أو ربما قتله حتى انتقاماً لما فعله تنين آخر. لقد عرضتِ حياتك للخطر لردع الساحر المظلم حين أراد فقء عينيّ. أنت أول إنسان أثق به حقاً".

بقيت صامدة، عاجزة عن صياغة كلمات. كانت حياتي حياة راحلة، ولم أعد أتذكر آخر مرة تحدث فيها أحد عني بثناء. لم يسبق أن قال أحد إنه يثق بي من قبل.

"القصص التي رويتها عن عائلتك وأقاربك هي نوع الذكريات التي تود سيريما وأنا صنعها، لكننا بحاجة للمساعدة".

خفض رأسه حتى كادت ذقنه تلامس الأرض وصارت عيناه بمستوى عيني.

"كات، عندما يحين الوقت، ستساعدين أطفالي على التفقيس؟"

أغمضت عيني، ممزقة بين مشاعري المتضاربة. بقدر ما رغبت في تفادي التنانين، عرفت قيمة العائلة. لقد انتُزعت مني أمي وأبي وشقيقتي، وما زال قلبي يؤلمني لتلك الخسارة. لم أستطيع فرض هذا النوع من الألم على شخص آخر، خصوصاً بعدما أخبرني بأنه يثق بي. لقد نجوت طوال هذه المدة دون أن أُكتشف، ولن تستغرق رحلة كهذه أكثر من بضعة أيام، بافتراض أنه تذكرني أصلاً أو استطاع العثور عليّ في المستقبل البعيد.

و... حسننا، أردت نوعاً ما رؤية عائلة أخرى تبدأ في بناء ذكريات مثلما فعلت، حتى وإن تعذر عليّ أن أكون جزءاً منها.

"نعم".

كان صوتي خافتاً، لكن بقرب ركota منه، استطاع سماعي. حين فتحت عيني، لاحظت أن عينيه تتوهجان. وقبل أن يتسع لي الوقت للتفكير، لفّني سحر بدائي عتيق. جمدني في مكاني؛ عجزت عن الحركة بينما تسلل إلى قلبي وروحي، رابطاً إياي بالتنين الماثل أمامي. ربما حالت دروعي دون استشعاره لسحري سابقاً، لكن الرابطة التفت حول كياني ذاته وجعلت تلك الدوع بلا جدوى. مثل ماء من سد منهار، تدفق سحري داخل الرابطة.

انتفض رأسه للخلف مندهشاً، إذ لم يتوقع السحر الكامن في أعماقي. السحر الذي بات بإمكانه استخدامه الآن. انكشف السر الذي كابدت طوال حياتي لإخفائه. خذلتني ركبتاي حين داهمتني التداعيات. باتت التنانين تعلم بوجود المنابيع السحرية مجدداً، وغدا مرجحاً تتبع أقاربي من أجل قوتهم الخفية. كل ذلك لأن أمري انكشف. هززت رأسي ببطء، محاولة نفي وقوع هذا حقيقةً، لكن سحري استمر في التدفق داخل الرابطة بلا قيود، معززاً الواقع.

لقد كانت رابطة فارس. لم أستطع حتى محاولة إنكارها. كان الرابط السحري دفئاً خفيفاً في أعماقي. استطعت استشعار حضور ركوتا بطريقة لم أختبرها من قبل. واصلت هز رأسي مذهولة، عاجزة عن إيجاد كلمات أو تفكير في أي وسيلة لإنقاذ هذا الموقف.

قال ركوتا أخيراً: "حسنًا... لم يكن ذلك متوقعاً".

همست، وما زلت على ركبتي بلا قوة تتيح لي مجرد التفكير في الوقوف: "أرجوك لا تخبر أحداً".

"أبكونك منبعاً سحرياً؟"

انكمشت لسماع الاسم منطوقاً بصوت عالٍ.

"نعم".

صمت لفترة.

"كل ذلك الترحال الذي قمتِ به. لم تكوني هاربة من نبيل حاقد. بل كنت تحاولين تفادي الانكشاف".

"لا أريد أن يُؤذى أقاربي لاحتمال انتمائهم لخط الدم هذا".

اهتز صوتي الهادئ، وما زلت أحاول التعافي من صدمتي. كنت مهتمة بسلامتهم وعافيتهم أكثر من اهتمامي برابطة الفارس في تلك اللحظة. لم يخطر ببالي أصلاً احتمال رغبة تنين بي كفارس، ولم أدرِ كيف أتفاعل مع ذلك الجانب من الأمور. كان التركيز على القلق بشأن أقاربي أسهل.

"يمكن إبقاء الأمر طي الكتمان الآن. لن تخبر التنانين البشر يقيناً، إن كان هذا ما يزعجك. كما أن تحديد موقع المنابيع السحرية ليس بالسهولة التي تبدو لك. كما رأيتِ، إن عزم منبع سحري على إخفاء قوته، فلن يسهل رصده بحواس السحرة، حتى عن قرب".

أطلق شخير خفيف.

"لم ألاحظ ذلك حتى، وكنت أحملك معي منذ كم يوماً؟ ناهيك عن كيفية تشتت أقاربك عبر القارة بأسرها على ما يبدو".

منحني ذلك بعض الاطمئنان، ولكن ليس بالكثير.

"لا يتطلب الأمر سوى همسة طائشة واحدة، ليُصطادوا ويُسجنوا من قِبل سحرة نهمين للقوة".

حمل تنهده الثقيل لمحة تضجر.

"سأبقيه طي الكتمان الآن، لكن أبناء التنانين سيعرفون قبل أن يمر وقت طويل. كما قلت، لن نخبر البشر. ولا نريد بالطبع أن يكتشف السحرة المظلمون أن أبناء جنسك لم يتلاشوا في كتب التاريخ. رغم أنك صرتِ فارساً الآن، فلديك حمايتي ضد أي أشخاص ذوي نوايا سيئة".

"أيمكن — أيمكن إلغاؤه؟ رابطة الفارس؟ ألا يمكنك اختيار شخص آخر؟"

لم أكن أعرف تداعيات الرابطة بعد، لكنها ستعيد لي قدراً من الحياة الطبيعية على الأقل، وكنت أتشبث بأي قشة بينما كانت حياتي تخرج عن السيطرة.

"لا. وحتى لو متّ، تمنعني قواعد السحر من اتخاذ فارس آخر أبداً. أنا أعتذر عن عدم السؤال مسبقاً. لقد حاولت، لكن القواعد لم تسمح لي بالحديث عن الرابطة، أو سؤالك، أو حتى السماح لبراندن بقول أي شيء قبل أن تصبي فارساً".

وأردف بنبرة ألطف: "أنت الفارس الوحيد الذي سأحظى به، كاتينا. من بين كل البشر الذين صادفتهم، اخترتُك أنتِ".

صعب الرد على أمر عظيم كهذا. منح استخدام اسمي كاملاً كلماته وزناً أكبر.

"لماذا؟"

كان ذلك كل ما استطاع عقلي المشوش الوصول إليه. استلقى بجانبي، رغم أنني لم أستطع رؤية وجهه لطريقة حدوقي المستمرة في الحصى أمام ركبتي.

"في الواقع، لعدة أسباب. وكما أشار عدة أشخاص، أنت الإنسان الوحيد الذي لم أرد تمزيقه بعد بضعة ساعات. كانت شخصيتك المتبسطة والمرتاحة عامل جذب. تعتدتِ على السفر وليس لديك أهداف فورية. لقد تآلفنا بشكل لائق الأيام الماضية، والأهم من ذلك أنني أثق بك. ونعم، أثق بك على أطفالي".

قلت وأنا أرفع نظري أخيراً محاولة بيأس فهم ما أُلقيت فيه أو إيجاد مخرج: "لكن لماذا تجعلني فارساً؟ كنت سأساعد بلا ذلك".

خفض رأسه مقترباً من رأسي ليتأملني.

وبنبرة ألطف بكثير مما ينبغي لمفترس يملك أسناناً أطول من يدي، قال: "لأننا لا نستطيع إنجاب أطفال ما لم يكن لأحد التنينين في الزوجين فارس. تخلق رابطة الفارس سحراً خاصاً يسمح للبيوض بالنمو. لا يعود الأمر لتعثرها في الخروج من القشرة فحسب، بل لن تنمو في البيضة أصلاً دون تطبيق أحد الأبوين سحر الفارس".

"لا نحب فرض روابط على البشر، لكن قواعد السحر تجعل ذلك ضرورة. أنا آسف لخداعك هكذا. كنت الوحيدة التي شعرت أنني أستطيع الوثوق بها. وبقدر ما تقدرين العائلة، أنا متأكد أنك تتخيلين كم ترغب سيريما وأنا في إنجاب أطفال يخصاننا. جوهرياً، أنت طفلنا الأول".

كل ما أمكنني فعله هو الحدق إليه. حتى رائحة الدخان القوية لم تستطع تشتيتي. لقد اختارني لأنه يثق بي، لا بسبب سحري، وهو ما منحني نوعاً غريباً من الارتياح. لقد فعل ذلك لأنه أراد عائلة، شيئاً لم أجرؤ على الحلم به لنفسي تحسباً لاكتشاف السحرة السحر الكامن داخلي يوماً. بدا حضور الرابطة كدفء رقيق بينما تدفق سحري فيها. لقد صرت فارساً الآن. وما من سبيل لتغيير ذلك. ولم تكن لدي أي فكرة عما يجب فعله.