*من منظور راكوتا*
رمقتُ السحرة بشرر وهم يتحلقون حول نار الطبخ ويفرغون من نصب خيامهم. كابحت عضلاتي القيود المسحورة وكأنني أحاول رفع جبل لا مجرد التخلص من حفنة حبال. لابد أنهم قضوا سنين في ابتكار التعاويذ المنسوجة على هذه الشبكة. بلغتُ سحري وشرست عني في زمجرة صامتة بينما كانت الأعشاب لا تزال تمنعني من استخدامه. كانت سراخس قاتلة السحرة نادرة إلى حد لم أَر فيه قط سوى خمس نبتات، لذا لم أتبين كيف أفلحوا في إيجاد ما يكفي منها لتخدير البحيرة برمتها. وما إن أتحرر حتى أتفقد المنطقة بحثاً عن المزيد من تلك النبتات اللعينة وأمحوها عن آخرها — بعد أن أنتهي من أمر هؤلاء الجراء المتهورين. غرزت مخالبي في التراب كأنه أجساد السحرة نفسها. كم تمنيت لو أن التنانين تستطيع إبادة كل البشر فحسب ولا تكابد حماقاتهم بعد اليوم! تشكلت تعذيبة النار في عقلي، ولكن مع تعطيل سحري بفعل السرخس المشؤوم، لم يحدث شيء. بزمجرة، كابحت الحبال مجددا، مستغرقاً في أوهام تتبع كل بشري فرد وإمحائهم عن وجه البسيطة. سيكون هؤلاء السحرة في المقدمة وبعد ذلك… تلاشت أفكاري وأنا أعلم أن التنانين الأخرى لن تسمح لي سوى بتدمير عدة مدن قبل أن توقفني. إذا انقرض البشر، انقرضت التنانين معهم. لكن شيئاً لم يشترط أن ندعهم يعيشون جميعا، وما من قاعدة سحرية منعتنا من قتل حمقى كهؤلاء. لعلهم وجدوا سجلاً لتعويذة الرباط الثلاثي الأيام — إحدى أشد ما ابتكر البشر — لكن رقاعهم عجزت فيما يبدو عن ذكر التعاويذ الأخرى اللازمة لإحكام قبضتي طوال تلك المدة. سيزول أثر السرخس مع الصباح وحينها سيتعلمون بأس التنانين الحق. سأهوي بخططهم فوق رؤوسهم وأتلذذ بالخوف في- رنين. انزلق سهم على الأرض وتوقف قرب يدي قاطعاً حبل أفكاري. حاولت التلفت، لكن الشبكة أحكمت وثاقي. انتظرت بضجر ريثما يحدث أمر غير متوقع. رنين. سهم آخر يصطدم بصخرة. كان سمعي حاداً بما يكفي لتعقب الأسهم المتباينة. على ما أستطيع ترجيحه، كان الرامي يسدد نحو الحبال لا نحوي. هذا إن فرضنا أنني سأشعر بسهم لو أصابني. مع كل سهم، تراكم نزر يسير من دَين السحر، واهٍ حتى بالكاد أدركه. انثنت شفتاي باحتقار؛ وحتى ومع تعذر استخدام سحري، كانت قواعد السحر تفرض رد المعروف. كان بوسعي تجاهل أمر كهذا بيسر ودون عواقب، خصوصاً أن الشخص لم يكشف عن نفسه. سيفترض السحر أنه آثر عدم الإفصاح عن هويته. انتظرت بنفاد صبر بينما راحت الأسهم تتقاذف في الهواء تترى دون أن يرتخِ أي من الحبال. ثم صمت. إن كان هذا أحدهم يسخر مني، فإني لأ- قاطع صوت خطوات حذاء جلدي متسارعة أفكاري، وقفز دين السحر فجأة صعوداً. بدا صوت انقطاع حبل كالموسيقى لأسماعي. ضعفت السحرة التي كانت تسمرني ولم تعد متزنة. بقدر ما لوعني الشوق لتمزيق ما تبقى من حبال التثبيت والشبكة، انتظرت. جازاني صبري الآفل بانقطاع آخر. ثم آخر، وآخر. وكل واحد منها زاد اختلال التعاويذ التي تحاصرني. تحركت بأقل قدر ممكن، متسائلاً عما إذا كان سكوني سيخدع البشري لقطع المزيد من الحبال. لم يعد هروبي موضع شك، ولكن إن قُطع بضع حبال أخرى، فسأفعل ذلك بأناقة. ترددت الخطوات ثم استأنفت وتيرتها العجلى. غدت الشبكة رخوة لدرجة أن الحبل لم يعد يصدر أي صوت عند قطعه. ظهر البشري أخيراً في مرأى عيني؛ شابة يفسد الهواء خوفُه. لم تفارق عيناها نيران المخيم وهي تهوي بسكينها على حبل تثبيت آخر. وبما أنها كانت على وشك الفرار نحو التلال ولم تعد الشبكة تقيدني البتة، فلم أجد جدوى من تركها تظن أنها هي من حررني. بزئير هز الأشجار، انتصبت على ساقي الخلفيتين ونشرت جناحي، مطيحاً بالشبكة البغيضة جانباً كحزمة عشب. هوى نصف السحرة على الأرض دهشة، ومثلهم منقذتي المفترضة. عاركت سحري، لكنه ظل بعيد متناولي. وما إن هممت بالاندفاع للأمام هجوماً بمخالبي، حتى تجمهر ثلاثة سحرة معاً وشرعوا بالترتيم وهم يرفعون حجراً مسطحاً نقشوا عليه رمشاً. تعرفت على التعويذة بوصفها ذات النوع الذي شلوني به أول مرة. لو كان سحري يعمل، لامتلكت فرصة ضئيلة لصد تعويذة بمثل هذه القوة، غير أن الخيار لم يكن مطروحاً الآن. ارتعشت عضلاتي بغضب مكبوت، ولكن واأسفاه، كان لزاماً على الانتقام أن ينتظر. لقد نجيت من قرن من المعارك بإدراك موعد الانسحاب وإعادة تنظيم الهجوم. ومهما كرهت ذلك، كانت هذه إحدى تلك اللحظات. وخز التحذير حواس سحري، منبهاً إياي إلى أن دَين السحر تجاه الأنثى كان أكبر من أن يُتجاهل. السحر يطلب التوازن. ما لم يُسدَد الدين، ستوهن تعاويذي ببطء مع مرور الوقت. بزمجرة غاضبة، اندفعت إلى الأمام واختطفت البشري وأنا أثب نحو السماء. انبسطت أجنحتي ونهشت الهواء، دافعة بي إلى أعلى. ودون سحري لإعانة تحليقي، راحت أجنحتي تجدف في الهواء عوضاً عن الانزلاق برشاقة كالعقاب. تبدد نحو نصف دين السحر ما إن أخرجت البشري خارج نطاق السحرة. نفخت بضجر حين تبين أن مجرد إنقاذها لن يكفي. في أوقات كهذه تمنيت لو أن السحر يطيق الإصغاء إلى العقل كي أحيطه علماً بأنه يهول الأمر فوق حده تماماً. استلزمت تعويذة رباط السحرة ثلاثة أيام وكان السرخس سيزول أثر مع الصباح. وحتى لو أفلحوا في إبطال سحري طوال تلك المدة، كانت عدة تنانين تقوم بدوريات منتظمة في هذه المنطقة. وإن لم يعثروا علي قبل إلقاء التعويذة، فمن المرجح أن أتمكن من تحرير نفسي، وإن لم يحدث، فستساعدني الدوريات. كان سيعد ضربة قاسية لكرتي ويستغرقني عقوداً لأتجاوزها، لكنه لم يكن خطراً مميتاً البتة. ورغم ثورتي الذهنية، ظل دين السحر على حاله، منحازاً للبشري التي خاطرت بحياتها لمساعدتي. هززت رأسي غاضباً. كان الإحساس المتململ ضد راحتي تذكيراً آخر بوجود البشري. لقد انطوت على نفسها بما يكفي لألف يدي حولها تماماً. ستشعر بضيق، لكنني على الأقل لن أقلق بشأن افلاتها من قبضتي. عقب احتكاكي الأخير بالسحرة، راودتني رغبة في قتل أي بشري أصادفه، لكن مع بقاء دين السحر قائماً، فإن مصرع هذه الواحدة تحديداً سيأتي ليرتد في ذيلي. الأفضل تسوية الدين سريعاً. لحسن الحظ، كان رشى البشر أمراً يسيراً، وقليل من الذهب أو تعويذة سيفي بالغرض. طرحت دين السحر من عقلي إذ كانت لدي أمور أشد إلحاحاً في الوقت الحالي، مثل المكان الذي سأتوقف فيه للمبيت. ومهما اشتد شوقي لبلوغ نقطة غرادون حيث يرابط محاربان طوال الوقت، فقد كانت أبعد من أن تُقطع تحليقاً دون معونة سحري. شعرت بالفعل بالإجهاد المتزايد في عضلات جناحي وكتفي. حاولت النفاذ إلى سحر تحليقي، الذي يشبه قدرة سحرية أكثر منه تعويذة حقيقية ولا يتطلب سوى أوهن خيوط الطاقة، ولكن لمزيد من مقاتي، لم يفلح أثناء سيطرة سرخس قاتل السحرة علي. نبتة حمقاء. سيصبح تحويل تلك السرخسيات اللعينة إلى فحم هوايتي الجديدة للعقد القادم أو نحو ذلك. تفحصت عيناي العتمة المرصعة بالنجوم مستحضراً كل محطة استراحة لائقة. خطر ببالي جرف معين، يقع بعيداً عن قرى البشر وطرقهم. سيفي بالغرض. وجهت تحليقي واكتسبت ارتفاعاً، باحثاً عن أي رياح تهب في ذلك الاتجاه. والآن وقد باتت لدي وجهة، عادت أفكاري لتطوف حول سحرة الظل واشتعل غضبي من جديد. ترددت زمجرة في صدري لدى تذكر الأمر. لم يقتصر الأمر على تخديرهم للمياه العذبة في إحدى أبرز محطات استراحتنا، بل تجرأوا على إلقاء تعويذة شلل علي ودبروا لتعويذة رباط. لا يتعلم سحرة البشر الحمقى أبداً، بغض النظر عن عدد من نقتل منهم أو من نسلخ بذور سحرهم نهائياً لنصنع بلورات مولدة للسحر لاستخدامنا الخاص. كل عقد أو نحوه، يقرر أحدهم أنه أرجح عقلاً من أسلافه أجمعين. وعوضاً عن فعل مجدٍ، كمساعدة في صد الناغا، راحوا يנסجون تعاويذ على تنين في سعيهم نحو السلطة والجشع. بدا جلياً أن الذكاء لم يكن موطن قوتهم. على أقل تقدير، وحد ذلك مجتمع التنانين ومنحنا قضية مشتركة. وأي ساحر يحاول فعلاً كهذا يُتعقب فوراً ويُحيد. وسيكتشف سحرة الظل الاثنا عشر في الوادي هذا عما قريب، لكنهم احتفظوا بتعويذة شلل مشحونة مسبقاً على الأقل، لذا سيكون السعي لمهاجمتهم بمفردهم ضرباً من الجنون. لم أكن أحمق. سيجرون الويلات جزاء أعمالهم.