*منظور كاترينا*
سار راندل بجانبي ممتعضاً. ما زال راسخاً في ذهنه أن عمال المناجم سيظنونه واحداً منهم. اعتذرت منه سابقاً وأخبرته أن ملابسه ليست متسخة إلى تلك الدرجة لكنه تجاهلني تماماً. عجزت عن تصديق أنني رميت تراباً رطباً على راكب تنانين — والتنين حاضر — وخرجت من الأمر سالمة. حين ظهرت القرية أمامنا استجدت لي مجموعة كاملة من الهموم الجديدة. والمشكلة الكبرى تمثلت في الراكب الذي يمشى إلى جواري وتحديداً في تعاليه.
لقد اختفت هذه النزعة بقربي منه لكنها عادت للظهور بمجرد أن تجاوزنا مسافرين آخرين. تأكدت من خلو الطريق ثم توقفنا.
قلت: "نحتاج إلى خطة. لا يمكننا دخول القرية معاً".
"نجد بعض الناس ونطرح الأسئلة. ما صعوبة الأمر؟"
"لن يتحدث العمال إليك إن اقتربت منهم بهذه الطريقة. علينا أن نكون أكثر دهاء..."
تلاشت كلماتي وأنا أدرك أن هذه الصفة لا تنطبق على هذا الرجل أبداً مهما حاول جاهداً. تنهد وعقد ساعديه منتظراً بضَرَر. زمجرت شفتاي إذ ذكرتني وقفته بفئة معينة من الناس كنت أتجنبها دائماً في ترحالي.
"هل سبق وتحدثت إلى محصل ضرائب؟"
"هم لا يزعجون ركاب التنانين"
أجاب وكأن الإجابة بديهية.
"حسنناً أنت لا ترتدي ملابس راكب الآن. لا بد أنك دفعت ضرائب في مرحلة ما".
"أجل..."
تخلصت من حقيبة ظهرى وبدأت أنقب في محتوياتها.
"حسناً انفض ما علق بملابسك من تراب قدر الإمكان لتبدو وكأنك حاولت التنظيف. ستتظاهر بأنك محصل ضرائب وتطالب المسؤول بالإيصالات. إليك بعض الورق وقلم رصاص. احرص أيضاً على الاستعلام عن دخل دور الضيافة وعدد النزلاء الحاليين وما يدفعونه. سيفرضون أسعاراً أعلى على السحرة لامتلاكهم المال دائماً. دوّن التفاصيل... يمكنك الكتابة أليس كذلك؟"
"بالطبع"
أجابني باختيال.
"لا تقصد الإساءة. أغلبهم لا يتقنونها. أراهن أن حفنة قليلة في هذا المكان بأسره تستطيع القراءة".
بدا أن هذا أرضاه فأكملت: "لا تسأل عن السحرة. ركز فقط على أوراق الضرائب وعائدات دور الضيافة. ستدخل القرية قبلي وسأرى إن تمكنت من انتزاع مزيد من التفاصيل من العمال. تظاهر بأنك لا تعرفني إن تقاطع طريقنا. أفهِمْت؟"
"أظن ذلك. وماذا أفعل إن لم يدفعوا ضرائبهم؟"
ألم يمتلك هذا الرجل أي ذرة إبداع تذكر؟ يبدو أنه خالٍ منها...
"اسأل عن أي شيء قد يدر عليهم دخلاً. وخصوصاً تلك الدور... آه واسأل عن النفقات مثل تعاويذ السحرة. ثم أخبرهم أنك ستعرس شخصاً لاحقاً لجمع المال. تحدث لأطول فترة ممكنة".
"حسناً. أهذا كل شيء؟"
"أظن ذلك. حظاً سعيداً"
قلت له. وكان سيحتاج إليه حقاً. مضى نحو القرية ممسكاً بالورق والقلم والتعالي في مشيته لدرجة جعلتني أتسااءل عما إذا كان محصل ضرائب حقاً في يوم من الأيام. منحته سببقاً ثم سرت ببطء على الطريق جارة خطاي بوهن وكأنني أسافر منذ ساعات طوال. حين دلفت إلى القرية كان راندل يُقتاد إلى المبنى الأكبر فيها. وما إن خلا الجو وغاب عن وجهي حتى التفت حولى مترقبة إلهاماً أو فرصة.
"أيمكنني مساعدتك يا أنسة؟"
سألت امرأة وهي تنشر غسيلاً رطباً على حبل.
"أهناك أماكن للطعام هنا؟"
سألت بتهذيب.
"لا مانع لدي من الاستراحة لساعات بعد هذا المشي".
"دور الضيافة خاوية إن كنت تبحثين عن فراش"
أجابت: "ولدي خبز محمص طازج في الداخل".
"يبدو رائعاً. كم تطلبين ثقناً؟ لا أملك مالاً كثيراً. أينفع جلد أرنب؟"
"أربعة أرغفة إن كان مدبوغاً جيداً".
أخرجت الجلد الذي لم يكن "مدبوغاً بما يكفي"
فحصلت على ثلاثة أرغفة فحسب. بدلاً من أن تبقى للثرثرة كما أملت ودعتني بالسلامة وأباحت لي الاستراحة على درجات شرفتها إن أردت. هذا ما أسفرت عنه محاولتي. دسست الأخباز في حقيبتي وواصلت التخبط في القرية. تفحصت دور الضيافة عن بعد لكن الأبواب الأربعة حملت لافتات خشبية تحمل رمز الشغور معلقة على مقابضها. أيمكن أن يكون السحرة يقيمون في مكان أقل وضوحاً؟ حط بصري على مدخل منجم خارج القرية مباشرة حيث دفع نفر من الرجال عربة محملة على القضبان.
صرخت العجلات احتجاجاً وهم يدفعونها نحو مبنى ضخم خرج منه رجال آخرون لسحبها إلى الداخل. بدأ دافعو العربة يشقون طريقهم نحو القرية وهم ينفضون الغبار عن أنفسهم. تفحصت محيطي بسرعة مخمنة أنهم يتجهون نحو مسقى خيل مرتفع ذي مياه عكرة نوعاً ما. توجهت سريعة وجلست على جذع شجرة قريب وأخذت أرتشف الماء ببطء من قربتي كمن تستريح في زاوية منعزلة. صدق حدسي؛ اقترب الرجال وأخذوا يرشون الماء على وجوههم وأذرعتهم.
إن ظن راندل أن ملابسه كانت متسخة فهو قطعاً لم يرو عاملاً عن قرب. لقد تراكم التراب والغبار على ثيابهم لدرجة تقشرت معها طبقات منها مع كل حركة.
حين شرعوا في تجفيف أنفسهم بخرق سلّوها من تحت المسقى علقت قائلة: "كان هناك تنين يحوم ناحية الجنوب بالأمس. أمارّ من هنا أيضاً؟"
"ذلك الأخضر الضخم؟ أجل مر مرات عديدة. وكان على ظهرة راكب أيضاً".
"أكان ضائعاً؟"
سألت مميلة رأسي كمن استبد به الحيرة.
"رأيته مراراً أنا الأخرى. لكني لم أره اليوم".
"أستبعد ذلك. بدا وكأنه يبحث عن شيء".
"أو شخص"
تمتم رجل آخر وهو يرمي نظرة خلفه نحو مدخل المنجم. على قدر رغبتي في سؤاله عما يعنيه تعاملت مع الأمر بحذر شديد.
"غريب. أتخيل ما قد يبحث عنه تنين بكل هذه الشدة".
هز الرجل الأول كتفيه.
"مجهول".
وحسم نبرته انتهاء الحديث.
"ما هي القرية القريبة جهة الشمال؟ أتعرف إن كانت تملك غرفاً شاغرة؟"
سألت منتقية أسئلة يرجى أن المسافرين طرحوها مراراً من قبل.
"أداكانث هي المحطة التالية"
أجاب الرجل بود أكبر.
"لست متأكداً من أمر الغرف. تسعة سحرة عبروا خيلاً وربما حجزوا كل الغرف هناك أو في قرية أخرى. إن بقيت هنا فزوجتي تمتلك دار ضيافة وأسعارها مناسبة إن أردت قضاء الليلة. لديها فخذ غنم على النار إن كنت تبحثين عن العشاء".
كان هذا الترويج المبطن مألوفاً في قرية صغيرة ذات مدخل محدود وخصوصاً حين يحظى أحد الأقارب بفرصة كسب بعض المال.
اعتذرت بلطف قائلة: "آسفة لكن الوقت منتصف النهار فحسب وأنا واثقة من قدرتي على بلوغ قرية أخرى على الأقل. يبدو اليوم جميلاً حتى الآن".
"على حرارة الجو هذه سنحظى بعاصفة إحدى هذه الليالي"
علق الرجل الثاني.
"وعلى أي حال طاب لك المقام".
"شكراً لكم".
تفرق الرجال نحو منازل متفرقة بحثاً عن الغداء غالباً. جلست لوقت أطول مستمتعة بالمنظر ظاهرياً بينما كنت أراقب المنجم حقيقة. دخل المزيد من الرجال وخرجوا لكن أياً منهم لم يرتد رداء السحرة المعهود. امتطى تسعة سحرة الخيل متوجهين شمالاً لذا فقد توصلت إلى هذا القدر على الأقل.
وأشار تعليق أحد الرجال إلى أن "شخصاً ما"
يختبئ في المنجم. لكن اين البقية؟ كان عددهم إحدى عشرة على الأقل أو ربما اثني عشر. نهضت باحثة عن شخص آخر قد يوافق على الحديث. وفي طريقي صادفت مسافراً آخر يسقي بغله قرب بئر.
"أجئت من الشمال؟"
سألت.
"كيف هي الطرق؟"
"جيدة بما يكفي. الطريق جاف رغم كثرة أثر العربات في بعض البقاع".
"أرأيت تلك المجموعة الضخمة من السحرة المارة؟"
"أرأيتها؟ كادت تدفعني عن الطريق من جراء اندفاعها وسط الدرب!"
"بدوا في عجلة. تسعة على ما أظن".
"كانوا تسعة بالفعل. كانت خيولهم مزبدة لذا فلن يقطعوا مسافة طويلة ما لم يحصلوا على حوامد جديدة في محطتهم القادمة".
أتاحت لي ثرثرة إضافية تحديد القرية التي قاربها. وبعد مجاملات قليلة وتمنيات له برحلة سعيدة عدت أفتش عن محلي ثرثار. بدت أكثر من نصف المباني مساكن للعمال الذين كانوا في المناجم غالباً. عادة ما تعج القرى بالنساء والأطفال المشتغلين بشؤونهم اليومية غير أن هذا الموقع التعديني افتقر إليهم بصورة مذهلة.
حين مررت بجانب مبنى انفتح النافذة إلى جواري وسأل راندل: "أيمكنني المغراد الآن؟"
"امنحني وقتاً أطول"
همست متلصصة من خلفه ومسترخية قليلاً لدى رؤيته داخل مكتب خال تطايرت الأوراق في أرجائه.
"توجه تسعة سحرة شمالاً وأعتقد أن واحداً على الأقل يقبع في بئر المنجم وما زلت أحاول تبين مكان البقية. دور الضيافة فارغة".
"انظري ما وجدته"
قال بصوت خفيض وهو ينحني ملتقطاً معول منجم.
"لديهم هنا عود تنانين لتنظيف الأسنان!"
لو لم يكن جاداً تماماً لضحكت. كل ما أمكنني فعله هو التحديق فيه بعدم تصديق. انفتح الباب خلفه فاستدار مسرعاً مخفياً المعول وراء ظهره. انحنيت واصلت سيري ملقية نظرة حولى للتأكد من عدم لمحة أحد تلك الحركة المريبة. كان النفر الموجود في مجال الرؤية موجهين وجوههم باتجاهات مختلفة. تنهدت بارتياح ومضيت.
دوى صوت راندل عبر النافذة المشرعة: "أرى ثلاثة مداخل للمناجم على الأقل وعربتين ممتلئتين دُفعتا بالفعل نحو الأسفل. كيف تفيد سجلاتكم أنكم تتلقون أربع عربات محملة فقط كل يوم؟"
حاولت ثلاثة أصوات مرتبكة الإجابة معاً. تجولت في الشوارع طامعة في العثور على أحدهم للثرثرة لكنني عدت بخفي حنين. كان أغلب من مررت بهم منهمكين في العمل ولا يبتغون مقاطعة. بينما كان آخرون قادمين أو مغادرين ولخطاهم غاية محددة. جلست على مقعد خشبي جذعي متأملة القرية متسائلة كم مرة يمكنني اجتياز الشوارع ذهاباً وإياباً من غير أن أثير الريبة. انفتح باب المبنى الكبير ليخرج رجلان ملوحان براندل نحو الخارج وسط انحناءات مبالغ فيها.
عبس في وجوههم والتفت بصرة مستقراً عليّ. حركت أصبعي مشيرة إلى الطريق. عاد بصره نحو الرجلين.
"حسناً. أعيدوا الإحصاء. لست مسروراً باضطراري لقطع ذلك الطريق نزولاً وضياع ما تبقى من يومي لذا فمن الأفضل لسجلاتكم أن تتطابق مع دفاترهم لدى عودتي!"
انطلق هائجاً دون انتظار ردي. قررت أن جولة بطيئة أخرى حول القرية لن تضر وخصوصاً إن أبعدتني عن أعين الرجال في الوقت الراهن. أخذت وقتي في زيارة المرحاض ومضخة المياه ولما عجزت عن اختلاق عذر آخر للتسويف عدت إلى الطريق. ظهر رجل ثالث من المبنى وظل الثلاثة واقفين على الشرفة يتحدثون ويلوحون بأيديهم في هياج. وبما أن الرجال راقبوا الطريق الجنوبي احتياطاً لاحتمال عودة محصل الضرائب الحاد سلكت الاتجاه المعاكس.
حاز راندل على كل المعلومات التي جمعتها ولن يحزنني أن ينسى راكوتا أمري بتيسر الأحوال. مع اختفاء القرية عن البصر نقبت في حقيبتي وأخرجت حصة طعام درب. من الأرجح إبقاؤها مخفية حين يكون راندل قريباً لأنه سيأكل منها عدة حصص في جلسة واحدة غالباً. وبينما كنت أمضغ غردت الطيور بسعادة بين الأشجار صانعة أجواء هادئة. أخرجت أحد الأرغفة مستمتعة تماماً بالخبز الهش. وما إن أتممته حتى عبر ظل ضخم الطريق أمامي.
حام راكوتا ثم هبط خلفي.
"اصعدي. راندل وأندار في طريقهما بالفعل لاستجواب القادة ومعرفة عدد السحرة الكامنين في تلك المناجم. سنشن الهجوم قبل أن يتسنى لهم الاستعداد".
تجمدت في منتصف خطوتي.
"أرأيتم؟ ماذا لو واصلت المسير ونمضي في طريقين مفترقين؟ أو تجدني لاحقاً؟"
حدق بي بنظرة حارقة.
"اصعدي. أو سأحملك بيدي. اختاري".
جف حلقي ولم تستلطف أي من الخيارين. لم أرد الوجود قرب تنانين أو سحرة أثناء إلقائهم للتعاويذ أو خوضهم للقتال! بدأ هدير يتشكل في صدره وضاق بصره مع تزايد ضيقه. عجزت عن حمل قدمي على الحراك. وحين خفض رأسه أغمضت عياني بقوة منتظرة عاجزة عن الحركة. حل الصمت وهب نفس تنين ساخن من الأعلى.
"الفرصة الأخيرة".
لم أرغب في أن أُحمل وبذلت ما بوسعي لدفع قدماي للحركة رافضة رفع بصري نحو الرأس الماثل فوقي مباشرة. وما إن بلغت جانبه حتى استدعت خبرتي السابقة كأنها رد فعل آلي سامحة لي بالتسلق دونه سقوط. بالكاد ثبت السرج حتى وثب في السماء بضربات جناحين قوية. ولم يفلح ذلك في تبديد الهلع المتأصل في قلبي.