*منظور كاترينا*
لم يكن كافيا أن أعرف أن السحرة قد يستعملون سهما لتعقب خطاي، بل كان الفارس نفسه الذي رأيته في المدينة هنا الآن. أخفيت اضطرابي بسرعة حين وقعت عيناه عليّ. أقبل نحوي متباطئا بينما أخذت التنانير تتحدث فيما بينها.
قال بصوت ودي يفوق ما توقعته: "أمعك طعام؟"
كذبت وأنا لست مستعدة لمشاركة المؤونة المخبأة في قاع حقيبتي: "عذرا يا سيّد، لا أملك شيئا".
ظهر عبوس على وجهه وهو يهز كتفيه ويدير ظهره لي: "سيّد؟ أه، لست فارسا".
سقط فكي من التغير المفاجئ في سلوكه. لم أدر أأشعر بالإهانة من تصرفه الطبقي أم بالارتياح لأني لا أريد الحديث إلى فارس. قررت مرغمة بعد ثقوان معدودات أن الصمت مفضل. مزعج، لكنه مفضل. عبثت بقطعة عشب ولمحت الغابة، غير أن راكوتا أوضح تماما أنه سيتعقبني إن اختفيت. وبما أني عرفت أن السحرة قادرون على تعقبي، فقد عرفت أيضا أن هذه المنطقة لم تكن آمنة إن ابتعدت عن التنانير.
علق الفارس قائلا: "يوجد حمام في تلك الشجرة. لو أطلقت عليها النار لطخناها ريثما ننتظر".
قلت بدل أن أعترف بسوء رميي الفظيع: "يمكنك استعارة قوس إن شئت".
تمتم متذمرا: "لا يسمح لي أندار بحمل أسلحة رمي. يقول إني أسأت استعمال الامتياز في مرات أكثر من اللازم".
كنت أصدق ذلك. لحسن الحظ غادر الحمام بسرعة وصوله.
عقد ذراعيه مع اختفاء الطائر: "هذا كل ما في الأمر بالنسبة لغداء متأخر".
التفت نصف استدارة ليراني وأمعن النظر في من أعلى لأسفل: "لماذا جرتك التنانير إلى هنا؟"
انتهى أمر الصمت.
هززت كتفي: "ساعدت راكوتا وربما صار ورائي سحرة الآن. سيعطيني مطية إلى مدينة أخرى".
"آه، أنت التي ساعدته على الإفلات من سحرة الظل. لم يكن قادرا على تركك وراءه، ليس مع-"
استمر فمه يتحرك من غير أن يخرج أي صوت. لم يبد مهتما بأي خطب، فلم أعلق على الأمر، خصوصا لشكلي في أن تننا سحر تعويذة. كان بإمكاني سماع طيور الغناء والتنانير، لذا كان صوته وحده هو الذي عجزت عن سماعه.
عاد صوته: "-لذا يحق لنا الآن محاولة مطاردة هؤلاء السحرة".
تمتمت: "لا أتطلع حقا إلى هذا الجزء".
إن كان جمع من الناس سيبدأون قذف التعويذات، فلم أرد أن أكون في الجوار، لكن بدا أنه لم يكن لدي خيار يذكر.
"اعتبري الأمر مغامرة فحسب. فلن نخوض المعركة أنا وأنت. سنكتفي بالمشاهدة".
"لست مقاتلة ماهرة، لذا فلعلي الأفضل".
قررت تغيير الموضوع فسألت: "أظنني رأيتك في المدينة الواقعة شمالا بالأمس أم أني أخطئ؟"
قال وهو ينفخ صدره: "سيكون هذا أنا. ما من فارس آخر مربوط بتنّين أخضر الآن".
تساءلت إن كان هذا الشاب يهوى الهذر كبعض الناس. إن كان يتحدث فلن أضطر أنا.
"كيف سارت زيارتك؟"
فتح ذلك أبواب السد.
"كان الطعام جيدا. ودائما ما يكون كذلك. خبز طازج، وبط محمر ومرقة-"
واصفا كل صنف طعام ومشروب، وكثير منها لا يزين سوى موائد النبلاء والملوك. إن كان قد تذوق حقا كل تلك الأشياء، فلعجب كيف بقي قادرا على المشي.
سأل في النهاية: "ما أفضل طعام تذوقته بحياتك؟"
تأملت الأمر برهة محاولة تفكر شيء لا يبدو كوجبة عادية.
"كان هناك بسط سوق في ميركيل يبيع لحما مشويا، وكانت كباب لحم الخنزير لديهم الأفضل على الإطلاق".
"هاه. لم أشتر طعام من السوق أبدا. ما من سبيل لمعرفة الحيوان الذي أتى منه متى ما فرم".
"كان لهذا البسط سمعة طيبة ويمكنك رؤيتهم يقطعونه خلف البائع".
أعدت توجيه الحديث إليه: "أرأيت الملك؟"
"أجل، رحب بي. أعطاني دعوة للانضمام إلى الرقص في الجناح الشرقي أو تناول ما أشاء من قاعة الولائم. يتطلب الرقص حركة مفرطة، وكنت جائعا فذهبت لآكل. كان هناك بعض النبلاء الأصغر سنا؛ جماعة كثيرة الكلام جدا و-"
نعم. لقد كان ثرثارا بحق. أنصت بأذن واحدة وتعبير مهتم متكلف بينما كنت أراقب التنانير خلفه. حين رفعوا رؤوسهم جميعا، فعلت مثلي. كان تنين أحمر — أفتح ظلا من راكوتا — ينزلق هابطا نحو الشاطئ. سمحت لي القرون بالتعرف على الوافدة بوصفها أنثى أخرى. استقبلت راكوتا بعد هبوطها بنطحة رأس ودية على كتفه بادلها إياها. نظرت إلى السرج الفارغ ثم رمت نظرة متشكسة نحوي.
لاحظ الفارس أخيرا أني لا أولي انتباها وتبع نظري قائلة: "آه، لقد وصلت أخيرا. يمكننا البدء الآن. سررت بالحديث معك. سنحظى بوقت أطول للحديث بحلول المساء على الأرجح".
بدأ المشي نحو التنانير من غير انتظار رد. راقبته وهو يمضي، محتارة بشيء من أمر الفارس وغير متأكدة إن كنت أريد الاقتراب من التنينين الأحمرين اللذين بدا وكأنهما يعقدان نوعا من لم الشمل. رمقني راكوتا بنظرة محددة لم أجد صعوبة في تفسيرها بوصفها إشارة لي للتحرك. مشيت مرغمة بينما حلقت التنانير البرتقالية والأرجوانية والخضراء بأسرها. بعثر الهواء المنحدر من أجنحتها غرتي وجعلني سعيدة بأني ضفرت بقية شعري.
سألت التنينة الحمراء وهي تميل رأسها بفضول: "إذن أنت التي ساعدت راكوتا؟"
انحنيت برأسي بعدم يقين: "أجل، آه، سيدتي؟"
أكان مفترضا بي قول سيدتي أو لقب آخر؟
ضحكت على توتري ونفضت أجنحتها: "انسي أمر سيدتي هذه وناديني سيريفا فحسب".
تململ راكوتا وتذمر بفتور قبل أن أتمكن من صياغة رد: "اصعدي".
بدا تسلق حزام الأسباب أيسر من محاولة التحديث مع التنّين شديد الفضول، فتسلقة بسرعة لأجد نفسي أقرب إلى مستوى رأسها الآن. شغلت نفسي بربط الحزام بينما راقبني التنانير باهتمام بالغ.
تمتمت: "يمتلك البشر أيد مرنة جدا".
صدمت جناح راكوتا بجناحها وقالت: "لنذهب للبحث عن هؤلاء السحرة. سنحظى بوقت وافر للزيارة الليلة. أتفقد المنطقة بين النهرين، أليس كذلك؟"
"أجل".
وثبت إلى الجانب بنهدة سريعة واستخدمت زخمها للقفز في الهواء مكتسبة ارتفاعا بسرعة. رمقني راكوتا بنظرة أخيرة وحلق بدوره.