اختبأ الخضريون في ركن الإسطبلات حيث العربات التي جاؤوا فيها. عندما نقل زادين سكيرت سحراً في المرة الأولى، لم يروها، فمنحها ذلك لحظة لتراقب. كانت توقعت جنّيّات فتيان مغرورات، غرباء تستطيع الصرخ في وجوههم، أفراداً تستطيع رفضهم فوراً بوصفهم حمقى والمضي في حياتها. لكن، ومع وجود بعض هؤلاء حقّاً، كان الجمع خليطاً حقيقياً من كل الأنواع. خضريون طاعنون كان يجب أن يتقاعدوا، خصلات رمادية في شعرهم الأخضر.
صغار لم يتلقّوا أسماءهم بعد من مجلس شيوخ الخضريين. عجزى بلا أطراف، بينهم امرأة بلا يدين، قصة عقابها مطبوعة على ندوب ما تبقى من معصميها. بينما كان بقية أهل الشتاء الدائم يحتفلون، تكوّم هؤلاء معاً، وبدت وجوههم جميعاً شاحبة من جوع تكوّن على مدى سنوات. أمر لم يسببه تفويت بوجبات معدودات، ولم يصلحه تناول وجبات جيدة. وجوه عرفتها. وجوه نشأت معها. ضحكت معها. تقاسمت معها الطعام والذكريات.
كان يجب أن يكون الصيف وقت أكلهم الأفضل. حدّقت سكيرت، تراقبهم دون أن تخرج من الظلال، غارقة في مشاعر فاقت ما عرفت كيف تتعامل معه. شعور بالذنب. لوعة. إدراك جليّ بأنها عزلت نفسها، ظانّة أن الجميع سيكونون بخير بدونها، لتصدم بالحقيقة القبيحة ماثلة عند عتبة دارها. لكن... مرّت يد سكيرت على صدرها صعوداً إلى كتفها، لتستقر هناك. تضم نفسها وتمتد نحو موضع أجنحتها بحركة واحدة. تستعيد ذكريات ليلة مُزّقت أجنحتها فيها.
العار الذي حملته طويلاً أكثر مما ينبغي. عار كونها ضحية لما ظنه الجميع مباركة. طبعاً لم تتواصل قط. حملت ندوباً الآن، عقلياً وعاطفياً وجسدياً. ندوباً احتاجت وقتاً لتلتئم. ألم تفعل؟ لا، هذا الذنب غبيّ. كان لديها ما يكفي لحمله دون أن يجرها إلى الأسفل. إضافة إلى ذلك، لم تكن حقّاً واحدة منهم. ليس بعد الآن. لقد تخلّت عن قانون الخضريين، وتوسّلت إلى ستالف أن يعلّمها القتال فقط لتتمكن من الدفاع عن نفسها ضد أبناء جنسها.
تلك التي منحتها اسمها، والتي كان مفترضاً أن تبقيا مخلصتين لها حتى ينتهي أجلها. تلك اللعينة من السيّا قُتلت بوحشية، وكان ذلك أفضل يوم لعين في حياة سكيرت. كان هذا كله هراء. أعظم هبة تلقتها قط ما زالت رأس تلك اللعينة. بلا وعي، استندت سكيرت إلى زادين، زافرة بحدة وهي تفكر في لوجستيات حقائبها العاطفية. ثم هزت رأسها. لا. لا أهمية لذلك. لا شيء من هذا مهم الآن. لم تكن بحاجة لقبولهم أكثر من حاجتها لقبول أي شخص آخر.
ما يهم هو أن يتقدم شخص ما، وستلعن إن جعلت ذلك الشخص غراستي. لم يكن أي منهم مستعداً للعيش في الضواحي. أما هي فكانت مستعدة. تستطيع تعليمهم. كانت البراري أجمل وأكثر مضيافة مما كانت عليه العاصمة قط. تستطيع إيراد ذلك لهم. وبعدها ربما، ربما فحسب، يدرك بعضهم أن سبل الخضريين لم تكن الحقيقة المطلقة، وأنهم لم يكونوا مقيدين بالقواعد الضيقة التي دُوّنوا عليها. كانت تلك القواعد مخصصة للعاصمة حيث كانوا الأضعف، لا للبراري.
ربما لن تكون البراري بيتها وحدها، بل بيتهم أيضاً. وحين يُعثر على شخص أدرى، تستطيع هي التراجع وستفعل. سيقودهم شخص آخر. شخص لم يتخلَّ عن قانون التضحية بالنفس ليختار قيمة النفس. شخص يستطيع إعادة تشكيل القانون ليصبح منطقياً. شخص ليس اللعين غراستي. دافعَةً شعورها بعدم الأمان لصالح الغضب، صفعت وجنتيها، وتخيلت قتل غراستي، وخطت خارج الظلال. تجمد من لمحوها أولاً، ولم يتعرف عليها معظمهم فوراً.
حدّقت سكيرت فيهم جميعاً، متحدية إياهم أن يتكلموا. لطوال لحظات طويلة، امتد الصمت. وبقيت سكيرت منفصلة عن أولئك الذين كانوا عالمها بأسره يوماً، وبدت الهوة بينهما أشد من أن تُردم. ثم تقدم شخص ما. بريزي. امرأة جنّيّة طاعنة، غزا الرمادي معظم شعرها الأخضر، وتعمقت تجاعيد وجهها بحكمة متعبة لامرأة لم توقف حياتها عن التزين بالوجه. كان شعرها مشدوداً إلى الوراء في الضفيرة المنخفضة نفسها كالعادة، رغم أنه أصبح أنحف الآن عما كان عليه قبل ستين عاماً.
كان أصابعها أنحف. ووجنتاها غائرتين. وصوتها أجش. لكنها ظلت هي.
"يا للهول... أيمكن أن تكوني أنت؟ سكيرت؟ أأنت حية؟"
تدفقت ذكريات تفوق ستين عاماً على سكيرت دون استئذان، ذكريات جنّيّة ساهمت في تربية سكيرت تتقدم الآن مذهولة والدموع في عينيها، مثيرة في سكيرت مشاعر عميقة لم تكن مستعدة لها. باختصار، أومأت سكيرت برأسها. انزلقت الدموع على وجه العجوز وهي تتقدم وتلف ذراعيها حول سكيرت.
"تبارك السيّد. تبارك السيّد. أنت حية."
تجمدت سكيرت، متصلبة أمام عناق أردات كل ذرة في كيانها أن تذوب فيه. كانت رائحة الجنّيّة العجوز تفوح بخفة برائحة اللافندر والدخان كما اعتادت دائماً، وفجأة، عادت سكيرت طفلة مرة أخرى. طفلة يُعزى إليها بعد أول ضربة، ويحتفى بها بعد أول تحول، وتُوبخ بعد الثاني. كل شهقة من تلك الرائحة المألوفة بشكل مؤلم لم تفعل سوى إغراقها أعمق من ذي قبل. كانت بريزي شخصاً يمكن أن تثق به نفسها القديمة في ومضة.
لكن سكيرت لم تكن تلك النفس القديمة بعد الآن. واضعة يديها على كتفي بريزي، دفعت العجوز إلى الوراء، مبعدة بالقوة المشاعر التي تهددها.
"... لماذا جئت إلى هنا؟"
سالت سكيرت، بصوت خشن مشوب بالمشاعر رغم جهودها القصوى. منحتها بريزي ابتسامة متعاطفة تثقلها وزنة العالم.
"تغير الكثير منذ أن وجدك جنّيُّك."
ضاق عينا سكيرت، متصاعداً ينبوع عميق من الكراهية لتلك اللعينة من السيّا ليتغلب على هذه المشاعر الأخرى المظطربة التي تهدد عقلانيتها. استقامت في قوامها، وتقيّم عيناها بححدة المجموعة التي تحدق إليها الآن بتوقع. كان يجب أن تهرب مبكراً. اللعنة. ها هي هنا، قائدة غير مؤهلة، ولكن بالسيّد ستؤدي عملاً أفضل من غراستي على الأقل. أول الأمور أولاً، احتجنا إلى طعام. طعام حقيقي. أمر كان ينبغي على غراستي اللعين الاهتمام به قبل أن يمضي تاركاً إياها للحديث.
أحمق جاهل. محدقة فيهم جميعاً، استدارت نحو الظل.
"زادين، الطعام."
تبادل البقية نظرات مرتبكة قبل أن تمدد الظلال، متحركة ومتشكلة في خيوط كشفت عن القدور الكبيرة الممتلئة بالإمدادات من كوينت. ثم، بدلاً من الاختفاء مرة أخرى في الظلال، كشف زادين عن نفسه أيضاً، خارجاً إلى النور في هيئته الجنّيّة. كانت مبعث ارتياح رؤيتهم. تذكير بمن تكون، لا بمن كانت عليه سابقاً. بدلاً من الإقرار بذلك، أومأت سكيرت برأسها لهم ومضت قدماً. مركزة على محيطها، عُقد حاجباها أكثر قليلاً.
إشعال نار هنا سيكون غير حكيم. كان هناك الكثير من القش المنتشر، والكثير من الأشياء التي قد تشتعل بشرارة طائشة. في هذه الأثناء، كان الخضريون يتراجعون ببطء عن بقعة الظلال، مسقطين أعينهم خوفاً، مبررين بطريق الخطأ عزل سكيرت ومضيفين إلى استيائها منهم وهم يفعلون. لم يفعل زادين شيئاً حتى. كانوا مرعوبين من مجرد وجوده بينما وثقت سكيرت به حتى حياتها. أوغاد.
"تبّاً،"
قالت سكيرت، قبل أن تنهرهم: "كفّوا عن هذا."
لم يكن دفاعها عنهم متعلقاً بأي شكل بالانزعاج الذي تجاوزته بالفعل. قط. متجاهلة إسقاطها عليهم، التفتت بكتفها إلى بقعة الظل.
"زادين، هل الساحة خالية؟"
أومأ برأسه.
"جيد. أنت، وأنت، وأنت، وأنت، وأنت، ساعدوني في نقل هؤلاء اللعناء إلى الساحة—"
اختفوا في الظلال بينما نقلهم زادين لها، وعلى وجهه تعبير ماكر. لم تكره ذلك. كرهت أنها لم تكرهه. قطبت جبينها لكنها مضت.
"حسناً. من هنا طاهٍ؟"
ارتفعت بضع أيدي بتردد.
"جيد. أنت، وأنت، وأنت، وأنت، اذهبوا وابدأوا في إعداد الطعام."
مشيرة نحو الخضريين الأصحاء الأقوياء الذين أشارت إليهم مسبقاً لنقل الأشياء، أمرت: "أنتم يا رفاق اذهبوا لمساعدتهم في أي رفع يحتاجونه. باخوس سيحرسكم."
تبادل الجنيات نظرات متوترة قبل أن يتجرأ أحدها: "باخوس؟"
مع التفات عينيه بتوتر نحو زادين كأنها لم تنادِ باسمه مسبقاً. اختار كلبها تلك اللحظة لينتقل سحراً ويظهر. أنديتَني يا أمي العزيزة؟ قبل أن تدرك ما تفعله، كانت قد أمسكت بنصل. أشعر برغبة في الطعن، أظن ذلك. نعم، كانت كذلك تباً. حدّقت إليه بحنق.
"احرس الطهاة في الساحة."
أخرجت حقيبتها وسحبت منها ساقي غزال، دافعة بهما نحو اثنين من الخضريين المجندين لمهمة الطهي.
"هذا لحم للقدر."
ما ألطفك! حدقت في كلبها بينما أخذ الخضريون المتقلصون ساقي الغزال بحذر.
"احمهم. ابقَ معهم."
إلى متى، أمي العزيزة؟
"إلى أن ينتهي الأمر،"
أجابت بغموض، رغم أن مفهوم إلى أين لا يحتاجون فيه للحراسة بعد الآن قد تُرجم لها. قد يستغرق ذلك أياماً أو أسابيع. وماذا في ذلك؟ كما تشائين. نببح باخوس، مهرولاً بمرح، وذيلاه الاثنان مرفوعان عالياً وهو يقود المجموعة المرتعبة خارج الباب. راقبت سكيرت مغادرته، ضاقت صدرها بشكل مزعج. كرهت شعور كون ذلك يبدو كفقدان لقطعة من نفسها لصالح أمر لا تريده ولا طلبته. تقريباً بقدر ما كرهت كونه مبعث ارتياح لمعرفتها بقدرتها على الاعتماد على الكلب لإبقاء المجموعة آمنة عندما لا تكون حولهم.
كان هذا كله غبياً جداً. كانت مجرد جنّيّة واحدة.
اختفى زادين في الظلال ليظهر نصفه في الداخل ونصفه في الخارج إلى جانبها، متممساً: "أظن أن القبعة الحمراء تبحث عنك."
أه. اللعنة.