لعنة، لعنة، لعنة— راحت سكويرت تعدو عبر الأزقة الخلفية وهي تلعن نفسها. لا. رفضت. لن تكرر هذا الفعل. لكنّ الركض هذه المرة كان أشدّ إيلاماً. أتراها تحتفظ بوظيفة الحراسة؟ لو عثروا عليها، أريتهم مسلّميها إلى— سؤال أحمق. كانوا يفعلون دائماً ما تريده. دائماً. دائماً. غصّت بالحزن واليأس اللذين هددا بإغراقها، فصكت أسنانها. كانت تعلم أن هذا الاحتمال وارد بمجرد أن يبدي الجنّ ذوو الألقاب اهتماماً بها.
لم يكن سوى مسألة وقت حتى تأتي للبحث عنها. الشخص الوحيد الأكثر عناداً منها هو سكويرت نفسها، وكانت تمتلك الندوب اللعينة لتثبت ذلك. لم تستطيع مخاطرة الوداع. لم تستطيع مخاطرة معرفة أحد برحيلها قبل أن تبتعد كثيراً. إلى أين يمكنها الذهاب؟ لا يهم. ستترك نفسها للصلاة مجدداً وتدعو سيدتها أن تقودها نحو الأمان. لم تكلف نفسها عناء الاقتراب من أبراج الحراسة، علماً منها بأنهم سيرفعون التقارير إلى السيد.
عوضاً عن ذلك، تسلقت السوار في ركن خلفي من القلعة بينما انشغل الجميع بإعداد المهرجان، وانتظرت بين دوريات الحراس قبل أن تقفز إلى الجانب الآخر، وتزحف وسط بضع شجيرات متفرقة. تطلب الأمر استخداماً حذراً للتضاريس لتبلغ أمان الغابات. خطت ثلاث خطوات للأمام ثم توقفّت، مدركةً، حقاً وفعقلاً، أن جسدها حاول تلقائياً التوجه إلى حيث لا تستطيع العودة أبداً. ساحتها. يا للهول، تألم قلبها.
كل أولئك الناس الذين التقتهم. الروابط التي نسجتها. لقد… لقد كونت أصدقاء هنا حقاً.
غصّت قليلاً، فوبّخت نفسها بهدوء: "لهذا السبب لا نكلف أنفسنا عناء الاهتمام، يا سكويرت. هذا خطؤك اللعين وحدك".
استندت بظهرها إلى جذع شجرة، فارتجفت شفتها السفلى قبل أن تشدّ فكيها بعزم. حتى سيابيث لم تكن لتخاطر بجبال الشمال. وهناك، ستملك فرصة. كان عليها بلوغها فحسب. ولحسن الحظّ، كانت مؤونتها مكتملة تماماً. ابتسامتها عند الإقرار بذلك كانت فارغة كقلبها. لعنة. لهذا كانت تكره الجنّ ذوو الألقاب.
فور وقوع عيني توبياس على باب بارتوس، أدرك أن خطباً جسيماً قد وقع. كانت شظايا الصقيع تلتف حول إطار الباب، وبدا البرد قوياً بما يكفي ليشعر به على بعد خطوات عدة. ابتلع لعابه، ثم فتح الباب. كان كل شبر من المكتب يكسوه الجليد بينما صارع بارتوس للسيطرة على هالته. التفتت عيناه الكهرمانيتان وأنيابه البارزة لذئبه نحو توبياس بوعيد وغضب. أغلق توبياس الباب خلفه، متجرعاً خوفه.
بل فعل ما يمكن اعتباره شجاعة بالغة، أو حماقة بالغة. كلاهما على الأرجح. تقدم بخطى حاسمة نحو هيئة بارتوس الشبيهة بالجنّ وشبه الوحشية وألقى بذراعيه حوله، مكشفاً عن عنقه في الحركة ذاتها. تيبّس بارتوس بين ذراعيه، مما أدمى قلبه. استند بقوة أكبر إلى الرجل الآخر، متسائلاً للمرة الأولى إن كان سيصبح يوماً ذاك الشخص الذي يستند إليه بارتوس طلباً للراحة. لهذه المرة فقط. لهذه المرة فقط، أراد من الرجل الأضخم أن يستند إليه.
لطوال لحظات طويلة ومتوترة، لم يحدث شيئ سوى زحف الصقيع فوق ملابسه وجلده. ثم فجأة، تلاشى التوتر برمته من صديقه. انقبض قلب توبياس حين لفت ذراعان قويتان حوله، وغرز بارتوس أنفه في عنق توبياس. ببطء، ومع كل نفس، تراجع الصقيع.
بقي الهواء بارداً، لكن الغضب استبدل بالحزن حين همس بارتوس بصوت خشن: "ارتكبت خطأ، وهي قد رحلت".
تراجع توبياس، مبتلعاً مخاوفه ليحتضن وجنة الرجل الأضخم، فانفطر قلبه لليأس الظاهر على وجهه.
"من؟ من التي رحلت؟"
كشر بوجهه، مشدوداً بالمشاعر وهو يغص بكلماته: "أثيريون".
هوى قلب توبياس في جوفه. كان كلا الإقرارين ضربة مادية لقلبه الهش. أولهما أن بارتوس يهتم بالبيكسي المشاكسة أكثر مما ظن قط، مما يعني أن حبه من طرف واحد قد يكون مآله الفشل. وثانيهما أن الرجل الذي امتلك قلبه قد آذاها بما يكفي لدفعها للرحيل. متراجعاً، وضع توبياس يديه على كتفي بارتوس، وبرقت عيناه بلون ذئبه الداكن، وخرج صوته أجش بنبرة هدير.
"ماذا فعلت؟"
لم تملك سكويرت وقتاً طويلاً، لا سيما مع تأخر الوقت. كان الدرب أمامها قد مُهّد من قبل سرية الجنود والصيادوك خلال الأسابيع القليلة الماضية، لكن الوقت كان متأخراً لدرجة أن الشمس بدأت بالغروب بالفعل. دون إضاعة ثانية أخرى في الندم أو الحزن، سابقت الشمال. إن عجلت، فبإمكانها بلوغ طائر الجواهر على بعد بضع ساعات لقضاء الليل. كان عليها العدو فحسب.
فتح بارتوس باب مكتبه فور ان انتهى من سرد الحكاية على توبياس المحتدم.
دخلت كينا بخفة واغلقت الباب خلفها بنفخة وهي تقول: "تلك اللعينَة. اقسم بالملوك، حين تغيب لا اطيقها، وحين تكون في الغرفة—"
قال توبياس بجهامة: "دعيني احدس—لا تملكين الا تعلقي بكل كلمة تقولها؟"
توقفت كينا وتجهت يدها تلقائيا نحو مقبض سيفها المفضل وهي تستوعب اخيرا المشهد امامها. بارتوس منهار ومحبط امام المكتب وتوبياس يقف فوقه بغضب وعقد ذراعيه.
رفعت حاجبها وقالت: "أهذا هوس؟ تمثيل أدوار؟"
انفجر توبياس، وهو ممن يحمر خجلا وارتباكا عادة: "ليس وقتك يا كينا."
بدا بارتوس، لو ان ذلك ممكن، اكثر هزيمة وهو يحمحم بصوت خشن: "لقد رحل أثيريون."
زمجر توبياس ثم استدار الى كينا بعينين تملؤهما الغضب.
"تلك اللعينة التي كنت تتذمرين منها قبل قليل؟ سمعت صوت المرأة واختحمت اختفاء لعينا."
لعنت كينا.
"تباً للملوك، كنت اعلم انها مصدر شر—كان تعلقها العاطفي اكثر من اللازم لـ..."
رمشت بضع مرات.
"... لـ..."
انحنى توبياس الى الامام قبل ان يحثها قائلا: "لـ؟"
رمشت كينا بضع مرات وبدت عيناها غائمتين وهي تصارع لتتذكر.
"هي... هي كانت تذكر أثيريون باستمرار."
بارتوس هو من زمجر حين وقف وافلت الامر من شفتيه مع تلاشي سيطرته على سحره.
"ماذا قلت؟"
عبست كينا ورمشت بسرعة واجابته بصوت يحمل معرفة لم تكن تمتلكها استجابة للامر: "سالت عن وصف اشجار الارض. كانت متحمسة لذلك في الواقع."
استدار بارتوس وزأر: "تباً!"
وهو لكم مكتبه فحطمه نصفين.
وتنفس بعمق ثم استدار ووبخ: "اقبضوا على تلك المرأة حالا."
انطلق الذئبان جَرْياً لتنفيذ امر سيدهما.
كانت سكيرت متعبة لكنها راضية عن تقدمها فراحت تحرك مرق حساء العشاء بجهد. سيتعين عليها صيد التدرج قريباً. سيكون الايل اكبر من أن تسيطر عليه لكن بضعة ارانب او طيور تدرج ستفي بالغرض. كان طائر الجواهر وهو النسل الهجين بين طائر الجواهر وكركي الماس يطرح على حافة الفسحة واختفى وسط الشجيرات مطلقاً نقة تحذير غاضبة. لم تعِر سكيرت الامر اهتماماً وهي تقلب الحساء. يحدث هذا كثيراً اثناء الليل حين يدافع طائر الجواهر عن موطنه ضد وحوش الجنية الاخرى.
ثم ظهر شكل عند حافة الفسحة وتجمّدت سكيرت حين وقعت عيناها على وجه فينري المبتسم. كانت الابتسامة متعبة ومشدودة واستعدت سكيرت للتخلي عن كل شيء هنا والمغامرة بمصيرها بين الوحوش.
رفعت فينري يدها بالتحية وقالت: "اهدئي."
ثم تنهدت.
"... أنت راحلة، أليس كذلك؟"
بحذر لم تتردد سكيرت الا بهزة رأس حادة. تنهدت فينري بارتياح وهي تفرد فراش النوم في الفسحة.
"... أتمنى لو كنت جنية افضل وأنبل لكي يحزنني رحيلك لكن ربما سينظر اليّ اخيراً الآن."
عضت سكيرت على لسانها.
هزت فينري كتفيها وأخرجت طرداً وقالت: "أخذت هذا لك من الوليمة. اعتبريه هدية وداع مع انه كان من المفترض ان يكون قربان سلام."
فكت الغلاف بالقدر الذي سمح لعبق السكر والقرفة والزبدة بان يفوح ويسيل اللعاب في فم سكيرت.
"اذن غول. حلوى مقلية."
وضعته في منتصف المسافة بينهما ثم انكمشت في فراش نومها وأدارت ظهرها لسكيرت.
تمتمت سكيرت باتهام: "لقد تتبعتني."
تنهدت فينري وبدا انها ضجرت من الحديث بالفعل.
"لا ايتها الصيادة. ذكر توبياس انك غادرت فجأة وعرضت ان ابحث عنك. ظننت انك اتجهت شمالاً لان الجنوب والشرق يعنيهما عبور النهر والغرب يعني مواجهة مملكة سكاي."
واطلقت تثاؤباً كبيراً.
"تفقدت كل مواضع اشجار الارض في الطريق. ووجدتُك. وأعطيتُك قربان السلام. وفي الصباح ستختفين وسأعود انا لمحاولة كسب ود توبياس."
"عبر اخباره انني ضعت منك؟"
"عبر اخباره انك توسلتِ للرحيل دون ان تعلمي وجهتك."
انطبقت شفتا سكيرت على الطعم المر في فمها.
"... سيجعله هذا غاضباً."
"غالباً. لكن هذا شأني لأتعامل معه. سأخبره فقط أنك اردت الاقتراب من ملوكك."
تلك كانت اللحظة التي باغتتها فتجمدت في مكانها. فينري كمعظم الصيادين تعبد الصيد. لم يعد طائر الجواهر. لم تنحُ قط له فينري. لم تكن تلك فينري.
"ماذا تقصدين أنها رحلت؟"
تبادل الحراس المعينون لحراسة السيدة الباحثة نظرة قبل ان ينكمشا رعباً امام الغضب الظاهر على وجه سيدهما. لقد كان دائماً حضوراً هادئاً وثابتاً. وكان غضبه منظراً مرعباً لا يُطاق.
"ل-لقد عادَت الى غرفتها يا سيد وحين طلبتها دخلنا ولم نجدها."
ارتجف الحارس وابتدرت انقاض الهواء تخرج من فمه مع انخفاض درجات الحرارة بسرعة وبدأ الصقيع يغطي الجدران ودرعه. كانت القوة المنبعثة من الجنية أمامه كفيلة بانهاء حياته بفكره واحدة وجعل جسده يرتجف بلا توقف من الخلع.
زمجر صارخاً: "فتشوا ارجاء القلعة. جدوها. انها خائنة للتاج."
ركض الحراس لتنفيذ الامر وحدق بارتوس بغضب في الشعار الذي جلبوه معهم والذي وجدوه في غرفتها. الأبرار. تجمعت كل القطع في عقله. تمسك أثيريون الصارم بقوانين الجنية القديمة. عجز سيابيث عن تحقيق اختراقات جديدة طوال السنوات الخمس عشرة الماضية. شكوك أثيريون في كل من يحمل لقباً. يا للملوك. كان الامر ماثلاً هناك. لقد فعلت كل ما في وسعها لمنع انتشار اسمها تماماً مثلما فعل هو كل ما في وسعه لتخليد مآثرها.
لقد كان احمق. إذ لم يترك الخيارات الاخرى استند إلى الجدار وصلى. سيدة الصيد، أرجو أن تقودي أثيريون إلى بر الأمان. وقودي حلفاءها إليها وأعداءها إلى الضلال. ودعيها تهرب كالأيل الأبيض لتصنع حياة جديدة في حرية الغابة.