الفخاخ، الحيل، والوحوش [الكتاب الثاني - كامل] [خيال، مغامرة، قصة بطل غير متوقع] الفصل 18 — نفاذ السائل

اقرأ الفخاخ، الحيل، والوحوش [الكتاب الثاني - كامل] [خيال، مغامرة، قصة بطل غير متوقع] الفصل 18 — نفاذ السائل باللغة العربية على مانجا تايم.

حين بلغت سكوير مفرق الطريق المفضي إلى الغابة، توقفَت. رفعت عينها السليمة ببطء لترَى الجنيَّ الذي أنقذته في انتظارها. كانت أوهن من أن تحدّق فيه بغضب، فاكتفت بالتفرّسة فيه بانتظار أن يتيح بكلمة أو يفعل شيئاً. تصلّبت عيناها الواسعتان تدريجياً، وقبضت على كفّيها.

"من...؟"

أطلقت تنهيدة هزيمة، وزاغت عيناها عنه نحو كوخها. كانت الشمس تغيب، وكان عليها الإسراع للوصول قبل حلول الظلام. من تخدع؟ كان كاحلها لا يزال منتفخاً، مَلواءً بلا شك، ومما زاد الطين بلّة ذاك العرج في طريقها إلى هذا المكان. لم تكن هناك سوى وسيلة واحدة تبلغ بها بيتها قبل أن تقع في خطر حقيقي، ما يعني أنها ستضطر إلى تجرّع كبريائها. لا باس، بمقدورها فعل ذلك. أخذتها بضع ثوانٍ إضافية وهي تتردّد في مواصلة المسير بشجاعة.

ربما يظهر توبياس عوضاً عنه، أو أيّ كان، حقاً. أيّ كان؟ تبّاً. أسقطت رأسها وتمتمت بأنين خفيف، ثم استدارت نحو الجني الآخر وعجزت عن ملاقاة عينيه مباشرة. كانت تقطت هذا. تكرهه أشدّ الكراهية. لكن حياتها أثمن من كبريائها.

"أأتكون..."

اضطرت إلى تنحنح وتجرّع الكلمات على عجالة.

"أتعيدنا طيراناً؟"

لم ينبس بكلمة لثوانٍ تجمدت فيها الأعصاب. ثم اقترب بحذر، محيطاً خصرها بذراعيه وقرّبها إليه. انتفضت متراجعة عن وجهه حين مال نحوها، مكشّرة عن أسنانها وهي تفعل. لحسن الحظ لم يتكسّر أي من عظامها جراء الاعتداء، بل اقتصر الأمر على كدمات وكاحل ملوى وهي تحاول الحفاظ على مسافة ما. تفتّحت جناحاه. سقط فكّها. كان يحجبها عن هالته الخاصة، فامتنت له لذلك. حتى مع احتجابه، شعرت بالطاقة تشعّ منه.

كانت أجنحته تتلألأ بالسحر، بتموجات متحركة من الوردي والبنفسجي لسحر الربيع إلى جانب تموجات بالأزرق السماوي لسحر الصيف. هذا جنون، كان مجنوناً. كانت تكرهه حدّ اللعنة. عبست، فأنزلت عينيه إلى عينيه بينما كان يقهقه متبسّماً بزهو.

"أتعجبك؟"

فاجأته بالقول: "لا تعجبني".

لم تكن جميلة وقوية، ولم تكن تحسده أبداً، قطّ. تمتم مبتسماً باسترخاء من علٍ نحوها، ثم زابت الابتسامة.

"أيّ خلل يعتري جناحيك؟"

احمرّ وجهها غضباً وسخطاً.

"لا أستطيع الطيران، حسناً؟ أستطيع الطفو قليلاً."

بدا أكثر حيرة.

"حتّى الخضراوات يستطعن..."

باغتته بصرخة والدموع تفرّ من عينيها: "كنت أستطيع، حسناً؟ كنت أستطيع".

تشقّق صوتها وانهالت الدموع مهما حاولت حبسها، ثم تابعت بصوت مكسور همساً: "كنت أستطيع."

تلك إحدى النادرات التي شعرت فيها بالحرية حقاً؛ الطيران. نجحت في الفرار قبل أن ينتزعوا أجنحتها، لكن الضرر صار حتميّاً. الشيء الوحيد الذي كانت توفره الآن هو مقدار كافٍ من السحر لسحر وصنع أدوات جديدة. لو فقدت تلك القدرة لما وجدت الإرادة للبقاء.

أطرقَت بصرها، صامّةً على أسنانها وهامسة: "أخرس وخذني إلى بيتي لينهي هذا الكابوس."

فعل، وكانت قبضته رقيقة وهو يضمّها إليه. رغم إدارة وجهها ودموع الخجل، استنشقت عبقه؛ كان رائحة الأرض والزهور بعد مطر طري، وكرهت ذلك. كرهت أنه يملك رائحة زكية حتّى. تبّاً، حتى عرقه الملعون كان ينضح بالجاذبية. حين حطّ مجدداً في المعسكر، هبط أمام توبياس ومجموعة من خمسة وافدين جدد. توهجت عينا توبياس بالكهرماني، وامتدّت أنيابه فور وقوع عينيه عليها.

زمجر: "من اللعين..."

رفعت يدها وقالت بتعب: "لا تقلق، كان برضا الطرفين."

هبط غضبه إلى حيرة مشوشة. جيد. لم يكن ضرباً برضاها حقاً، لكن آخر ما احتجت إليه هو معاقبة الجناة.

إن حالفها الحظ، لعلهم فرّغوا عدوان "ضرب الخضراء"، لتتمكن من مواصلة...

بدون... يا ملكا. كانت حمقاء. نجح ذلك في العاصمة حيث خضراوات أُخر يمكنها التوارظ بينهن، حيث كانت هي المتاحة وحدها. لم يكن هؤلاء يضربون الخضراء لكونها خضراء بلا اسم، كان هجومًا مستهدفاً. هذه أرض مجهولة. لم يسبق أن وقف أحد إلى جانبها، فما بالك بفيّ رفيعي المقام، والآن... لا. إن كُشف أمرهم فتلك مسؤوليتهم، ولن تفتن عليهم، ولن تخاطر بتعرضهم للعقاب بسببها ثم عودتهم بضرب أشدّ.

تمتمت بازدراء: "كان الخيار إما مصّ قضيب أو التعرض للضرب، فاخترت الضرب."

فرمت الجني الذي كان يحيط خصرها بذراعه بنظرة حادة.

تمتم: "تلك لا تزال إكراهاً."

قالت بجفاف: "يا للعجب، كأن الأقوياء يحبّون استخدام الأدوات المتاحة لهم لافتراس الضعفاء."

دفعته أخيراً وتفرّست فيه بغضب: "لسْتَ أفضل لمجرد محاولتك الابتسامة الساحرة بدل التهديد بالعنف."

زمجر غاضباً لأول مرة، لكنه ظل يحجبها بغرابة عن سحره: "الأمر مختلف. لست مجرد وجه. لقد أنقذت حياتي وحياة ابنة أخي، متقدمة بشجاعة ومخاطرة بحياتك من أجلي دون سبب سوى حاجتي للمساعدة."

سقط فكها وقالت: "وكيف عرفت ذلك أصلاً، كنت نائماً..."

"مخدّراً!"

صرخ، وبدا الإحباط جلياً في عينيه البنفسجيتين الساطعتين، وبلكنة ثقيلة لكن بكلمات واضحة: "مخدّراً وعاجزاً عن إنقاذ أهم شخص في العالم لي، لكنني كنت مستيقظاً وواعياً. لم أستطع فتح عييني أو النطق رغم علم السادة أنني حاولت. أخبرتك بالمضي دونوك، وتوسّلت إليك. وحين فتحت عينيّ أخيراً لأرى هذه القصاصة الصغيرة من امرأة، محاربة مباركة من الملكة تخوض غمار مخاطر مميتة مستحيلة، وتفدي نفسها بها، وهي تلعن نفسها مع كل خدش وتعتذر أثناء هربها لحياتها؟ اغفر لي أرجوك، لكن الأفكار الوحيدة في عقلي الضبابي كانت أنها كانت أشرس وألطف وأجمل فيّ رأيته قط."

بقيت مذهولة عاجزة عن الكلام، فلاوحت ببصرها شارّدة.

كشّر متلاشياً غضبه ضباباً، وخلل يده في شعره وقال: "أنتِ أنكد أنثى التقيتها قط."

ضاقت عيناها. هكذا أفضل. أهِنْها. هذا معقول. هذا ما تعرف كيف تتعامل معه. ثم ضحك وهو يهزّ رأسه، فتلاشى التوتر بغتة وانصهر الإحباط بهجة. أعاد عينيه إليها وتنهد بحسرة. لا، عودة للسلوك الغريب. كانت أوهن من تحمل هذا الهراء.

تمتم توبياس: "الجرعة..."

باغتته صارخة: "أخذت واحدة اليوم. سأشفى. إنه مجرد كاحل ملوى وبضع كدمات، ولقد لقيت أسوأ منها في تدريبات النزال، وقد قرر سيادته حبسي على هر حال."

رف جفن توبياس مراراً، وعادت عيناه إلى العسلي الطبيعي متراجعاً ذئبه كلياً.

"حبسك؟"

تنحنت: "طلب مني ترك مهام الصيد اليومية للآخرين ريثما أكتب له موسوعة لعين".

رمت باقي الصيادين بنظرة تحدّ، أولئك الذين لم تقابلهم بعد، لكنها لم تخاطب أحداً منهم. بل اكتفت بانحناءة تقدير عامة لهم جميعاً قبل أن تعرج نحو الجدول.

حملها الجني الآخر بين ذراعيه محلقاً بها بينما صرخت: "تبّاً لك، دعني وشأني، أيها السيكوباتي اللعين..."

متجاهلاً إياها، أنزلها برقة محلقاً من خلفها منتظراً وعيناه موجعتان على كدماتها. ساخرة من سخافته، عرجت إلى الأمام، متخلصة من درعها الجلدي والزي تحته حتى صارت عارية قبل أن تغمس قطعة قماش في الجدول البارد لتنظيف جسدها. تأملها من قرب مبالغ فيه، وكانت أجنحته ظاهرة بوضوح بينها وبين الآخرين في الخلاء.

"ماذا تفعلين؟"

أجابت بحدة: "ماذا يبدو أنني أفعل؟ أغتسل."

"لكن لديك حماماً بالداخل، حماماً ساخناً."

منهكة، أسقطت رأسها بدل الجدال. طفل مدلل ثري.

بقيت نبرتها غاضبة لكنها فقدت لمسة الحِدّة: "لم أستحم بماء ساخن قط في حياتي، والبارد أفضل للإصابات الطازجة."

لم ينطق بكلمة حين انتهت، مكتفياً باستخدام أجنحته كحاجز مرئي.

فرمته بنظرة حادة من فوق كتفها: "ما الذي تفعله بحق الجحيم؟"

شبّك ذراعيه ومقته بنظرة من فوق كتفه: "هم لا يستحقون رؤية جمالك."

أطلقت ضحكة ذهول نابحة: "جمال. هذه نكتة سمجة."

"إنه الحقيقي."

إذ حسمت أمرها بألا تهدر طاقة إضافية في الرد، أنهت وارتدت ملابس قديمة بالية بالاستعمال لتكون ثياب نومها. حملها مجدداً، ولم تحتج هذه المرة مدركة جدوى المقاومة حين كان يعاند بقدرها. وضعها على عتبة بابها، منتظراً حتى دخلت وأوصدت الباب قبل أن يكفّ عن حجبها بأجنحته المتلألئة الملعونة. وغد متغطرس.

فُكَّت شفرتها بمعرفة السيّد إيفروينتر باستخدام شفرة ديكسات:

عزيزي السيّد إيفروينتر، التقارير التي وصلتني من بروك مرعبة بقدر ما هي مقلقة. تفكيرهم في إلقاء الجنّ في براري إيفروينتر ليجتاحونا من الداخل بوجوه الجنّ هو استراتيجية لن يوسوس بها أيّ جنيّ نبيل، ولا سيما الأطفال. يثلج صدري كثيراً أن أسمع أن الأمير فيلدان وابنة أخته بالمصاهرة قد أُنقذا بأمان. وفي حين أن هذا لن يمنع الحرب عن حدودنا مادام والده متولياً للأمر، فإنه يمنحنا ورقة مساومة ما كنتُ لأحلم بامتلاكها قط.

صيادتكم بطلة لأسباب عديدة، كما يبدو. كنتُ أبحث في تاريخها، وأعتقد أنني وجدتُ شخصاً يعرفها. إنها تتحدث عن كائن أخضر عرفَتْه ذات يوم يبدو أنه يتطابق بشكل مناسب، ولكن هناك خطباً ما بخصوص الجنّ لا أستطيع التخلص منه. ولا يساعد الأمر أنها إحدى كبيرات السحر في جامعة العاصمة، وعلى الرغم من أنها لم تفعل شيئاً يستدعي فقدان ثقتي، إلا أن حدسي لا يهدأ. في الوقت الحالي، يراقبها زولن بحذر.

لم نوضح ما إذا كانت الجنية التي نحقق معها حية أم أين هي، لكني أخشى أن الأمر مجرد مسألة وقت. كبيرات السحر قوية سياسياً بما يكفي لتجاوز الرتب والعثور عليها. وربما هذا هو سبب رفضها الإفصاح عن اسمها حتى. مع بداية الصيف، سأرسل الموجة الأولى من متدربي رانين إلى أراضيكم. إيفروينتر هي المقاطعة الأولى التي تضربها أيّ شكل من أشكال العداء، ونأمل مع هذا التحذير المبكر أن نتمكن من تقليل المخاطر واستعادة التوازن في إيفروينتر.

وفي غضون ذلك، يقوم رانين وجورثا بتوزيع مخططات الفخاخ على جميع حراسنا. اطمئن تماماً فقد جرى تأمين براءات الاختراع تحت الاسم المستعار أثيريون، وستُحتجز جميع الأرباح المتعلقة بها في حساب خاص بها إذا حضرت إلى العاصمة لتتلقى نصيبها. افعل كل ما بوسعك لمنع الأمير فيلدان من اصطحابها معه عندما يغادر. فبدونه، تبدأ محاصيل مملكة سكاي في الذبول، وستصبح هجماتها أكثر يأساً ردّاً على ذلك.

لست متأكدة من الحل في الوقت الحالي، إذ إن والده سيعارض اتحادهم بعنف إن وصل الأمر إلى ذلك. سيتخلى عنه نبلاؤهم بسعادة طالما وُجد حل للمحاصيل، فهو مفيد وشعبيته مقبولة بين الناس، لكن النبلاء عبر الجبال ضاقوا ذرعاً بغيابه المتكرر وتجاهله العام للأعراف. وربما هناك شيء يمكننا استخدامه لتعميق الهوة إذا رفض العودة بدونها. مع أنني شخصياً لا أستطيع تخيل أيّ شخص يحتفظ بانتباهه طوال كل هذا المدة.

وحقيقة أنها فعلت ذلك تعد معجزة بحد ذاتها. كن بخير، الملكة أنابيل