مسح فلدان الدماء عن يديه. لم يَبقَ أثر للجواسيس الذين أرسلهم أبوه في ط طلبه، لكنّه لم يضمن ألّا يكون ذلك العجوز الماكر قد أرسل غيرهم. بعد أن ألقى الجثث في البحر، التفت نحو الجبال. كانت ملكته على الجانب الآخر مباشرةً. كان لها وحدها. آمن جسده وروحه بهذا تماماً. لا ينتمي لأحد غيرها في هذا العالم. آه، كم تمنّى رؤيتها. أستحمرّ أم تغضب؟ أتحرقه بنظراتها؟ أم تتظاهر بأنّها لا تستمع إلى موسيقاه مرّة أخرى؟
أستسمحه بأن يمسك بيدها؟ أهو هو حقيقة هذه المرة؟ تغزّل أخوه بمعشوقته لأكثر من قرن. ظلّ فلدان يحلم بالمثل منذ تلك الليلة الأولى التي عاد فيها أخوه من توغل في أراضي القبيلة واكتشف سحر التوافق التامّ. وبسبب تأثير أخيه، نظر فلدان بنفسه أخيرًا إلى ما وراء جدران قصوره وحاول رؤية العالم الخارجي، وكان موتها —أو موت أخيه— الدافع الذي حثّه على طلب المزيد. والآن وجدها. ملكته.
لن يدع هؤلاء الجواسيس يلمسونها. مهما فعل أبوه، فسيحافظ على عهده. تطلبت ملكته الحرية، وهذا ما نوى منحه إياها. ترك نفسه يهوي تحت الأمواج، فطار بسرعة نحو سفح الجبال. لن يستطيع جواسيس أبيه اتباعه تحت الأرض، وسيحرص على ذلك.
قضت سكوير الليل كله تمضغ توت اليقظة. أرسلت الصغار إلى النوم فور انتهاء مقابلاتها. أمضى لوفين، مرافق سيّد الشتاء الأبديّ، وقته معها بعد مغادرة داستي وكينا. ساعد لوفين سكوير في تحديد الأماكن بعد انتهاء المقابلات، إذ كان المرافق يعرف الجنيّات الموثوقات من غيرهنّ. لم تكن سكوير تعلم أن لوفين ينتمي إلى رابطة معجبيها، ولذا كان عارفاً بسائر الأعضاء أيضاً. استندت سكوير إلى خبرة لوفين للمساعدة في استنباط أفضل التوزيعات، وبحلول الصباح، امتلكا خطة محكمة لتقديمها إلى المدبرة المرهقة.
أصرّ لوفين على أن تكون سكوير هي من تتحدث إلى المرأة، بدل أن تحمل الخطة بنفسها إلى المدبرة. فعلت سكوير ذلك على كره منها. وهكذا كان المرافق والصيادة يقفان أمام باب مكتب المدبرة تماماً مع بزوغ الفجر. على الرغم من توترها، طرقت سكوير الباب على مضض إثر إشارة وابتسامة لطيفة من المرافق المتعب بدوره.
جاء الصوت المتعب من الداخل: "ادخل".
دخلت سكوير وخلفها لوفين مباشرة لتقديم الدعم المعنوي. كان مكتب المدبرة هنا في الشتاء الأبديّ أدفأ ملحوظةً من ذلك الذي زارته سكوير في الأراضي السويّة. ومثل مكتب سيّد الشتاء، صُمّم الديكور ليعكس الغابات الطبيعية للمنطقة، مع أوراق شجر منحوتة ببراعة على الرفوف المحفورة يدوياً. وعلى عكس مكتب السيّد، كانت كل مساحة متاحة مغطاة بكوامن من الفوضى؛ ألواح، رقوق، كتب، وحتى خرائط تفصيلية للقلعة والمنطقة المحيطة.
وخلف المكتب وُجد لوح ضخم كُتبت عليه مئات الأسماء، لكلّ منها وظيفة ومنزل مدرجان، وبينما كانت سكوير تتابع، كانت الأوراق تتحرك من تلقاء نفسها للدلالة على كون أصحابها في مناوباتهم أم خارجها. بدت المدبرة نفسها جنية شتاء بدينة بحسب مظهرها؛ فشعرها الفضيّ المخلل بصلعات بيضاء يدلّ على عمرها، وعيناها بنفس لون شعرها الفضيّ، وبشرتها باهتة بسبب عملها الداخليّ وتراثها. كان من الصعب تبيّن نوع الجنيّة التي تُمثلها بنظرة واحدة.
لم تملك ملامح واضحة تميل إلى اتجاه بعينها. وقفت عند مدخلهما، مشيرة إليهما بالدخول، وعلى وجهها قبول مُنهَك.
قالت: "ادخلوا، ادخلوا. ما هي الأخبار، لوف— أوه".
ررفت بجفنيها ناظرة إلى سكوير ببطء، إذ لم تنتبه لوجودها إلا للتو من خلف كوامن الفوضى على مكتبها. انحنت سكوير بأدب، وكانت عيناها حذرتين بقدر ما كانت عينا المدبرة متعبتين. بلوحة يد من المدبرة، أغلق الباب، وشعرت سكوير بقشعريرة سحرية حين تفعّلت الحراسات. ولم تتكلم المدبرة مجدداً إلا بعد حدوث ذلك، وقد اتسعت عيناها قلقاً.
"بأيّ فضل أدين بهذه الزيارة، ليلى أثريون؟"
تفاجأت سكوير باللقب، وأفلتت في همسة مرعبة: "لستُ صاحبة لقب".
اكتفَت المدبرة بالايماء.
قالت: "أنا أعلم".
وأشارت إلى اللوح حيث أضاء اسم أثريون لفترة وجيزة، دلالة على وجودها في القلعة.
"لكنّك مسجلة ضيفة مميزة يجب معاملتها بعناية وإيوائها بحدود المعقول. لذا أخاطبك هكذا".
حدقت سكوير المذهولة في اسم أثريون على اللوح.
لا بد أن المدبرة قد أساءت تفسير الصدمة على وجهها، إذ قالت بلطف في صوتها: "لا يمكن قراءة اللوح حين لا أكون في مكتبي، ويتحول إلى شفرة متى أردت. إنها تعويذة قديمة توارثتها عائلتي أجيالاً بعد أجيال".
بدا الأمر وكأنه سحر قديم وقويّ بالفعل. شعرت سكوير بالفضول وكادت تطلب المزيد من التفاصيل. عوضاً عن ذلك، تنحنحت ورفعت الألواح التي بيدها.
"أرسلت الملكة مئة من صغار الجنيّات إلى الشتاء الأبديّ طلباً للمأوى واللجوء".
ترددت المدبرة، وانهارت جالسة على مقعدها إلى الوراء. زمّت سكوير شفتيها أمام مظهر المرأة الباهت ورفعت الألواح إلى أعلى.
"لقد أجريت معهنّ مقابلات وفهرستهنّ، وحددنا أدوارهنّ. كل ما نحتاجه هو موافقتك، وسأقوم بتسكينهنّ هذا الأسبوع".
تطلب الأمر لحظة حتى تستوعب المدبرة كلمات سكوير. لكن بمجرد أن فعلت، كان الامتنان المذهل على وجهها والدموع التي تجمعت في عينيها حقيقيين لدرجة جعلت سكوير تتراجع خطوة حذرة إلى الوراء. نهضت المدبرة من مقعدها، متحاشية الفوضى المبعثرة لمكتبها ثم ركعت أمام سكوير. تراجعت سكوير إلى الوراء، لكن مع وجود الفوضى في بقية المكتب، لم تكن هناك أماكن كثيرة تذهب إليها.
أخذت المدبرة الألواح ممسكة بيدَي سكوير، وهي تبتسم وتقول: "أنعم عليك يا أثريون، أنعم عليك حقاً".
ثم أخذت الألواح، وشرعت تقرؤها سريعاً بينما عاشت سكوير أزمة نفسية من الذعر والإحراج والتوتر. أومأت المدبرة عدة مرات، وعيناها تزدادان حدة مع كل سطر تقرؤه، وابتسامتها تزداد دفئاً.
وبعد انتهائها من قراءة اللوح الأخير، تنهدت بحسرة، مانحة سكوير ابتسامة متعبة وقالت: "لو استطعت، لوظفتك الآن فوراً".
تمتمت سكوير: "من الغريب أنكِ لستِ الأولى التي تُطلق مثل هذا العرض".
أومأت برأسها، ثم عادت إلى اللوح الأول، لامسة الأسماء لتزيحها عن الخشب واحداً تلو الآخر. طارت واستقرت على رقوق فارغة والتي التصقت بدورها باللوح الكبير خلف مكتبها.
وأثناء قيامها بذلك، سألت باستهانة: "ماذا عن الإقامات؟"
قالت سكوير، المذهولة لحظياً بالسحر والتي تمنت لو تستطيع رؤية التعويذة، بنبرة ألطف وأقرب لأحلام اليقظة: "سيوسع سيادته المكان مجدداً. هنّ في مستودع العربات الآن".
بعض اللواتي حصلن على وظائف، مثل من عملت مع كوينت، سينتقلن إلى مساكن مخصصة للعمل نفسه. أما الأخريات فستحتاج كل منهنّ مسكنها الخاص. أومأت المدبرة وهي تقطب حاجبيها بينما واصلت إزاحة الأسماء.
"ماذا عن مائدة الخدم؟"
تحركت سكوير من قدم إلى أخرى.
"... لقد أعطاهنّ أمين المؤن قدوراً ويمكنهنّ صنع طعامهنّ بأنفسهنّ. لا يحتاجبن إلى تلويث مساحتكم".
"هراء. سيُقدم الإفطار قريباً. سأستدعي اللورد هوك لمرافقتهنّ. سيكونون بأمان أكبر في منطقة أوسع تتوفر فيها عيون أكثر".
نظرت سكوير إلى المرأة نظرة حادة وهي مذهولة. لم تعر اهتمام سكوير أيّ اعتبار بينما نهضت، مواصلة مسح الأسماء بينما سارت نحو اللوح قبل أن تلمس اسم المعلم هوك. أضاء بنبضة ضوئية، ثم عادت بلا مبالاة لمسح بقية الأسماء من الألواح. لم ترغب سكوير في رؤية التعويذة الأساسية بهذا السوء قط طوال حياتها.
"ماذا عن الملابس؟ المؤن؟"
في حالة ذهول، قالت سكوير: "لا يملكن سوى القليل سوى ما ترتدينه على أجسادهنّ. ومع ذلك، فهنّ بارعات ومعتادات على تدبير أمورهنّ بالفتات".
أومأت المرأة وهي تقطب حاجبيها.
"قد نضطر إلى ذلك بمثل هذه الحال. لقد ساعدت جلود صياديك بالتأكيد، لكننا بحاجة إلى المزيد من القماش. سيتعين عليّ طلب بعضها من العاصمة".
شحب وجه سكوير لكنها احتفظت بآرائها لنفسها. كانت فكرة طلب مواد من العاصمة من أجل صغار الجنيّات...
تحدث لوفين بصوت هادئ ومريح: "لقد وعدت سموها بالفعل بالمساعدة في توفير الإمدادات لزيادة عدد سكاننا. يقوم سيادته بحساب المؤن اللازمة ونحن نتحدث لتُسلم الأسبوع القادم".
ارتفع حاجبا سكوير تقديراً. كان أسبوع واحد مدة تسليم سريعة. هل تستطيع القوافل السفر بهذه السرعة أصلاً؟
"أشكر الملوك — وهناك الكثير ممن يحسن الخياطة! ستكون الخياطات مسرورات جداً بهذا. قلتِ إنك ستاخذينهنّ في جولة إلى أماكن عملهنّ الجديدة؟"
أومأت سكوير برأسها، وما زالت عيناها تحذران المرأة. تسرعت خلف مكتبها، ووضعت الألواح وأخرجت دُرْجاً. وبعد أن بحثت فيه قليلاً، أخرجت محبرة ولوحاً صغيراً خاصاً بها، فجلست وكتبت عليه. وبعد دقيقة من الاستماع إلى صوت الريشة وهي تخدش الخشب والشعور بحضور السحر الناعم وهو يمتزج بالحبر، شاهدت سكوير المرأة تنهض وتلتف حول مكتبها، مناولة إياها اللوح.
"هذا هو ختمي. إن واجهتك أيّ مشاكل، ضعي يدك عليه وانطقي بلقبي. سأسمعك. كما أنه يعمل بمثابة دليل مرئي على موافقتي تحسباً لوجود أيّ شكوك لدى أحد".
أخذت سكوير اللوح بحذر بين يديها، شاعرة بنبضة سحر لقب خفيفة تنبعث منه. تتبعت عيناها للأعلى لتلقي نظرة على عيني السيدة الدافئتين الفضيتين قبل أن تنحني بأدب تقديراً للمدبرة. ابتسمت المرأة.
"أنعم عليك اليوم يا أثريون. لقد كنت لي عوناً أكثر مما تدركين".
شعرت سكوير بالغرابة التامة جراء هذا التبادل، فاكتفت بالانحناء مرة أخرى قبل أن تستدير وتغادر المكتب ومعها الجنيّة الغريبة والودودة خلفها.
ظل فيلدان تحت الارض طوال فصل الشتاء الدائم، وتفرقت جذور الاشجار من طريقه حين اندفع في باطن الارض. تسارع قلبه ودفعته اعصابه ليزداد سرعة اكثر من ذي قبل. اقترب الفجر حين تستيقظ، واراد ان يكون هناك لاستقبالها حين تفعل. وصل الى فناء الصيادين، فبطأ حتى توقف وهو يعقد حاجبيه بتركيز. حتى دون ان يمسح المكان، استطاع ان يتبين وجود الكثير من الصيادين. ربما ضعف العدد السابق. ترددت.
ايفازر الصعود ان لم تكن هناك؟ أيمكنه ان يمرر نفسه كجنيه ربيع اقل قوة بشكل معقول ان فعل؟ مم. اطلق اقل قدر ممكن من السحر، ملقيا تعويذة استشعار اتقنها بحيث تكاد تكون غير مرئية، دافعا بحواسه لتتدفق. عبر الارض. صعودا من خلال التربة. الى المباني والخيام. لم تكن هناك. عقد ذراعيه وهو يفكر. تستيقظ مع الفجر، وما زال لديه ربع ساعة. كان الوقت مبكرا جدا لتخرج للصيد طوال اليوم. لعلها ذهبت لتقدم تقريرا في القلعة؟
قرر ان يتحقق على الاقل، فاتجه قليلا نحو الجنوب حتى اصبح تحت قلعة الشتاء الدائم، ملقيا تعويذته من ابعد مسافة ممكنة لتكون مشتتة قدر الإمكان. احتاج الى ان يكون محسوب الخطوات، لا لافتا للانظار، ليس حين يحاول الا يكون… هو. مم. بغض النظر. جذبه مزيج من حدسه وتعويذته الى الاسطبلات. لم يعلم لم قد تكون في الاسطبلات، لكن ذلك سيكون خاصا بدرجة كافية ليظهر ويستعيد توجيهه بينما يحظى بفرصة لابهارها بجناحيه مرة اخرى— مشتتا ومحطما مثلما كان، لم يفكر فيلدان في مدى قوة الاشارة.
مدى قوة الجذب. لقد شعر فقط بوجود سحر الجنية الذي يتناغم بعذوبة شديدة مع سحره، جاضعا إياه باحثا عنه با لحاح اكبر من نداء الحوريات. لا بصمات اخرى، لا رنين اخر، هي وحدها، في غرفة التخزين الخلفية هذه في الاسطبل— بفكرة واحدة، انكسرت الطوب والاحجار عن مونتها، متزحزحة من طريقها حين صعد من الارض لـ— عشرات الجنيات متكومات معا. لم تكن إلاهته على الإطلاق. اه… عيب. فرك مؤخرة رأسه باحراج.
كان امر السرية هذا اصعب من المعتاد. كيف اخفق بهذا السوء؟ اعلم انه ليس الاذكى، لكن تلك التعويذة كانت اساسية للهروب من ضيق القصور. لم يخطئ التقدير ابدا طوال كل السنوات التي استخدم فيها تعويذة المسح الخاصة به. اخطاء باثنتين او بواحدة، ربما، لكن ليس بهذا العدد. غريب. واغرب من ذلك، لم يره جنية خضراء قبل إلاهته قط. الان هناك العشرات مبعثرات حول المكان. بدا أنهن استيقظن للتو— وقد كن نائمات بوضوح في كومة كبيرة على الارض— وكن مرعوبات بوضوح من ظهوره.
حسنا… لم يكن ذلك استقباله المعتاد عند الظهور امام الجنيات. كان وسيما وساحرا، لا مرعبا. ليس عادة. مبتسما لهن جميعا، لوح بولطف. اولئك اللواتي كن يذعرن استبدلن بالذعر خفض البصر والوقوف كما لو كن مستعدات لتلقي الاوامر. قرر انه اطال الوقوف معهن، فمسح الغرفة مرة اخرى، متسائلا عما اذا كانت مختبئة في زاوية ما. او ان لم تكن، فلعلها غادرت للتو. مرسلا نبضة خفيفة اخرى من السحر، القى بحواسه— ليجعل سحره لا يتناغم برنين ناعم، بل بالعشرات.
العشرات. الواقفات امامه… جميعهن يتناغمن. مئة رنين يدق دفعة واحدة. شعورهن كلهن كان يشبهها.