"أنت لست مخطئة"، قالت توري وخفضت يديها المرتجفتين.
كانت الورقة المطوية بين أصابعها مشدودة بقوة.
"معظم الطلاب لن ينفقوا هذا القدر. معظمهم لن يقترب حتى من إنفاق هذا القدر. ومن المنطق تماماً أن تكون هناك حد لتنفقات الطالب على مشروع فردي. مع ذلك..."
بدا الهواء أبرد فارتجفت سونيا وجي بي بينما رمق الآخرون توري بنظرات قلقة.
"كان سيكون من الجيد معرفة الحد قبل أن أبدأ".
ابتلعت إيليانا ريقها وخطت خطوة إلى الأمام.
"توري-"
"أريد التحدث إلى المدير".
كانت الابتسامة الخالية من المشاعر على وجهها مربكة وهي استدارت ومضت متجاوزة لوحة الإعلانات. صعدت درجات مبنى الإدارة وكان كل من كان بالقرب منها يتعمد تجنبها، سواء أكانوا طلاباً أم موظفين. كان باب مكتب المدير مفتوحاً، وفي غرفة الانتظار وقف السيد ليغاسبي، مساعده، فور دخولها.
"الليدي غيفيرا".
حمل صوتُه الهادئ المعتاد والخلُوّ من المشاعر رجفةً واضحة.
"المدير كان بانتظارك".
اختلج طرف عينها. إذن فالرجل العجوز كان يعلم يقيناً أن هذا سيؤثر عليها. استدار السيد ليغاسبي حول مكتبه وأسرع نحو الباب المغلق وطرق ليعلن عن وصولها. ثم دفع الباب وابتعد جانباً ليدع توري تدخل. رفعت مديرة المدرسة رأسها عن المستندات فوق مكتبها واعتدلت في جلستها حين دخلت توري. رأته يأخذ نفساً عميقاً، كأنه يهيئ نفسه للمواجهة المحتومة.
"أنا أعرف غاية هذه الزيارة".
"كان يجب أن يكون وضع حد للميزانية ضمن الإرشادات المقدمة مع المشروع منذ البداية. لقد مرت عدة أشهر منذ أن بدأنا وتُطبق الآن سياسة جديدة، سياسة لم تُطرح أبداً من قبل. لم تكن مشاريع المعهد تخضع لحدود للميزانية في الماضي. لماذا تُطبق الآن؟"
كانت تعلم أنه لم تكن هناك حدود للميزانية في الماضي، فقد سألت عن ذلك حين بدأت عملها. أرادت أن تعرف إن كانت هناك نسبة مئوية من دخل عائلتها أو حد أقصى للضرائب ينبغي لها الالتزام به، لكن لم يكن هناك شيء من ذلك. حتى إن كاسن بحث لأجلها. أخذ المدير نفساً عميقاً آخر وشبك يديه أمامه.
"أعرب نبلاء وعائلات طلاب مختلفون عن قلقهم من أنه بدون حد للميزانية، قد تخرج النفقات على المشاريع عن السيطرة".
أمالت توري رأسها قليلاً بينما ضاقت عيناها.
"لقد جاء هذا دون إنذار. لم تكن هناك شائعات عن دراسة مثل هذه القيود. ولو وُجدت، لما ينبغي تطبيقها على المشاريع القائمة".
"يبدو أنها أصبحت مصدر قلق ملح هذا العام"، قال المدير.
بدا وكأنه يتجنب النظر في عينيها واعتبرت ذلك دليلاً على الشعور بالذنب.
"أُخطرت هيئة إدارة المعهد وطُلبت مراجعة الميزانية وتطبيق حد لها قبل بدء العام الدراسي الجديد".
"الحد الأقصى للميزانية سنوياً مرتفع للغاية. معظم عائلات النبلاء لا تجني هذا المبلغ في السنة، ناهيك عن الاستعداد لإنفاقه على مشروع طفل".
انغرزت عيناها في عيني المدير.
"لا أستطيع التفكير في أي طالب آخر قد يبلغ هذا الحد سواه سواي. بالنظر إلى كل الأموال التي أُنفقت في الأشهر القليلة الماضية، لقد تجاوزت الحد الأقصى للعام الدراسي الماضي ولدي مستندات تؤكد تجاوزي له هذا العام أيضاً. لدي قرية بأكملها لا يتوجب علي دعمها فحسب، بل وإعادة بناءها. كانت هذه مسؤولية ضخمة أُلقيت على عاتقي ورغم احتجاجاتي الأولى، قبلتها وأمضيت أشهراً أعمل عليها. وفجأة، يُقال لي إن هناك حداً أقصى دون إنذار مسبق وأنا الوحيدة المتضررة؟"
كطت على أسنانها.
"إنه لأمر مشبوه للغاية، حضرة المدير لوران".
أطلق الرجل نفساً خافتاً وأطرق برأسه. أغمض عينيه وأومأ.
"أنا أفهم إحباطك، الآنسة غيفيرا. لقد اعتقدت أيضاً أن الأوان قد فات لتطبيقه على المشاريع القائمة. لا أرى ضرورة لذلك في هذه المرحلة؛ ومع ذلك، فهذا حد متفق عليه من قِبل هيئة إدارة معهد الشمس. ليس بيدِي حيلة حياله".
شيء ما في الغرفة تصدع، مخترقاً الصمت. رفع المدير لوران رأسه وألقى نظرة حوله، كأنه يبحث عن مصدر الصوت. فوق النافذة خلفه، ظهر خط متعرج باهت على منتصف بلورة منقوشة بشعار المدرسة. اتسعت عيناه ونظر إلى توري.
"حضرة المدير لوران، هناك أكثر من ألف وخمسمائة قروي يعتمدون على الأموال التي خصصتها لهم لإعادة بناء حياتهم. هذا ناهيك عن المئة وخمسين عاملاً الموجودين أيضاً عند الدلتا والذين وقعوا عقوداً للعمل لفترة زمنية. لقد أمضيت شهوراً في العمل معهم لبناء بلدة على المستنقعات. أتكون لديك أي فكرة عن حجم الأموال التي أُنفقت بالفعل؟"
قطب حاجبيه.
"الآنسة غيفيرا، كنت أظن أنك ستكونين الأكثر سعادة بهذا الأمر بالنظر إلى حجم ما تنفقينه-"
"لما قد تفكر في أمر كهذا، أيها المدير؟"
سالت توري بصوت حاد.
"لم يسبق أن سُئلت عن رأيي في هذه السياسة، وهي تمسني بشكل مباشر".
"لكن وضع حد لما يُنفق على كل مشروع في المعهد يمنح الطلاب فكرة عما هو ممكن دون إسراف".
"والحد الذي اختاروه كان أكثر مما يجنيه معظم النبلاء في سنة كاملة؟"
سألت توري وقد ارتفع حاجباها.
"سيتمكن الطلاب من تخطيط ميزانيات أفضل إذا وُضع حد أقصى".
حاول المدير لوران تبرير الموقف، لكنها رأت أنه لم يكن مقتنعاً تماماً حتى هو نفسه. لم تفارق وجهَ توري تلك الملامح الثابتة وغير المبالية.
"يجب أن يكون بمقدور الطلاب وضع ميزانيات ضمن حدودهم الخاصة وفقاً لاحتياجات مشروعهم. أليس هذا جزءاً من المشروع نفسه؟"
"بلى. يجب على الطلاب تقديم ميزانيات-"
"وهل فكرت في أن هذا الحد قد يشجع الطلاب على الإنفاق أكثر، ظناً منهم أن الإنفاق الأكثر يوازي عملاً أكثر؟ لا يتطلب الأمر سوى عدد قليل ليتحول هذا الحد إلى مبلغ متوقع إنفاقه. أفتكرت الهيئة في هذا الأمر بما يكفي؟"
"الآنسة غيفيرا، مجرد أن هذه السياسة تمسّك بشكل مباشر لا يعني أنها سياسة سيئة".
بدا المدير وكأنه يحاول استجداء تعاطفها.
"ليست كذلك. ما لا يُمثل عقلاً هو صدورها بحق جميع المشاريع القائمة التي تعمل بالفعل ضمن ميزانياتها الخاصة المحددة من قِبل الطلاب. إن كان لزاماً تطبيق هذا الحد، فيجب أن يكون على المشاريع الجديدة لطلاب السنة الأولى".
"بالنسبة لكثير من المشاريع القائمة، إن لم يكن أغلبها، لن يحدث هذا الحد أي تغيير"، أخبرها بِمَا يعلمه.
ضاقتا عينا توري مجدداً.
"كم عدد المشاريع التي قيل إنها ستتأثر بهذه السياسة؟"
"أنا متأكد من وجود عدة-"
"أريد مناقشة الأمر معهم".
بدا وكأن المدير حبس أنفاسه.
"كما تعلمين، تقارير المشاريع ليست متاحة للعامة حتى تُستكمل. الطلاب لا يعرفون كم ينفق الطلاب الآخرون".
"إذن، هناك احتمال أن أكون الشخص الوحيد المتأثر بهذا؟ احتمال أن يكون استهدافي مقصوداً".
"أنا متأكد من أنك لستِ-"
"متى أُقرّت؟"
لم تبدُ كسؤال بل كطلب، ولو لم تكن توري تحاول السيطرة على نفسها، لكانت كذلك.
"توصلت الهيئة إلى القرار النهائي قبل بضعة أيام".
شعرت بنتوءات جلدية تبرز على ذراعيها.
"متى قُدّم مقترح سياسة الحد الأقصى للميزانية؟"
عقد المدير حاجبيه وبدا وكأنه يحاول التذكر.
"بعد الفصل الدراسي الأخير".
"ممن؟"
هز المدير لوران رأسه.
"أنا آسف، الآنسة غيفيرا. هيئة الإدارة لن تفصح عن تلك المعلومات".
"أهناك سبب؟ ألا يفترض أن تكون التغييرات في السياسات شفافة؟ أيمتنعون عن إخفاء شيء ما؟"
سألت توري.
"ادعوا وجود مخاوف من ردود الفعل الانتقامية-"
"انتقامية؟ إذن فقد قُدّم من قِبل فرد يخشى رد فعل عكسياً ممن سيمسهم الأمر، لا مقترحاً طرحته هيئة الإدارة لمعالجة مشكلة طويلة الأمد؟"
جبناء لعينون. عبس المدير.
"لم أقل ذلك".
أخذت توري نفساً عميقاً وأرجعت رأسها للوراء، مهتزة به بخفة.
"لا داعي لذلك".
رفعت ذقنها وتراجعت خطوة صغيرة.
"حسناً. بما أنك لن تخبرني، فسأكتشف الأمر بطرق أخرى وأجعل هذه السياسة تُلغى، أو تُراجع على الأقل".
اتسعت عيناها المدير وارتد رأسه للخور.
"عفواً؟ الآنسة غيفيرا، هذه سياسة أصدرتها هيئة إدارة المدرسة. ليست بالأمر الذي يمكن لطالب إسقاطه بهذه السهولة".
ابتسامة جليدية لامست شفتي توري.
"أستمتع بتحدٍ جيد بين الحين والآخر".
أومأت برأسها للمدير إيماءة خفيفة واستدارت.
"الآنسة غيفيرا!"
"أمسية طيبة يا حضرة المدير".
كادت أن تطيح بالباب وهي تخرج، دون أن تكلف نفسها عناء إغلاقه خلفها. انتفض السيد ليغاسبي في مقعده بينما مرت متجاوزة إياه وهي تغلي غضباً. صوت تصدع آخر اخترق الغرفة وتكسر درع بلوري تزييني صغير على مكتبه من المنتصف. خرجت توري من المكتب ووقف أصدقاؤها، الذين تتبعوها لكنهم ظلوا في الخارج، في وضع الاستعداد حيث كانوا يتكئون أو يجثمون ضد الجدار.
"توري؟"
أسرعت إيليانا نحوها ومدت توري يدها لتوقفها.
"أحتاج إلى لحظة".
أخذت إيليانا نفساً عميقاً وخفضت يديها. أومأت برأسها وتراجعت دون احتجاج. وضع إيوان يده على كتفها ليمنحها ضغطة مواساة. دون كلمة، سارت توري في الممر وخارج مبنى الإدارة. بدت على وجهها نظرة قاتلة وهي تخطو للخارج. وبما أنها كانت تقضي يوماً سيئاً، فإن آخر أشخاص أرادت رؤيتهم كانوا يقفون خارج أبواب مبنى الإدارة مباشرة. كانت أليسا تقف بين غيدون وديمتري، بينما وقف فابيان على الجانب الآخر لغيدون.
فتح غيدون فمه فرفعت توري يدها، واضعة إياها بينهما وبدت كفها ملامسة لوجهه تقريباً.
"لا تحدثني. سأعتبر ذلك مضايقة".
ارتد برأسه للخلف والتفت إلى الثلاثة الآخرين. لم يبدُ أن أيّاً منهم يعرف ما يقوله وتجاهلتهم توري وهي تسير نحو بوابات المدرسة. ومع اقترابها، أدخلت يدها في جيبها وأخرجت جهاز التواصل.
"اتصل بلورد ريستروم"، قالت توري بعد أن انزلق إصبعها على البلورة الباردة.
بعد لحظة، أجاب صوت المرأة.
"مرحباً يا ملاكي".
"مربية، أأنت مشغولة؟"
"لا".
انخفض صوت المربية ري.
"ما الأمر؟"
ارتجفت شفتا توري.
"لدي طاقة أريد تفريغها. أيمكنك النزال معي؟"
"بالطبع يا ملاكي. سألقاك في الساحة الآن".
"شكراً لك".
اهتز صوت توري وهي تنهي المكالمة. واصلت السير خارج بوابات المدرسة وعيناها مثبتتان على الساحة في المقطع التالي. أخذت نفساً عميقاً آخر وأمرت إصبعها بالانزلاق على البلورة مجدداً.
"اتصل بكاسن دي غيفيرا".
أجاب صوت شقيقها فوراً تقريباً.
"أهناك خطب ما؟ عادّةً لا تتصلين خلال النهار".
أطلقت توري نفساً خافتاً بينما قبضت يدها على الجهاز الصغير. تسابق عقلهما في محاولة لشرح ما يجري، لكنها لم تجد الكلمات. كطت على أسنانها وأغمضت عينيها.
"أتعرف ما هو أمر الحضور القضائي؟"
بدأت الحصة وسط إجماع صامت على أن يجلس كل طالب في مكانه المعتاد. دخلت توري وإليانا بخطوات آلية وتوجهتا إلى المقعدين الأخيرين في الزاوية بلا تساؤلات، واستقرتا فيهما كأن بضعة أشهر من الانقطاع لم تمر. لم يطلب أحد تبديل مقعده، وفكرت توري أن هذا سيكون حالهما طوال ما تبقى لهما من أعوام في المعهد: جلوس في الخلف وتجاهل تام. فتحت توري الباب لإليانا في اليوم الأول من الأسبوع الدراسي الأول، وهما تتبادلان أطراف الحديث عن طعام التخييم، ودخلتا كالمعتاد.
ما إن تجاوزتا مقعديهما حتى تباطأت خطاهما فجأة وتوقفتا. عشرات العيون تحدقت فيهما بريبة. أجفلت إليانا ورجعت برأسها قليلاً وهي تنظر إلى توري بعبوس خفيف. ابتسمت توري. كانت تتوقع شيئاً كهذا بمجرد انتشار الخبر. رسمت توري ابتسامة لطيفة على وجهها عنوة وتابعت السير نحو مقعدها كأن شيئاً لم يكن. تبعتها إليانا ووضعت حقيبتها على طاولتها المعتادة. ساد الصوت أرجاء الصف، وكادت توري تلمس التوتر الماثل في الهواء حين رأت بطرف عينها زملاءها في صف الدراسة يتبادلون النظرات المحرجة، قبل أن يستقر مطاف عيونهم على ديميتري.
كان الأمر إما واقعاً عليه أو على غيدون، وبما أن الجميع علموا أن الخلاف بينها وبين غيدون قائم، فقد وقع اختيارهم صمتًا على ديميتري ليتحمل المسؤولية. نهض من مقعده خلف أليسا وتوجه نحو مؤخرة القاعة. اقترب بلا كلمة، وما إن بات على بعد خطوتين من طاولتهما حتى تحدثت توري دون أن ترفع عينها عن دفترها.
قالت: "أكرر، إن تحدثتَ معي، فسيُعدّ ذلك مضايقة".
والتفتت إلى إليانا.
"سجلي الوقت والمكان ومن يحضر هنا، تحسباً لاحتياجنا إلى شهود إن تطور الأمر سوءاً".
أطبقت إليانا شفتيها في خط حازم وأومات برأسها، ثم فتحت أحد دفاترها، وتحققت من الوقت، وخطت ملاحظة به في جانب الصفحة. بدا طلاب الصف كأنهم يتحركون في مقاعدهم بتململ جماعي وهم يرمقون ديميتري، كأنهم يحثونه على مواجهتها. أعاد ديميتري نظره نحو مقدمة الصف، والتمس الدعم من أليسا وغيدون، قبل أن يلتفت مجدداً إلى توري.
قال بصوت ثابت، وهو أمر يثير الإعجاب وسط هذا الجو المشحون: "الليدي جيفيرا. أحيصيحة هي نيتك مقاضاة المدرسة؟"
تأكدت أن الصف بأسره يحبس أنفاسه.
"لا أنوي ذلك يا سيد غثري. بل بدأ الإجراء بالفعل".
توقفت برهة وسط تقليبها لملاحظاتها ورفعت رأسها لتلتقي نظرتها بنظراته.
"هذا الإجراء لا يعنيك".
ورمقته بنظرة محملة بالإحراج لأجله.
"هذا ليس المكان المناسب لسؤالك، لذا أرجو أن تكف عن ذلك".
على الجانب الآخر من القاعة، انتفض غيدون واقفاً وضرب بيديه على الطاولة.
"أنت تتصرفين بجنون! كيف لك أن تقاضي المدرسة؟"
تردد صدى صوته في المكان. التفتت توري إلى إليانا.
"الأمير الثاني غيدون صرخ في وجهي وأساء إليّ بوصف تصرفي بالجنون".
وبجانبها، أومات إليانا برأسها ودوّنت ما سمعته في دفترها.
"فهمت".
اندفع غيدون نحوهما.
"ماذا تفعلين؟"
أدارت توري رأسها بعيداً عنه.
"لا تعليق".
لم تحتاج إلى النظر إليه لتدرك أنه يغلي غضباً. كانت يداه مقبوضتين بإحكام شديد حتى باهتا من شدة الضغط، في تناقض صارخ مع وجهه المحمر المتورد.
"ليدي جيفيرا".
نهضت أليسا من مقعدها، لكنها ظلت في مكانها من القاعة. وألقت على توري نظرة توسل.
"أعلم أنك تشعرين بأن السياسة الجديدة تستهدفك، لكن الأمر ليس كذلك قط! لقد وضعت لمصلحة المدرسة بأسرها".
حدقت فيها توري بعينين خاليتين من أي تأثر. ثم التفتت إلى إليانا وأومات لها. ردت إليانا الإيماءة وواصلت الكتابة في دفترها. بدا الطلاب المحيطون بهما مستائين لكون هذا النقاش لا يقود إلى شيء.
قالت أليسا متجرئة على الكلام مجدداً: "ليدي جيفيرا، أرجو أن تعيدي التفكير. الدعوى القضائية ضد المدرسة ستشكل تشتيتاً لبقية الطلاب، كما ستسبب المتاعب لهيئة التدريس".
استمرت توري في رمق أليسا بنظرتها الباردة ذاتها قبل أن تعيد حركتها السابقة وتومئ لإليانا. بدا صوت خدش قلم إليانا لدفترها كأنه يملأ صمت الصف المحرج، وكادت توري تضحك. لوح غيدون بذراعيه في الهواء ثم هوى بيديه على طاولة توري. انحنى إلى الأمام ناظراً إليهما بوعيد.
"ألا تنتبهين! ما تفعلينه ضياع للوقت والمال! للمدرسة أمور أهم من خوض صراع معك بسبب سياسة واحدة".
ألقت توري شفتيها وأومات موافقة.
" ومع ذلك، ها نحن ذا".
وبجانبها، عضت إليانا على شفتيها لتمالك نفسها من الضحك.
"لا تنسي تدوين أنه يعتدي عليّ".
بدا وجه غيدون الأحمر أكثر احمراراً، وقبل أن يبدو وك أنه على وشك الصراخ في وجهها، وصلت المعلمة روزموند.
قالت المرأة وهي تشق طريقها مباشرة نحو مقدمة القاعة: "صباح الخير جميعاً. السيد غثري، سمو الأمير، رجاءً عودا إلى مقعديكما".
التفت غيدون بسرعة وبصيغة استجداء: "المعلمة روزموند! لابد أن لديك ما تقولينه حيال هذا الأمر!"
هزت المعلمة روزموند رأسها وهي تقف خلف مكتبها وتضع أوراقها فوقه.
"لا يمكنني التعليق في الوقت الحالي. تفضل بالجلوس سمو الأمير".
سمعت توري غيدون يطلق زمجرة مكتومة ومنخفضة قبل أن يرمقها بنظرة حارقة ويعود بخطوات غاضبة إلى مقعده. انحنت نحو إليانا وهمست مع بدء المعلمة روزموند الدرس.
"يبدو أن الأمور ستسير هكذا لفترة".
أومات إليانا.
"أنا مستعدة".
حيثما ذهبت توري، لاحظت نظرات الطلاب والعاملين على حد سواء وهي تحمل درجات متفاوتة من الريبة والاضطراب والضيق. لو لم تكن معتادة على هذا، لربما أزعجها الأمر، لكن المناخ الاجتماعي القاسي للعام المنصرم ساعدها على الاستعداد، وإن كان ذلك كرهاً. على الأقل، تمتلك هذه المرة أصدقاء أطياباً لا يعاملونها بشكل مختلف لمجرد مقاضاتها مدرستهم.
"الآنسة أقافونوفا!"
أبطأت توري خطواتها حين توقفت إليانا التي كانت تمشي بجانبها واستدارت. ابتسمت إليانا بإشراق لتحية زميلتهما في طريقهما لتناول العشاء في مقهى فورتونا. كان تناول الطعام أسهل حين لا يحدق أحد بهما. فوق ذلك، أبدى بيرز شهامة مع إليانا فسمح لها بتناول الطعام مجاناً واستخدام الغرفة الخاصة للمذاكرة، حتى إن لم تكن توري رفقتها.
قالت إليانا: "مساء الخير. يسرني لقاؤك مجدداً".
قالت الفتاة ذات الشعر البني: "وأنا أيضاً".
رسمت ابتسامة متوترة لتوري قبل أن تعيد نظرها إلى إليانا.
"كنت أتساؤل متى ستستأنفين جلسات المراجعة. أعلم أن الموعد ليس قبل الأسبوع القادم، لكني أردت ترتيب جدولي".
فتحت إليانا فمها لبرهة وتوقفت. أغلقت فمها وارتسمت على محياها ابتسامة لطيفة.
"أخشى أنني لن أعقد أي مراجعات في المستقبل المنظور".
عقدت توري حاجبيها. كانت هذه أول مرة تسمع فيها بذلك. لم تكن مراجعات القادم من الأيام ذات ثقل مقارنة بالامتحانات النصفية والنهائية، لكن معظم الطلاب أخذوها بجدية مع ذلك. شاع الاضطراب على وجه الفتاة التي اقتربت منهما. تجعدت عيناها وباتت تفرك يديها.
"لن تعقديها؟"
تحدثت طالبة أخرى بينما اقتربت مجموعة صغيرة من الوجوه المألوفة من دفعتهم: "آنسة أقافونوفا، ألن تعقدي مراجعات هذه المرة؟"
أومات إليانا.
"أخشى أن السياسة الجديدة أثرت سلباً على جدول أعمالي، وما لم يُلغَ هذا القرار أو يُعدَّل، فليس لدي الوقت أو الطاقة الكافية لعقد المراجعات".
اتسعت عيناها توري ذهولاً. التفتت إليانا إليها وابتسمت قبل أن تعود ببصرها نحو البقية.
وتابعت بصوتها المبهج المعتاد كأنها لم تحطم آمالهم: "أتمنى لكن التوفيق في امتحانات المراجعة".
ثم شبكت ذراعها بذراع توري وواصلتا المسير.
قالت توري برفق: "إليانا، لست مضطرة لفعل هذا".
هزت صديقتها رأسها.
"القرويون يعتمدون علينا، وهذه السياسة تؤثر عليهم سلباً. لست غبية. من الواضح أنها تستهدفك أنت".
احمرت عيناها وانعقدت شفتاها بعبوس.
"لن أعقد جلسات المراجعة احتجاجاً على ذلك".
شعرت توري بوخز في عينيها. سحبت ذراعها من ذراع إليانا ثم طوقتها بذراعيها في عناق.
"أنت أطيب صديقة ورفيعة سكن يمكن لأحد أن يرجوه، أتعلمين ذلك؟"
عادت إليانا معانقتها وضحكت بخفة.
"لا أعرف حقاً... لكن رفيقة سكني عمدت إلى تدبير نصف دزينة من الحراس الشخصيين لتتأكد من عودتي وإيابي بسلام".
ضحكتا معاً وهما تسندان جبهتيهما إلى بعضهما.
"ماذا تعتقدان أنكاما تفعلا؟ لا تقفا في منتصف الممر".
توقف هنريك على بعد خطوات منهما وضيّق عينيه.
قالت إليانا: "نناقش موقفي التضامني".
تشابكت ذراعاهما مجدداً ومدت توري ذراعها الأخرى لهنريك. تنهد وخطا إلى الأمام ليشبك ذراعه ويترك نفسه مسحوباً معهما.
سأل وهما يتجهان نحو البوابات: "إذن، ما هو مظهرك التضامني هذا؟"
قالت إليانا: "لن أعقد أي جلسات مراجعة إضافية!"
التقط هنريك أنفاسه بحِدّة وحدق بها بذعر.
"للآخرين! أما أنت فبخير! سنواصل عقدها! لقد أخبرني سمو الأمير بيرز أن بمكاني استخدام الغرفة الخاصة في مقهى فورتونا، لذا فكرت في نقل جلسات دراستنا إلى هناك".
استرخى هنريك فوراً.
"أه، حسناً. إذن لا بأس. لقد اعتاد والداي درجاتي لدرجة باتا يتوقعان مني التحسن دائماً..."
ضيق عينيه أمامهما. هز رأسه والتفت نحو توري.
"وبالحديث عن التضامني، لقد خطرت لي فكرة".
"ممم؟"
رمقته توري بنظرة فضولية.
"أعضاء مجلس الإدارة أشخاص معروفون. وليس سراً من هم ولا صلتهم بالمدرسة".
"نعم..."
رمقته توري بنظرة مريبة.
"إلى ماذا تروم يا سكولدن؟"
قال هنريك: "باعتبارهم شخصيات معروفة، أخشى أن يحاولوا الانتقام منك عبر حظر متجرنا".
هز كتفيه.
"أرى ببساطة أن نضمن عدم إتاحة أي فرصة لهم لفعل ذلك".
أخذت توري نفساً عميقاً.
"لم أكن أرغب حقاً في زج بوابة الأسد في الأمر".
"حين تكون واجهة بوابة الأسد هي من تقاضي مدرستها إذن..."
"أنا لست واجهة بوابة الأسد".
لفت توري عينيها مللاً.
"لكن امضِ قدماً. احظرهم قبل أن يحظرونا".
قال هنريك بابتسامة ماكرة: "توقعت أن تقولي ذلك. لقد تواصلت بالفعل مع المديرين وأرسلت إليهم الأسماء والعائلات المعنية".
"احتفظ بأسمائهم. لا أريد رؤية أي منهم قرب الدلتا حين نقيم مهرجان الربيع هناك".
قال المعلم إغناطيوس وهو يقف أمام الطاولة الكبيرة التي يجري عليها تجاربه عادة أمام تلاميذه: "أيتها الصبايا والشباب، أردت الإعلان عن أمر ما".
أخذ نفساً عميقاً.
"هذه ستكون سنتي الأخيرة في التدريس بمدرسة سولاي".
رفعت توري يدها من مقعدها في خلف الصف ومررتها على وجهها. كانت تخشى حدوث هذا وتعرف تماماً ما ينوي فعله بدلاً من التدريس. امتلأ الصف بالهمهمات وتساءل الجميع عن سبب استقالته بعد عامين فقط قضاها معلماً في أرقى مدرسة بالإمبراطورية.
قال وهو يبدو سعيداً أكثر من اللازم بقول ذلك: "مع أن هذه ستكون سنتي الأخيرة، فسأعمل جاداً على إعدادكم جميعاً لاستخدام البلورات بأفضل قدراتكم! لقد بدأت المدرسة بالفعل في البحث عن معلم بديل".
بسبب إعلانه، وجدت الصف صعوبة في التركيز ولم تستطع توري إلا الانتظار حتى ينتهي الأمر لتقترب منه.
قالت حين وصلت إلى مكتبه وكانت آخر مرة رأته فيها متعباً ومنهك الروح: "يا معلم".
كانت تشك في أن السبب هو افتقاده العمل في الدلتا، لكنها لم تظن أنه يفتقده إلى هذا الحد.
"ما الذي يجري؟ أخبرني الجميع أنك تحب التدريس".
نظر إليها بابتسامة ساطعة وعينين حنونتين كأن معرفتها كانت الشرف الذي قاده إلى الدلتا.
قال وبدو عاجزاً عن إيقاف ابتسامته: "أنا أحب التدريس حقاً! إنه إحدى أفضل الطرق لنشر اهتمامي بهذا الموضوع".
إنه هوس، ولكن لا بأس.
ضيقت توري عينيها وقالت: "إذن لماذا هذه هي سنتك الأخيرة في التدريس؟ لم تمارس الأمر سوى لعامين".
ثم سألت: "أهل الطلاب هم السبب؟"
قال وهو ينظف مكتبه استعداداً للمساء: "لا، لا! الطلاب رائعون! الجميع منتبهون للغاية ولديهم اهتمام قوي. كل ما في الأمر أنني وجدت خلال الصيف أنني أحب العمل على المشاريع في الدلتا بدرجة أكبر".
رفع رأسه وتجعدت عيناه وكأنه يكاد يعجز عن احتواء حماسته.
"أخطط للانتقال إلى هناك بشكل دائم للعمل على مشاريعنا. لقد تحدثت مع مجلس القرية بشأن الأمر بالفعل...".
تلاشى صوتُه وأدركت توري أنه لابد رأى عدم التصديق وخيبة الأمل الطفيفة على وجهها.
"سيدة تور... آنسة غيفارا... هل هذا جيد؟"
أغلقت توري عينيها واستنشقت بعمق.
"إذا كانت القرية موافقة على انتقالك إلى هناك، فأنا موافقة بالطبع على فعلك ذلك. ظننت فقط أنك وجدت شغفك في التدريس".
ضحك وأومأ برأسه وقال بصوت خافت: "ظننت أنه شغفي أنا أيضاً. لكن المدرسة ببساطة لا تمنحني المرونة التي لم أكن أعلم أنني بحاجة إليها، ولا أظن أنني قادر على استخدام البلورات بما يكفي لأكتسب الخبرة التي أرغب بها. أفكر في سلوك طريق المعلم والمتدرب المباشر مثلما فعل المعلم راموس".
عضت توري على شفتيها.
وقالت: "أمتأكد أنت؟ لقد قضيت شهوراً قليلة فقط في الدلتا. أنت لا تعرف كيف سيكون الشتاء هناك. وكنت تعيش في خيمة. جزيرة أناهاتا هي جزيرة من الفئة إكس. ستكون إحدة آخر الجزر التي تُعمر إذ لا يُنظر إليها بوصفها مهمة لعمل القرية ودعمها الفوري".
قال متوقفاً: "آنسة غيفارا، أنا جاد للغاية بشأن هذا. إن ما أصنعه بيدي هاتين في الدلتا، ومعالجة مشكلات لم أفكر فيها قط لكني أستطيع حلها ومساعدة الكثير من الناس من خلالها، هو أمر لم أكن أعلم أنني بحاجة إليه. الدلتا... مكان سحرّي. لقد كانت كافية لدفع المعلم راموس، أبرز خبراء البلورات في سولاي، للخروج من التقاعد والانتقال إليها".
نظرت توري إلى الأسفل وقالت: "أنت معلم جيد".
كانت تعني ما تقول، رغم علمها بأنه جاسوس لأخيها.
"الطلاب يحبونك، وأنا التي أعاني ضعفاً شديداً في البلورات أتعلم منك الكثير. أريدك أن تفعل ما تريد، وأن تعيش حيث تشاء. أريدك فقط أن تكون متأكداً".
لان وجهه وأومأ.
"أنا متأكد، سيدة توري. لقد فكرت في هذا طويلاً وناقشته مع المعلم راموس".
ابتسم بتمعن.
"وتعرفين أن هناك شباباً في الدلتا يملكون واعدية وأود منحهم الفرصة لتعلم المزيد عن البلورات. إنهم يعيشون على ما يُرجح أنه أقوى عرق طاقة في الإمبراطورية. سيكون عاراً ألا يتعلموا".
أومأت قائلة: "إذن، إن كان هذا ما تريده حقاً... فأعلمني بأي شيء يمكنني فعله من أجلك هناك".
ابتسم باتساع.
"خيمة وطعام يكفيان!"
أومأت توري برأسها قبل أن تذهب لجمع أغراضها وتتوجه نحو ساحة التدريب. وحين خرجت من غرفة تبديل الملابس، كانت القائدة ميسر تعقد اجتماعاً عاماً مع طلاب السنة الأولى. رأت توري تخرج فابتسمت.
"ها هي ذا! أثق بأن معظمكم على علم بالسيدة توري دي غيفارا. هي من ستلقي عليكم محاضرة تحضيرية لرحلتكم الميدانية في وقت لاحق من هذا الأسبوع. في العام الماضي، جاء فريق توري في المركز الثالث".
ابتسمت توري وهي تتوجه للوقوف بجانب القائدة وقالت: "مرحباً بكم جميعاً! يسرني رؤيتكم مجدداً. آمل أنكم تأقلمتم جيداً في المدرسة طوال الأيام القليلة الماضية".
تلقت تحياتهم، لكن كان هناك شيء من التردد في أعينهم. ضحكت توري.
"وإن كنتم تتساءلون عما إذا كنت أقاضي المدرسة أم لا، فدعوني أريح عقولكم. أنا أفعل ذلك".
إلى جوارها، رفعت القائدة ميسر يدها إلى وجهها.
"توري...".
"هدفي هو إلغاء سياسة غير منصفة، أو على الأقل تعديلها والمطالبة بأن تُعرض السياسات المستقبلية على الطلاب الحاليين في العام القادم مع فترة تعديل، بدلاً من فرضها عليهم فوراً. بالطبع، مع وضع الأمان في الاعتبار. ومع ذلك، لا تركزوا على هذا. أمامكم رحلة ميدانية مدتها ثلاثة أيام وليلتان يتعين عليكم التعامل معها".
قالت لها القائدة ميسر: "لقد كُلفوا بتصنيف وجمع النباتات الطبية غير بعيد عن الدلتا. أعتقد أنها قريبة من قرية لوتري لاندينغ. عليهم جمع إجمالي يعادل وزن عشر عملات نحاسية".
ارتفع حاجبا توري.
"هذا كثير حقاً. أمامكم عمل شاق لإنجازه. والآن بعد أن عرفتم إلى أين ذاهبون، يجدر بي إخباركم بإنجاز القليل من التحضير. أولاً، احصلوا على خرائطكم. واجهنا وقتاً عصيباً العام الماضي. تنفد الخريطة بسرعة، وكما يبدو، فما إن يكتشف الطلاب مكان رحلتهم الميدانية حتى يسارعوا للحصول على خرائط".
بدا بعض طلاب السنة الأولى شاحبين ونظروا باتجاه مدخل ساحة التدريب. كانت القائدة ميسر رحيمة.
"إن لم تحصلوا عليها فاذهبوا الآن".
اندفع عدة طلاب عبر البوابة.
"أما البقية منكم، فابدأوا في شراء المعدات التي تحتاجونها. كان ينبغي أن تمنحكم المدرسة قائمة بالإمدادات المقترحة. لقد حجزنا ساحة التدريب في اليوم السابق لمغرفتكم لنقوم بنصب تجريبي لمعسكراتكم استعداداً للأمر. سأكون أنا، إيليانا أفاغونوفا، وبعض الأصدقاء الآخرين هنا لإرشادكم".
"سيدة توري، هل يمكننا إحضار أعضاء مجموعتنا لمحاضرة الغد؟"
نظرت توري إلى القائدة فأومأت الأخيرة.
"نعم. أعضاء رابطة السيوف ومجموعاتهم فقط. استعدوا لتدوين الملاحظات وجهزوا أي أسئلة لديكم. إن واجهتم صعوبة في شراء الإمدادات بالجوار، فإن بوابة الأسد الشرقية في المقاطعة الثامنة تضم معدات جاهزة. في العام الماضي حدث نقص في الإمدادات ولم أرد تكرار ذلك مع طلاب آخرين، لذا رتبنا لبيع الإمدادات بخصم لطلاب المدرسة. يكفيك إبراز رمز تعريفك المدرسي".
تراجعت خطوة إلى الخلف وصفقت القائدة ميسر بيدها.
"حسناً، يمكننا الآن الانتقال إلى الجزء الممتع! إن كانت لديكم بعض الخبرة فستتبعونني. وإن كنتم مبتدئين تماماً فسيوجهكم المعلم ماكدوغلاس عبر الأساسيات".
تمددت توري قبل أن تنضم إلى إيوان الذي كان في منتصف دوراته الجارية. ركضت معه لدورتين ثم ذهبت لتمارس مجموعاتها لتسخين جسدها أكثر. انضم إليها إيوان بمجرد أن انتهى من الجري.
قالت توري: "حسناً. تفقدت دليل سيبي. اليوم سيكون هناك زوايا وحركة أقدام، مع التركيز على جانبك الأيسر".
أومأ إيوان وهو يعرف تماماً ما يجب عليه فعله.
قال أحدهم من خلفها: "لقد تحسن طوال الصيف".
التفتت لتنظر من فوق كتفها فرأت نائب القائدة الجديد غاريت غارتنر، أو جي جي كما كان ينادي الجميع. كان شاباً طويلاً ضخماً ذا شعر داكن قصير وشخصية دافئة مشجعة.
"إنه يبذل جهداً أكبر من المعتاد".
ابتسمت توري بافتخار ونفخت صدرها.
"إنه يتدرب من أجل لا غاردا".
قفز حاجبا جي جي ونظر إليها مندهشاً قبل أن يومئ ببطء موافقاً.
ثم سأل وهو ينظر إلى إيوان مجدداً: "إذن... أهو بمعية معلم يرشده أم مدرب شخصي؟"
"ليس تماماً. لقد مكث لشهرين تقريباً في الدلتا هذا الصيف بينما كان أخي هناك أيضاً. جعله سيبي يبدأ بأعمال التأسيس واللياقة البدنية".
ضيق جي جي عينيه وبدا كأنه يكاد ينكمش.
"تقصد بلفظ سيبي اللورد سباستيان دي غيفارا؟ الوحش؟"
"جي جي، إنه أخي مع ذلك".
ضيقت توري عينيها نحوه قبل أن تعود ببصرها إلى إيوان.
"ولكن نعم. لقد عمل سيبي على نظام تدريبي مصمم خصيصاً لمساعدة إيوان على التحسن ببطء ولكن بثبات".
"أنا حاسد له بعض الشيء".
"ولدى إيوان وقت مخصص للتدرب تحت إمرة السير ناصون".
أطلق جي جي صفيرة خافتة.
"فارس الأمير الأول؟ لابد أن هذا رائع".
أومأت توري.
"نعتقد أن لدى إيوان فرصة جيدة حقاً. ستدرسه إيليانا لرفع مستواه الأكاديمي وإعداده لامتحانات لا غاردا الكتابية".
نظر إليها جي جي بمزيج من عدم التصديق وعدم الإنصاف.
"إذن، هذا الفتى لا يحصل على نظام تدريبي مخصص من اللورد سباستيان فحسب، ويتدرب تحت إمرة السير ناصون اللذين دربهما الجنرال الماركيز فون شفيرت ويُعدان أفضل سيفين في عصريهما، بل سيقوم بتدريسه أيضاً الطالب الحاصل على المركز الأول في سنتكم؟"
قالت توري: "لكي نكون منصفين، كانت إيليانا تقود مراجعات الجميع بالفعل وكانت تساعده منذ الفصل الدراسي الماضي. ما يحتاج إليه إيوان هو المزيد من شركاء النزال لاكتساب الخبرة".
"سأنازله".
التفت كل من توري وجي جي نحو فابيان الذي كان يتدرب على الضربات على بعد خطوات قليلة. عبست توري. انطلقت ضحكة إيوان من أمامها.
"لا، شكراً لك، السير فون دورن. ربما بعد بضعة أشهر، لكني لست جاهزاً لك بعد".
قال فابيان بصوت حاد: "أهلاً؟ أأنت خائف؟"
قال إيوان من دون أدنى ذرة خجل: "نعم. لقد بدأت للتو أخذ تدريبي على محمل الجد. أنا عديم الخبرة ولدي حدود كثيرة، لكني لست غبياً".
نظر باتجاه فابيان بابتسامة فارغة.
"لن أضع نفسي في موقف لا أستطيع التعامل معه بوضوح لمجرد الغرور".