تورِي تنتقل إلى عالم آخر الفصل 44 — هذا سبب سخيف للسكر

اقرأ تورِي تنتقل إلى عالم آخر الفصل 44 — هذا سبب سخيف للسكر باللغة العربية على مانجا تايم.

"باستطاعتك حزم حقائبك. أستطيع الذهاب من دون مرافقك."

"أمرني السيد كاسن بمراقبتك."

"أأنت فارس السيد كاسن أم فارسي؟"

"فارسُكِ، لكنكِ لن تقتليني. هم سيفعلون."

سمع غيدون صوت أخيه والسير ناساون من خلف الزاوية فأسرع خطاه. أتى لتناول العشاء العائلي مع والديه في الليلة السابقة، لكن أخاه وأخاه بالمعمودية، السير أكستون ناساون، لم يكونا على المائدة. أخبرته والدته بذهول ودون تركيز إنهما مرتبطان بموعد مسبق ولا يمكنهما الحضور. شعر غيدون بخيبة أمل. مع أنهما يرتادان مدرسة قريبة من بعضهما، فإنه نادراً ما يرى أخاه المبجَّل. لم يأتِ بيرز إلى وجبات العشاء العائلية الكبرى إلا مرة واحدة في الشهر، وحين يفعل، كان غالباً ما يجلس في الطرف الآخر من المائدة مع عمِّهما الكبير.

نادراً ما تسنَّى لغيدون التحدث إليه. وبما أنه كان مغادراً بعد الظهر، ظنَّ أنه سيُخطئ موعد رؤية أخيه مجدداً، لكن بدا أنه محظوظ. استدار حول الزاوية ورأى الكتفين العريضتين لأخيه والسير ناساون وهما يسيران نحو بيت الحراسة. اتسعت عيناه.

"بيرز!"

توقف أخاه وألقى نظرة من فوق كتفه. تلاقت عيناهما وأومأ له أخوه برأسه إيماءة خفيفة قبل أن يعيد وجهه للأمام ويتابع طريقه. بدأ غيدون بالركض.

"انتظر! إلى أين أنت ذاهب؟"

تابع بيرز السير دون أن يلتفت للوراء.

"لدي موعد اليوم."

"أهو بالقرب من ليسي؟ عليَّ العودة."

"لا، ليس هناك،"

قال بيرز. تحرك أكستون قليلاً إلى الجانب، كأنه يفسح مجالاً بينه وبين بيرز ليتسلل غيدون من بينهما.

"أبعيد هو عن هنا؟"

تابع غيدون باهتمام جاد. لم يخفِ رغبته في قضاء بعض الوقت مع أخيه. كان بيرز منعزلاً ومشغولاً دائماً. إن لم يبذل غيدون جهداً، فلن يتسنى له أبداً أن يتبادل كلمة معه.

"في الحي الثاني عشر. أنا أفصل بدلة بمناسبة مأدبة عيد ميلاد والدتي."

توقف بيرز ثانية وألقى نظرة نحوه من الأعلى.

"أنت في سن تنمو فيها بسرعة. عليك أن تقيس مجدداً وتطلب بدلة أخرى."

ابتسامة عريضة غمرت وجه غيدون. لقد لاحظ أخوه أنه أصبح أطول! أومأ بحماسة بالغة.

"نعم، سأفعل ذلك!"

أعطاه بيرز إيماءة موافقة خفية. كان غيدون يعيش لأجل تلك الإيماءات. لم يكن لدى أحد في الإمبراطورية أخ أبرز منه. طالب متفوق طوال حياته، وسياف بارع، وشخص لطيف لكن حازم. لو لم يكن أخاه شديد النفور من مخالطة الآخرين، لكان أميراً لورث العرش وإمبراطوراً ممتازاً. مع ذلك، كره بيرز القيام بأي شيء يحمل صبغة اجتماعية ولو من بعيد. كان صديقه الوحيد هو أكستون، وما لم يكن يتحدث عن السياسات أو التجارة، أو يبدي آراءً في العلاقات الدبلوماسية، كان بيرز يجيب بجمل قصيرة ومقتضبة.

إن حقيقة طلبه من غيدون إعادة أخذ مقاساته لبدلة قد بعثت فيه ابتهاجاً عظيماً.

"أعتقد أنه يجب عليك أيضاً طلب بدل إضافية لوجبات الغداء والعشاء هذا الصيف،"

قال أكستون مفاجأةً من يمينه. قطب غيدون حاجبيه ونظر إلى أخيه بالمعمودية.

"وجبات الغداء والعشاء؟"

لن يحضر أخوه المعروف بسوء مخالطته للناس أموراً كهذه. إن لم تكن فعالية إمبراطورية مهمة تتطلب حضوره، لما وطئت قدم بيرز قاعة رقص قط. التوت زاوية شفة أكستون في ابتسامة خبيثة صغيرة.

"لقد صار يحضر فعاليات أكثر في الآونة الأخيرة. ألم تلاحظ؟"

ضيق غيدون عينيه. تذكر دهشته لرؤية أخيه في حفلة رئيس الوزراء المسائية قبل أشهر. فهل حضر بيرز غيرها منذ ذلك الحين؟ انخفضت شفتاه في عبوس. أكان ذلك بسبب السيدة غيفيرا؟ لم تكن تلك الفتاة الأنانية تبدي أي كبح لنفسها. يكفي جرُّها لأصدقائها العاميين الصغار في ليسي، أما استغلال أخيه بسبب صلة بيرز بأشقائها؟ فهذا تمادٍ يتجاوز الحد. لم يكن بيرز هناك لكي تستخدمه أداة ترويجية تساعدها في الإعلان عن معاطفها السخيفة وبيعها للطبقة الأرستقراطية.

بدا وجهه مظلماً وهو يعيد نظره إلى أخيه.

"لست مضطراً للذهاب إن كنت لا تريد."

لم يتغير تعبير وجه أخيه.

"من قال إنني لا أريد؟"

أمال غيدون رأسه إلى الجانب. لم يتوقع ذلك من بيرز. لقد بلغ أخوه التاسعة عشرة في الشهر الثاني، وطوال تلك السنوات، علم غيدون أن أخيه لا يحب الذهاب إلى المناسبات الاجتماعية. كره بيرز التواجد حول الكثير من الناس. وكره الأجواء الصاخبة. ولم يحبَّ أن يلمسه أحد، وإن اقترب شخص أكثر من اللازم، كان يبتعد لاإرادياً. وإن لم يفعل وشعر بالانزعاج لفترة أطول من اللزوم، لبدأ يشعر بقلق شديد ويثور إن لم يستطع مغادرة الموقف سريعاً.

لِمَ قد يضع بيرز نفسه في مثل هذا الموقف المجهد؟ السبب الوحيد الذي استطاع غيدون التفكير فيه ويغير رأي أخيه هو أن السيدة غيفيرا تمارس ضغوطاً عليه وتجبره على الذهاب. عرف الكثيرون، وهو منهم، أن مشروع ليسي الشهير لأخيه في ترميم القنوات المائية تلقى مساعدة كبيرة من اللورد كاسن غيفيرا، وأن مهارة أخيه في استخدام السيف صُقلت على يد اللورد سيباستيان غيفيرا. كان واضحاً أن شقيقتهما الصغرى تستخدمهما ورقة ضغط للسيطرة على أخيه.

"أبسبب السيدة غيفيرا؟"

سأل، لكنه كان يعرف الحقيقة مسبقاً. لم يبدُ عليه أنه لاحظ رفع أكستون حاجبه نحوه. ظلَّت عيناه مسمرتين على وجه أخيه الجامد. مشيا في صمت لبضع خطوات أخرى قبل أن يجيب بيرز.

"الأمر كذلك."

كنت أعلم! احمر وجه غيدون. قبض كفيه إلى جانبيه. فتاة مثل السيدة غيفيرا لا رحمة لها في استغلال الآخرين.

شملت دائرة «أصدقائها»

ابن رئيس نقابة المدينة، الذي سمع أنه يدير جميع الأعمال الورقية لمتجرها. وشملت أيضاً أغاغونوفا، إحدى أغنى الفتيات في المدرسة، والتي كانت تُرسل دائماً لجلب طداء الغداء الخاص بالسيدة غيفيرا. ناهيك عن أن أغاغونوفا كانت على الأرجح السبب في ارتفاع رتبة السيدة غيفيرا بشكل دراماتيكي. كان واضحاً أنها تستخدم أصدقائها المزعومين وتستغل أخها الآن من أجل النفوذ والجاه. بلغا المدخل المفتوح لبيت الحراسة، وحين خرجا، ذهب أكستون ليطلب من أحد الخدم جلب عربة بدلاً من ملكة الثلج.

بينما وقفا هناك ينتظران، تقدم غيدون وقام أمام أخيه.

"لست مجبراً على الاستماع إليها،"

قال بصوت حازم. انخفضت عيناه البنفسجيتان غير المباليتين لتتلاقيا بعينيه، لكنه لم يطق بكلمة. ابتلع غيدون ريقه بصعوبة وتابع حديثه.

"أعلم أنك تشعر بأنك مدين لأشقائها لمدى مساعدتهم لك في الماضي، لكن هذا لا يعني أنك مدين لها."

أمال بيرز رأسه قليلاً للغاية. ضيق عينيه شيئاً يسيرًا.

"أتظنني مديناً لها؟"

"لا! هذا ما أقوله! أنت لست مديناً لها."

حاول غيدون الشرح. رفع يداً وخللها عبر شعره الفضي القصير.

"ليس لها الحق في أن تطلب منك شيئاً!"

"أنا أدرك ذلك."

"إذن لا تكره نفسك على الذهاب إلى وجبات الغداء وتلك العشوات،"

قال غيدون وهو يتدلى بذراعيه بيأس إلى جانبيه.

"أعلم أنك لا تحب التواجد حول الكثير من الناس. هذا يجعلك قلقاً."

نظر إلى الأسفل، متمنياً لو بإمكانه إبعاد السيدة غيفيرا عن أخيه الأكبر الخيّر.

"إنه أمر يجب أن أتعلم فعله،"

قال بيرز بصوت بطيء ومدروس.

"ليس هناك ما يدعوك للقلق."

"كيف لا أقلق عليك؟"

قال غيدون وقد احمرت عيناه.

"أنت أخي!"

منذ أن كان طفلاً، أخبره والداه بأن بيرز حساس ولا ينبغي إزعاجه. تذمر رغبةً في اللعب مع أخيه الذي طالما سمع أنه عبقري، لكن والديه والبالغين الآخرين حوله أخبروه أن بيرز لا يحب التواجد بالقرب من الآخرين لفترة طويلة. كان في السادسة فقط حين رأى بيرز للمرة الأولى يصاب بالإرهاق في إحدى المناسبات ويهرب صارخاً. ركض أكستون خلفه. كان غيدون قلقاً وفضولياً في آن، فتبعهما. وجد أخاه منكمشاً على أريكة في المكتبة، ومغلقاً عينيه ويعد ببطء مع أكستون.

حتى تلك اللحظة، رأى غيدون أخاه دائماً متزناً، منضبطاً، وأنيقاً. كان بيرز هادئاً ولا يتكلم كثيراً. وحين يتكلم، يتوقف الناس للاستماع إليه. لقد كان تجسيداً حياً لأمير شاب يطمح غيدون لأن يكون مثله. رؤية أخيه وهو يتهاوى تحت وطأة ضغط لم يستطع السيطرة عليه كانت صورة بقيت عالقة في ذاكرة غيدون. لقد قرر أنه لم يعد بإمكانه الإصرار هكذا على فرض نزواته على بيرز. لم يكن يريد إزعاج أخيه.

ولم يكن يريد أن يكرهه أخوه المبجَّل. تقبل غيدون أن بيرز مختلف وسيخوض حياته وهو يفعل ما يريد. لم يجبره أحد في العائلة على غير ذلك، مع أن أخاه ظلَّ يحاول أداء الواجبات المتوقعة منه. أقصى ما استطاع غيدون فعله هو الأمل في أن يتغلب أخوه يوماً على القلق الذي يشعر به. بدا وجود أكستون بجانبه مساعداً حقاً لبيرز، لكن غيدون لن يعرف على وجه اليقين أبداً، إذ كان بيرز يرفض جميع الدعوات الاجتماعية.

وحين كان مضطراً للظهور في مناسبة إمبراطورية، ظلَّ بيرز مسمَّراً في مقعده، أو ذهب للبحث عن زاوية مظلمة ومنعزلة، أو غادر المكان ببساطة فور استطاعته وتجنب التحدث إلى الآخرين. لهذا السبب كانت الصدمة بالغة لرؤية أخيه في الحفلة المسائية، التي حضرها خمسون أو ستون ضيفاً.

"غيدون،"

نطق صوت أخيه المنخفض والأملس.

"سأقوم بخياراتي بنفسي. عليك أن تقلق بشأن خياراتك وحدك."

جُلبت إحدى العربات الإمبراطورية البيضاء إلى بيت الحراسة وأبطأت حتى توقف أمامهم. قفز السائق لفتح الباب ودخل بيرز إلى الداخل.

"إلى أين نتجه، سير ناساون؟"

سأل السائق. نظر غيدون باتجاه أكستون.

"خذْه إلى شقة قائد التدريب رايستروم في الحي الأكاديمي،"

قال أكستون.

"ثم خذهما إلى الحي الثاني عشر. حديقة الفجر."

"حاضر، يا سيدي."

تراجع أكستون ونظر باتجاه العربة. كانت الستائر مسحوبة، فمشى أكستون باتجاه إحدى النافذتين وطرق عليها. أعطاه بيرز نظرة متسائلة من الداخل ثم فتح النافذة. بتعبير جاد على وجهه، تكلَّم أكستون.

"لا تفعل شيئاً مشکوكاً يسبب لي المتاعب."

ضيق غيدون عينيه. كاد يقسم أن أخاه كاد يبتسم بسخرية.

"حتى لو فعلت، ليس الأمر كأن بإمكانك إيقافي."

نظر باتجاه مقدمة العربة.

"تحرك!"

تحركت العربة بحدة إلى الأمام، وأغلق بيرز النافذة. أطلق أكستون زفرة ثقيلة وهزَّ رأسه. وقف غيدون معه عند بيت الحراسة، يراقب العربة الإمبراطورية مع بيرز وهما يدوران وتتجهان نحو البوابتين الحديديتين.

"سير ناساون،"

قال غيدون بينما فتحت البوابتان لتمر العربة. شعر بانقباض في صدره.

"ظننت أن أخي لن يقترب من ليسي."

"هو ذاهب إلى هناك فقط لاصطحاب شخص ما."

استدار أكستون وعاد إلى الداخل.

"لا يحتاج سموك للقلق."

استدار غيدون عندما بلغ أكستون المدخل.

"أهو ذاهب لاصطحاب السيدة غيفيرا؟"

بدا أن ساقي أكستون الطويلتين تبطئان حتى التوقف. ارتفع كتفاه مع نفس عميق قبل أن يلتفت من فوق كتفه.

"ولو كان كذلك، أتظن أن بإمكانك إيقافه؟"

سأل أكستون. احمر وجه غيدون مرة أخرى.

"لمَ تواصل استدعاء أخي! يا لها من مزعجة!"

أعطاه أكستون نظرة غريبة وهزَّ رأسه.

"سموك... غيدون... لا أعلم لمَ تكره السيدة غيفيرا—"

"إنها أنانية ومتلاعبة! تستخدم الناس ومن الواضح أنها تستغل أخي!"

أطلق أكستون زفرة منخفضة أخرى.

"الأمر ليس بهذه البساطة—"

"أعلم أنك ستدافع عنها فقط بسبب أشقائها، لكني لن أقف مكتوف الأيدي حيال ذلك. لن أقف متفرجا وأدعها تعرض أخي لمثل هذه المواقف التي تصيبه بنوبة أخرى."

مصمماً، صعد الدرج بخطى واثقة وتجاوز أكستون.

"غيدون!"

قطع خطوات أخرى قبل أن يدوي صوت أكستون ويملأ الردهة. كان نادراً أن يناديه أكستون باسمه مجرداً، رغم اعتياده عدم التكلف مع بيرز. استدار ورأى عبوساً يرتسم على وجه أكستون. كانت عيناه مضيقتين وباردتين بشكل غير معتاد.

"لا تتدخل بين أخيك وتوري. لا أهتم بأي مشكلة لديك معها، لكن علاقتها ببيرز لا علاقة لها بك، ولا بي، في هذا الشأن."

اقترب ببطء، حتى كاد يهيمن على غيدون. لم يستطع غيدون إلا أن ينكمش قليلاً إلى الوراء.

"لكن... إنها..."

"لا."

كان صوت أكستون حازماً.

"لا تتدخل وإلا فلن يسامحك أخوك أبداً."

وبنظرة تحذير أخيرة، التف أكستون حوله ومشى مبتعداً. استشعر غيدون نبضات قلبه تتسارع وهو يفكر في رد فعل أكستون غير المعتاد تجاه قلقه. أكان للسيدة غيفيرا نوع من النفوذ على أكستون أيضاً؟ أكان ذلك بسبب أشقائها؟ عائلتها؟ ضيق عينيه بينما قبض كفيه مرة أخرى. كان آل غيفيرا أقوياء وأثرياء. كانوا هم والمسيرات الأخرى الأسوار التي تحمي سوليل وتساعد في توكيد سلطتها. كانت والدته تنتمي إلى عائلة ماركيز، ولذلك، نشأ وهو يحترمهم.

لكن عندما سماع أمر فيكتوريا دي غيفيرا تشتري طريقها إلى ليسي، كاد لا يصدق. سمع بالأمر لحظة دخوله ليسي وتوجهه إلى مهجعه. عُلّق اسمها على لوحة الإعلانات التي تضم قائمة الغرف وهذا ما دفع الجميع للحديث. تحدث الطلاب من بلدتها بسوء شديد عنها. لربما كان الأمر ممكناً تجاوزه لو كان شخصاً أو شخصين يروجان للشائعات، لكن حتى طلاب السنوات العليا من تلك المنطقة أكدوا أن السيدة غيفيرا كانت مدللة، ومتغطرسة، وذات أداء أكاديمي متدنٍّ تاريخياً.

كان مستحيلاً أن تتمكن من دخول ليسي، لذا لا بد أنها اشترت مقعدها. لم يكن ذلك لائقاً بشخص من عائلة ماركيز، وأغضب غيدون أن تتصرف بهذا السوء وتجلب العار لعائلتها. ألم يكن لديها أدنى حس باللياقة؟ لم تكن تشبه أليسا بشيء. كانت أليسا متواضعة وهادئة، من عائلة بارون متواضعة وليس لها سوى والدها كعائلة متبقية. كانت تفهم محن العاميين ومع أنها نبيلة نفسها، لم تكن تتصرف كنبيلة.

وكان غيدون يعرف كيف يتصرف النبلاء. كانت أليسا لطيفة ووديعة. في المرة الأولى التي التقيا فيها، كانت تحاول مساعدة طالب آخر في العثور على طريقه إلى المهجع الشرقي رغم أن مهجعها الخاص كان الغربي. وعندما اتضح أنها مرتبكة، رأته وطلبت المساعدة. ثم شكرته وقدمت نفسها بسعادة. كانت تمتلك ابتسامة جميلة ولم يستطع غيدون إلا أن يرتسم بابتسامة خاصة به حين فكر في ذلك. كانت دائماً مستعدة لمساعدة الآخرين.

في المقابل، لم ترغب السيدة غيفيرا حتى في التخلي عن مقعدها حين طُلب منها لتستطيع أليسا رؤية اللوحة. لقد تصادما بالفعل في اليوم الذي كانا يبحثان فيه عن فصولهما. لقد احتقرته حينها. التقيا للتو وكانت فظة للغاية، حتى مع معرفتها بأنه الأمير الثاني لسوليل. ضيق غيدون عينيه. والآن بات يعلم أنها التقت بأخيه الأكبر أولاً ولربما لم تعره اهتماماً لأنها كانت تستهدف بيرز لتستغله.

أطلق غيدون سخريّة خفيّة. لقد حاولت أليسا أن تخبره بأن الأمر يرجح لكون السيدة غيفيرا متعبة فحسب من الانتقال أو لم تقصد الفظاظة، لكن في كل مرة كان ينظر فيها إلى السيدة غيفيرا، كانت تتصرف كأنها أفضل من الجميع وتنظر باستخفاف حتى إلى أليسا عندما عرضت عليها الخريطة. نادراً ما كانت السيدة غيفيرا تلقي التحية على أحد باستثناء رفيقة غرفتها ومجموعتها من الرحلة. وحتى حينئذ، كانت تلوح بثروتها بشكل صارخ أمامهم، جاعلة إياهم يشترون ملابس وإكسسوارات جديدة للرحلة كي تتمكن هي من الشعور بالراحة.

أولئك العاميون المساكين الحمقى لم يكونوا يتبعونها إلا للمزايا التي تقدمها. كان ذلك واضحاً. وإلا لِمَ يصادقون فتاة متغطرسة كهذه؟ بل إنهم وقفوا جانباً وسمحوا لها بالتحكم بخيامهم ونسب الفضل إليها في افتتاح ذلك المتجر. التفكير في بوابة الأسد أشعل دم غيدون حرارة. لم يكن ينوي الذهاب إلى افتتاحها الكبير، ولم يكن بوسعه ذلك، إذ عاد أخوه إلى البيت في تلك عطلة نهاية الأسبوع وأراد التحدث إليه بشأن ليسي.

لقد كان متحمشاً جداً للذهاب إلى البيت ليأتي بيرز ويطلب منه ألا يطلب الكثير من الآخرين أو يسيء استغلال مكانته كأمير. لا بد أن بيرز كان قلقاً من أن تهز البيئة الجديدة أخلاقه وقد تأثر لكونه مهتماً. للأسف، بسبب هذا، لم يكن غيدون إلى جانب أليسا عندما أهانتها السيدة غيفيرا علناً واتهمتها بسرقة تصميم سترتها. أراد الذهاب ومواجهة السيدة غيفيرا، لكن أليسا بكت، متشبثة بذراعه وتتوسل إليه ألا يفعل، إذ قد تنتقم السيدة غيفيرا لصديقة أليسا التاجرة.

ورؤية لمدى رغبة أليسا في حماية صديقتها، كبح غيدون نفسه. أرادت أليسا أيضاً حماية السيدة غيفيرا أثناء فضيحة الغش، لكن نظرة الكراهية الخالصة التي منحتها السيدة غيفيرا لأليسا بسبب ذلك باتت الآن ظلاً مخيماً على قلب أليسا. الآن، كلما رأت أليسا السيدة غيفيرا، كانت تحاول تجنبها وإن تعذر عليها ذلك، انكمشت إلى الخلف بخوف. وحينئذ، صفعت صديقة السيدة غيفيرا منحرفة السلوك أليسا، وبدلاً من الاعتذار، قامت السيدة غيفيرا بحماية صديقتها العنيفة!

لولا كلمات أخيه التي تنهاه عن إساءة استغلال مكانته كأمير، لكان غيدون قد طالب المدير لوران بطردها. كل ما أرادته أليسا هو التوسل لكي تُستثنى صديقتها، لكن السيدة غيفيرا لم تسمح حتى بذلك. لم يكن يعلم ما تضمره لأليسا لتُحرمها من حرية عامية مسكينة، ثم تعتدي بوحشية على فابيان عندما كان فابيان يحاول فقط استعادة شرف أليسا. لماذا كانت السيدة غيفيرا تكره أليسا إلى هذا الحد؟

ألم يكفها أنها أثري وأكثر قوة من أليسا؟ مرر غيدون يده عبر شعره مرة أخرى. كان عليه توخي الحذر وإلا فإن السيدة غيفيرا ستثور من جديد. التمع وميض في طرف عينه فنظر إلى الأسفل نحو التوهج المنبعث من جيب صدره. مد يده للأسفل وأخرج حجر تواصله. لان وجهه فوراً وهو يقرأ الاسم. تمرر إبساطه على الشاشة.

"أليسا؟"

"غيدون؟"

اهتز صوتها قليلاً فقطب حاجبيه وتوقف مكانه.

"أهناك خطب ما؟"

"أنا فقط... احتجت إلى شخص أتحدث إليه."

بدا صوت أليسا متردداً.

"إذن، تحدثي إلي،"

قال وهو يخرج إلى إحدى ساحات الحدائق.

"ما الأمر؟ أتعانين من مشكلة في عربة مستأجرة للعودة إلى تشيتيرسويكشاير؟ إن رغبتِ، يمكنني المساعدة بإحدى عرباتنا."

"لا، ليس ذلك،"

قالت أليسا.

"إنه مشروعي في ليسي."

"وما شأنه؟ أتم الاتصال بالراهبات من قِبل كاتب رئيس أساقفة هورايزون؟"

"نعم! أنا ممتنة جداً لمساعدتك. إن إشراك كسيس بلتوي سيكون عوناً عظيماً للكنيسة والملجأ. لا أستطيع شكرك بما يكفي، يا غيدون. لو استطعت يوماً رد الجميل—"

"لا تقولي شيئاً كهذا،"

قال غيدون مبتسماً بعمق وهو يسير في ممر حصوي حول الحديقة.

"أريد المساعدة. إن كان هناك أي شيء آخر يمكنني فعله، فقولي الكلمة."

"لقد طلبت منك الكثير بالفعل."

"هذا هراء!"

استقام غيدون بوقفته.

"لم تطلبي الكثير على الإطلاق. أنا أمير سوليل الثاني. من الصواب تماماً أن أفعَل ما استطعت لمساعدة شعبي متى أتيحت لي الفرصة."

"أنت أمير رائع. أنا محظوظة بلقائك."

"... وأنا محظوظ بلقائك أيضاً."

توقف لبرهة متخيلاً إياها على الجانب الآخر، تبتسم بحنو للكريستال.

"أخبريني، أهناك أي شيء آخر يمكنني فعله؟ تبدين كأنك قلقة بشأن أمر ما."

"إنها مسألة بسيطة. سأجد لها حلاً."

"حسناً، ما المشكلة؟ لربما أستطيع المساعدة مجدداً."

بدت أليسا مترددة قبل أن تتكلم.

"كما تعلم، مشروعي هو المساعدة في الاحتياجات التعليمية لأطفال الملجأ. لقد بدأت في البحث عن معلمين، مثل الذهاب إلى المدارس والاستفسار لدى آباء الأصدقاء عن معلمين خصوصيين قد يكونون مهتمين."

"أوجدتِ أحداً؟"

"لقد وجدت! كان هناك عدد واعد، خاصة للأطفال الصغار،"

قالت أليسا.

"مع ذلك، فقد رفضوا عرضي. لا أعتقد أن المبلغ الذي عرضت دفعه كان كافياً."

أمال غيدون رأسه إلى الجانب.

"إذن، لربما يمكننا تقديم المزيد."

"حاولت زيادة العرض،"

قالت أليسا.

"لكن أولئك الذين كنت أرغب في توظيفهم لتعليم الأيتام كانوا قد وقعوا عقوداً للتدريس في مكان آخر."

"أين؟"

"الدلتا."

كان صوتها مفعماً بالأسى، كأنها هزمت بالفعل.

"لا أستطيع منافسة السيدة غيفيرا، سموك. لا أستطيع. ليس حين يتعلق الأمر بالمال."