كان عليها حقاً أن تفكّر فيه أكثر. أيّ منصب يتمتّع بمثل هذا القدر من الهيبة والنفوذ والمسؤولية يحمل معه عبئاً ثقيلاً أيضاً. على قدر ما لم ترغب توري في أن يصبح غيديون وليّاً للعهد، لم ترغب كذلك في وضع بيرس في موقف يرفضه تماماً. كان صديقها. كان يجدر بها التفكير في الأمر أكثر وشعرت ببعض الاستياء من نفسها لعدم قيامها بذلك. لم يتغيّر تعبير وجه بيرس.
نظر إليها وبدا وكأنّه يفكّر لبرهة قبل أن يجيب: "أترينني صالحاً لأكون وليّاً للعهد؟"
تساءلت توري لثانية عمّا سمعه عن نفسه وهل جعله ذلك يشكّ في قدراته. أرادت الدفاع عنه، لكنّ هذا لم يكن السؤال. بالنظر إلى ذكائه الذي عرفته مسبقاً، واهتمامه بشؤون استقرار الإمبراطورية الذي لمسته من الاستماع إليه يتحدث عن دراسته، ومدى نجاحه في تنفيذ جميع الطلبات التي كلّفتْه بها بشأن الدلتا، اعتبرته مرشّحاً مناسباً جداً لولاية العهد. كان شقيقها محقّقاً تماماً وبالنظر إلى الخيار الآخر، سيؤدي بيرس عملラً أفضل بكثير لكونه شديد الملاحظة ويدرس الأمور بتأنٍّ.
كما لم يكن بذلك القدر من الارتباك الذي ظنّته في البداية. استغرق الأمر منها بضع سنوات من التدريب لتخرج من قوقعتها وتتعلم كيف تكون اجتماعية، لا سيما في البيئات المهنية، لذا عرفت أنّ التحسّن، وولو قليلاً، أمر ممكن مع بذل الجهد. لكنّ كلّ ذلك تراجع أمام ما يهمّ حقاً.
قالت توري بصوت حازم: "لا يهمّ إن كنت أراك صالحاً لولاية العهد".
خطت خطوة إلى الأمام والتقت نظراته.
"أتريد أن تكون وليّاً للعهد؟"
صمت بيرس. خفض عينيه.
"لم أفكر في الأمر قطّ".
أرادت أن تسأله كيف يكون ذلك ممكناً. فهو الابن البكر وليس له سوى شقيق واحد آخر. سيؤول المنصب إلى أحدهما؛ كيف لم يفكر في الأمر من قبل؟ تجعّدت عيناه. أظن تلقائياً أنّه سيذهب إلى غيديون؟ في اللعبة، إن أصبح غيديون وليّاً للعهد، أيعني ذلك أنّ بيرس تركها له دون منافسة ثم توارى في الخلفية؟ التوى معدتها لشعورها بمدى الظلم. كان بيرس أفضل بكثير من شقيقه ويمكنه فعل الكثير من الخير.
ماذا لو أنّ غيديون في اللعبة الأصلية ألقى بجميع الأعمال الصعبة على عاتق بيرс وعاش حياة رغيدة مع أليسا؟ تخيّلت غيديون يفعل ذلك وحاربت رغبة عارمة في لكمه. ربما كان استياؤها واضحاً جداً على وجهها، إذ لمس بيرس يدها متردّداً.
"سأفكر في الأمر".
أغمضت توري عينيها وأخذت تنفّساً عميقاً.
"إن كنت لا ترغب في فعله، فلا تجبر نفسك".
ألمها قليلًا قول ذلك، إن كانت صادقة.
"أترينني لن أؤدي عملاً جيداً؟"
انفتحت عيناها فجأة وقطّبت حاجبيها.
"بالطبع، أظنّ أنك ستؤدي عملاً جيداً! المسيرات الاثنتي عشرة كلها ترى أنك ستؤدي عملاً جيداً. وأنا واثقة من أن رئيس الوزراء يرى أنك ستؤدي عملاً جيداً".
تقوّست زوايتا فمه قليلاً وشعرت بأنّ أصابعه تضغط على يديها بحزم أكبر.
"إذن، لا يمكنني خذلانهم، أليس كذلك؟"
سأل صوت باهت من طرف الرواق الأبعد: "إن كنتما ترغبان في التشابك بالأيدي، ألا يمكن أن ينتظرا لحين نغادر بيت شخص آخر؟"
أدارت توري رأسها ورأت أكستون يقترب منهما بمشيته الهادئة والكسولة كعادته. أشار برأسه إلى الخلف.
"السيّد جايلز يسأل عن بيرس. يريد تعريفك ببعض الناس".
حرّر بيرس يديها وأومأ: "سأعود".
استقام في مشيته وتوجّه نحو الرواق، باتجاه قاعة الطعام. تحرّك أكستون إلى الجانب وراقب رحيله قبل أن يلتفت إلى توري. رفع حاجباً.
"سألته إن كان يريد أن يكون وليّاً للعهد؟"
حاولت توري ألا تنكمش.
"أهذا سيء؟"
أكستون، الذي قضى معظم حياته مع بيرس، ربما عرفه أكثر من أي شخص آخر. وسيقول لها الحقيقة. ابتسم الفارس والمساعد بابتسامة خبيثة.
"لا. أنا سعيد لأنّ شخصاً ما نطق بها أخيراً".
رفع يده التربيت على رأسها، كما اعتاد، لكنه توقّع حين تذكّر قبعتها. ضحك وبدلاً من ذلك وضع ذراعه حول كتفيها ومنحها عناقاً ودوداً.
"يبدو أن أحداً لا يرغب أبداً في سؤاله عن الأمر. لم يظهر أي اهتمام قط، وإن لم يكن مهتمّاً فلا فائدة من تغيير رأيه. ثقي بي، لقد حاولت".
"أكستون، لا أريد أن أضع عليه ضغطاً لا داعي له".
لم تستطع إلا أن تشعر بقلق ما.
قال أكستون: "لم تضعي أي ضغط لم يكن واقعاً عليه أصلاً. إنه يتجاهله فحسب".
وأردف: "سيكون وليّ عهد وإمبراطوراً أفضل بكثير من شقيقه".
"لكنه بحاجة إلى المزيد من الدعم أليس كذلك؟"
حدّق أكستون في الأفق، كمن يفكر في الأمر.
أومأ: "بما أنه لا يذهب إلى هذه الأماكن، فلن أتفاجأ إن كان معظم نبلاء المدينة ونخبتها لا يعرفون شكل وجهه".
كشرت توري. لقد كان محقّقاً.
"أتعلم إن كان معظم أولئك الناس يدعمون شقيقه؟"
أجاب أكستون بصدق: "لا أعتقد أنه قرار واعي اتُّخِذ بعد دراسة متأنية. بل إنهم يعرفون غيديون أكثر. فهو يتردد على المجتمعات ويسهل الحديث معه. ناهيك عن أنه صغير السن وسهل التأثر".
كادت توري أن تسخر من ذلك. غيديون سهل التأثر حقاً.
"إذن، ما الذي يجب على بيرس فعله؟ المزيد من الفعاليات الاجتماعية؟ التحدث أكثر؟"
كلا الأمرين اللذين بدا وكأنه غير مهتم بهما. هزّ أكستون كتفه ملقياً بذراعه عن كتفيها.
"عليكِ أن تجعليهم يثقون به إلى حدّ ما".
رمقها بابتسامة وربت على كتفها.
"حظاً سعيداً!"
اتسعت عينا توري.
"انتظر، ألن تساعد؟"
قال أكستون وهو يحرك ذراعيه بعجز أمامه: "لا يسعني سوى فعل القليل".
وأمامهم، بدأ الناس يخرجون من غرفة الطعام.
"نفوذي محدود".
"السيّد ناصون! ها أنت ذا، أرادت زوجتي وأنا معرفة إن كنت تنوي فتح نزل جديد في الشمال".
ناداه أحدهم. تظاهر أكستون بأنه في حيرة من أمره قبل أن يتحرك نحو زوجين في منتصف العمر. رمقته توري بنظرة ازدراء قبل أن تبحث في الحشد عن بيرس. وجدته يتحدث إلى السيّد جايلز وشقّت طريقها إليه. في النهاية، لم تصل إلى بيرس إلا بعد ثلاثين دقيقة أخرى على الأقل. اعترضها مراراً وتكراراً أشخاص فضوليون سألوا عن متجرها ومشروعها في معهد ليسيه. لم تكن توري تعلم أن مشروعها في الدلتا أصبح ذائع الصيت إلى هذا الحد، لكنّ الواضح أن عيوناً كثيرة باتت ترقبها.
وجعل ذلك معدتها تؤلمها. نامت في طريق العودة إلى ليسيه واضطر أكستون لإيقاظها ليخبرها بوصولهما. بجانبه، كان بيرس قد غطّ في النوم أيضاً وتساءلت توري إن كان دائماً ما يحتفظ بقناع عيون من حرير العنكبوت معه أثناء رحلات العربة. تسللت توري بهدوء خارج العربة لكيلا تزعجه ثم مشت بخطى متثاقلة عائدة إلى مهجعها. لم تكن إيليانا قد عات بعد، لكن توري حدّقت في كومة البطاقات على مكتبها التي تحتاج إلى كتابة العناوين.
أخذت تنفّساً عميقاً وحاربَت رغبتها في الاستلقاء ببساطة على سريرها والانفصال عقلياً لبضع ساعات. بدلاً من ذلك، ارتدت فستاناً أكثر عمليّة وجلست إلى مكتبها لتكتب الدعوات. كانت قد اقتربت من الانتهاء حين عادت إيليانا.
سألت إيليانا وهي تخلع معطفها وتعلقه على مشجب الحائط: "كيف كان حفل الغداء؟"
قالت توري وهي تكتب باعتناء اسماً أخيراً على البطاقة: "سار الأمر على ما يرام. كان السيّد ولفغانغ هناك فتحدثنا قليلاً عن سير العمل في بناء الدلتا".
وعندما انتهت، أبعدت البطاقة ليدرو الحبر ووضعت قلم الفرشاة جانباً. استدارت في مقعدها ورأت الحقيبة التي تحتوي على قطعة قماش ملفوفة تصل إلى منتصف فخذ إيليانا.
"ما هذه؟"
قالت إيليانا بافتخار: "رايات مسابقة الأيام الثلاثة. كانت رايات كلّ من جيه بي وصونيا جاهزة، لذا استلمناهما".
قالت توري: "يذكرني ذلك، علينا شراء تذاكرنا للمسابقة لتأمين مقاعدنا".
كانت تفصلهم عنها أسابيع قليلة، لكن توري أرادت شراء مكان قريب من الحلبة ليتسنى لهن نشر الرايات دون حجب رؤية أحد. أقيمت المسابقة في الملعب الإمبراطوري، بين الحيّين العاشر والحادي عشر. ستُستخدم صفوف الإسطبلات والحاميات المجاورة الشاغرة لإيواء خيول المتنافسين بينما ستكتظ النزل بالزوار القادمين إلى المدينة لحضور المسابقة. كان الملعب أثراً من العصور القديمة، لكنه ظلّ قيد الاستخدام المستمر، لذا كانت مرافقُه مصانة جيداً ويجري تجديدها كل عقود قليلة.
لم تكن توري قد رأته بعد ولا الساحة الإمبراطورية، لكن إيليانا، التي ذهبت مع صونيا وجيه بي خلال عطلة الشتاء، أخبرتها أنه ضخم. وأخذت توري وإيليانا ذلك بالحسبان فطلبتا أكبر لافتات ممكنة.
"إلى أين ترغبين في الذهاب للعشاء الليلة؟"
قالت توري: "لنذهب إلى أزول. أريد شيئاً كبيراً ومشبعاً. مكتب البريد قريب أيضاً وأنا بحاجة لإرسال الدعوات بالبريد".
قالت إيليانا: "سأتصل بالآخرين لأرى إن كانوا يرغبون في الحضور".
قالت توري وهي تبدأ بحشو المظاريف: "اتصلي بيوان وألبرت أيضاً. تعلمين أنهما يتذمران حين نخرج ددونها".
وهزّت رأسها.
"حتى وهما ليسَا في الحرم الجامعي".
اتصلت إيليانا بالجميع بأمانة. كان هنريك يراجع بعض الأوراق وقال إنه سيلاقيهما في المطعم. لم تردّ صونيا، لكن جيه بي ردّ وقال إنهما سيتاخران بضع دقائق، لكنهما سيلاقيهمان هناك. كان لدى ألبرت خطط عشاء مع عائلته وكان إيوان يرعى أطفالاً ولم يستطع الحضور. بعد نحو ساعة من غروب الشمس، جمعتا الدعوات وانطلقتا، تثرثران حول ما سيُقدّم في معرض النماذج الأولية وحفل الإطلاق. دعا معرض النماذج الأولية أشخاصاً قليلين جداً: خالة توري وعمها، الأميرة فيفيان، السيدة مارتن، السيدة غوثري، ووالدي هنريك.
قصد المعرض إطلاعهم على العينات والسماح لهم بطلب السلع مسبقاً وفقاً لمقاساتهم. لم تكن الملابس الجاهزة للعامة أمراً جديداً، لكنها لم تكن شائعة إذ لم يرغب أحد في صنع ملابس وإهدار المواد إن لم تكن ستُباع. كان معظم العامة يحوكون ملابسهم بأنفسهم أو يجرون تعديلات على الملابس الجاهزة مثل تلك التي تُورث. أما الأثرياء فكانوا يصنعون ملابسهم عند محترفين. ما لم يكن هناك سوق متخصّصة معيّنة يلبّونها حيث يمكن أن تكون الملابس موحدة وتُشترى مهما حدث، لم يكن الأمر شائعاً.
كانت معظم متاجر الملابس عبارة عن خياطين أساساً وكان لا بد من تقديم الطلبات. احتفظت بوابات الأسد ببضع قطع جاهزة في المتجر، لكن العملاء كانوا يُشجعون، وغالباً ما ينتهي بهم المطاف تماماً، على تفصيل الملابس الجاهزة داخل المتجر أو طلب ملابس مخصصة بناءً على تصميم مسبق يمكنهم رؤيته ولمسه. ساعد ذلك في تقليل كمية المواد المهدرة من ركائز الملابس الجاهزة غير المباعة وتعزيز العلاقة بين المتجر والعميل.
في بوابات الأسد الشرقية، حيث كان السوق المستهدف أقل ثراءً، كان العملاء يشترون الملابس الجاهزة ويعدلونها في منازلهم. فقد كان العمل الأكثر تعقيداً وصعوبة قد أُنجز لهم بالفعل. وكل ما كان عليهم فعله هو أخذ بعض القماش الزائد الذي يمكن إخراجه لاحقاً إذا لزم الأمر. أرادت توري الاستفادة من هذه المرونة والسرعة. كان هناك الكثير من الخياطين وورش العمل الممتازين المستعدين للعمل معهن.
وُجد العديد من الخياطين الاستثنائيين على قائمة توصيات الشارع الرئيسي لبوابات الأسد والتي سمحت المديرة دولوريس للعملاء باختيار أحدهم لأعمال تفصيلية أكثر. مع ذلك، أُنجزت النماذج الأولية كلها بواسطة السيدة ميدستروم وعائلتها. كما سيتواجدن في المعرض على الشارع الرئيسي.
"أود ترتيب وجبة صغيرة، لكن أترين لدينا مساحة كافية في المتجر؟"
حاولت توري تخيل حجم المساحة المتوفرة لديهن. حتى لو دفعت بجميع الأرفف الحالية والدمى إلى الخلف، شعرت بأن المكان سيبدو مزدحماً للغاية.
"يمكننا إعداد طاولة على الجانب للطعام ثم طاولات وقوف. يمكنني أن أطلب إمكانية التعاقد مع نادلين اثنين من لا لوميير لتقديم القهوة لكل طاولة. أظن أن المكان سيبدو أكثر رحابة بلا كراسي".
قالت إيليانا: "أعجبني هذه الفكرة أيضاً. تبدو أقل رسمية. وقلتِ إنك تريدينها أن تكون أقل رسمية وأكثر ملاءمة للأصدقاء".
قالت توري: "أتوقع ما بين عشرة وعشرين شخصاً، بخلافنا. إذ قد تحضر السيدة مارتن والسيدة غوثري ضيوفاً معهما".
"ماذا لو أحضرت رئيس الوزراء؟"
انتعشت إيليانا. اتسعت عيناها.
"أقلتِ إنهما لا يبدان عارفين بأمر...امم...سوء معاملة السيّد غوثري لك؟"
قالت توري: "لا، وهذا أمر بيني وبين السيّد غوثري. لقد كان والداه لطيفين للغاية، لذا سأبادلهما بالمثل".
بالطبع، لم تكن قد تحدثت إلى السيدة غوثري منذ حفل المساء قبل أسابيع. على حد علمها، لابد أن ديمتري قد قلل من شأنها أمام والديه وصوّرها كوحش يضايق أليسا. كانت ذراعاهما متشابكتين وهما تمشيان خارج البوابات الأمامية لمعهد ليسيه. كانت هناك عربات قليلة متوقفة هناك، يُرجح أنها تنزل الطلاب الذين عادوا إلى منازلهم طوال اليوم.
قالت إيليانا: "أشعر أنه بإمكانني التركيز أكثر على بوابات الأسد الآن، نظراً لانقضاء امتحانات منتصف الفصل وعدم وجود امتحانات مراجعة هذا النصف من الفصل الدراسي".
وأردفت: "رغم أنني سمعت أنه بسبب ذلك، تراجعت رتب العديد من الطلاب في الفصل الدراسي الماضي لأنهم لم يواكبوا الدراسة بالقدر الكافي".
"كي نكون منصفين، هناك أيضاً مجموعة من الأمور تحدث بين امتحانات منتصف الفصل والامتحانات النهائية".
أخبرتها توري بذلك.
"فلا يقتصر الأمر على انشغال الطلاب الأكاديميين بمشاريعهم، بل توجد أيضاً مسابقات وعروض عديدة ومهرجان الربيع".
تلك الأندية والأنشطة التي رأتها خلال أسبوعها الدراسي الأول كانت تقيم غالباً نوعاً من المعارض أو الأنشطة المتزامنة مع مهرجان الربيع لهورايزون.
لم ترغب توري في رفع سقف آمالها، لكنها تمنت سراً أن يكون الأمر شبيهًا "بالمهرجانات الثقافية"
التي قرأت عنها في المانغا إبان مراهقتها. نظمت جامعتها يوماً مفتوحاً في فصل الربيع للطلاب الجامعيين المحتملين على خطى مشابهة، لكن الأخويات والجمعيات النسائية الكبرى هي التي كانت تهيمن عليه عادة. كان نادي تخصصها صغيراً وكان ينتهي بهم المطاف دائماً بنصب خيمة مؤقتة وبيع مصاصات مثلجات.
"فيما يخص ذلك، أستساعدين في جمعية السيوف خلال مهرجان الربيع أم ستساعدين في غرفة الصف؟"
قالت توري: "تقيم جمعية السيوف معرضاً دائماً".
وأضافت: "تطوعت لقيادة بعض صفوف المبتدئين التي تستغرق خمس عشرة دقيقة لأعمار مختلفة، نظراً لأن الحرم الجامعي مفتوح وأخبروني أن هناك الكثير من الزوار".
أومأت إيليانا.
"أتحتاجين للمساعدة؟"
"ألن تساعدي في غرفة الصف؟"
ضيقت إيليانا عينيها.
"أفترض أنك لم تسمعي"، قالت بصوت يبدو عليه بعض الانزعاج.
"بما أنه ليس هناك الكثير من الطلاب في غرفة الصف ممن ليس لديهم نشاط بعد الحصص، فقد اقترح السيّد غوثري أن نعمل مع نادي الخبز".
أومأت توري.
"لا يبدو ذلك سيئاً للغاية".
بسكويت مجاني، أليس كذلك؟ قد اضطر للتوقف هناك. لم يقلّ مظهر إيليانا الغاضب.
"الآنسة هارت في نادي الخبز".
حسناً، لتبتعد إذن.
"في هذه الحالة، تعالي إلى جمعية السيوف. يمكنك أنت وإيوان تقديم عرض خناجر. تقول المربية ري إنك تحسّنت".
أشرق وجه رفيقتها على الفور.
"أتراتك السيدة توري؟"
نادى صوت امرأة من خلفهما. التفتت الاثنتان بينما توقفت عربة كانت قد مرّت للتوّ بجانبهما. فُتح الباب وترجل منه ديمتري بملامح صارمة. وكانت والدته تطلّ من النافذة مبتسمة على مصراعيها.
"السيدة غوثري، مساء الخير!"
رسمت توري ابتسامة على وجهها فوراً، مسرورة لرؤية أن المرأة لا تزال تبدو نظرتها إيجابية نحوها وأن ذلك الإيجابية أزعجت ديمتري.
"كيف حالكِ؟"
"أنا بخير، شكراً لكِ. أأنتما في طريقكما للعشاء؟"
بدت السيدة غوثري فضولية بينما اقتربت توري، وما زالت ذراعها متشابكة مع إيليانا.
"نعم. هذه رفيقتي في السكن، إيليانا أفاغونوفا. سنلتقي ببعض الأصدقاء الذين بقوا في الحرم الجامعي اليوم لتناول العشاء في الساحة".
اتخذت إيليانا من ذلك إشارة لتحيّة زوجة رئيس الوزراء بانحناءة احترام من رأسها.
"كيف حالكِ، السيدة غوثري؟"
"بخير تماماً. أأنت الآنسة أفاغونوفا التي كانت تعقد جلسات مراجعة للطلاب؟"
"نعم، سيدتي".
"سمعت عنكِ من بعض أصدقائي الذين قالوا إن علامات أطفالهم قد ارتفعت. ما أندر أن تكون فتاتان موهوبتان كهتان رفيقتين في السكن!"
بدت إيليانا فخورة بذلك والتصقت بتوري بقوة أكبر.
"أنا محظوظة للغاية".
أومأت توري موافقة.
سألت السيدة غوثري وهي تلقي نظرة حولها: "لقد حلّ الظلام بالفعل، أترغبان في التوصيل إلى الساحة؟"
هزّت إيليانا رأسها قائلة: "لا، لن نجرؤ على إزعاجك".
ابتسمت توري بلطف قائلة: "الساحة ليست بعيدة، سيدتي. كما أننا معتادتان على الذهاب إلى هناك لتناول العشاء، لذا فالطريق مألوف".
وأضافت: "رغم أنني سعيدة لأننا التقينا بكِ".
سحبت ذراعها من ذراع إيليانا وفتشت في حقيبتها. أخرجت بطاقتين ورفعتهما نحو النافذة.
"الأولى مخصصة لمعرض النماذج الأولية خلال أسبوعين تقريباً والبطاقة الأكبر لحفل الإطلاق بعد ذلك. الاثنتان في الشارع الرئيسي لبوابات الأسد، لكن معرض النماذج الأولية سيكون حفلة قهوة مسائية مغلقة. لن يكون هناك الكثير من الناس وستكون أجواؤها عادية للغاية".
أشرق وجه المرأة وهي تتلقى البطاقات بسعادة.
"شكراً لكِ، السيدة توري! كنت أتطلع حقاً إليهما".
أدخلت البطاقات إلى العربة وأمسكت بها قرب صدرها.
"تعلمن، كنت أسأل ديمتري إن كنت قد ذكرتهما، لكنه لا يبدو على صلة وثيقة بكِ".
"نحن نججلس متباعدين للغاية وأخشى أنه بخلاف غرفة صفنا، لا نراقي بعضنا البعض".
الليلة استثناء مؤسف إذ التقينا به.
"أه، هذا الفتى".
نظرت السيدة غوثري إلى ابنها، كمن تبدو خائبة الأمل.
"ديمتري، كن نبيلًا ورافق السيدة توري والآنسة أفاغونوفا إلى الساحة".
"أوه، لا...."
"لن نجرؤ على إزعاجك!"
"أنا متأكدة أنه مشغول جداً".
"لا نريد أن نستهلك وقته!"
بدأت توري وإيليانا تبتدعان الأعذار فوراً مع محاولة ألا تبدوا مبالغتين في إظهار رغبتهما في ألّا يرافقهما ديمتري إلى أي مكان.
"ليس في الأمر أي إزعاج إطلاقاً، أليس كذلك يا ديمتري؟"
لم تلاحظ السيدة غوثري على ما يبدو ونظرت إلى ابنها. ويُحسب له أنه بدا محتفظاً بوجه خالٍ من التعبيرات طوال ذلك.
قالت توري بأقصى ما تستطيع من جديّة: "نحن في طريقنا بالفعل وأنا متأكدة أن السيّد غوثري لديه أشياء ليأخذها إلى مهجعه".
وأضافت: "سيكون ذلك خروجاً عن طريقه".
اختلج طرف عين ديمتري.
"ذهبت للمنزل لهذا اليوم فحسب. ولم أحضر شيئاً معي".
أيتها القطعة العديمة الفائدة من- "أه".
دار عقل توري.
"حسناً، لمَ لا ينتظر معنا هنا قليلاً حتى لا يضطر للمشي طوال المسافة إلى الساحة والعودة؟ يجب أن يصل أصدقاؤنا قريباً".
قالت السيدة غوثري: "هذا جيد جداً. ديمتري، كن عزيزاً وانتظر هنا مع السيدة توري والآنسة أفاغونوفا".
ابتسم ديمتري بحرارة لوالدته وأومأ لها.
"بالتأكيد، أمّي. رحلة عودة موفقة".
قالت والدته وهي تنظر إليه بحنان: "أراك الأسبوع القادم!"
أغلق السواب الباب وصعد مجدداً إلى مقعد السائق. نظرت السيدة غوثري مجدداً إلى توري.
"وأراكِ بعد أسبوعين!"
"رحلة عودة آمنة، سيدتي".
أومأت توري برأسها برفق بينما بدأت العربة بالتحرك. بقي الطلاب الثلاثة متسمرين في أماكنهم، مرتدين ابتسامات متكلفة، ويرفضون التواصل البصري مع بعضهم البعض. ولم ترتخِ توري إلا بعد أن اختفت عربة السيدة غوثري عند المنعطف. دونَ أن تنظر إلى ديمتري، استدارت وسحبت إيليانا معها.
"أمسية سعيدة، السيّد غوثري. شكراً لوقتك".
سمعته يقول لها بصوت بارد ومدروس: "لا أعرف ما قُلتهِ لوالدتي لتجعليها تحبكِ إلى هذا الحدّ، لكن لا تظنّي أن لديك أي سيطرة عليّ بسبب ذلك".
لم تتوقف توري عن المشي. رفعت يدها ولوحت له بلا مبالاة.
"ليس كل شيء يتمحور حولك، السيّد غوثري. والدتك تحب تصاميمي وكانت متحمسة للغاية، لذا دعوتها".
التفتت من فوق كتفها ورمقته بنظرة سخرية.
"علاقتي بوالدتك لا علاقة لها بك على الإطلاق".
حسناً، تلك كذبة، لكن كي نكون منصفين، سيباي هو من أخبرني أنه لن يضرّ إقامة علاقات طيبة مع رئيس الوزراء وزوجته. حين ابتعدتا أكثر، أطلقت إيليانا نفساً خافتاً واقتربت بضعاً.
"كنت قلقة من أن ينتهي به المطاف بالذهاب معنا للعشاء".
تجعد أنف توري.
"أشك في أنه سيسمح لنفسه بالوصول إلى هذا الحد. في أقصى تقدير، سيوصلنا إلى المطعم ثم يغادر فور استطاعته".
"على الأقل لم يقل أي شيء سيء عنكِ لوالديه".
"آمل ألا يفعل".
توقفت وقطبت حاجبيها.
"وحتى إن فعل، ماذا سيقول؟ ماذا فعلتُ ليكون فظيعاً إلى هذا الحدّ منذ التقينا؟ أعلم أنني لم أعترض طريقه شخصياً".
هزت إيليانا رأسها.
"لا أعرف. ربما يحاول إثارة سيرة الآنسة هارت...لكنك لم تفعلي شيئاً لإزعاجها أيضاً. إن كان هناك من يضايق، فهي من تتحرش بكِ".
ارتفع صوتها، لتزداد غضباً بعض الشيء مع كل جملة.
"أجنّ هو؟"
قالت توري وهما تعبران الشارع: "من يدري. لكن إن كان كذلك، فهو ليس الوحيد".
في المرة الأولى التي تذكر فيها أكزتون لقاء بيرز؛ كانا كلاهما في سن الرابعة. كانت والدته مريضة وأرسلتها إلى جدتها، الأميرة، بينما كانت تحاول التعافي. كان الحراس الإمبراطوري قد أخذوه إلى الأميرة، التي كانت حاملًا من جيدون، والتي استقبلته بسعادة للقاء الأمير الأول. كان بيرز في المكتبة الكبيرة، يجلس بمفرده على طاولة، على كرسي مُغطى به درج، حتى يتمكن من الصعود. كان شعره طويلاً في ذلك الوقت، وفي البداية، اعتقد أكزتون أنه فتاة.
لم يكن كذلك، لكن بيرز لم يبد أبداً أنه سيغضب. كان أكزتون دائماً يشعر أن بيرز شخص هادئ، طالما كان صبوراً ولا يهتم بأنه لا يتصرف كما ينبغي. كان بيرز يحب القراءة والدراسة. كان يسمع أشياء خلال العشاء حول السياسات أو الأشخاص أو المواضيع العشوائية المتعلقة بالإمبراطورية التي كان يتحدث عنها والداه، وسيقوم على الفور بالبحث عنها ولن يتوقف حتى يتم استقراره. لم يعرف أحد كم يستغرق ذلك.
لم يكن يحب الأماكن الصاخبة. لم يكن يحب أن يكون متسخاً. لم يكن يحب أن يتم لمسه. كان من الصعب اللعب معه، إذا سأل أكزتون. كان أكزتون قلقاً من أن بيرز قد يصبح مريضاً بسبب نمط حياته الخامل، بالإضافة إلى الطعام الغني الذي كان يتناوله في القصر. شجعته ماما ج على اللعب مع بيرز في الخارج. في البداية، قاوم بيرز. استغرق أسابيع من المواعيد المجدولة حتى يتمكن بيرز أخيراً من قضاء فترات أطول في الخارج، والتي كانت عادةً نوعاً من الألعاب التي تتضمن البحث عن المغامرات، حيث كانا يتظاهران بأنهما صيادان للكنوز في قبو.
في إحدى هذه المرات، ذهب أكزتون إلى ملعبهم المعتاد في الحديقة، وهو قلعة صغيرة على شكل القلعة الموجودة في Presidio. انتظر لساعات، أو ما شعر به طفل يبلغ من العمر خمس سنوات، قبل أن يتمكن أخيراً من العودة إلى القصر لمحاولة العثور على بيرز. لم يكن عليه أن يبحث كثيراً. في أحد الفناءات الكبيرة، كان بيرز يشاهد عمه الزائر، ثم الجنرال فون شورت، وهو يقوم بمنافسة عرض مع الوريث من قبيلة Guevera، والذي يُقال إنه أفضل سيف في جيله.
تأثر بيرز بهذا المنافسة بشكل كبير، لذلك طلب من والديه الدروس على الفور. بالطبع، لم يكن الطفل الذي لم يخرج كثيراً ويقضي أيامه في القراءة في المكتبة قادراً على القيام بالحركات الرائعة التي يقوم بها الجنرال. هذا أثّر على بيرز بشدة، وحاول أكزون أن يشجعه، حتى أنه قام بتدريبه على استخدام السيف حتى يتمكن من التدرب معه. لمدة حوالي عام آخر، كان بيرز يتدرب على استخدام السيف بشكل غير منتظم، وحتى ذلك الحين، اعتقد أكزتون أنه كان ذلك بسبب أنه كان يستمتع كثيراً بتعلم استخدام السيف، وأن بيرز أصبح هو الشخص الذي يرافقه.
لم يقل بيرز أبداً أنه كان كذلك، بل استمر في حضور الدروس المجدولة دون أي كلمة. كان أكزتون سعيداً لأنه وبأصدقائه يلعبان، لكن الأشخاص الأكثر سعادة كانوا الأميرة وماما ج، اللتين كانتا راضيتين عن رؤية بيرز يتفاعل مع الآخرين، حتى لو كان ذلك مع أكزتون فقط.
اعتقدت الأميرة أن بيرز "خرج من قوقعة"
وأرغته على الحصول على مدرسين للآداب، ليس فقط لتعلم كيفية التصرف في المناسبات المختلفة، ولكن أيضاً لتشجيعه على أن يصبح أكثر اجتماعية. حصل أكزتون أيضاً على حصته من دروس الآداب، لكن بما أنه كان أكثر انفتاحاً في الأصل، لم تكن دروسه طويلة. كان يزعجه أن يُجبر بيرز على أن يكون أكثر انفتاحاً واجتماعياً عندما كان يشعر بعدم الراحة ولا يريد ذلك، لكن بيرز وافق على الدروس، لذلك لم يستطع الاعتراض كثيراً.
في فترة ما، كان بيرز بالفعل يتحدث مع الناس ويحييهم بالكلمات بدلاً من مجرد الإيماءة، وكان والداه وماما ج متحمسين لهذا التغيير وشجعوه على قضاء المزيد من الوقت مع الآخرين وإعطائهم فرصة. كان لديهم نوايا حسنة. ثم، تعرض بيرز للخطر خلال الاحتفال بالثاني عشر لحياته.
لم يستطع أكزتون إلا أن يشعر أن لو كان متأخراً ببضع ثوانٍ، لكانت النساء اللتين كانتا تحاولان إجبار الطفل بيرز البالغ من العمر ست سنوات على الدخول إلى غرفة فارغة، لكانتا قد فعلتا أكثر من مجرد سحب ذراعه وإخباره عن "الكتب الجديدة"
اللتين كانتا تحملانها. في ذلك الوقت، لم يكن أكزتون قادراً على فهم ما كانت تحاول النساء القيام به، لكنه عرف أنه كان خطأ. ركض إلى الغرفة التي كانت النساء قد أخذتا بيرز إليها، ووضع نفسه بينهما وبين بيرز.
"بيرز لا يحب الأشخاص الصاخبين!"
قال، وهو يصدر أصواتاً عالية.
"اتركوه وشأنه!"
أخبرت النساء أنهم لم يفعلوا شيئاً خاطئاً. ادعتا إلى أن ملابس بيرز كانت متسخة وأنهم كانوا يحاولون تنظيفها، وهو ما لم يكن له علاقة بالكتب التي كانا يتحدثان عنها. صرخ أكزتون على ماما ج، قائلاً إن خادمة بيرز يمكنها التعامل مع الأمر. بعد ذلك، حدثت فوضى كبيرة،