استأجرت توري عربتَيْن لرحلتها في نهاية الأسبوع إلى الدلتا: عربة لكونستانتين والأخ في ضريح إشرا، وأخرى لتُقلّها هي والمربية ري وأكستون. رافقاها في الأسبوع الفائت إيليانا وهنريك وقضيا عطلة نهاية الأسبوع هذه، بعد امتحانات منتصف الفصل، في مراجعة المسائل القانونية في النقابة من أجل مشروعيهما في الليسيه. كانا ينهيان أيضاً تقارير منتصف الفصل عن المشروعين. دوّنت توري ملاحظات متواصلة منذ بدايتها وجمعَت النقاط المهمة المختلفة في ملف.
اتخذت قراراً واعياً بألا ترسم الخطوط العريضة لخُطّتها الكبرى وركّزت بدلاً من ذلك على تفاصيل إعادة التوطين البطيئة والمنهجية. لم ترغب في رفع التوقعات ولا في كشف التفاصيل الدقيقة لمحاولة إحياء اقتصاد القرية بعد أن أثبتت طريقة حياتهم السابقة استصعابها الشديد في البيئة الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن تعلم من سيصادف رؤية تقريرها، وبعد حادثة شراء الطوب، أصبحت أكثر حذراً بعض الشيء.
سأل أكستون بينما كان يجلس قبالة المربية ري بينما صعدت توري: "ألا يركب صديقك معنا؟"
قالت توري وهي تضع سلة وجباتها الخفيفة على المقعد المجاور لأكستون: "لا، عليه اصطحاب شخص ما من ضريح إشرا. من الصعب حشر خمسة أشخاص في هذه العربة، لذا سيجلسا في العربة الثانية. سنذهب إلى هناك أولاً."
قال السائس من الخارج: "مولاتي، السيد زيسوس مستعد".
قالت توري: "إذن، لنذهب إلى ضريح إشرا".
شعرت العربة ترتج حين صعد السائس إلى مقعده بجوار السائق.
"شكراً لحضورك في نهاية الأسبوع هذه يا أكستون. أمتأكد أن لا إزعاج في الأمر؟"
هزّ أكستون رأسه.
"لا، لقد أنهينا امتحانات منتصف الفصل نحن أيضاً، لذا فهناك فترة هدوء."
لفّت المربية ري بطانية حول توري بينما قطّبت توري حاجبيهما.
"أليس لدى بيرز أي شيء تفعله؟"
أجاب أكستون وهو يستند بظهره إلى مقعد العربة: "لديه عشاء عائلي وسيكون في القصر طوال عطلة نهاية الأسبوع. إن سألو عني، فسيوضح لهم أنني أساعدك في مشروعك".
سألَت توري وهي تعبس قليلاً: "أهذا صحيح؟ أعني، أنت مساعد بيرز. حتى وإن لم يكن بحاجة إلى فارس إلى جانبه طوال الوقت، ألا يجدر بك التركيز عليه؟"
أخبرها أكستون بابتسامة خفيفة: "أنا أركز عليه. هو من أمرني بالذهاب إلى الدلتا ومساعدتك. لديك دعم الأمير الأول لمشروعك؛ لا أعتقد أن أحداً غيرك يحظى بذلك".
قالت توري وهي تومئ: "هذا صحيح. وقد يستطيع السيد زيسوس وأخوه من الكنيسة العمل معي".
بدا أكستون متأثراً.
"أزيسوس قاصد الباباوية زيسوس؟ أهو ابنه؟"
أومأت توري.
"التقينا على الطريق المؤدي إلى هورايزون قبل أن يبدأ الليسيه وكان الأمر محرجاً بعض الشيء، لكنه كان مهذباً. فكرت في التواصل معه بشأن العمل معاً في المشاريع، مثلما أفعل مع إيليانا وهنريك. وافق ويا للغراّبة. أمل أن توطّد عطلة نهاية الأسبوع هذه التزامه".
قالت المربية ري وهي تُمشّط شعر توري: "أنا متأكدة من ذلك. تحب الكنيسة الانخراط في مشروع كـمشروعك. سيبدو الأمر جيداً بالنسبة لهم إن ساعدوا في إعادة توطين اللاجئين، حتى وإن كان ذلك عبر تقديم البركات أو قيادة الصلوات ببساطة".
"أمل أيضاً أن يتمكن السيد زيسوس وأخوه من تخفيف حدة سمعتي لدى شيوخ القرية".
أطلقت توري تنهيدة متعبة. نظرت من النافذة بينما كانت المربية ري تضفر شعرها. وما إن انتهت حتى بلغتا ضريح إشرا. ترجلت توري من عربتها حاملة حقيبة قماشية معها. كان كونستانتين خارج عربته بالفعل، يمشس باتجاه كاهن شاب يرتدي ثوباً رمادياً باهتاً. بدا في عمر كاسن وربما أنهى للتو دراساته الثيولوجية ليدخل الكهنوت.
حيّاه كونستانتين بمعانقة حارة: "الأخ كاسيوس. شكراً لحضورك معنا".
قال الأخ كاسيوس وهو يربت على ظهر كونستانتين: "يسعدني المجئ لخدمة المحتاجين".
نظر إلى ما بعد كونستانتين حين أُطلق سراحه ورأى توري تقف بجوار العربات. ابتسم بدافء وأحنى رأسه انحناءة خفيفة.
"الليدي غيفيرا؟"
بادلت توري الابتسامة وأومأت بالمثل.
"الأخ كاسيوس، شكراً لوقتك".
"على الإطلاق يا ليدي غيفيرا. أخبرني كونستانتين عن عملك في الدلتا لإعادة توطين اللاجئين. ورغم أنني أعلم أنه مشروع موكول إليك، إلا أنك تحركتِ بسرعة لتفعلي ما استطعتِ. هذا أمر يثير الإعجاب".
"أُقدّر كلماتك يا أخ كاسيوس. تفضّل"، قالت وهي تتراجع خطوة وتشير إلى العربة.
"خذ مقعدك. إنها ساعات قليلة إلى الدلتا وسنصل قبل الفجر بكثير. وحتى لا أثقل كاهل اللاجئين أكثر، اعتدت توفير وجبات الطعام لغير القرويين ولمرافقفي في كل مرة نذهب فيها".
مدت الحقيبة القماشية في يدها.
"هناك وجبة خفيفة، وبعض القهوة في الوعاء، وفي صندوق التدفئة، بعض شطائر الإفطار المعدة في مقهى صديقي. مربيتي معي وهي ستعدّ وجباتنا بمجرد وصولنا إلى الدلتا".
بدا الاثنان متفاجئين من أنها أعدت لهما وجبة أثناء الرحلة. لان وجه الأخ كاسيوس وهو يقبل الحقيبة بامتنان.
"شكراً لاهتمامك يا ليدي غيفيرا".
هزّت رأسها.
"هذا ما ينبغي عليّ فعله".
وقفت بجوار الباب المفتوح للعربة الثانية وأشارت إلى المقصورات الواقعة تحت مقاعد الجلوس.
"هناك وسائد وبطانات لتجعل رحلتك أكثر راحة. إن احتجت إلى أي شيء، فالرجاء إعلام أحد الحراس المرافقين لنا".
منحتهما ابتسامة أخرى.
"أراكم في الدلتا".
راقبتهما توري وهما يصعدان إلى العربة قبل أن تستدير وتصعد إلى عربتها مجدداً. لفت نفسها بالبطانية مرة أخرى واستقرت استعداداً للرحلة الطويلة. انصرف عقلها إلى أحلام حول شكل جزيرة الاختبار. كان ينبغي بناء منزل واحد على الأقل وكان ينتظر وصول بلاط السقف الذي كان في طريقه. كل فرد يعمل لبناء هذه المدينة كان لا يُقدر بثمن بالنسبة لها وشعرت بالارتياح لأنهم كانوا مستعدين لمنحها وقتهم.
بلغتا الدلتا في ساعات الفجر المظلمة واستيقظت توري كأنها تعلم أنهما وصلتا. كان أكستون يغطّ في نوم خفيف على المقعد المقابل لها وكانت المربية ري تنام بخفة بجانبها. تحركت توري على المقعد لتستطلع الخارج. خلافاً لوقت مجيئها للمرة الأولى، لم يتوقفوا عند المخيم الواقع بالقرب من الشاطئ. كانوا على مسافة مشي خمس دقائق داخل اليابسة، في جزء من الدلتا مُنح لهم للاستخدام الدائم.
تفاجأت توري بأن مساحة أكبر من الأرض التي طلبتها في الأصل قد خُصصت لهم. لم تكن تعلم أكان ذلك بفضل بيرز أم تقريرها المفصل الذي أشار إلى وجوب وجود مساحة للنمو والصناعة المستقبلية على المدى الطويل هو ما جلب لهم تلك الأرض، لكنها كانت بحوزتهم. كانت القرية التي لم تُسَمَّ بعد في منطقة ظلت تحت تصرف العائلة الإمبراطورية لدهور نظراً لتعذر زراعتها وعدم اعتبارها أرضاً صالحة من قِبل النبلاء المحليين.
"أتريدينها؟"
سأل بيرز عرضاً في الأسبوع الماضي عندما تلقت أخبار منح الأراضي الإضافية. ضحكت توري وهي تتفقد الخريطة.
"بالتأكيد. أستجعلني بارون أراض؟"
"حسناً، لربما ليس باروناً..."
لم تكن هناك مسيرات في هذه المنطقة يمكنها الإشراف على الدلتا وبدا النبلاء والكونتات الحاليون مترددين في تولي أراضي اللاجئين الآن. وكانت أيضاً في منطقة محرجة بين دوقية أليفيري ودوقية فيكيت. كان نهر كوسورا هو الحدود بين الاثنين، حتى نقطة معينة. لم ترغب توري في أن تقع المنطقة تحت دوقية أليفيري. لم تكن تثق بأن مونتان لن يتدخل ويتجاهل حياة أكثر من ألف وخمسمائة شخص ليحاول إفساد الأمر عليها لأسباب شخصية تتعلق بأليسا.
كانت دوقية فيكيت مترددة أيضاً في تحمل مسؤولية الدلتا. كان العيش هناك صعباً بسبب التربة الرخوة الرطبة وظروف الزراعة الصعبة. كانت دوقية تمتلك غابات مهيبة ومناجم أحجار كريمة وتنتج أقمشة فاخرة. المنطقة الفقيرة غير المتطورة ستجعل مظهرهم سيئاً.
أطلقت توري «همهمة»
خفيفة. إن بُنيت المنطقة بشكل صحيح وتطورت الصناعات بشكل مستدام لتلائم البيئة، يمكن إنشاء مدينة مزدهرة. ناهيك عن أن الدلتا كانت عروق طاقة. هذا يعني أن عمر البلورات في المنطقة سيكون طويلاً وأن التأثيرات التي تحدثها ستكون أقوى بكثير. لقد كانت ذات كفاءة في التكلفة والطاقة. بالطبع، لم تذكر عروق الطاقة لأحد سوى إخوتها. حتى المعلم إغناطيوس لم يكن يعلم بعد. اعتقدت أنه سيتحسين وينفعل ويرغب في المجيء...
ولا يغادر أبداً.
قالت المربية ري وهي تتحرك بجانبها: "الشروق قريب. أتريدين أخذ جولة خارجاً قبل الإفطار؟"
أومأت توري، التي لا تزال ملفوفة ببطانية. ريثما كان الجو هادئاً، أحببت التجول حول المخيم. أبلى القائد كوهن بلاء حسناً في إعداد الخيام وتقسيم الأماكن المشتركة بالتساوي بين خيام العائلات الأصغر. زودت توري القرية ببلورات التدفئة وجعلتها تُشحن بمجرد أن تمكنت هي والمعلم إغناطيوس من شحنها. على الأقل، كان اللاجئون أكثر راحة بعض الشيء. فتح باب العربة وقفزت خارجة، متدثرة ضد برد الصباح والرطوبة بسترتها المخيمية ومعطف سفرها الذي ارتدته فوقها.
أجبرتها المربية ري على ارتداء قبعة صوفية زرقاء داكنة ذات كرتين وتأكدت من سحبها لأسفل لتغطي أذنيها.
سألت المربية ري مترددة قرب باب العربة المفتوح: "أتريدينني أن أتي؟"
في الداخل، بدأ أكستون يرتجف حين تسلل الهواء البارد لكنه لم يستيقظ.
قالت توري: "لا، هناك حراس إمبراطوريون وأنا على دراية بالمخيم. لن أطيل".
"أمعك خنجرك؟"
"نعم، يا مربيتي".
"حسناً".
بدت المربية ري مترددة بعض الشيء، لكنها سمحت لتوري بالذهاب وحدها. واصلت التطلع من النافذة بينما مشت توري على ممر الألواح الخشبية داخل قرية الخيام. اشتريت بلورات إضاءة صغيرة رخيصة وعُلقت فوق المداخل الأمامية للخيام، وكذلك على طول الممرات لتوفير بعض النضارة. تذكرت توري المشي على الجسور الخشبية بين الأشجار في إندونيسيا، حيث لُفّت سلاسل من الأضواء حول القضبان الجانبية للحبال ومظلات منتجع مكثت فيه.
ابتسمت لنفسها. بالطبع، لم يكن الجو بارداً هكذا هناك ولم تكن ترتدي طبقات عديدة.
"الليدي غيفيرا".
استدارت ورأت كونستانتين يغلق باب عربته ويلف معطفه الذي يحمل شعار الليسيه حوله وهو يهرول للأمام اللحاق بها. منحته توري إيماءة خفيفة.
"صباح الخير يا سيد زيسوس. أأخذت قسطاً من الراحة؟ أعلم أن الأمر صعب في العربة، مع كل المطبات".
ابتسم وهز رأسه مرة واحدة.
"لا، أنا معتاد على ذلك في الواقع. أقرب بلدة إلى جبل الهيكل تبعد مسيرة نصف يوم بالعربة، على طول طريق جبلي متعرج".
التوت زاوية شفتيها قليلاً واستمرت في المشي للأمام.
"ظننت أن جبل الهيكل سيحظى بكل ما يحتاجه مجلوباً إليه".
"أما معظم الحجاج، فيمكثون في البلدة ويقومون برحلات حج يومية صعوداً إلى الجبل. والمعهد الديني يقع أيضاً قرب البلدة، في دير باغوس عند الشاطئ".
انضم كونستانتين إلى خطواتها بجانبها.
"ألم تزوري المكان قط؟"
قالت توري: "إنه أيام أخرى في الاتجاه المعاكس لهورايزون من بريسيديو. لم أُغادر بريسيديو حقاً حتى بدأ الليسيه".
أومأ كونستانتين.
"هذا مؤسف. الجنوب الشرقي جميل يضم العديد من المواقع التاريخية والدينية. من كاراب، البلدة الواقعة عند سفح الجبل، يمكنك استقلال سفينة إلى نАЗرية".
قالت توري: انطلاقاً من أن هذا اللعبة لن تحاول قتلي قبل ذلك: "أخطط حقاً للسفر حول سوليل، وأينما استطعت، بعد تخرجنا".
سأل كونستانتين وهو يتلفت حوله ويبدو أنه يعجب صفوف الخيام البنية الأنيقة على جانبي الممر: "ما هي خططك بعد ذلك؟"
"ربما أعود للبيت. وربما أسعى وراء تعليم عال. لست متأكدة مما سأدرسه بعد، رغم ذلك".
"لدين وقت".
"سيمر بسرعة، ثق بي".
ضحك بخفة.
"الوقت يمر أسرع كلما كبرت"، قال موافقاً بإيماءة.
"لا أود الاستعجال في مستقبلي أيضاً".
سحبت توري رأسها إلى الخلف.
"ظننت أنك ستنضم إلى الكنيسة. أعني، مع عمك...والدك...البابا..."
تجهمت. كان ذلك شيئاً استقته من مقالة الويكي. لم تسمع كونستانتين قط يقول إنه يخطط للانضمام للكنيسة. بدا الأمر فظاً بعض الشيء أن تتوقع مثل هذا الشيء منه. لم يكونا مقربين. نظر كونستانتين أمامه وبدت عيناه تضيقان.
"هذا ما يُتوقع مني".
"ألا تريد الانضمام إلى الكنيسة؟"
قال بحزم: "الأمر ليس مسألة عدم رغبة. لقد نشأت محاطاً بكنيسة بيلكوي وأعتقد أن إيماني قوي. ومع ذلك، يبدو أن الجميع طالما توقعوا مني الانضمام للكنيسة، بما أن والدي بالتبني هو البابا".
ابتسم بلطف ونظر إلى الأمام.
"ما زلت أناديه «بعمي»، بالمناسبة. لم يخفِ عني قط أنه عمي ولم يرغب في استبدال والداي، لذا ورغم أن الجميع يعترفون بي كابن البابا، فنحن ما زلنا لابن أخ وعم إلى حد كبير. وأخبرني عمي أنني حر في اختيار طريقي الخاص".
كان هذا غير متوقع. ضيقت توري عينيها ونظرت أمامهما. لم تكن تشعر بمشاعر قوية تجاه الكنيسة أو البابا، لكنها وجدت أنه لمرضٍ أن يسمح البابا لكونستانتين بحرية الاختيار.
أجابت: "هذا جيد. من الصعب حمل ثقل التوقعات هذا على كتفيك. سيما في مثل هذه السن المبكرة".
ضحك كونستانتين ونظر إليها بتعبير مستمتع.
"تبدين وكأنك لست في السن ذاتها يا ليدي غيفيرا. ويمكنني قول الشيء نفسه عنك. بصفتك ابنة المركيز غيفيرا، أنا متأكد أن هناك توقعات خاصة بك مفروضة عليك".
أطلقت توري شخيرًا خفيفًا.
"لا، لدي أخيران أكبر مني. أنا بخير".
ضحك بجانبها وحاول كتم الأمر سريعاً كي لا يوقظ القرويين.
"أنا الطفل الأصغر وعائلتي تغدق عليّ الدلال إلى حد محرج. أنا متأكدة من أنه لو أردت، يمكنني العودة للمنزل فور تخرجي، وألا أفعل شيئاً، وستتقبل عائلتي ذلك".
لا يزال يحمل ابتسامة ونظر إليها بنظرة عارفة.
"لكنك لست من نوعية الأشخاص الذين يجلسون بلا عمل، أأنت كذلك يا ليدي غيفيرا؟"
"يمكنني فعل ذلك إن أردت".
كتم ضحكة أخرى.
"إذن أنت حقاً في وضع يحسدك عليه المرء".
قالت توري: "وأنت كذلك. عمك يدعك تختار اتجاهك الخاص في الحياة. هذا ليس شيئاً يتاح عادة لأطفال... الأشخاص النافذين. في كثير من الأحيان، يُتوقع منا الكثير وقد يكون الأمر مدمراً إن عجز المرء عن تلبية تلك التوقعات".
"هممم..."
سألت توري: "أفكرت في الخيارات المحتملة؟"
قال: "أستمتع تماماً بالتاريخ بعيداً عن الدراسات الثيولوجية المتعلقة به. فكرت في البحث في العمل في حفظ القطع الأثرية الدينية والنصوص والهياكل".
لم تستطع توري إلا أن تتحمس لذلك. وبكونها مهووسة بالآثار عندما كانت صغيرة، كانت واعية دائماً بأهمية الحفاظ على القطع التاريخية.
"هذا يبدو مذهلاً! الحفاظ على العناصر ذات الأهمية التاريخية يمكن أن يعلمنا الكثير. وبالنسبة للقطع التي يجب أن تصمد أمام اختبار الزمن مع الاستخدام المستمر، يعد الحفاظ عليها أمراً في غاية الأهمية لإبقائها قابلة للاستخدام وبحالة جيدة".
"أليس كذلك؟"
أشرق وجهه، كأنه مسرور لأن أحداً فهمه.
"اعتدت التسلل إلى خزائن السجلات القديمة تحت البازيليكا لمشاهدة بعض الرهبان وهم ينظفون القطع الأثرية أو يصلحون اللفائف والمفروشات التالفة. يجب أن يكون المرء صبوراً وحذراً للغاية. ليست بالمهمة السهلة".
أومأت توري موافقة: "ليست كذلك".
"أعليك أن تكون نوعاً معيناً من الرهبان لتتمكن من فعل ذلك؟ أتحتاج للانضمام إلى رجال الدين؟"
بدا أن كونستانتين يفكر للحظة.
"لا أعتقد ذلك، ولكنه يساعد. لتقدير وفهم العناصر المختلفة بالكامل، من الضروري امتلاك خلفية فيها".
قطب حاجبيه.
"يبدو أنه لكي أتبع هذا المسار، سيتعين عليّ الذهاب إلى المعهد الديني".
تمتمت توري لنفسها بينما وصلا إلى نهاية الممر واستدارا: "المعهد الديني؟ أهو بعد الليسيه؟"
ظننت أنها أخفت ذلك جيداً، لكن كان محرجاً بعض شيء ألا تعرف. بصراحة، كانت نظرتها العالمية لسوليل وعالم اللعبة ضيقة للغاية حتى الآن. بدا كونستانتين متفاجئاً واستدار لينظر إليها.
"إنه بعد السنة الثانية".
هزت رأسها إلى الخلف واغتنم الفرصة لتوضيح الأمر.
"أنا متأكد من أنك سمعتِ بلا غاردا. لا يقبل الطلاب حتى بلوغهم السادسة عشرة، لكن تعليمنا الأساسي ينتهي في الرابعة عشرة، لذا يذهب العديد من الطلاب المحتملين إلى مدرسة ثانوية، مثل الليسيه، لمدة عامين آخرين ثم ينتقلون".
أومأت توري. هذا ما فعله أكستون.
"أالمعهد الديني مثله؟"
أومأ.
"نعم، بحلول نهاية العام القادم، ينبغي أن أقرر ما إذا كنت أرغب في مواصلة الدراسة في الليسيه أو الانتقال إلى المعهد الديني لبدء دراسات ثيولوجية أعمق. إنه يدوم عامين وبعد ذلك، يمكنني الانضمام إلى رجال الدين أو السعي وراء تعليم عال في مكان آخر، إن لم يكن الانضمام للكنيسة مناسباً لي".
أطبقت توري شفتيها أثناء مشيهما. كان لدى كونستانتين، وفابيان، حد أطول معين لتأمينهما في اللعبة. تذكرت أن أليسا بحاجة إلى كسب قدر معين من نقاط الرومانسية مبكراً لهذين الاهتمامين الرومانسيين وإلا فلن يعودا اهتمامين رومانسيين صالحين. اتضح أن السبب هو أنه إن لم تجمع أليسا نقاط رومانسية مبكرة لهما، فإن فابيان سينتقل إلى لا غاردا وسيتحول كونستانتين إلى المعهد الديني، مما يخرجهما من اللعبة.
اتسعت عيناها. كانت تعلم أن فابيان حالة ضائعة، لكن بما أن كونستانتين لا يزال يفكر في المعهد الديني، فهذا يعني أن أليسا لم تكسب نقاط رومانسية كافية معه بعد. ومقترنة بحقيقة أن كونستانتين رفض عرض أليسا للعمل معاً في وقت سابق من ذلك الأسبوع، ألن تكون فرص أليسا لكسب النقاط محدودة؟ كيف يمكنها كسب النقاط إن كان هناك القليل من اللقاءات أو انعدمت تماماً؟ نظرت خلسة إلى كونستانتين، الذي حيى بحرارة شخصاً خرج من خيمته.
إن استطاعت استنزاف وقت كونستانتين في إعادة التوطين، فسيهدد ذلك اللقاءات مع أليسا ويحدّ منها بشدة. هذا في صالحي. يمكنني الحصول على مساعدة في إعادة التوطين وحظر النقاط على أليسا في آن واحد. وإن استمر الأمر حتى العام القادم، فسيخرج كونستانتين من اللعبة! حسناً يا توري، لا تحمسي أكثر من اللازم. لا تلدرين عدد نقاط الرومانسية التي يمتلكها حالياً... رغم أنها غالباً ليست بالكثيرة.
قالت توري مع بزوغ الشمس: "السيد زيسوس، سأحتاج إلى خدمة منك".
نظر إليها ومنحها نظرة متفهمة، منتظراً طلبها.
"جزء من السبب الذي جعلني أرغب في طلب المساعدة من الكنيسة كان أيضاً للمساعدة في إقناع شيوخ القرية بالانتقال إلى هنا من الشاطئ".
عقد حاجبيه.
"وهناك من يرفض الابتعاد عن الشاطئ؟ لكن الربيع قادم. سترتفع مستويات مياه النهر. ألن يرفع ذلك مستويات مياه الدلتا؟"
قالت توري: "أنت تفهم ذلك أفضل منهم".
أطلقت نفساً منخفضاً.
"في الواقع، إنه خطئي. لقد أغضبتهم حين التقينا لأول مرة".
بدا متفاجئاً من هذا. ضيق عينيه باهتمام.
"كيف تمكنتِ من فعل ذلك بحق الجحيم؟"
سألت وهي تمنحه نظرة عارفة: "لو كنت شيخ قرية فرّت من الحرب، ثم وُضعت إعادة توطينك بين يدي مراهقة، أكنت لتأخذ تلك المراهقة على محمل الجد؟"
فتح فمه وبدا أنه يريد قول شيء ما، لكنه أومأ ببطء.
"أرى. لكنه ليس خطأك. الليسيه كلفك بالمهمة، والتي صرحت بها الإمبراطورية".
"حسناً..."
ترددت توري وأخبرته بتردد عن كيفية قطعها للخيمة وتسلقها للخارج بعد إعلانها أنها لا بحاجة لمساعدتهم إن لم يرغبوا في العمل معها. بجانبها، التفت ابن بالتبني للبابا برأسه إلى جانبه وحاول كتم ضحكة.
"هذا... دراماتيكي للغاية منك".
قالت توري وهي تركل صخرة على الممر: "لو لم يكن سمو الأمير بيرز هناك، أنا متأكدة أن الأمر كان ليكون أسوأ. انتقل غالبية القرية إلى الداخل وبذلنا قصارى جهدنا لجعلهم مرتاحين قدر الإمكان بينما نبني اختبارياً على الجزر، ولكن بسبب نزاعي مع شيوخ القرية، فهم عنيدون ويرفضون الاستماع إليّ. أو إلى عائلاتهم. أو إلى العقل".
قال كونستانتين وهو يدلك ذقنه: "فهمت".
أومأ بتفكر.
"اتركي هذا الأمر لي وللأخ كاسيوس. الأخ كاسيوس محبوب دائماً لدى كبار السن. أهناك أماكن لهم ليمكثوا فيها؟"
أومأت توري.
"بالطبع، حين نظمنا المخيم، أُخذت كل أسرة في الاعتبار. حتى أن قلة منهم لديها أطفال وأحفاد انتقلوا إلى هنا، لكنهم رفضوا اللحاق بهم".
"حسناً إذن، بعد الإفطار، سنتوجه إلى المخيم القديم أولاً".
سألت توري موقفة إياه قبل أن يسير باتجاه العربة: "انتظر، ماذا عن مشروعك؟ متى تريد مناقشته؟ أتريد إلقاء نظرة أولاً؟ التحدث إلى اللاجئين ومعرفة احتياجاتهم؟"
ظهرت ابتسامة متفكرة على وجهه. تجعدت عيناه مرة أخرى.
"أولاً، نقنع الشيوخ بالانتقال إلى منطقة أكثر أماناً، ثم يمكننا التركيز على المشروع. إنه ليس ملحاً بقدر سلامتهم".
يا للروعة، هذا الرجل يمكن الاعتماد عليه. مرن بعض الشيء ويبدو دائماً وكأنه يعرف ماذا يقول، لكن إن استطاع إنجاز هذا، فقد تنجح هذه الشراكة. أخذت توري نفساً عميقاً وخفضت رأسها بإيماءة احترام خفيفة.
"شكراً لك يا سيد زيسوس".
قال: "ينبغي علينا جميعاً السعى لفعل ما تدعونا الملوك للقيام به يا ليدي غيفيرا".
نظر باتجاه العربة.
"يجب أن أذهب لإيقاظ الأخ كاسيوس".
"بالطبع. سأراكم قريباً وأخذكم إلى المخيم القديم".
ما زالت ألواح السقف معلقة في مكانها ولم يصل بناء الطوب إلى السقف بعد. ناهيك عن غياب الأبواب وألواح الزجاج وقرميد السقف. لكن بالنظر إلى أن المنزل نفسه كان أكبر قليلاً من غرفة سكنها الجامعي، فقد بدا مثيرًا للإعجاب لكونه شُيّد في فترة زمنية قصيرة كهذه. كان الأساتذة وطلابهم والقرويون المتخصصون في البناء والأعمال الحجرية حريصين على إطلاعها على المنزل الذي صممته المعمارية إيبادوتير الحاملة لشهادة المعماري الإمبراطوري.
أبدت إيبادوتير، وهي زميلة للبروفيسور ماير، اهتمامًا خاصًا بتحدي البناء في منطقة رطبة وصممت بحماس رسومات عديدة لتريها لتوري. ضم هذا المنزل بالذات منطقة مطبخ في أحد الجانبين مزودة بطاولة من الطوب والخشب، بينما ظلت بقية المساحة مفتوحة. تميز المنزل بطابع ريفي صُمم خصيصًا لعائلة قروية صغيرة، وذكرها بالمنازل الريفية القديمة ذات الغرفة الواحدة في متحف مفتوح في المجر.
بدا لها، بعينيها الحديثتين القادمتين من عالم آخر، صغيرًا ومظلمًا ويفتقر إلى الخصوصية، لكن الجميع بدوا متحمسين له.
قالت المعمارية إيبادوتير بحماس: "مع عدد العاملين معنا، فإننا نتقدم بوتيرة أسرع بكثير من المعتاد. قد تصبح جزيرة الاختبار هذه جاهزة لاستقبال القرويين في غضون شهرين".
قالت توري وهي تتجول في المحيط الداخلي للمزل وتمرر يديها على الطوب: "مذهل...".
ونظرت إلى المختصين الذين بدا كأنهم ينتظرون تقييمها لعملهم.
"ما هو العدد التقديري للمساكن التي يمكن أن تستوعبها جزيرة الاختبار؟ مثلما ناقشنا، لا أريد الاكتظاظ في جزيرة واحدة. لقد أبدى القرويون تفهماً وهم مستعدون للتحلي بالصبر".
أومأ البروفيسور غراي وهو ينفخ صدره باعتزاز: "هذا صحيح يا سيدة غيفيرا. يمكن لجزيرة الاختبار استوعاب اثني عشر منزلاً مماثلة في الحجم. إنه ليس بالكثير في البداية، لكن معظم الجزر التي مسحناها أكبر من هذه. وستكون قادرة على استيعاب منازل أكبر أيضاً. هل ترغبين في رؤية الخطط النهائية لهذه الجزيرة؟"
أشرق وجه توري.
"إن أمكن، نعم".
خرجا إلى منطقة العمل. ورغم أنه كان يوم عطلة، لم يتوقف حماس بناء المنازل. كان القرويون ينفذون التعليمات الصادرة لرصف الطوب وتثبيت الأخشاب لرفع منازل لأصدقائهم وعائلاتهم. أراها البروفيسور غراي ورقة كبيرة مثبتة فوق لوح خشبي موضوع على حمالات نشر. لقد أضافوا أكواماً أكثر مما خططوا له في البداية لتأمين حواف الجزيرة، وأصبح هناك الآن ممر من أحجار الإفانا يلتف حول الجزء الذي اكتمل أساسه من الجزيرة.
وكل ما بدا أنه بحاجة إليه هو بعض المقاعد الجميلة والحواجز المعدنية وأعمدة الإنارة الشارعية الأنيقة ليكون مكاناً لطيفاً ومريحاً للمشي في الأمسيات الدافئة. ومع الأواني الكبيرة من النباتات الطاردة للحشرات التي ساعدها العم موريزو في اختيارها وطلبها، ستتوفر مساحة خضراء مهدئة. كانت مداخل المنازل جميعا تواجه المياه وتتشارك ساحات تضم بئراً واحداً لكل أربعة منازل. كان حفر بئرين منها جاريًا، بينما بدأ تبطين أحدها بأحجار الإفانا واستعد أحد كبار بنائي الحجار في القرية لإنشاء رأس حجرية للبئر.
قالت المعمارية إيبادوتير: "لاحقاً، عندما يتسع الوقت وتتوفر إمدادات إضافية، يمكننا إضافة طابق أو طابقين آخرين إلى هذه المنازل الحالية. سيساعد هذا في توسيع القرية مستقبلاً".
أومأت توري.
"فهمت. هذا مثالي. ماذا عن شبكة المياه والصرف؟"
على الرغم من أن هذا العالم بدا وكأنه فوضى عارمة منتقاة من عصور وتكنولوجيات أوروبية مختلفة، إلا أن أنظمة المياه لم تكن سيئة إلى هذا الحد في المدينة، لا سيما في المنازل الأكثر ثراء. كانت المراحيض الخارجية هي الأكثر شيوعاً، وكذلك المباني المنفصلة الصغيرة للاستحمام مع مضخة مياه في الداخل. كان منزل إيوان يضم مرحاضاً خارجياً كبيراً جداً ويزخر بمضخة مياه في الداخل فوق وعاء معدني كبير ليتمكن المرء من غسل يديه.
لم يضم حمام سكنها الجامعي حوض استحمام، بل غرفة مكسوة بالبلاط مع مصفاة أرضية ذات حافة وباب زجاجي لمنع المياه من الانتشار في كل مكان. وثمة مقعد من البلاط مدمج في الجدار ليجلسوا عليه، وكانت المياه التي تسحب عبر الأنابيب تسخن بواسطة أحجار الكارنيليان أو تبرد بفوهاتها المصنوعة من الكالسيت الجليدي قبل أن تتدفق إلى حوض غسيل سيراميكي كبير. اعتادوا استخدام إبريق خشبيغرف المياه لشطف أجسادهم.
لم تكن الحمامات الساخنة بالمعنى الذي تعرفه موجودة، لكنها لم تكن تعترض على مرافق الاستحمام على الطراز التقليدي. واكتشفت مؤخراً أنها قادرة على تسخين قطعة من الكارنيليان، ووضعها على البلاط، وسكب الماء فوقها لمحاكاة حمام بخاري. أما بالنسبة للصرف الصحي، فقد وُجدت خزانات وأنابيب تحت الأرض لاحتواء المخلفات، ومكسوة بثلاثة أنواع من البلورات لتصفية المياه قبل تصريفها مجدداً في النهر.
بصراحة، جعلت هذه الخاصية وحدها البلورات تبدو سحرية في نظرها.
أخرج البروفيسور غراي بعض المستندات الإضافية لمراجعة خطط الصرف الصحي وكيفية إبقائه بعيداً عن مياه الآبار، وقال: "لقد أخذنا ذلك في الاعتبار أيضاً".
اكتفت توري بالايماء، وقررت ترك الأمر برمته للخبراء.
"كيف تم اتخاذ قرار تخصيص المنازل؟"
"في الوقت الحالي، جرى النقاش على أن تذهب هذه المنازل للعائلات التي لا يمتهن أفرادها حرفاً أو مهناً يدوية. والسبب في ذلك هو أن تلك العائلات ستحتاج إلى مساحات واسعة لمناطق عملها، وهم يدركون أن التخطيط والبناء لتلك الأغراض سيستغرق وقتاً أطول. ولهذا، ستذهب هذه المنازل غالباً إلى المزارعين السابقين، وهو أمر مناسب، حيث سيحتاجون قريباً إلى تعلم الصيد وهذه المنازل تقع مباشرة على الماء".
صرخ شخص من حيث كان يتم بناء المنزل الثاني: "سنحتاج إلى المزيد من القوارب يا مولاتي!"
ضحكت توري.
"القوارب في طريقها! لم أعلن عن ذلك في عشاء الليلة بعد، لكني ضمنت قدوم صيادين من الساحل لدراسة المنطقة ومعرفة ما يمكن استخراجه من الدلتا والأساليب التي يمكن استخدامها. سيصلون في غضون شهر تقريباً".
سأل شاب آخر وقد غطت الملاط ذراعيه: "هل سنتعلم هذه الطرق يا مولاتي؟"
أومأت توري.
قالت توري: "نعم. أتمنى أنه نظراً لتعذر الزراعة على الأرض، أن تمارسوا صيد الأسماك في الدلتا. لكن علينا أولاً أن نرى ما ستجود به علينا".
بدأ البروفيسور غراي بقلق طفيف: "سيدة غيفيرا، فيما يتعلق بالطوب... في حين أننا نملك ما يكفي لجزيرة الاختبار، سنبدأ قريباً في ركام وتأسيس المرحلة الأولى من الجزيرات الكبيرة المختارة. لن يكون الطوب مطلوباً فوراً، لكننا سنتمكن على الأرجح من بدء البناء بحلول الخريف".
قطبت توري حاجبيها وأومأت.
"شكراً لك على الجدول الزمني. يمنحني هذا فكرة عما نعمل به. قد نحتاج إلى جلب الطوب من مسافات أبعد، لكن إن أمكن، سأحاول تأمين طلبيات الطوب المستقبلية من موردنا الحالي. تكاليف النقل البري أرخص بكثير".
والتفتت نحو المعمارية إيبادوتير.
"هل لدينا خيارات أخرى للمواد؟ الخشب؟ الحجر؟"
"لا يُنصح بالخشب كمادة أساسية نظراً لرطوبة الجو. قد يصلح الحجر، لكنه باهظ الثمن بشكل ملحوظ. لا زلت أفضّل الطوب الذي أريتك إياه".
مضغت توري شفتها السفلى لبرهة.
"هل يمكنك تزويدي بقائمة من المواد التي ترشحينها للبناء هنا؟ على أن يأخذ ذلك في الاعتبار ما ناقشناه سابقاً بشأن احتياجات الحرفيين".
"بالتأكيد يا سيدة غيفيرا. سأجهزها لك قبل مغادرتك".
قالت توري: "شكراً لك".
توقف قليلاً وزمت شفتيها.
"بالمناسبة... هل أنتم راضون جميعاً عن مساكنكم الحالية؟ أعلم أنكم تعيشون في خيام..."
أجاب البروفيسور ماير ضاحكاً: "يا مولاتي، مساكننا جيدة للغاية. أنت توفرين طعامنا واحتياجاتنا إضافياً. وهناك عربات تحت الطلب متى ما احتجنا للعودة إلى هورايزون".
قال البروفيسور غراي بابتسامة: "لقد أقمت في مواقع بحثية أسوأ بكثير من هذه. علاوة على ذلك، من الجيد لطلابنا أن يندمجوا هكذا وأن يتواجدوا في الموقع".
أومأت توري.
"إذن، مرة أخرى، إذا احتجتم إلى أي شيء..."
"نعم، فهمنا يا سيدة غيفيرا".
استمروا في اصطحابها في جولة حول الجزيرة وانضم إليهما أكستون وقسطنطين الفضولي. لم يكن قسطنطين يحظى بالثقة الكاملة بعد، فرمقت أكستون بنظرة حادة لإحضاره معه.
قال أكستون بصوت منخفض: "لقد صعد على القارب للتو. قلت إنني قادم لإحضارك إلى العشاء".
أجابت توري: "إذن دعنا نعود قبل أن يطرح الكثير من الأسئلة".
وتفرست داخل المنزل شبه المكتمل الذي دخله قسطنطين.
"السيد زيسوس".
وجدته واقفاً بجوار المطبخ، يحرك يده على سطح الطاولة الخشبي بينما تنقلت عيناه ببطء على الطوب ثم صعوداً إلى العارضات الخشبية المتقاطعة في الأعلى. كانت عيناه مضاقتين وششفتاه مفتوحتين. لم يبد وكأنه سمعها. تنهدت توري وخطت عبر العتبة.
"السيد زيسوس!"
استدار فجأة وبدا وكأنه تفاجأ بوجودها هناك. رمش عدة مرات قبل أن يرسم على محياه ابتسامة متعبة.
قال وهو ينظر إلى الفجوة بين الطوب وألواح السقف: "معذرة يا سيدة غيفيرا. لقد تشتت انتباهي قليلاً. كانت المنازل في قريتي الأصلية مشابهة".
نظرت إليه توري ثم تابعت نظراته. فتحت فمها، لكنها توقفت. ألم يكن الرد استدراجاً لهذه الخلفية المأساوية؟ لا. لا، أنا ضعيفة أمام تلك القصص. أنا أعرف قصته المحزنة مسبقاً. قرأتها على ويكي. لا أستتاج مزيداً من التفاصيل.
"أهكذا هو الأمر؟"
تباً لك يا توري.
"ربما سمعتِ سبب تبني عمي لي. لقد انتشر وباء في قريتنا عندما أصبح بابا للتو".
قطب قسطنطين جبينه.
"كنت في عامي الأول عندما حدث ذلك وكنت الناجي الوحيد. لا أذكر شيئاً عن القرية، لكن عندما كبرت، أعادني إلى هناك لأنه أراد مني أن أعرف أين أتينا. كانت المنازل لا تزال فارغة؛ لا أحد يريد الانتقال إليها، رغم زوال الوباء".
رسمت على وجهه ابتسامة حزينة وساخرة وهو ينظر إلى توري.
"الطوب والعارضات... منزل صغير بغرفة واحدة. إنه بعيد كل البعد عن قاعات جبل الهيكل المزخرفة".
كرهت تأثرها بخلفيته المأساوية. كرهت علمها بأنه يقول الحقيقة وأن عينيه كانتا حمراوين لأنه تذكر رؤية منزل فارغ، لكنه على الأرجح لم يتذكر العيش فيه أو والديه اللذين توفيا بالداخل. كرهت أنه كان شخصية رومانسية محتملة وشعرت بالأسف لأجله. حدثت نفسها مجدداً: المشاعر عبء. خفضت توري رأسها.
"حسناً، تعرفين كيف يقولون إن المنزل لا يصنعه بناؤه، بل الحب الكامن بين جدرانه".
بدا وكأنه استوعب كلماتها للحظة قبل أن تتقوس شفتاه قليلاً.
وسأل بصوت أخف: "أقرأتِ ذلك في كتاب غامض آخر؟"
بادلته توري ضحكة خفيفة.
"أنا أحب القراءة حقاً".
أومأ قسطنطين. رفع يده عن الطاولة وخطا نحوها. أخذ نفساً عميقاً ومد يده إلى الأمام.
"سيدة غيفيرا، أود العمل معك لبدء مشروع الليسيه الخاص بي هنا على الدلتا. سأكتب المقترح الرسمي مع الموقع المحدد وأرسله مع تقريري في منتصف الأسبوع. سأشير إليك أيضاً في التقرير وأطلب منك الاطلاع عليه قبل تسليمه".
نظرت توري إلى يده ثم إليه.
"كيف سيتأثر هذا المشروع إذا قررت الانتقال إلى الإكليريكية العام القادم؟"
"في مثل هذه الحالة، يمكنني تقديم تقريري النهائي كما هو. وإذا تم قبوله، فيمكن تسليم المشروع لشخص آخر. يبدو أن الأخ كاسيوس مهتم أيضاً".
واصل قسطنطين مد يده.
"هل اتفقنا إذن يا سيدة غيفيرا؟"
فكرت توري للحظة. أخذت نفساً هادئاً وعميقاً وحاولت الإصغاء إلى حدسها، كما أخبرها كاسن. لم يكن هناك ما يثير قلقها باستثناء شكوكها المعتادة، لكنها إذا توخت الحذر، فسيمكنها درء أي ضرر. وكأنه لاحظ ترددها، ابتسم قسطنطين وعض على شفتيه ليمنع نفسه من الضحك.
"إن كان الأمر يتعلق بما حدث في المقهى قبل عطلة الشتاء، فأؤكد لك أنني أحترم رفضك. أرغب في العمل معك كزميلة دراسة، دون أي مآارب خفية".
أرادت توري أن تئن وتتوارى عن الأنظار هرباً من التذكير. أنت البالغة هنا يا توري. لا تشعري بالحرج بسبب طفل. وقفت باستقامة، ورفعت يدها، وصافحته بحزم.
"إذن، لشراكة ودية، السيد زيسوس".