تورِي تنتقل إلى عالم آخر الفصل 23 — تعرّف إليّ أكثر

اقرأ تورِي تنتقل إلى عالم آخر الفصل 23 — تعرّف إليّ أكثر باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تكن النزاعات شائعة في الوقت الحالي. عندما تلوح في الأفق أنباء عن نزال، يبدو الأمر أشبه بشجار مخمور على أطراف البلدة، أو أن نبيلين رفيعي المستوى قد بلغا من الضغينة ما جعلهما يتفقان أخيراً على اشتباك جسدي لتسوية الخلاف بينهما. لم يستطع إيوان حتى أن يتذكر آخر مرة سمع فيها عن نزال في هورايزن. كانت نادرة لدرجة أن وقوعها يصنع حدثاً ضخماً، خصوصاً إن دارت بين نبلاء أو أثرياء.

أما عن النزاعات بين الطلاب داخل أراضي المدرسة، فلم يكن يعتقد أن أمراً كبيرا كهذا قد حدث حتى في جيل والديه. مع ذلك، وبينما كان يراقب إخلاء حلبة القتال الرئيسية وتفقد المعلم ماكدوغلاس لسيفين تدريب خشبيين سيُستخدمان، ظل إيوان عاجزاً عن تصديق ما يجري. وخصوصاً أنه مع توري. توقف ورمق المكان بنظرة ضيقة. ثم عاد ليحدث نفسه، بالنظر إلى ماضي سمعة توري، ألم يكن شيئاً كهذا حتمياً؟

راح يقلب الأمر في ذهنه، أعليه أن يذهب لإحضار بقية رفاقهما؟ لكن النزاع على وشك البدء. تحولت نظراته نحو أحد جانبي الحلبة، حيث كان السير فابيان فون دورن، المبارز الأبرز بين طلاب السنة الأولى، يرتدي سترة مبطنة. وافق المعلم ماكدوغلاس على السماح لهما بالنزال، لكن وجب فرض احتياطات السلامة. تعني تلك الاحتياطات سيوفاً خشبية فحسب، وملابس مبطنة، وقفازات، وخوذات.

أما عن شرط "الأسبقية في الاستسلام"

الفضفاض لتحديد الفائز، فلم يكن إيوان متأكدًا كيف سيعمل ذلك بدقة. كيف يعرفان متى يستسلم أحدهما؟

أيتعين على ذلك الشخص أن يقول: "أنا أستسلم"؟

أم يعجز ببساطة عن الاستمرار؟ ـ إيوان. سمع اسمه فالتفت فرأى توري تعدل قفازيها. أمالت رأسها بحركة دعوة خفيفة. تقدم نحوهما. ـ بعد هذا، قم ببعض دورات حول ساحة التدريب لتفريغ بعض الطاقة ثم عد إلى الدراسة. عجز عن تصديق أنه سمعها تقول للتو: ـ أنت على وشك خوض نزال وتأمرينني بالعودة إلى الدراسة؟ تساءل أحياناً عما إذا كان عقل توري في مكانه الصحيح. ـ ليس فوراً. قالت توري وهي تهز رأسها قليلاً.

كانت خصلات شعرها الأسود المجعد الضخم مضفرة، وقد حشرتها في خلف سترتها المطورة لتبقيها بعيدة عن طريقها. ـ سيزيد النزاع طاقتك على الأرجح. لن تستطيع التركيز فوراً، لذا فرغها أولاً. مرر يده على وجهه. ـ لا أستطيع تصديق أنكِ... ـ سيكون الأمر على ما يرام. هذه بيئة محكومة قدر الإمكان، والمعلم ماكدوغلاس يشرف على النزال. لن يصاب أي منا بأذى خطي. منحته ابتسامة مشرقة، وتساءل إيوان عما إن كانت قد نسيت أنه قبل دقائق معدودة، صوب السير فون دورن سيفاً معدنياً حاداً نحو وجهها.

لولا أن نائب القائد أوقفه، لأهوى إيوان بسيف تدريبه على ذراع السير فون دورن الممدودة. غريزته الأولى كانت حماية رفيقته؛ لم يفكر في العواقب المحتملة لإصابة فارس الأمير الثاني. بدت توري كمن تنظر إليه ببعض التسلية. منحته ابتسامة. ـ إيوان، سيكون الأمر على ما يرام. قالت له بذات الطمأنينة الهادئة التي منحتهما إياها حين عبروا النهر. ـ لا تقلق. لن أجعلك تندم على عدم كسر ذراعه.

ضيّق عينيه ونظر إلى الأسفل. ـ كن حذراً. منحته توري ابتسامة أخرى، وسحبت خوذتها نزولاً لتغطي وجهها. ربتت على كتفه وسارت نحو مركز الحلبة. قبض إيوان على السيف في يده بإحكام. أطلق نفساً خافتاً وتقدم ليقف أقرب إلى الحلبة. ـ كن حذراً يا فابيان! ملأ صوت السيدة هارت ساحة التدريب المتوترة، ولم يستطيع إيوان إلا أن يعبس بوجهها. كان نائب القائد على بعد خطوات منها ومن جيديون، فرمقها بنظرة مشككة.

ـ ألم تكوني تحاولين منعه من القتال للتو؟ كاد إيوان يومئ موافقاً. بالنسبة لشخص بدا يائساً جداً لإيقاف القتال، سرعان ما تحولت لتشجيع السير فون دورن. احمر وجه السيدة هارت الجميل وانكمشت تراجعاً بجانب الأمير جيديون. ـ ها هي سيوفكما. قال المعلم ماكدوغلاس وهو يناول توري والسير فون دورن سيفين خشبيين. ـ العبرة بمن يستسلم أولاً. يعلن أحدهما استسلامه أو أقرر أنا أنهما لم يعودا مؤهلين للاستمرار.

إن بدا أي طالب مصاباً، فسأوقف النزال فوراً. وإن استمرار الطالب الآخر في الهجوم، فسخسر النزال وسأبلغ رئيس المدرسة بالعدوان، بغض النظر عن النزال المتفق عليه. ألقى نظرة عبر الحلبة مستاءة نحو الأمير جيديون، فأومأ الأخير موافقاً. ـ أوافق. قالت توري وهي ترفع سيفها وتؤدي التحية لخصمها. لم يعتقد إيوان أن السير فون دورن يستحقها. ـ أوافق أنا أيضاً. لم يماثل السير فون دورن الحركة، بل أدار ظهره لتوري وخطا ثلاث خطوات للتباعد.

ـ إنه يحصل بالفعل على هذا النزال السخي. سمع إيوان أخاه يقول بجانبه. ـ ليس عليه أن يتصرف كأحمق بشأنه. كان باتريك يكتف ذراعيه على صدره وبدت على وجهه عبوسة مشدودة. التفت إيوان ناظراً إلى الحلبة مجدداً. تراجعت توري ثلاث خطوات أخرى. تراجع المعلم ماكدوغلاس إلى مسافة آمنة، رغم أنه كان يرتدي خوذة بدوره. ـ استعدا! نادى معلم سيفهما. تحول السير فون دورن إلى وضعية هجومية. بقيت توري في وضعيتها المفضلة التي بدت كأنها تدعو الخخصم للهجوم.

ابتلع إيوان لعابه بصعوبة. ألم تكن توري على علم بقدرة السير فون دورن؟ ـ تقاتلا! بخلاف المتوقع، لم ينطلق السير فون دورن في هجوم. بدا أنه قلص المسافة، لكنه لم يوجه ضربة. أخذ يدور حول توري، باحثاً عن ثغرة في دفاعها. ـ أتظن أن توري قادرة على هزيمة السير فون دورن؟ سأله باتريك. ـ حتى أنا لا أستطيع. رغم توتره، أومأ إيوان برأسه. بدا الأمر مفاجئاً بعض الشيء. ظن أنه سيهز رأسه معترفاً بعجز رفيقته عن هزيمة المبارز الأبرز في السنة الأولى، لكنه عرف أمراً لا يعلمه بقية من في ساحة التدريب سوى توري.

ـ لقد قاتلت السير ناسون. فك أخوه تكتيف ذراعيه ونظر إليه مذهولاً. ـ السير ناسون؟ فارس الأمير الأول؟ أومأ إيوان. ـ كيف انتهى الأمر؟ قطب إيوان جبينه، متجاهلاً اشتباك السيوف المفاجئ على بعد خطوات قليلة منه. راقب ببلادة الخصمين يتباعدان لإعادة الاصطفاف. ـ لا أعلم. لم أكن هناك. لكن آخر مرة رأيت فيها السير ناسون، سألته. ـ ماذا قال؟ أطبق إيوان شفتيه. استعاد تلك الابتسامة الخفيفة على وجه السير ناسون.

ـ إنها سريعة حقاً. ـ لقد انتزعت سيفه! صرخ أحدهب، فركز الأخoان نظرهما على الحلبة أمامهما. أُلقي بسيف خشبي على الأرض، وبقيت توري قريبة المسافة بينها وبين السير فون دورن. أمسكت بنصل السيف، عند منطقة الضعف، وأبته عرض جسدها كأنه عصا قصيرة. شرعت في استخدامها لضرب مواضع مختلفة من جسد السير فون دورن ورأسه بمقبض السيف أو ببساطة استخدام النصل هراوةً ضد جسده؛ وأي ثغرة تلمحها، كانت تقتنصها.

بدا الأمر هجوماً متهوراً لا ينتمي لفنون السيف. وبدا السير فون دورن حائراً بلا سلاحه فوقف يتلقى الضربات. تجهم الجميع. خطت توري جانباً وأهوت بمقبضها تحت ذقنه. سمع إيوان الحاضرين يطلقون أزيزاً. بعد ثانية، صارت خلف السير فون دورن. وبينما كان لا يزال يترنح من الضربة، أعادت اصطفافها لتواجه ظهره. عاد يدها اليسرى إلى المقبض وعض إيوان شفته. صرخت السيدة هارت. جاء القطع قوياً وسريعاً، ليصيب مؤخرة كتفه الأيمن ويمتد قاطعاً ظهره.

على أقل تقدير، سيترك ذلك كدمة عبر ظهر السير فون دورن، بغض النظر عن السترة المطورة. سمع أنيناً بينما رفعت توري ذراعيها وطعنت، ليدفع طرف سيفها الثلم السير فون دورن إلى الأمام. فقد توازنه. سقط على يديه وركبتيه، فضغطت توري بطرف سيفها على ظهره، خلف قلبه مباشرة. ـ تفوز جيفارا! أطلق المعلم ماكدوغلاس قراره فوراً وهرع نحو الطالبين. تراجعت توري خطوة إلى الوراء وخفضت سيفها بينما استسلمت ذراعتا السير فون دورن.

على الأرجح تسببت الضربة على كتفه في ألم أضعف ذراعه. سقط على جنبه وأطلق صرخة. ـ ماذا فعلت به! ظهر الأمير جيديون في الحلبة، منزلقاً على ركبتيه بجانب فارسه ناظراً إلى توري بعيون حاقدة. ـ لقد جعلته يستسلم. تحدثت توري بلا مبالاة عادية لدرجة جعلت إيوان يرتجف. ظلت واقفة وسيفها بجانبها تراقب خصمها وهو يتنفس بأنفاس ضحلة على الأرض. ـ لقد فزت بالنزال يا سيد فون دورن. بدت وكأنها تسخر منه تقريباً.

ـ أأنت راضٍ؟ هرع إيوان للحصول على نظرة أوضح. ضيق عينيه وأرجع رأسه إلى الوراء. كان السير فون دورن يمسك جنبيه وينكمش على نفسه. المبارز الأكثر احتفاءً في السنة الأولى ملقى على الأرض، وقد هُزِم في وقت أقل بكثير مما استغرقه التحريض على النزال. أطلق إيوان صفارة خافتة ونظر إلى توري، معجباً ومطمئناً. ـ كان السير ناسون محقاً. أنت سريعة حقاً. هزت توري كتفيها. ناولت سيفها لنائب القائد ثم خلعت خوذتها.

ـ السير ناسون؟ رفع الأمير جيديون نظره ومضيقاً عينيه وهو يركع بجانب السير فون دورن. ـ كيف تعرفين فارس أخي؟ منحت توري إيوان نظرة استنكار فالتفت بعيداً. لم يظن أنه سر، لكن بدا أن توري لم ترد جعل الأمر معروفاً على نطاق واسع. ـ إنه طالب أصغر لأخي. قالت توري. ونزعت قفازيها. ـ أنت تعلم من يكون أخي، أليس كذلك؟ كاسن دي جيفارا؟ كان المعلم ماكدوغلاس راكعاً على الأرض يتفقد السير فون دورن.

ساعد الشاب على النهوض برفق وأطلق نفساً خافتاً. ـ اللورد كاسن يعادل تماماً أي فارس إمبراطوري. واللورد سباستيان أشد مهارة حتى من اللورد كاسن. قطب باتريك جبينه. ـ اللورد سباستيان هو سبب إلغاء بطولات الذكرى السنوية، أليس كذلك؟ سمع إيوان القصص، لكنه كان أصغر سناً وقت وقوعها. لم يكن يعرف سوى القليل. أمالت توري رأسها جانباً، تبدو مشوشة بالقدر نفسه. ـ ماذا فعل أخي؟ شرع المعلم ماكدوغلاس في مساعدة السير فون دورن على الوقوف بينما جاء الأمير جيديون إلى جانب فارسه ليحاول دعمه.

ـ كانت بطولات الذكرى السنوية للزوجين الإمبراطوريين بطولة تمتد لأسبوع، حيث يمكن لأي شخص التسجيل واختبار مهارته ضد الفرسان الإمبراطوريين مقابل جائزة. نظر إلى توري بتعبير غامض. ـ كان اللورد سباستيان في سنته الأخيرة في ليسيه. اجتاز 148 فارساً إمبراطورياً في ذلك الأسبوع، دون خسارة واحدة. ثم أهدى فوزه لشقيقته. تمنى إيوان لو أن أحداً أهدى فوزه إليه. لدى توري شخان ولدى هو ثلاثة واختان، ومع ذلك لم يُهدِ أحد أي شيء إليه.

نظر إلى رفيقته. قطبت توري جبينها. ـ كان سيبى... في السابعة عشرة؟ بدا المعلم ماكدوغلاس متألماً عند التذكر. ـ ألقبوه بالوحش. انطوت شفتا توري في خط واحد. ثم التفتت لتنظر إلى السير فون دورن مجدداً. كان يحاول الوقوف. ساقاه لم تصابا بأذى؛ لم ير إيوان أي هجمات على النصف السفلي من جسده. أما جسده العلوي، فكان قصة أخرى. ـ لقد ضربت جذعه مرتين ومر القطع الأخير عبر كتفه. ينبغي على شخص ما أخذه إلى عيادة المدرسة للتأكد من عدم وجود إصابة خطيرة.

قالت. أمسكت السيدة هارت، التي كانت تقف بالقارب ناظرة إليهما بتعبير قلق ومحموم، تنورتها وفتلت القماش في يديها. نظرت إلى توري بعين متهمة. ـ أكان عليك ضربه بهذه القوة؟ بدا صوتها مخنوقاً. ـ آنسة هارت، لقد صوب سيفاً معدنياً حاداً نحو وجهي. قالت توري بصوت باهت. ـ دعيني أؤكد لكِ، إنه لم يكن يمسك نفسه عندما هاجم. ـ تعالا. دعم المعلم ماكدوغلاس السير فون دورن من جانب. ـ سنذهب إلى العيادة لفحصه.

وابتعدا متعرجين بينما كانت السيدة هارت تتذيلهما. نظر إيوان إلى توري. ـ كيف حصلتِ على سيفه؟ ـ اقلب واقية القبض حول معصمه واشبكها، أمسك نصلك، اقلب سيفك لأعلى ونحوك. يفك ذلك قبضته ويضعف إمساكه. خياره الوحيد الآخر هو محاولة الإمساك به، لذا عليك أن تكون سريعاً. وأيضاً، السيف محدود في المسافة القريبة، لذا كان عليّ تغيير استخدامه ليتلائم مع المدى. ـ أكان السير فون دورن يهاجمك بجدية يا توري؟

سأل باتريك. أخذت توري نفساً عميقاً وأومأت. ـ نعم، لكني لا أظنه تقاتل مع كثيرين خارج البطولة أو الإعداد الفردي. ـ لماذا تقولين ذلك؟ ألقت توري نظرة خاطفة نحوه ونحو أخيه. ـ إنه يتوقف كثيراً بعد أي قطع أو هجوم ويستغرق وقتاً أطول قليلاً للتراجع وإعادة الاصطفاف. حين تحاط بالأعداء، لا تتوقف. تواصل التحرك وإلا صرت هدفاً ثابتاً.

انتشرت الشائعات بسرعة مع بدء الامتحانات النهائية عن وقوع عراك بين فابيان وتوري، وفوزها به على ساحة التدريب. لم يصدق أحد في البداية قدرتها على الانتصار في مواجهة ضده. فقد تمتّع بسمعة مهيبة بين الطلاب وشباب مبارزي هورايزون عموماً. ولولا أنها هزمتْه بنفسها، لما صدقت تلك الشائعات هي الأخرى. ثم غاب فابيان عن الامتحانات النهائية ليعيدها تحت إشراف الناظرة حين يتحسن حاله.

وأعلمت المدربة روزموند الصف بأنه أُصيب خلال مباراة. وعندما قالت ذلك، التفت الجميع في الصف صوب توري في الصف الأخير بينما كانت تشحذ قلمها. تظاهرت بأن لا صلة لها بالأمر. خلافاً للتوقعات، لم يحاول جيديون طرد توري أو حتى يرفع شكوى. كانت تنتظر أن يذهب إلى الناظرة معولةً على المعلم ماكدوجلاس ليوضح الموقف ويؤكد أن فابيان هو من بادر بالتحدي في الواقع. لم يصل الأمر إلى هذا الحد، ولم تكن توري متأكدة أأتى ذلك لأن جيديون علم بخطئهم هذه المرة، أم لوجود دافع خفي آخر جعله يلزم الصمت.

أما فابيان، فقد استفسر جي بي وعلم أنه يعاني من شرخين في الضلعين وكدمة في الكتف. بدت توري هادئة ومسترخية أمام إيوان في ذلك الحين، لكنها أرادت إيذاء فابيان. أرادته أن يشعر بالألم لضجرها الشديد من تفاهاتهم، ولئن كان هذا سيجعلهم يصمتون، ولو قليلاً، فلن تتراجع. توقعت توري أيضاً أن تأتي أليسا باكية إليها، لكن يبدو أن عرض القوة المتطرف الذي قدمته نوعاً ما أبعد البطلة عنها.

لم تواجهها ديميتري. ولم ينطق جيديون ببنت شفة، رغم نظراته الحارقة نحوها كلما رآها. إما أن خططتها نجحت وأرعبتهم مؤقتًاليلتزموا الصمت، وإما أنهم جميعا انشغلوا بالامتحانات. لم تكن الامتحانات سيئة بحد ذاتها، ورغم أنها استغرقت ضعف مدة امتحانات منتصف الفصل، كانت توري مستعدة تماماً. وحتى هنريك شعر بأنه أفضل استعداداً هذه المرة بكثير. وفي اليوم الأخير، اتفق الجميع على التوجه بخطوات مثقلة إلى مقهى فورتونا لتناول الشراب والطعام والاسترخاء.

فقد أنهكهم المذاكرة بوضوح. بدت الهالات السوداء تحت عيني سونيا، وبدا جي بي شارداً. ولا تزال إيليانا تحتفظ ببعض الطاقة العصبية. ومع ذلك، عرف الجميع أنها ستنال درجات عالية؛ فقد وضعت نصب عينيها أن تكون الأولى. دعمت توري هذا الهدف، لا من أجل صديقتها فحسب، بل لأنه إذا كانت إيليانا الأولى، فلن يكون ديميتري كذلك. استغرق إيوان في النوم على الأريكة قرب المدفأة، وظل هنريك يطرح الأسئلة على إيليانا ليؤكد إجاباته حتى أمرته سونيا بالتوقف لأنها لم تعد تحتمل التفكير.

وبعد أن أطعمتهم ماما جاي حتى اكتفوا وقدمت لهم المشروبات الدافئة وكلمات التشجيع الأمومية، عادوا إلى السكن. ستعلن نتائج الامتحانات النهائية في الأسبوع التالي، لذا خططوا لتحديد موعد عشاء الليلة الأخيرة قبل مغادرتهم في العطلة. أو بالأحرى، حتى تغادرهم توري متجهة إلى بيتها. وبينما كانت توري تراقب إيليانا وهي تفزز الملابس التي ستأخذها معها إلى النزل، قررت الإفصاح عن رأيها بشأن بقاء صديقتها وحدها.

"أعتقد أنه عليك استئجار حراس شخصيين".

"ها؟"

خفضت إيليانا ذراعيها وبدت مندهشة.

"ماذا تعنيْن؟"

"أعني أنني أشعر بالقلق حيال بقائك في نزل بمفردك. يقع النزل في جزء آمن نسبياً من المدينة، لكنك ستكونين وحدك. وكل شخص يسكن على بعد مسافة تمشي نصف ساعة على الأقل".

قالت إيليانا مبتسمة: "سأقضي وقتاً طويلاً في النقابة وعند جي بي وسونيا. لن أكون وحدها طوال الوقت".

لم تستطع توري التخلص من قلقها بعد. أخبرها أخوها أن تستمع إلى حدسها إن أخبرها بشيء.

"الأمر هو أنه مع بوابة الأسد، قد يدرك بعض سيئي السمعة أنك مالكة جزئية ويستهدفونك. أظن فحسب أن وجود حراس شخصيين أو مرافقين وإيابك من النقابة وعند جي بي وسونيا سيكون أكثر أماناً".

قالت إيليانا: "يا توري... أنتِ تبالغين في القلق. سأكون بخير".

تجعد أنف توري.

"إذن تحدثي إلى والدك. اتصلي به واسأليه عن رأيه".

كانت إيليانا تسايرها فحسب، لكنها لم توقع موافقة والدها.

انطلق صوت والد إيليانا عبر جهاز الاتصال: "استمعي إلى الليدي توري. هذا أمر كان ينبغي أن أتولى أمره عندما رتبت الأمور. إنه خطئي يا نانا. يجب أن يكون لديك حراس شخصيون".

شعرت توري بانتصار طفيف. مالت إلى الأمام.

"سأذهب إلى حديقة الفجر في الصباح وأجري الترتيبات، أيها البارون أقافونوف. لا تقلق، سيكونون أكفاء. سأجعلهم يأتون لاصطحاب إيليانا في اليوم الدراسي الأخير ومرافقته إلى النزل".

"شكراً لكِ، ليدي توري".

سرى الارتياح في نبرة صوته.

"التكلفة ليست مشكلة. أرجو إعلامي بالرسوم".

قالت توري: "سأتكفل بها الآن وأبلغك يا سيادي".

أبدت إيليانا تذمراً بعد انتهاء المكالمة.

"لم أظن أنه سيوافق".

"توقعت ذلك، وإلا لما اتصلت به".

رمتها إيليانا بوسادة.

"حتى يبدأ الدراس من جديد فحسب"، قالت.

ووافقت توري. في الصباح التالي، غادرت ليسيه متجهاً نحو الساحة لركوب عربة مشتركة تقودها إلى حديقة الفجر. بحلول ذلك الوقت، ألفها الجميع تماماً ورحبوا به عند دخوله. وأعلمهم بأنها هنا لاستئجار حراس شخصيين. كانت العملية شبيهة بما قامت به حين استأجرت حراساً لمتاجرها، لكنها كانت في عجلة من أمرها هذه المжды.

أخبرت توري المدير فايل بينما كانا جالسان في إحدى غرف الاجتماعات فوق واجهة المتجر: "أحتاجهم خلال خمسة أيام على الأكثر".

شرحت الموقف فأومأ المدير فايل بانتباه. ظنّت توري أنها ستضطر للعودة لمقابلة المرشحين للحراسة الشخصية، لكن خلال ساعتين، وصل نصف دزينة من الأشخاص. ثلاثة رجال وثلاث نساء. سيعملون في أزواج، عبر ثلاث مناوبات، مع وجود الحارسة الشخصية بجانب إيليانا.

سأل المدير فايل: "أين تقيم الآنسة أقافونوفا؟"

قالت توري: "في نزل اللبلاب والقرميد في الحي الخامس".

أومأ المدير فايل.

"هل أتحقق من إمكانية حجز غرفة قريبة من غرفتها للحراس؟"

"نعم!"

تمنت توري لو خطرت لها هذه الفكرة سابقاً.

"أرجو إرسال الفاتورة إليّ. سأدفع الآن وأعلم البارون أقافونوف".

أصدرت توري توجيهاتها للحراس الشخصيين الستة بالوصول أمام ليسيه في اليوم الدراسي الأخير، قبيل إغلاق ليسيه أبوابها عطلة الشتاء، لاصطحاب من تتولين حراستهن. جمعت الأوراق، ودفعت العربون، وغادرت حديقة الفجر شاعرةً بالرضا. لم تقلق بشأن الآخرين؛ فهورايزون مسقط رأسهم. ومع ذلك، كانت إيليانا فتاة غنية ومدللة في الرابعة عشرة من عمرها وحدها في مدينة جديدة ضخمة لم تستكشفها تماماً بعد.

وكانت تقيم في الجهة المقابلة من المدينة بعيداً عن أصدقائهما ودون أي تدريب دفاع عن النفس. كانت جميلة وودودة؛ فمن يدري من سيحاول استغلال إيليانا اللطيفة؟ بطبيعة الحال، لم تشعر توري بأي خوف حقيقي على نفسها. كانت هورايزون كبيرة، لكنها ضلت الطريق واستكشفت ما هو أكبر منها.

ولقد أتقنت منذ زمن ملامح "لا تزعجني"

عند المشي، ولم تكن سهلة المنال كإيليانا، الأمر الذي عدّته نعمةً بالنسبة لها. مزيد من الأشخاص ليزعجوها. استقلت عربة مشتركة عائدة إلى ليسيه وقطعت نصف الساحة المركزية عائدة إلى سكنها حين تذكرت أنها ستشتري طعام الغداء لها ولإيليانا.

"تباً..."

استدارت على عقبيها وسمعت أحدهم يصيح.

"توري!"

التقطت نفساً حاداً. تجعدت عيناها وتساءلت عما إذا كان عليها الفرار فحسب.

"إياكِ أن تهربي!"

أطلقت زفرة ثقيلة والتفتت لترى هنريك يتقدم نحوها بعبوس.

"أهلاً، أيها الزعيم-"

"لا تدعني بالزعيم! لم لم تخبرني بأنك أسقطت رسوم التالف؟"

رفع هنريك ذراعيه في الهواء وانكمشت توري.

"هنريك-"

"علمت أنك ستكونين رقيقة القلب! أخبرتك ألا تسقط الرسوم!"

رفع يديه وشد شعره.

"ما زال لدينا الوقت لنذهب ونطالب بها. لنذهب!"

"هنريك، انتظر!"

قبضت توري على ذراعه وجذبته للوراء قبل أن يندفع. وبجذبة قوية، كادت تجعله يتعثر للوراء. أُخذ على حين غرة وكاد يسق.

قالت وهي تتمسك بذراعه: "انتظري قليلاً واستمعي إلي".

التقت عيناه بثبات.

"لدي سبب".

ضيق صديقها وشريكها التجاري عينيه، مملوءتين بالشك.

"حسناً. ما سببك؟"

أخذت توري نفساً عميقاً.

"أوافقك الرأي في وجوب معاقبة المخرب، لكنه ينتمي إلى عائلة فقيرة. تفتقر تشيتيرسويكسشاير إلى العمل؛ فأين سيحصل على المال للمعطفين اللذين أفسدهما؟ سيكون تأمين الغرامة عبئاً شاقاً عليه وعلى أسرته أصلاً".

لم يقتنع هنريك.

"كان عليه التفكير في ذلك حين اقتحم متجرنا وخربه".

"إذن ماذا عن إصابته؟"

حررت توري ذراعه.

"أصيبت يده حين سقط. قال الطبيب إنه قد لا يمتلك القدرة على الإمساك بشيء بيده ثانيةً. كان يتدرب لدى صائغ والآن بات عاجزاً عن الإمساك بالأدوات أو الآلات. هنريك، فكر في الأمر".

رمقت صديقها بنظرة توسل.

"كيف سيتمكن من كسب عيشه بإصابة كهذه؟ سيكون من الصعب عليه الحصول على عمل مهني بجر أجر أفضل من كونه عاملاً زراعياً - هذا إن استطاع الحصول عليه أصلاً".

زم هنريك شفتيه. حدق وأدار وجهه، متردداً في الموافقة. ضغطت توري.

"هنريك، إنه في سننا. مجرد طفل ارتكب خطأ. خطأ غبي، لكنه لم يؤذِ أحداً وليس الأمر كأننا لا نطيق تكلفة الأضرار التي لحقت بنا. دعه يفلت من الرسوم على الأقل. يمكنهما استغلال ذلك المال بصورة أفضل للعثور على طبيب جيد له ومحاولة علاج إصابته. لا أريد تدمير حياة طفل بسبب قرار واحد أحمق".

رأته يبتلع ريقه، لكن هنريك لم يوافق. عقدت توري حاجبيها. أطلقت نفساً منخفضاً.

"ورربما يهدئ هذا أيضاً من روع الآنسة هارت وأصدقائها. إسقاط الرسوم هو كل ما يمكننا فعله في هذه المرحلة".

فتح هنريك فمه كأنه مستعد للجدل، لكنه تذكر المتاعب التي أحدثتها أليسا وعشاقها مؤخراً على ما يبدو. أخبرهم إيوان بحماس عن المبارزة، مما أثار استياء الجميع. رأت كتفي هنريك يهبطان وتنهد. أغلق عينيه.

"لا تكوني رقيقة لهذه الدرجة في المرة القادمة".

تهللت أسارير توري.

"شكراً لك يا هنريك!"

رغم موافقته، بدا هنريك منزعجاً بوضوح.

"إذا حدث هذا مرة أخرى، بغض النظر عن الفاعل، ستُدفع الرسوم".

"بالتأكيد".

أومأت توري.

"يمكنك التعامل مع الأمر المرة القادمة. لن أتدخل".

أدار عينيه.

"سأنهي حزم أمتعتي. أتعودين إلى سكنك؟"

"بعد قليل. عليَّ فقط جلب الغداء لي ولإيليانا. أترغب في المجيء؟"

"لقد أكلت. أراك في العشاء".

"حسناً!"

رأت توري هنريك يستدير عائدًا باتجاه السكن الغربي قبل أن تبدأ سيرها في الشارع.

"الليدي جيفيرا".

نادى صوت آخر والتفتت متسائلة بإيجاز عن عدد الأشخاص الذين سيمنعونها من الحصول على الطعام. استدارت وسحبت رأسها للوراء سريعاً، مندهشة لرؤية شاب وسيم ذي شعر أشقر قذر وعينين رماديّتين يقترب.

"طاب يومك".

حاولت توري ألا تعبس. كانت تأمل ألا تضطر لمقابلة معجب آخر أو أليسا حتى تغادر، لكن يبدو أن ذلك لم يكن مقدراً. أومأت للشاب إيماءة مهذبة.

"السيد زيسوس، طاب يومك".

أريد فقط الذهاب لجلب الغداء والحزم...ألا يمكنني الحصول على استراحة من هذه اللعبة لأجل هذا؟ منحها كونستانتين ابتسامة وانضم إليها.

"يؤسفني ما سمعته بشأن تخريب متجرك".

رفعت توري يديها.

"يمكننا فقط إسقاط رسوم السلع التالفة. الباقي خارج إرادتنا".

سمعت ضحكته الخفيضة ولم تفارق ابتسامته الناعمة وجهه.

"أعلم. سمعت ما قلته للسيد سكولدن".

التفت لينظر إليها وبدَت مسرورة إلى حد ما حسب رأيها.

"ليس في طيبة القلب حرج بين حين وآخر".

لم تكن توري متأكدة مما ستقوله عند رؤيته، لكنها لم تتوقع ذلك. تجمدت للحظة ولم تستطع منع نفسها من رمقه بنظرة ريبة.

"شكراً لك. فعلت ما ظننته صواباً فحسب".

بدت ابتسامته أكثر اتساعاً ونظر أمامه.

"لاحظت أنك لست تماماً كما تقول الشائعات".

عند هذا، أطلقت توري شخرة خفيفة وابتسمت.

"أأحدٌ على حق فيما تقوله الشائعات حقاً، سيد زيسوس؟"

قال: "أظنك محقة".

"أنت أكثر لطفاً بكثير مما يقوله الناس".

التفتت برأسها نحوه، بعينين واسعتين.

"يسعد معظم الناس برؤية من حاول إيذاؤهم يعاني طوال حياته، لكنك ما زلت قلقة بشأن مستقبل ذلك الشاب".

هزت توري رأسها وهما تمشيان في الشارع وتنعطفان عند الزاوية.

"تمنحني أكثر مما أستحق. لا أرى ضرورة أن يعاني طفل طوال حياته بسبب قرار أحمق لم يؤذِ أحداً. حتى وإن كانت لديه مشكلة معي أو لا يحبني، لا أريد له المعاناة هكذا. وكما قال فيلسوف عظيم يوماً: 'ما زلت أريد أن أراك تأكل، ولكن ليس على مائدتي'".

بدا كونستانتين متفاجئاً من ذلك ورمش.

"أي فيلسوف قال ذلك؟"

توباك.

"قرأته في كتاب غامض ما".

توقفت أمام مقهى فورتونا وابتسم كونستانتين أكثر.

"إنه كتاب مميز بحق".

فتح لها الباب وتبعها للداخل. توجهت توري مباشرة إلى الخلف ولوحت.

"مرحباً توبياس! ألديك أي من ذلك الدجاج المحشو بالصدر فوق البيلاف؟ أريد واحدة من تلك وشطيرة جبن. قهوتان، وحلوى كاسترد، وقطعة من أي فطيرة لديك اليوم أيضاً. يمكنني إعادة الحاويات غداً".

أومأ توبياس.

"سنجهزها لك، ليدي توري".

ابتسمت توري وهي تنحني فوق الطاولة. نظرت إلى كونستانتين، الذي بدا غير راغب في الطلب.

"امم...أترغب في تناول أو شرب أي شيء؟"

تلفّت حوله.

"بماذا تنصحين؟"

كان مقهى ولم تكن توري متأكدة من تفضيلاته الغذائية. لم تتذكر وجود أي قيود غذائية لكنيسة بيلكوي، لكنها لم ترد اقتراح شيء لا يمكنه تناوله. جعدت أنفها قليلاً وحدقت فيه من الأعلى للأسفل.

"أتحب القهوة؟"

"أجل".

"حسناً. توبياس"، قالت وهي تنحني عبر الطاولة مجدداً.

"أيمكنني الحصول على رغوة بحبوب مطحونة؟"

"بالتأكيد، سيدتي".

بينما كان شقيق توبياس يعكف على تعبئة الطعام الذي طلبته، أخرج توبياس إناء نحاسياً صغيرًا ووضع فيه بعض الماء. قاس قهوة مطحونة ناعمة وبدأ بتسخين الإناء النحاسي الصغير.

"أيريد السيد سكراً؟"

قال كونستانتين وهو يراقب توبياس: "قليلاً فحسب، من فضلك".

وُضع طعام توري في كيس قماشي مع قهوتها في جرة خزفية خاصة ذات غطاء فلين ثقب به ثقب صغير في الأعلى. وُضعت بجانبها حين رفع توبياس القهوة عن النار وتركها ترتدي للحظة. ملأ الأريج الدافئ الأجواء. تابعت توري باهتمام سكب القهوة في فنجان صغير. بعد لحظة، وُضعت على الطاولة أمام كونستانتين.

"استمتع بها".

"شكراً لك يا سيد".

التقط كونستانتين الفنجان من المقبض الصغير ونفخ في أعلاه قبل أن يحتسي رشفة. وفضولاً منها لتعرف أعجبته أم لا، راقبته وهو يشرب. بدا أن عينيه اتسعتا وحين خفض الفنجان، غمرت وجهه ابتسامة رضا. ارتفعت عيناه الرماديّتان لتلتقيا بزرقاويّتيها.

"كيف علمتِ أنني أحب القهوة غير المصفاة؟"

ارتفعت زاوية شفتها قليلاً.

"لم أكن أعلم".

في الحقيقة، كان تخميناً. التقت يوماً بشخص يحمل اسمه في اليونان لذا اعتمدت نسخة هذا العالم من القهوة على الطريقة اليونانية. أدركت أنه سبب سطحي، لكنها تفاجأت بسرور لصواب تخمينها. نظرت إلى توبياس مجدداً.

"كم الحساب الإجمالي؟"

"ثلاثة وسبعون قطعة نحاسية، سيدتي".

مدت يدها إلى جيبها لتخرج كيس نقودها لتفاجأ بقطعة فضية توضع على الطاولة وتُدفع للأمام. التفتت نحو كونستانتين، الذي استمر في الشرب.

"سيد زيسوس، يمكنني دفع ثمن قهوتك. أنا من طلبتها".

قال: "لا".

"طلبك وطلبي على حسابي".

هزت توري رأسها.

"لا يمكنني قبول ذلك".

قال غير مبالٍ باحتجاجاتها: "أرجوكِ، ليدي توري. أتيت لأزعجك أولاً. اسمحي لي بالدفع هذه المرة".

ترددت وأمالت رأسها جانباً. رفعت حاجبها.

"لم أظنك ملحاً إلى هذا الحد، سيد زيسوس".

رأت شفتيه تنفرجان عن ابتسامة. حملت عيناه وميضاً مرحاً في عينيها.

"إذن، ربما عليك معرفتي بصورة أفضل قليلاً".

رفع فنجانه نحوها قبل أن يقربه من شفتيه ويحتسي ما تبقي منه ثم يضعه على الطاولة. منحها كونستانتين ابتسامة رضا أخرى.

"أراك الفصل الدراسي القادم، ليدي جيفيرا".

سقط فك توري بينما كان يبتسم بإيماءة مهذبة لتوبياس ويغادر مقهى فورتونا دون التفات للوراء. أهكذا...أهكذا فعل طفل للتو...؟ لا. لا. التفتت توري برأسها نحو المنضدة لتلتقي بعيني توبياس وشقيقه وماما جاي الفضوليتين الملتستين من المطبخ. صفعت توري الطاولة بيدها، ووضعت قطعة فضية أخرى عليها قبل أن تلتقط حقيبتها.

"لا تخبرا أكستون أو بيرس!"

انطلقت هاربة من المقهى في الاتجاه المعاكس لكونستانتين، رافضةً الاعتراف بما حدث للتو.