سألتْ تورِي: "أَتكرهني ابنة أختك؟"
وجاء صوت بيرز بينما كانت تحاول كبح ضحكاتها فوق الأرجوحة.
قالت: "كلا، كيف تفكر في أمر كهذا؟ ألا ترى جليّاً أنها تكنّ لك عميق التقدير؟ إنها تذكرك طوال الوقت."
فقال: "لقد سمتْ دجاجتها باسمي وتقول إنني خادم مخلص لك."
ردت تورِي بينما تخنق ضحكة قصيرة: "لم تقل خادم، بل قالت مساعد. وهناك فرق كبير."
وتلت ذلك فترة صمت طويلة من الطرف الآخر.
قال بيرز: "وداعاً."
وأنهى المكالمة فارتسمت على وجه تورِي ضحكة خفيفة، ثم سمعت صوتاً يرتفع من المخيم.
هتف جيديون وهو يلوح فوق الطفلة الصغيرة الفخورة: "أخي ليس مساعداً!"
والتفت حول مواقد النار عدة أشخاص يراقبون ما يجري.
وأكمل: "إنه أمير! إنه بطل!"
فسألت الطفلة: "أَيتبع العمة طوال الوقت؟"
"نعم."
"أيحمل أغراضها ويأتي لها باحتياجاتها؟"
"نعم..."
"أيفعل ما تأمره به؟"
رأت تورِي الألم مرسوماً على وجه جيديون.
"نعم..."
ابتسمت فيونا بانتصار وشفتاها تعلوهما سخرية: "مساعد."
احمرَّ وجه جيديون بينما كانت الطفلة تحطّ من قدر أخيه جهاراً.
"غيبيرا! ابنة أختك ترفض العقل!"
رمقته فيونا بنظرة حادة وركضت نحو أبيها وهي صاضحة: "أبي، الأمير العجوز قبيح معي!"
تعثر جيديون للخلف كأنما أصابته كلماتها في مقتل، ورفع يده نحو صدره.
"أمير عجوز؟"
فاقتربت تورِي وقالت: "إنه الشعر الفضي."
أشار جيديون إلى رأسه وهو يكاد يختنق: "هذه علامة على تراثي الإمبراطوري!"
فأجابت إيلي وهي تقترب من زوجتها: "ظننتُ أن العيون البنفسجية هي علامة الدم الإمبراطوري."
تمتم جيديون بكلمات غاضبة واستدار.
"سأقوم بجولة حول الجزيرة!"
ولم تستطع تورِي منع نفسها من الشعور ببعض الحرج بالنيابة عنه وهو يبتعد خطوات قليلة ثم ينعطف بحادة ليمشي على طول محيط الجزيرة الصغيرة، حيث كان مرئياً لهم بغض النظر عن المكان الذي يذهب إليه.
قالت إيليانا وهي تهز رأسها: "لم ألاحظ هذا من قبل، ولكن يصعب كرهه حين يكون محرجاً لنفسه طوال الوقت."
وأومأ إيوان وألبرت برأسيهما في رصانة، بينما احمرَّ وجه فابيان.
قال بصوت مشدود: "إنه فقط يعجب بالأمير الأول كثيراً."
وبدو أن إيوان رمقه بنظرة شفقة.
"لا بد أن الأمر شاق عليك."
ازداد وجه فابيان حمرةً فهبّ واقفاً ومضى ليرافق جيديون. كانت الشمس قد كادت تختفي عن الأفق وتورِي تتابع ابني عمها التوأمين وهما يقلبان المعكرونة المجففة. كان لديهما بالفعل خبرة في طهيها، إذ حضرتها لهما تورِي من قبل وأرتهما طريقتها، وهما الآن يعلمانها لأبناء عمومتهما. حُفرت ثلاثة مواقد نارية: الأول حفره إيوان ليعلم الأطفال، وفيه كانت المعكرونة تغلي، والثانية حفرها الأطفال وفيه كان السمك يشوى، أما الثالثة فحفرتها إيلي بحماس واستخدمت لتحضير الحساء.
لم تكن إيلي ودييدر مضطرتين للعودة إلى أنلار حتى نهاية الصيف، وتساءلت تورِي عمّا إذا كانتا تحسنان استغلال وقتهما في التخييم مع الأطفال، ومع ذلك بدا الاثنان مستمتعين بجدطة الأمر بأسره. أضافت تورِي بعض البطاطا، وحين نضج الحساء أزاحته عن النار ووضعته جانباً ليبرد قليلاً لكيلا يحرق الأطفال ألسنتهم. رفعت المربية ري السمك المشوى وتركته يهدأ، ثم أخذت سمكتين صغيرتين بحجم كف يدها وأزعت عظامها من أجل الصغار.
صاح شخص من عند المرفق: "سيدتي!"
فانتفضت تورِي.
قالت تورِي لإيوان وهي تهرع نحو المرفق: "إنه المحار! راقب المعكرونة!"
ثم لوحت لفابيان ليتبعها حين مرّت به وبجيديون في جولتهما. بدا فابيان مرتبكاً بعض الشيء، لكن جيديون أومأ برأسه وتبعاها إلى المرفق. وحين وصلوا إليها، كانت تورِي تدفع لل صياد ثمن كيس كبير بحجم ركبتها، فشكرته وودعته.
سأل جيديون: "اشتريت محاراً؟"
فأومأ تورِي برأسها وقطب حاجبيه.
"الأطفال الصغار لا يمكنهم أكله."
أجابت تورِي: "لا يمكنهم أكله نيئاً، لكني سأشويه على الفحم ليتذوقوه."
رفع جيديون رأسه.
"مشوي على الفحم؟"
قالت تورِي: "فوق الشوايات فوق المواقد. نفتحه ونطهوه داخل قشرته بينما نغطيه بصلصة الزبدة بالثوم والليمون والجبن. ينضج تماماً ويمكن للأطفال تناوله. وإن لم ترغبوا في مطهوه، فيمكنكم أكله نيئاً مع القليل من الليمون. كما حصلت مؤخراً على صلصة حارة من السفير إيزيل من مملكة تونا."
قادتهم عائدة إلى المخيم بينما كان فابيان يحمل الكيس، وفتحت حقيبة أدوات الطهي وأخرجت سكيناً قصيرة وثلمة بعض الشيء. كانت تورِي تمتلك أيضاً بعض القفازات الجلدية، وبعضها كان صغيراً لعلمها أن طفلاً واحدوأ على الأقل سيحاول فتح محارة. وبينما كانت تريهم الطريقة، قسم كاسن ودييدر المحار إلى كومة ليأكلها الكبار وأخرى للأطفال.
قالت مايف بصوت عقلاني: "ابن عمي كاسن، ينبغي أن نحصل على المزيد. نحن كثر."
أجابتها دييدر: "لا يمكنك أكل الكثير من المحار، ولا ندري إن كانت فيفي والبقية سيحبونه."
هتف التوأمان معاً: "نحن نحبه! روبي، هل تناولته من قبل؟"
عقد روبرت حاجبيه.
"لا أعرف. ربما."
فقالت له دييدر: "إذن يمكنك أنت وفيفي تناول القليل منه. لا نعلم إن كنت تحس من محار البحر، لذا فمن الأفضل تناول القليل تحسباً لأي مغص أو دوار. وإن شعرت بأي وخز أو حكة أو ضيق في فمك وحلقك، فأخبرنا فوراً."
اتسعت عيناك روبرت.
"أهذا خطير؟"
ونظر إلى المحار الذي كان إيوان وفابيان يضطران لفتحه ووضعه فوق اللوحة الخشبية التي استخدماها كطاولة تحضير.
أوضح كاسن: "فقط إن رفضه جسدك وكنت تعاني من حساسية. قلة من الناس لا يستطيعون أكل المحار، لكننا لا نعلم حتى نجرب. لا تخف. إن شعرت بأنه لذيذ وناعم فليس هناك بأس، ولدي دواء من الدكتور كوبر فونتين."
حسب ما لاحظته تورِي، فإن ما اعتبرته اختبارات حساسية كان أشبه باختبار سموم بدائي منخفض المستوى. لم يكن معظم الناس يعلمون أنهم مصابون بالحساسية تجاه شيء ما حتى يلامسوه أو يأكلوه. ومع ذلك، فإن الأطعمة التي تسبب الحساسية لدى قطاع معتبر من السكان غالباً ما تُقدم للأطفال بجرعات صغيرة وتحت إشراف دقيق من بالغ يرافقهم ومعه الدواء. في اللحظة التي تظهر فيها أي طفح جلدي أو نتوءات أو حكة أو صعوبات في التنفس، يتم تناول الدواء السائل.
في ذاكرة فيكتوريا، كانت قد جربت المحار والفواكه ومختلف منتجات الألبان وهي طفلة صغيرة تحت مثل هذه الظروف، وكان هذا أمراً شائعاً في سولي. كانت تجري اختباراتها في المنزل، أما بالنسبة للعامة، فيمكنهم السماح لأطفالهم بتجربة هذه الأطعمة خلال مهرجان الحصاد في الخريف، حين تعين البلدات أطباء في الساحات الرئيسية للإشراف على مثل هذه الاختبارات. بهذه الطريقة جرب إيوان والبقية عدة أطعمة لأول مرة.
قالت آفا وهي تربت عليه باطمئنان: "سيكون لذيذاً يا ابن العم روبي."
كان المحار طعاماً شائعاً في مرفأ الملك.
قال ريري قبل أن يخرج لسانه ليؤكد مقته: "أنا لا أحب المحار. أمر أبي بشحنه إلى غوراسك من قبل وكان طعمه فظيعاً."
قالت إيليانا لأخيها: "ريري، هذا طازج. الطعام الطازج أفضل دائماً. كما أن تورِي هي من ستطبخه."
كانت تورِي تمزج في وعاء بعض الزبدة المذابة وعصير الليمون والثوم المفروم، ثم غرفت القليل في بعض المحار وغطته بطبقة من الجبن قبل أن تأخذ الملقط وتضعه فوق أحد المواقد.
وقالت: "سيستغرق الأمر بضع دقائق لينضج تماماً. أما الكبار الذين يمكنهم أكل المحار النيْ، فالرجاء تجربته مع هذه الصلصة الحارة من مملكة تونا!"
وتوجهت إلى حقيبتها وأخرجت جرة زجاجية غطاؤها من الفلين.
"هناك ملعقة صغيرة مثبتة بالغطاء. ضعوا القليل فقط فوق المحار. إنه حار."
سألت دييدر وهي تأخذ الجرة الزجاجية وترفعها لتفقد محتواها شديد الحمرة: "من مملكة تونا؟"
"أقوم باستيراده. وافق السفير إيزيل على افتتاحه مطعماً متخصصاً في طعام مملكة تونا في رويس وسيُقدم هذا هناك. إنه منكهات."
فتحت تورِي الجرة وأرتهم كمية المقدار الواجب وضعه على المحار. ثم أرجعت رأسها للوراء وامتصت اللحم إلى فمها مباشرة من القرفة، وأخذت لحظة لتستمتع بالطعم الحار ممزوجاً بملوحة المحار. تبعتها إيلي على الفور وما إن داهمها الحر حتى أطلقت صيحة وأصدرت صريراً بفمها.
وقالت وهي تفتح فمها وتلوح بيدها لتهويته: "تورِي، ما هذا!؟"
"فلفل حار... إنه صلصة سرية من مملكة تونا. لا أعرف تماماً ما بداخلها."
لو عُرف أنها تعرف ما هي وتسببت في رواج الصلصة، فقد تنشأ مشكلات دبلوماسية.
قالت إيليانا وهي تومئ برأسها بحزم: "إنه طيب."
والتقطت محارة أخرى وأضافت المزيد من الصلصة الحارة قبل أن تأكلها. أغمقت عينيها، ومضغت، وبلعت قبل أن تفتح فمها وتطلق زفيراً خفيفاً من الهواء.
"إنه يلسع، لكن طعمه اللاحق رائع."
قال إيدن: "يا ابن العم، أريد أن أجرب."
قال إيفزين: "لم أتناوله نيئاً من قبل. أيمكنني؟"
قالت تورِي: "سأتأكد من والدتك أولاً."
وبعد إجراء مكالمة سريعة مع الدوقة فيكيت التي تذمرت بأنها لو علمت بوجود طعام جديد لأتت إلى الجزيرة هي الأخرى، سُمح لإيفزين بالأكل. احمرَّ وجها الصبيين الأكبر سناً ودمعت عيناهما، لكنهما لم يجترئا على بصق المحار. بدا وكأن كل منهما ينتظر الآخر ليبصقه أولاً، ولما احتفظ كل منهما به في فمه، ابلعاه على كره.
قال إيدن، وعيناه محمرتان: "ليس سيئاً."
أخذ إيفزين يلتقط أنفاسه بصعوبة: "إنه جيد حقاً."
تفقدت تورِي المحار المشوي على الفحم والمخصص للأطفال الذين كانوا يتناولون وجبتهم بالفعل من القليل من الحساء، وبعض المعكرونة بالجبن، والسمك المشوي. وكان ألكسندر يتناول سمكه المشوي معهم أيضاً. وبعد أن تركت المحار المشوي يبرد لكيلا يحرق الأطفال، أعطت الصغار واحدة لكل منهم والأكبر سناً اثنتين.
قال روبرت: "هذا ليس سيئاً."
سأل كاسن وهو يحوم حولهم كطائرة هليكوبتر ممسكاً بالدواء في إحدى يديه تحسباً لأي حساسية قد تصيب أطفالها: "كيف تشعرون؟"
قالت فيونا: "أنا أحبه! أبي، خذ واحدة."
"القليل فقط. يريد أبي التأكد من أنكما تستطيعان تناوله دون مشكلة."
كما أعجب الكبار بالمحار المشوي على الفحم، وكشفت تورِي أنها ستقدم المحار في غداء الاحتفال بعد مراسم مونتان الثلاثية بعد غد. أرادت شيئاً مختلفاً وحين تفحصت ما تناوله مونتان في الماضي، بدا أنه يحب المحار المقلي.
رفع جيديون رأسه: "أتحتفظين بسجل لما نأكله؟"
"في البداية فقط لمعرفة تفضيلاتكم الغذائية. نفعل هذا مع ضيوف معينين لكي نلبي أذواقهم بشكل أفضل. ويميل العديد من أولئك الضيوف إلى طلب وجبات خاصة لتناولها على حدة. على سبيل المثال، بيرز لا يحب المحار ولا السرطانات، لكنه يحب الجمبري والحبار بشرط أن يكونا مقشرين وبدون رأس."
بدا على جيديون التأثر.
"وماذا أحب أنا؟"
تنهدت تورِي ورمقته بنظرة فاترة.
"الخضراوات الورقية التي لا تُقطع قطَعاً صغيرة وتُدمج في طبق أكبر، والفجل."
قال ريري: "أنا لا أحب تلك أيضاً."
ووافق إستفان بينما كانت تورِي تمسح بعض الحساء عن وجهه: "الخضراوات مقرفة!"
احمرَّ وجه جيديون كأنما موافقة الطفل أكدت أنه يملك ذوق طفل في الثالثة من عمره. تنهد إيوان مرة أخرى وربت على كتف فابيان بتعاطف.
"لا بد أن الأمر شاق للغاية."
"مونتان أنتوان طهار دي ألفيري."
قفز قلبه إلى حلقه حين دعاه الرجل المرتدي ثياب الكاهن البسيطة ليتقدم وسط حديقة الأضرحة المقدسة. وقف مونتان تحت شرفة صغيرة تؤدي دور معبد مصغَّر، وسار نحو المذبح. كانت ثيابه البيضاء جديدة، ولم يجرّب ارتداءها من قبل إلا مرة واحدة ليتأكد من مقاسها. تعامل معها بحرص شديد فّعلقها في خيمته، وحام حولها بحذر خافةً من تلويثها عن طريق الخطأ. خطا خطوات هادئة وتوقف أمام الأخ كاسيوس.
كان أكستون يقف إلى جانبه حاملاً وعاء معدنياً صغيراً يضم بلورات مطحونة. تطوّع ليكون جزءاً من المراسم.
قال الأخ كاسيوس متفرّساً في المجموعة الجالسة: "ليتقدم الأعرابِيّ عن مونتان وينضم إلينا."
عجز مونتان عن الالتفات، لكنه لمس بطرف عينه امرأة أنيقة في منتصف العمر تنهض من مقعدها وتخطو خطوات منسيابة نحوهما. بدا وجهها هادئاً وشبه بارد بينما علت ذقنها. تميزت بشعر بني كثيف وعينين خضراوين. لم تشبه ابنتها للوهلة الأولى، لكنهما حين تقارنتا، ظهر جلياً أن وجه الكونتيسة يشبه وجه أمها.
قالت الماركيز وهي تتوقف بجوارهما: "أنا هنا."
كان صوتها سلساً لكنه جاف؛ وهو ما يليق بامرأة مرهوبة الجانب أنجبت أبناء مرهوبي الجانب. رغم معرفته بذلك، أدرك مونتان أن الماركيز كانت دافئة ومتأملة للغاية. ربما كانت كلماتها قاسية بعض الشيء وحازمة، لكن المعنى الكامن خلفها طفح بنوايا محبة. حرصت على تناول العشاء على مائدته وتبادل أطراف الحديث معه. ومنحته اقتراحات جيدة للغاية حول ما يمكنه فعله بعد ليسيه. كانت مشجعة للغاية وتصغي إلى ما يقوله، لدرجة أنها أسكتت شقيقه حين حاول أكسون مساعدته في الإجابة.
كانت تقول: "دعوه يقول ما يدركه أولاً."
اعتاد والداه في الماضي مقاطعته، وإسكاته، وتجاهل رغباته بكل سهولة كأنه يتنفس. تسارع نبض قلب مونتان. لم يستطع كبح توتره. فهو، الابن غير الشرعي لدوق نازح، على وشك أن يصير الابن الروحي لواحدة من أنفذ النساء في الإمبراطورية. لقد كانت نعمة مسبقة ألا يقتصر الأمر على قبول شقيقه الأكبر لكونه فارساً رفيع المرتبة، بل وتوسعه لقبوله. والآن، سيحظى أيضاً بأخوة روحيين أسياد في مجالاتهم.
وفي منعطف غير متوقع للأحداث، سيصير أيضاً أخاً روحياً لشابة احتقرها في البداية. لم يَرِ فيكتوريا دي غيفيرا بصورة حسنة على الإطلاق. وجهل متى بدأ رأيه فيها يميل نحو الاستحسان. لقد كان محظوظاً؛ فختنه الروحيّة كانت على الأرجح الشابة الأكثر هيبة وترويعاً في عمره. لو أرادت، لاستطاعت تحطيمه. لقد كان فظاً للغاية معها، وألقى باللوم عليها في أمور لم تكن ذنبها فيه، وازدراها. لم يتخيل يوماً أنهما سيصيران مرتبطين بهذه الطريقة.
كاد لا يصدق الأمر. في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كان يقطن في مستودع متهالك بأحد الأزقة استأجره من عائلة أحد زملائه في العمل. والآن يقف إلى جواره عدد من أفراد العائلة الإمبراطورية، وثلة من الطبقة الأرستقراطية العليا، وشقيقه غير الشقيق المنفصل عنه، ليشهدوا مباركته على جزيرة في بلدة تتطلب دعوات لدخولها. بدا الأمر كحلم، وإن استيقظ، تساءل عما إذا كان سيتحمل خيبة الأمل.
غمس الأخ كاسيوس إصبعه في غبار البلورات ورفعه نحو حاجبه الأيسر.
"باهاليا، ملكة الصحة والقوة."
شعر مونتان بموجة خفيفة من الطاقة تتسرب عبر جبهته بينما رسم الأخ كاسيوس برفق رمز الملكة.
"اختارها الدوق أكسون ألفيري لتحافظ على صحتك وتمنحك القوة."
شعره بضغط يشدّ على صدره. جهل الملوك التي تم اختيارها. وظن شقيقه أن إبقاء الأمر سراً سيكون ممتعاً. خطّ الأخ كاسيوس رمزاً آخر فوق حاجبه الأيمن.
"لورو، ملك اللغات والكتابة، لتبرع في قدراتك، وتتعلم جيداً، وتعبّر ببراعة."
لا بد أن أكسون توخى الحذر في اختيار الملوك التي ستساعده. ولأنه عانى من سوء النغذية وسوء المعاملة، أراد أكسون له الصحة والقوة. ولأن اهتمامه انصب على التعاويذ وسولفاي القديمة، رغم إجباره على تعلمها بسبب والدته، فقد اختار له أكسون لورو ليتحسن. تأثر مونتان بعمق. رأى يداً تمتد وتغمس إصبعة نحيلاً في غبار البلورات ثم استشعر طاقة خفيفة على جبهته.
"أنا أنتونيا ماريا دي غيفيرا دي سوفوس، ولمباركة ابني الروحي، اخترت كيسار ملك الملاحة."
للحظة، شابه الغموض عقل مونتان. لم يكن بحّاراً ولا يملك أي اهتمام بالسفر.
"لذلك لن تجد الإرشاد الذي يحتاجه قلبك فحسب، بل ستجد طريق العودة إلى منزلك دائماً."
أبقض عينيه بشدة وعض على شفتيه. اغرورقت عيناه بالدموع وقاومها. انحسرت الطاقة وسمع بوضوح تشتت صلوات الأخ كاسيوس قبل أن يحس ببرودة الماء المبارك عليه. وقبل أن يدري، انتهت مراسمه الثلاثية. أُقيمت مأدبة الغداء احتفالاً بذلك في جزيرة لا رينا القريبة، أي جزيرة الملكة. كانت أصغر حجماً بقليل من رويس، جزيرة الملك، حيث بُني بالفعل رصيف مركز النقل ووسط الجزيرة. وحيث تمثّل رويس مركزاً مدنياً يضم المباني الحكومية، ومدرسة، ووفرة من الأطعمة الأجنبية، كانت رينا مكاناً للضيوف للاسترخاء والتقاعد فيه.
اتخذت الساحة الرئيسية شكلاً يحاكي حرف يو وتصدتها مبانٍ جميلة، بما في ذلك المبنى الأول لمشروع مشترك يجمع عديد النبلاء، من بينهم الكونتيسة وشقيقه. وحسب ما سمعه مونتان، سيتمثل المعلم الأبرز في سلسلة من الحمامات الفاخرة والمنتجعات الصحية. ومع ذلك، تزيّنت ساحة الملكة الفاتنة بنافورترها ذات الشكل الهلالي، وأكاليل الزهور القماشية وبلورات الإضاءة. عزفت فرقة موسيقية بينما نُصبت طاولات دائرية عديدة حول الساحة تحت ظلال التعريشات والمظلات المزودة بأقمشة بلون القشطة.
توفرت أماكن لممارسة ألعاب الورق والبلاط المختلفة، وعلى الجانب الآخر، ما أطلقت عليه الكونتيسة اسم ملعب للأطفال. حين وصل مع شقيقه، كان أطفال عائلة الكونتيسة الصغار يلعبون بالفعل. جُلب الطعام إلى طاولات الجميع، ولأولئك الحاضرين لممارسة الألعاب مع أقرانهم، قُدّمت مشروبات صغيرة ووجبات خفيفة.
سأل مونتان بارتباك واقترب من شقيقه: "من هؤلاء جميعاً؟"
ضحك أكسون بخفة.
"لا تكترث لهم. إنهم ضيوف الدلتا. سيكون غداؤنا على فناء رينا دي لا لونا."
تتبع مونتان نظراته عبر الساحة نحو الفناء المظلل الواقع مباشرة خارج الأبواب الجانبية لمبنى المنتجع. رينا دي لا لونا هو اسم المنتجع، وقد استند تصميمه إلى هيكل الجناح القمري. انتهت الواجهة مؤخراً، بينما استمر العمل على التصميم الداخلي. غير أن مناطق تناول الطعام والاسترخاء المطلة على الساحة بدت جاهزة للضيوف. تبع مونتان شقيقه إلى الفناء فوجد الأمير الثاني وفابيان فون دورن جالسين بالفعل ويتحدثان إلى إيوان.
كان إيوان الودود بلا منازع بين أصدقاء الكونتيسة وأصرّ على أن يُنادَى باسمه، كونه ليس نبيلًا أو حائزاً على أي رتبة. وباعتباره طالباً في لا غاردا، كان ينبغي أن يُدعى بالسير كونر، لكن انحداره من عائلة فرسان يعني وجود عدد كبير من السير كونر بالفعل. على مقربة، تحدث هنريك سكولدن مع الليدي أغافانوفا والكونتيسة إلى جانب عدد من الأفراد الأكبر سنّاً بالزي الرسمي. وافترض أن للأمر صلة بالمنتجع والطعام.
وشكّل التوأمان الشهيران فيساج عائلة أخرى على طاولة قريبة، وكأنهما يحجزان الطاولة للكونتيسة.
قال الأمير بيرس: "سأجعل توري ترافقني لتحية الضيوف هنا."
لم يستطع مونتان منع نفسه من التطلع إلى الرجل الطويل بارد الملامح الذي كان الصديق المقرب لشقيقه.
وهما يعبران الساحة، قال أكسون: "سأنضم إليك بعد أن أجلس مونتان."
فقال له الأمير بيرس: "عليك البقاء مع شقيقه. إنه ليس على دراية بالبيئة وقد يغمره الأمر."
لم يبد الأمير بيرس بارداً كما زعم شقيقه.
قالت توري: "أكسون، تناول طعامك أولاً. ساصطحب بيرس للترحيب بالضيوف الزارين. إنها مأدبة تراكت مونتان، استمتع بوجبتك أولاً."
جهل مونتان سبب أمر الكونتيسة لشقيقه علانية، لكن أكسون لم يبد منزعجاً من ذلك البتة.
فقال: "إذن، سنبدأ."
وقاد مونتان إلى إحدى الطاولات.
وقف الأمير جيديون لتحيته بالشكل الملائم: "ألفيري، تهانينا بمناسبة التراكت."
مدّ يده فصافحه مونتان.
"شكراً لك، سموك."
قال إيوان بنبرة فخر وإيماءة: "لقد تأثرت بشدة بالملك الذي اختارته الماركيز. كما هو متوقع من أم توري."
أومأ مونتان برأسه بهدوء. لقد تأثر بشدة هو الآخر. لم يعنِ ملك الملاحة الملاحة بالمعنى المادي الحرفي فحسب، بل شمل إيجاد الإرشاد وخوض غمار الحياة. لم يكن ملكاً جرى اختياره بلا مبالاة، ولا بد أن الماركيز قضت بعض الوقت في التفكير فيه. على طاولتهما، سُحب مقعدان إضافيان فتصلّب مونتان حين جلست امرأتان جميلاتان في منتصف العمر. الأولى، بالطبع، هي أمّه الروحية الجديدة. والثانية هي الإمبراطورية.
قالت الماركيز: "ظننتك أخبرته أنك عائدة إلى المنزل أمس."
إن استمع مونتان جيداً، فقد بدت منزعجة بعض الوقت من الإمبراطورية.
تجاهلت الإمبراطورية مونيكا الأمر: "ماتيو يفهم. كان عليّ البقاء من أجل المراسم."
جهل مونتان سبب حضورها. لقد تبعتهما من منزل ناصون إلى هورايزون ثم أتت إلى فيكليا بعد أيام قليلة. لم يسأل عن السبب، إذ لم يكن ذلك من شأنه، لكن بدا وكأن الإمبراطورية كانت تتبع الماركيز لقضاء الوقت معها، نظراً لكونهما صديقتين قديمتين مقربتين.
قالت الماركيز: "أكسون، لست بحاجة لتقديم مونتان للجميع نظراً لأن الأمر مربك. ومع ذلك، فإن الدوقات والدوقات الآخرين هنا."
توتر مونتان مرة أخرى. كان المعنى واضحاً؛ وباعتباره الشقيق الأصغر لدوق، حتى وإن كان ابناً غير شرعي، فعليه على الأقل أن يُقدَّم بالشكل اللائق لأقران شقيقه. خفض مونتان عينيه. لم يقم والده بذلك أبداً. لم يُسمح لمونتان ولا لوالدته البيولوجية بحضور التجمعات النبيلة، لكن ذلك لمعن عدم الحديث عنهما. اتبعت والدته والده ككلب وفي، لعلها تُرى من قِبل الآخرين ويعرف الآخرون أنها رفقته.
اعتاد مونتان أن يُجرّ معها، لكنه عندما بلغ سن الرشد، سعى لتجنب الذهاب. عجز عن تحمّل نظرات الآخرين المشمئزة والساخطة كأنه هو من قتل الدوقة المحبوبة ألفيري. جعلته يكره والدته التي استغلته سلاحاً ويكره والده الذي سمح لها بذلك.
قالت الإمبراطورية: "لا تخشَ ما قد يقولونه. توني وأنا هنا. لن يكونوا ناقدين."
بدا أكسون متردداً، لكنه أومأ. ففي نهاية المطاف، كان الأمر بمثابة أمر صادر عن الإمبراطورية. وحين بدأ تقديم الطعام، تفاجأ مونتان بوجود عدة أطباق من المحار قُدّمت له.
قالت الماركيز بنبرة ملكية: "توري تقول إنك تبدو محباً للمحار، لذا أعدت هذه الأطباق."
ورفعت ذراعها.
"يليانا، أتعرفين ما تُسمى هذه؟"
"نعم، أيتها الماركيز."
هرعت الليدي أغافانوفا من حيث كانت تدعو الأطفال لتناول الطعام. سارت نحو طاولتهم وسمّت المحار والصلصة الحمراء الحارة التي وُضعت على الطاولة.
"أرجو توخي الحذر؛ الصلصة حارة."
ضحك أكسون والإمبراطورية.
"كم هي حارة يا ترى؟"
التقط أكسون محارة نيئة ومبردة لا تزال في قشرتها وأخذ ملعقة من الصلصة ووضعها على المحار النيئ.
"بالضبط، أيها الابن الروحي! كم يمكن للصلصة أن تكون حارة؟"
قلدت الإمبراطورية تصرف شقيقه وتباركا معاً بالمحار بثقة. بعد أقل من ثلاث ثوانٍ، احمرت وجوههما، ودمعت عيناهما وهما يشرقان.
"ماذا قالت يليانا، مونيكا؟ كوني حذرة! أنتِ سريعة دائماً في التهور دون اعتبار للعواقب."
عبست الماركيز، ووضعت بسرعة طبقاً من البطاطس المهروسة بالكريمة أمام الإمبراطورية.
"كلي هذا."
دفعت الإمبراطورية شوكة في الطبق وقربته إلى فمها. وفعل أكسون المثل وفجأة، استرخى وجههما المدمعان.
قالت الليدي أغافانوفا وهي تشير بسرعة لنادل ليحضر طبق فواكه صغير: "شرائح الفواكه ستساعد أيضاً، صاحب الجلالة."
"إنها تحترق... لم تحترق هكذا؟ ما هذا؟"
غص أكسون فطعن مونتان بسرعة قطعة برتقال بشوكة.
وحضّه وهو يضع الشوكة في يد أكسون: "أكسون، كل بعض الفواكه أولاً."
ظهرت الكونتيسة بجانب طاولتهما بوجه عابس: "ماذا أخبرتك؟ أضف القليل من الصلصة الحارة لتجربتها أولاً فقط!"
إلى جانبها، عبس الأمير الأول قليلاً وهو يمسك يد الكونتيسة على ذراعه. رمقها أكسون بنظرة حارقة.
"أتحاولين تسميمي؟"
قال الأمير الأول بصوت خافت: "إنه ليس ذنبها حين لا تستمعين للتعليمات."
نظر إلى الإمبراطورية.
"أمي، أنت متحمسة للغاية."
قطبت الإمبراطورية حاجبيها في وجهه. جلس الأمير الأول والكونتيسة على الطاولة المجاورة لطاولتهم. استند ظهر الكونتيسة إلى ظهر أمها وتسلقت فيونا حجر الكونتيسة. ومع استمرار الوجبة، وجد مونتان نفسه مرتاحاً أكثر بقليل مما توقع. كان أكسون إلى جانبه يتجادل بخفة مع الأمير الأول بينما اقترب مونتان بدرجة كافية من الطلاب في عمره لتبادل التحيات الودية معهم.
"يأتي ابني للجلوس هنا مع أصحابه، ولا يدعونا."
اقتربت امرأة أخرى في منتصف العمر ورمقت ابنها الجالس مع عائلة أوطوغ بنظرة منزعجة خفيفة.
نهضت الماركيز لحيّتها: "من قال لكِ أن تكوني مسحورة بلعبة بلاط الشمس؟ ألم تخسري ليلة البداية؟ لا تقماري ببيع دوقية فيكيت."
ارتفع رأس مونتان فجأة. أكانت تلك المرأة هي الدوقة فيكيت؟ تجمّد في مقعده، غير متأكد ممّا إذا كان عليه الوقوف وتحيتها أم البقاء جالساً حتى يُدعى للتقدم.
قالت الدوقة فيكيت بنبرة فخورة: "جيرارد يراقب إنفاقي بحرص، لكيلا أتمادى. الآخرون قادمون. إنهم يحاولون انتزاع الدوقة العظمى من لعبتها."
رفعت يدها ولمست ذراع الماركيز.
"إنها تحب ابنتكِ. وإن ذكرت حفيدها الأصغر، فغيري الموضوع."
انتفضت الإمبراطورية واقفة بوجه مستاء: "أَتجرؤ على ذكر حفيدها الأصغر؟ حين يكون ابني الأكبر حاضراً؟"
وأشارت بذراعها نحو الطاولة المجاورة، حيث جلس الأمير الأول بجوار الكونتيسة وبدا أنه يستمع إلى فيونا وهي تخبره بأن الدجاج هو أفضل طعام.
قالت الماركيز بصوت حازم: "إنهما صديقان فقط."
ونظرت نحو مونتان وأومأت له ولشقيقه.
"أكسون، تعال وقدّم مونتان للآخرين."
وقف أكسون واضطر مونتان للوقوف بدوره. شعرت ساقاه بالضعف وهو يتبع شقيقه، محاولاً إبقاء ظهره مستقيماً وألا ينظر إلى أسفل. اقتربت مجموعة صغيرة صاخبة فشعر مونتان بتجمده في مكانه.
خفض أكسون صوته ليخبره: "التي في المنتصف هي الدوقة سيرفانا. وباعتبارها الدوقة الأكبر، يدعونها الآخرون بالدوقة العظمى. وعن يمينها الدوق سينان وعن يسارها الدوقة تيتري."
بلع مونتان ريقه بصعوبة. بدت عينا الدوقة سيرفانا ضيقتين ومظهرها صارماً. مشت مستندة إلى عصا وارتدت قبعة شمسية كبيرة. ومع اقترابها، استشعر عينيها عليه، تدرسانه بحرص. رغب في الابتعاد أو التراجع خلف أكسون، لكنه أدرك عجزه عن ذلك. سيشكل ذلك حرجاً لأكسون. بدل ذلك، تجمع العرق عند صدغيه وحاول التركيز على ألا يطبق قبضتيه بوضوح إلى جانبيه.
خطت الماركيز خطوة للأمام وبدت وكأنها تحميه بجسدها: "أصحاب السعادة."
وخفضت رأسها لتحية من هم أعلى منها رتبة تقنياً.
كان للدوقة سيرفانا صوت منخفض وخشن: "الماركيز غيفيرا. أردتِ تعريفنا بأفراد عائلتك الجدد، لذا سافرت بعيداً."
رفعت الماركيز حاجبها وقالت: "أيتها الدوقة العظمى، لقد كنتِ هنا بالفعل حين وصلنا."
جهل مونتان إن كانت تتحداها أم تمازحها، لكن ذلك زاده توتراً.
قالت الدوقة سيرفانا ملوحة بيدها: "أعني المجيء إلى الجزيرة. أنا لا أتحب القوارب."
وحولت انتباهها إلى مونتان، فالتقتا بالعيون.
ضاقت عيناها وهي تئيل للأمام: "أهذا هو؟"
نظرت الماركيز إلى أكسون، فتقدم للأمام: "أيتها الدوقة العظمى، هذا أخي، مونتان ألفيري. أنقذت والدتي حياته وأخذته كابن لها قبل وفاتها."
رفعت العجوز عينيها ورمشت بضيقة.
"بلغتني أنباء وفاة الدوق السابق ومسؤو..."
استدركت أمرها وأخذت نفساً خافتاً.
"ورفيقته."
أخذ أكسون نفساً عميقاً وأومأ برأس واحد: "نعم، لقد دُفنا في القرية."
"جيد!"
ختمت الدوقة العجوز عصاها بالأرض بينما غمرت وجهها نظرة غضب عابرة. كاد مونتان يقفز للخلف.
"لا ينبغي لهما تشريف أراضي عائلة ألفيري حتى في الموت!"
قالت الدوقة تيتري بنبرة رقيقة: "أكسون، سمعنا أن الكبرى جين أُحضِرت إلى المنزل؟"
"نعم، أيتها الدوقة تيتري. إنها الآن في منزل ناصون."
أومأت الدوقة تيتري بتفهم.
"جيد... هذا ما كانت ستتمناه."
سأل الدوق سينان متفرساً في مونتان: "هل أُضيف شقيقتك إلى سجلات العائلة؟"
وبدا أكثر فضولاً من أي شيء آخر.
أجاب أكسون: "نعم، أيها الدوق سينان، لقد حدث. بصفتي الابن بالتبني لوالدتي."
استعد مونتان للحكم بينما سقطت عيون الإمبراطورية الحادة على دوقيات الإمبراطورية عليه. لقد سمع أنهن الأكثر فخراً بين النبلاء جميعاً. إنهن متكبرات ويفخرن بأنسابهن. وهذا سبب خجل والده الشديد من تواجده حوله. تقدمت الدوقة العجوز وخطت الماركيز خطوة إلى الجانب. وضعت يداً على كتفه فاضطر مونتان لمقاومة الرغبة في الإمساك بيد أمّه الروحية طلباً للدعم.
قالت الدوقة العجوز بصوت خشن لكنه رقيق: "كانت جنيففيف قديسة. لم تستطع تبنيك ووالداك البيولوجيان على قيد الحياة، لكنها عوملت كابن لها في قلبها."
ارتفعت يدها المتموجة ولمست رأس مونتان برفق. كاد يقفز، لكنه عجز عن صرف عينيه عن الكبيرة. منحته نظرة جادة.
"لا تدنس اسم ألفيري إذ لم يمنحه لك والدك، بل الدوقة جنيففيف دي ألفيري والدوق أكسون دي ألفيري."
وجد مونتان نفسه يومئ: "نعم، أيتها الدوقة العظمى."
أومأت الدوقة العجوز وسحبت ذراعها. تمنى لو أن اللمعة التي رماها في عينيها الضيقتين كانت رضا. نظرت إلى أكسون ثم إلى الماركيز.
"لقد أفلحتِ في إرجاع الصبي. أكسون، يجب أن تُحسن إرشاد شقيقك. وأنتِ يا أنتونيا، عليك توجيه ابنك الروحي."
حنى أكسون رأسه بانحناءة صغيرة وأومأت الماركيز برأسها بخفة: "نعم، أيتها الدوقة العظمى. شكراً لكِ."
استدارت وساعدها الدوق سينان للعودة عبر الساحة. أطلق مونتان نفساً كان يحبسه فضحكت الدوقة فيكيت.
قالت وعيناها تفيضان مرحاً: "أكنت خائفاً؟"
قالت الماركيز: "أبعده سيليان عنكم جميعاً بسبب خزيه. إن خبرة مونتان بالنبلاء محدودة وسلبية في الغالب نتيجة لذلك."
شهقت الدوقة فيكيت ورفعت يداً إلى صدرها.
ونظرت إلى مونتان بعيون متفاجئة لا تخفي حيرتها واستيائها: "أهذا صحيح؟"
وجِّه السؤال إليه، ولم يكن أمامه خيار سوى الإجابة. أحس بضغط خفة على كتفه، وهو طمأنة من أمه الروحية.
"خجل والدي مني وكان هناك الكثير من الشائعات. لن يكون مفاجئاً معرفة أنني كنت مكروهاً من أقران أخي."
قالت الإمبراطورية وهي تجلس: "إنصافاً للصبي، وُجد الكثير من العداء بينكم أربعة وسيليان."
قالت الدوقة تيتري بنبرة حادة: "كان ذلك تجاه سيليان. كيف لا ننظر إليه هكذا بعد ما فعله؟"
فأجابت الإمبراطورية: "ما لم تلوموا مونتان."
عاد الدوق سينان ليمد يده إلى مونتان: "كانت جنيففيف حازمة بشأن حمايته وطلبت ألا نضمر أي عداء. لسنا بمتكبرين لنمرر خطايا أبيه إلى الابن. من الجيد لقاؤك أخيراً، أيها السيد الشاب ألفيري."
قفز قلب مونتان. كان ذلك لقبه، لقب الابن المتبنى للعائلة، مثل روبرت. أخذ يد الدوق سينان وصافحها.
قالت الدوقة تيتري بنظرة طيبة: "جهّزتنا الكبرى جين لك يا مونتان."
لم تبد متمسكة بالرسميات. وبحسب كلماتها، بدا أن الدوقة الراحلة كانت تكبرها في المدرسة.
"عرفنا جميعاً أنها كانت تحميك."
منحه الدوق والدوقات بضع كلمات طيبة أخرى، وشجّعوه على العمل الجاد في ليسيه لجلب الشرف والمجد لألفيري والدوقيات، وألا يخشى التواصل معهم. غمزت الدوقة فيكيت للماركيز.
"يقول الجميع إن المسيرات هي مجموعة النبلاء الأقرب، لكن دوقياتنا ليست بعيدة جداً عن الركب. نحن ننحدر من الممالك التي استسلمت لسوليل؛ ولدينا أخوتنا الخاصة، كما تعلم."
قال صوت الإمبراطورية المزعج: "فانيسا، أنا هنا مباشرة. لا تجعلي الأمر يبدو وكأنكم خمسة تخونون الوطن."
قالت الدوقة فيكيت باحترام مبالغ فيه جعل الإمبراطورية تتدحرج عيناها: "لا أجرؤ على ذلك، صاحبة الجلالة."
قالت الماركيز بصوت بارد: "أثق بأنك ستتأكدين من تصحيح أي شائعات خاطئة تتعلق بمونتان؟"
أومأ الدوق سينان بحزم: "بالطبع، أيتها الماركيز."
اعتقد مونتان أن الدوق يكبر أمه الروحية سناً، لكن رغم ذلك وكونه في رتبة أعلى منها، إلا أنه أظهر لها قدراً هائلاً من الاحترام. استطاع مونتان فهم السبب؛ فأمه الروحية تفرض الاحترام بطبيعتها. ولم يستطع منع نفسه من الشعور بالفخر حيال ذلك. أومأت الماركيز برضا.
"جيد. لا تنسوا أنه بغض النظر عن كون أكسون شقيقه، فهو ابني الروحي أيضاً."
تغلغلت عيناها الخضراوان في عيونهم فكبح مونتان ابتسامة دافئة بينما بدا شعور بالحماية من كل الجهات يحيط به.
"لديه غيفيرا وراءه الآن."
شعر مونتان بضغط على قصبة أنفه. أخبرته الكونتيسة مرة حين مات والداه بأنه ليس وحيداً في العالم. منطقياً، استوعب ذلك، لكن في تلك اللحظة، عجز عن منع نفسه من الإحساس به.