بدت مندهشة بصدق حين التفتت وراءها ورأت ثلاثة طلاب قرب درجات مبنى الإدارة، محمرّي الأجفان ويبدو عليهم التقاط أنفاسهم بصعوبة. قطّبت توري حاجبيه. "هل من خطب؟" آخر مرة تحدثت فيها إلى المدير لوران كانت حين عادا إلى الحرم الجامعي من الرحلة وسأل عن سترة الريش بينما كان رفاق مجموعتها ما زالوا يرتدون ستراتهم. أخبرته أن هنريك وهي تخططان لبدء عمل تجاري وستعلمانه حين يصبحان جاهزين لبدء الإنتاج. بدا المدير مسروراً وقال إنه يسره دعم عمل طلابه الناشئ. لعلّ خبر ذهابهما إلى نقابة التجار بلغ سمعه حديثاً فأراد السؤال. الجو يزداد برودة، والوقت مناسب للبيع. "يريد رؤيتك في مكتبه." الطالب في المنتصف رمقها بنظرة حادة ولم يجب عن سؤالها. التفتت توري نحو أصدقائها. عينا إليانا كانتا متسعتين ويمكنها أن ترى عدم التصديق فيهما. عادت توري لتلتفت إلى الطالب الذي يناديها وأومأت له برأسها. "سأكون هناك حالاً"، قالت. ألقت نظرة على البقية قبل أن تتحرك. "أتريدان الانتظار هنا أم مرافققتي؟ سيتعين عليكما الانتظار في الرواق غالباً." "سنأتي معك"، قال هنريك. التفت نحو التوأمين. "أيجب أن يحضر أحدكما إوان؟" نظر الشقيقان أحدهما إلى الآخر وبديا كأنهما أجريا محادثة صامتة قبل أن يُسلم جي بي حقيبة معداته إلى سونيا ويتدارك. مشت توري نحو مبنى الإدارة وبدأت تلاحظ النظرات المريبة الموجهة إليها. قبل قليل، ظنت أن الناس يحدقون بها من باب الدهشة فقط لحصولها على ترتيب متقدم. لكن النظرة هذه المرة تنطوي على عداء. إنه مجرد اختبار واحد بالكاد يحسب في أي شيء؛ لا داعي للانزعاج. "أتعرفين لمَ يريد المدير رؤيتي؟" أبطأت توري خطواتها لتمشي بجانب إليانا وانحنت لتسألها بصوت خافت. أخذت رفيقتها شهيقاً عميقاً وأفرغته. "اشتكى أحدهم من أن قفزة ترتيبك مستحيلة وذهب ليشتكي." أرجعت توري رأسها إلى الوراء وقطّبت حاجبيها. "إلى المدير؟ أهو أمر لا يُصدّق إلى هذه الحد...." ارتفع حاجباه. "أظنّا أنني غششت؟" بدت إليانا منزعجة لكنها أومأت. "لم يصدق الكثيرون الأمر، لكني لم أتوقع أن يفترضوا فوراً أنك غششت." منحت توري إليانا نظرة آسفة. لطالما أغفلت إليانا سمعة توري كعنصر في كيفية تفاعل الناس معها. ومع ذلك، كان مؤثراً أنها رفضت الأمر علانية وعدّته متناقضاً مع توري التي تعرفها. بدا أنه حتى مع تحسن سمعتها طفيفاً مؤخراً، ما زال أغلب زملائهما لا يحملون عنها فكرة حسنة. وحين دخلا مبنى الإدارة وانعطفا إلى الرواق المؤدي إلى مكتب المدير، كان هناك عدد كبير من الطلاب على طول الجدران يراقبون. أمعنت عيونهم الحاكمة النظر فيها. سخر البعض وهزّ آخرون رءوسهم باستياء. "غشاشة!" سعِل أحدهم وهي تمر. "أوه، اكبُري." مرت توري من دون حتى التفاتة. أمامهما، كان باب مكتب المدير مفتوحاً ووقف السيد ليغاسبي، مساعده، قرب عتبة الباب بوجه خالٍ من التعبير كعادته. لمح الرجل النحيل والشيب يغزو شعره اقترابها. "آنسة غيفيرا"، قال بالحماس والتهذيب المعتادين نفسهما. "المدير لوران بانتظارك." "شكراً لك، سيد ليغاسبي." لم يستطع أصدقاؤها متابعة السير أكثر وتسمّروا قرب الباب. أومأت له برأسها. "سأخرج قريباً." كانت واثقة من أنها ستفعل؛ فقط لم تكن تدري إن كانت ستظل راغبة في العشاء بعد ذلك لاحقاً. "حظاً سعيداً!" نطقت سونيا بشفتيها قبل أن تقتل توري داخلاً. عبرت المكتب والرفوف في غرفة الانتظار التي كانت مكتب السيد ليغاسبي وتوقفت أمام الباب الخشبي الذي حمل نقشاً معدنياً أنيقاً يقول "أوكتافيو لوران، المدير". رفعت يدها وطرقت بحزم محذَر قبل أن تدير المقبض وتخطو إلى الداخل. مباشرة أمامها، خلف مكتب خشبي ثقيل يوحي بإداري تعليم في مدرسة ثرية، كان المدير. كان هناك كرسيان أمام مكتبه ووقف إلى جانبهما مباشرة كبار معلمي الصفوف الثلاثة الذين يدرسون معظم الطلاب الأكاديميين، بما فيها صفها الخاص: المعلمة روزموند، ومعلم المواد الاختيارية، المعلم إغناطيوس. "طاب مساؤكم، حضرة المدير، أيها المعلمون"، قالت توري وهي تومئ برأس قليل وأغلقت الباب خلفها. "أُخبرت أنكم تتمنون التحدث إليّ." "اجلسي، آنسة غيفيرا"، قال المدير لوران وهو يشير بيده نحو المقاعد. جلست توري أمامه باهتمام. "أتعرفين لمَ دُعيتِ إلى هنا؟" "لا أعرف." حسناً، لدي فكرة طفيفة. "آنسة غيفيرا، وُجهت اتهامات متعددة تفيد بأنك غششت في اختبارات المراجعة." شبك المعلم برنيت من قسم العلوم ذراعيه على صدره ونظر إليها بنظرة ناقدة. "يقولون إن قفزة ترتيبك مثيرة للريبة." "أود تذكير المعلمين والمدير بأنه رغم دخولي بالترتيب الثامن والسبعين، إلا أنها ظلت نتيجة قريبة من الكمال. لست غبية." حافظت توري على تعابير وجه جامدة. أطلقت المعلمة روزموند نفساً خافتاً. "آنسة غيفيرا، لا أحد يقول إنك غبية. الأمر وما فيه أن بقية الطلاب متشككون لأنك حصدت درجات تفوق التوقعات بكثير، والمفارقة أنك تجلسين بجوار أحد الطلاب المتصدرين في سنتك." ضّيقتا توري عينيهما. "هذه ليست مفارقة. إليانا هي الشخص الوحيد في صفنا المستعد للجلوس معي. المعلمة روزموند، أنت تعلمين هذا. هناك صف فارغ بأكمله بين إليانا وبيني، وبين الطلاب التاليين." "آنسة غيفيرا"، منحها المعلم أولريش، مساعد قسم الرياضيات في منتصف العمر، نظرة نفاد صبر. "أيمكنك إثبات أنك لم تغشي؟" قابلت عينيه بنظرة حادة وباردة. "أيمكنك إثبات أنني فعلت؟" قطّب حاجبيها فوراً وصلُب صوته. "أبلغ طلاب عديدون عن الأمر." "أين دليلهم؟" سألَت توري. "أنا متهمة وأود رؤية الدليل الذي يملكونه لتوجيه اتهام كهذا. وإلا، ألا يشوهون سمعتي فحسب؟ أسالتموهم كيف رآوني أغش؟" أمرّر المعلم برنيت يده على وجهه المتعب، كأنه لا يملك وقتاً لهذا. "ما الذي سيثبته ذلك، آنسة غيفيرا؟" "أنت معلم علوم. عليك أن تعرف الأنماط في مجموعات البيانات والاحتمالات." نسيت لبرهة أنها طالبة في الرابعة عشرة وليست ابنة أربعين تفضح هراء أحدهم. تباً، أنا متهمة ظلماً. هذا مؤدب بما فيه الكفاية بالفعل. "آنسة غيفيرا"، قطّب المدير حاجبيه لكلماتها الحادة وبدو المعلم برنيت متفاجئاً. "دعوناك إلى هنا فقط للحديث بشأن هذه المزاعم." "المعلم أولريش هو من يطلب مني إثبات براءتي، ملمحاً إلى أنه يؤمن بالفعل بأنني غششت"، قالت توري. "من دون أي دليل فعلي." "طلاب متعددون يوجهون الاتهام نفسه ليس مصادفة." "طلاب متعددون يحملون أيضاً تحيزاً ضدي منذ بداية المدرسة ولدي سبب مشروعي للاعتقاد بأن تحيزهم هو ما يغذي هذه الاتهامات بدلاً من رؤيتي أغش فعلياً." استندت توري إلى الخلف على الكرسي. "يجب استجواب كل طالب وجّه اتهاماً بشكل سليم ومساءلته عن كيف رأىني أغش، ومتی، ومن أي زاوية رأى حدوث ذلك. إن كان الكيف والمَتَى متسقين، وموقعهما يسمح لهما برؤية حدث كهذا، فسيعتبر ذلك ذو دلالة. مع ذلك، يجب استجواب الطلاب فرادى وعدم السماح لهم بالتفاعل مع بعضهم حتى الانتهاء من الجميع، لمنع التواطؤ. يسعدني الخروج والانتظار ريثما تتم المقابلات." "هذا غير ضروري وإهدار لوقتنا"، قال المعلم أولريش بعبوس. "إذن، ماذا سيحدث؟" سألَت توري، ناظرة إلى كل بالغ في الغرفة بتعبير صارم. "إن لم يقدّم أي دليل، أيبقى الاتهام قائماً؟ أيتعين علي تقبله والتعرض للتشهير والتشكيك في نتائجي النزيهة؟" ثبتت نظراتها على المدير. "أم ستعاقبني المدرسة على شيء لم أفعله لأن حفنة من الطلاب لا تحبني وتؤمن أنني عاجزة عن تحقيق درجات جيدة بمفردي؟" ضيقت عينيه. "أسيحدث هذا كلما حققت درجات خارج توقعاتهم؟" بدا المعلمون الأكاديميون جميعاً في حيرة، إذ من الواضح أنهم لم يتوقعوا منها ألا تكتفي بنفي الاتهام بل وتطالب بدليل على إدانتها من الأطراف المشككة لتكشف تحيزهم ضدها من أجل تبرئة اسمها تماماً وتجنب قضية كهذه مستقبلاً. "أنا أؤمن بالآنسة غيفيرا." تقدم المعلم إغناطيوس وواجه المدير. "إنها طالبة ممتازة. في صفي، تجلس وحدها أيضاً في الصف الخلفي، ومع ذلك فهي في صدارة الصف. أؤمن أنها نالت نتائجها بنزاهة وأدعم طلبها باستجواب الطلاب الذين اتهموها." "المعلم إغناطيوس!" نادى المعلم برنيت وأولريش معاً باستياء. "هذا يصب في مصلحة الطلاب والآنسة غيفيرا. إن لم تُحلّ هذه المسألة الآن، فمن المرجح أن تتكرر وستحمل الآنسة غيفيرا الوصمة طوال ما تبقى لها من وقت في ليسيه." بدا على المعلم إغناطيوس مظهر صارم على غير عادته. "وضعها في موقف كهذا لأنها استُهدفت من طلاب آخرين أمر غير منصف بحقها إطلاقاً ويقلل من نزاهة المدرسة." كان وجه توري ما زال ساكناً، لكنها في الداخل كانت تشيد بمعلم المواد الاختيارية. أحياناً بدا غير جدير بالثقة حين لا يتعلق الأمر بالبلورات، لكنه كان داعماً لطالبته حين احتاجته واحترمت ذلك منه. ولهذا، وعدت نفسها سراً بالعمل بجد أكبر لتلبية توقعاته منها. "أنا أوافق." لم يبدو المدير لوران متردداً، كأنه كان يفكر في طلبها منذ البداية. نقر على المكتب وبدا وجهه مستغرقاً في التفكير. "آنسة غيفيرا، من فضلك اذهبي وانتظري في الغرفة الخارجية وأرسلي السيد ليغاسبي إليّ. سأجعله يدعو جميع الطلاب الذين وجّهوا الاتهامات لتكوين فهم أدق للموقف." أطلقت نفساً منخفضاً وهادئاً من الارتجاع ونهضت على قدميها. فعلت ما أمر به وجلست على أريكة جلدية صلبة في غرفة الانتظار. أرسل السيد ليغاسبي طالباً واحداً في كل مرة، متأكداً من عدم تفاعلهم مع أي شخص ينتظر لضمان شهادات شرعية. كل طالب خرج بدا مضطرباً ومحرجاً، متجنباً النظر في عينيها حين مرّ. وحين خرج آخر الطلاب الخمسة الذين أُرسلوا، تجرأ على النظر إلى توري ولم تستطع إلا أن تبادله النظرة بازدراء. انفتح الباب مرة أخرى وأمرها السيد ليغاسبي بالعودة إلى المكتب. كانت غريزتها الأولى هي النظر إلى وجوه الحاضرين لمحاولة معرفة ما هي النتيجة. كان للمعلمَين برنيت وأولريش ملامح معقدة على وجهيهما بينما بدت المعلمة روزموند والمدير مرتاحين. كان المعلم إغناطيوس يبتسم وعرفت أن الحكم جاء لصالحها. جلست أمام المدير مرة أخرى. "الطلاب الخمسة الذين اتهموك لم تكن بحوزتهم أدلة قاطعة على أنك غششت، سيما مع الآنسة أغافونوفا"، قال المدير لوران. "أربعة منهم كان سيتحتم عليهم الالتفاف لمراقبتك أثناء أدائك الاختبار. أحدهم لم يكن في صفك. يبدو أن سببهم الوحيد للتشكيك بك كان القفزة الكبيرة في الترتيب." خفّ تعبيره المشدود سابقاً وأسند ظهره إلى كرسيه. "بما أن الطلاب لا يمكنهم تقديم أدلة كافية، تُلغى الاتهامات وسأطلب من المعلمة روزموند مخاطبة الصف بخصوص هذا-" "صاحب السمو، توقف أرجوك! المدير في اجتماع الآن-" انفتح الباب على مصراعيه والتفتت توري فوق كتفها. بدا السيد ليغاسبي محبطاً بينما اقتحم المكان شاب فضي الشعر، عابساً، وموجهاً نظرات حادة إلى توري فور رؤيتها. ضيقت عينيها ولعنت حظها. ليس هذا الاحمق. هيا، لا أملك وقتاً لهذا. "السيد سوليل." نهض المدير من مقعده مقطباً. "ما معنى هذا؟" بدا غيدون كأنه يهدئ نفسه مرغماً وهو يواجه المعلمين الأربعة والمدير. وقف باستقامة ورفع ذقنه. "أُخبرتُ أن الليدي غيفيرا غشت في الاختبار وأطالب بمعاقبتها وفقاً لذلك." كل يوم، شعرت توري أنه يزداد غباءً على غباء. ولم تكلف نفسها عناء إخفاء سخطها المستخف. "صاحب السمو، كل طالب اتهممني استُجوب وليس لدى أي منهم دليل شرعي على أنني غششت. اتهاماتهم تنبع من عدم تصديقهم لحصولي على قفزة ترتيب معتبرة." لن أخوض حتى في كيفية سوء ظنهم بي لدرجة اعتقادهم التلقائي بأنني غششت. سخر غيدون. "رأيتك غششت بعينيّ هاتين. بصرف النظر عن كتيب الاختبار وأداة الكتابة، كان بحوزتك غرض آخر على مكتبك في ذلك الوقت." شعرت بجلدها يقشعر وأرجعت رأسها إلى الوراء. لمَ كان غيدون يراقبها؟ أكان ينتظر منها أن تخفق فحسب؟ "ماذا رأيت على مكتبها وكان خارجاً عن المألوف، صاحب السمو؟" سأل المعلم إغناطيوس. "أجلس في الصف الأمامي، في الجهة المقابلة لها وأغافونوفا، لذا لا أعرف ما كان عليه تحديداً." شخرت توري ودارت بعينيها. "ومع ذلك تتمتع بكل هذه الثقة..."، قالت بصوت خافت. سدّد لها نظرة حادة أخرى. "كان صغيراً وأبيض، بحجم هكذا." رسم شكلاً مبائماً لكرة صغيرة في يده ولم تستطع توري تحمّل الأمر. نهضت على قدميها والتفتت لمواجهته. "أتقصد ممحاتي المصنوعة من الخبز المضغوط؟ تلك التي نلت إذناً من المعلمة روزموند لاستخدامها قبل الاختبار؟" مع كل جملة، كان صوتها يعلو ولم تكن تكترث في هذه اللحظة. نظرت المعلمة روزموند إلى تلميذها الذكر بشيء من الإحراج على وجهها. "صاحب السمو، لقد أظهرت الآنسة غيفيرا أدوات كتابتها بالفعل قبل الحصة وطلبت مني تفقدها قبل الاختبار لتؤكد لي أنها مجرد أدوات. لم يكن هناك شيء على ممحاتها." "والجميع يعلم أنها تكتب دائماً بقلم رصاص! تلك الممحاة دائماً على مكتبها!" جاء صوت إليانا من المدخل وتلفتت توري برقبها لترى سونيا وإوان يحاولان منع إليانا من الركض إلى داخل الغرفة بعد اقتحام غيدون. منحتهم توري ابتسامة طفيفة. على الرغم من فشل دليله، لم يتزعزع غيدون ونظر إلى المعلمين. "ألا يرى أحد الأمر مريباً لدرجة حصولها على ترتيب مرتفع هكذا بعد اختبار منحها مرتبة متدنية؟" "87 لا تزال نتيجة شبه كاملة!" رفعت توري ذراعيها في الهواء ناظرة إليه باستغراب. "لماذا تتمسك بفكرة أنني غبية؟ لقد حققت درجات جيدة في اختباراتي لأنني راجعت المواد باستمتاع. علاوة على ذلك، كان ربع الاختبار عبارة عن قسم مقالي ومجرد مقارنة ذلك ستجعل الأمر واضحاً أنني لم أنقل عن شخص آخر. أانت منزعج لأنني تغلبت عليك في كل من الصف والمواد الاختيارية؟ لا تظن أنني لم أرك تحل سابعاً في البلورات الفوقية!" "هذه المسألة أُوضحت بالفعل"، قال المدير بصوت مستوٍ. "الاتهامات ليست سوى تشهير. لم تغش الآنسة غيفيرا، بل أدت بشكل مذهل في هذه الجولة من الاختبارات." نظرت توري إلى غيدون بتحدٍ وهي تتابع وجهه يحمرّ إحراجاً. "أنا أؤمن بك"، قال صوت ناعم خلفه. نظرت توري متجاوزة خصمها "المفضل" ورأت وجهاً فتيّاً وجميلاً يطل في الغرفة بظلال من العزم. التفت انتباه الجميع نحو أليسا حين تقدمت، رافعة ذراعيها ومقربة إياهما من صدرها. رفعت وجهها لتلتقي عيناها بعيني توري. "أنا أؤمن بك، ليدي غيفيرا." في مكان ما في مؤخرة عقلها، كان جرس إنذار يدق. توترت وهي تحاول كبح شكوكها. "أوه... شكراً...." "أنا قلقة فحسب من ألا يقتنع الصف بأكمله." خفضت أليسا عينيها باضطراب. "الكثير من زملائنا يعتقدون أنك غششت." حسناً، أنتِ تطئين منطقة التلاعب النفسي هنا. هذا لا يعجبني. ضيقت توري عينيها وأطلقت أليسا شهقة صغيرة وانكمشت خلف غيدون. لاحظ الأمير الثاني رد فعلها على نظرة توري فقطّب. تقدم أمام أليسا ليحميها من نظرات توري. دخل فابيان خلف أليسا واظلم وجهه. اقترب من أليسا ووقف إلى جانبها كالفرس الوفي الذي صوّرته اللعبة. "معلمة روزموند، عليك مخاطبة صفك عاجلاً لا آجلاً بخصوص هذا"، قال المدير بصوت منخفض. قبل أن توافق المعلمة روزموند، تحدثت أليسا. "لا أعتقد أن مجرد إخبار الصف سيقنع البقية"، قالت. "لقد خرج الأمر عن السيطرة بالفعل." لم تعجب توري وجهة الأمور هذه. ورغم تردّدها، أرادت معرفة ما يدور في رأس البطلة. "إذن، آنسة هارت، برأيك ماذا يجب أن يُفعل؟" عقدت أليسا حاجبيها وتوقفت لحظة. "سمعت الطلاب الآخرين يتحدثون وفكرت أنه خلال الاختبارات النصفية، يجب أن تأخذ الآنسة غيفيرا الاختبار وحدها أمام الصف - لتثبت للجميع أنها لا تغش!" رفعت نظرها إلى المعلمين والمدير بصدق. التفتت زاوية شفتي توري بتهكم آخر. اليوم كان يغذي رد الفعل حقاً. "تريدين مني الجلوس هناك وإثبات براءتي في شيء لست مذنببة فيه." "أعتقد أنه عادل." تحدث فابيان بيقين. "القيام بذلك سيريح بال الصف. ولن يشكك أحد بها مرة أخرى." "عليك فعلها." بدا غيدون متعجرفاً. "تؤمن بك أليسا، لذا اقترحت هذا لمساعدتك في إثبات أنك لم تغشي." في تلك اللحظة، أرادت توري رفع يدي ابنة النبيل ذات الأربعة عشر ربيعاً، وتلفتهما حول رقبة غيدون، وتضغط حتى يزرقّ وجهه. "إذن حتى الاختبارات النصفية، تريدون السماح للجميع بالاعتقاد بأنني غششت؟" "الجميع يفعلون ذلك بالفعل ولم تثبتي العكس"، ردّ غيدون. خطت توري خطوة للأمام وتحدثت المعلمة روزموند. "هذا يكفي! صاحب السمو، تقرر أن هذا كان عملاً من أعمال التشهير. سأخاطب الصف غداً." "الصف عنيد، معلمة روزموند"، قالت أليسا. "أؤمن حقاً أن الليدي غيفيرا تستطيع إقناع الصف بأنها لم تغش إن هي خاضت الاختبارات النصفية على مرأى ومسمع من الجميع." إقناع! بدأت يدا توري ترتجفان. ما كان ينبغي لي إقناع أولئك العاهات بأي هراء. ويا للفظاعة، كتبت مقالاً كاملاً عن مخاوف سلامة الرحلات لكي ينعتني هؤلاء الأوغاد الصغار بالغشاشة! "آنسة غيفيرا"، نظرت إليها المعلمة روزموند. "ما رأيك؟" سحبت توري شفتيها وعضت عليهما. أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تنظر إلى معلمة صفها. "المعلمة روزموند، إنه صفك"، قالت. "سأتبع الإجراءات التي تضعينها؛ مع ذلك، يجب معالجة هذه المسألة أمام الصف." لعل المعلمة روزموند أرادت منها الرفض، إذ قطّبت قليلاً. أخذت شهيقاً قبل أن تومئ لتوري. "إذن، في يومي الاختبارات النصفية، ستجلسين في مقدمة الصف." "علاوة على ذلك، أود منك توضيح أنني سأخوض الاختبارات النصفية أمام الصف لا كاعتراف بالذنب، بل كمعروف لهم." التفتت نحو فابيان بابتسامة خبيثة طفيفة. "لكي... نريح بالهم، كما يقول السيد فون دورن." "هذا مقبول"، قال المدير. كانت شفتاه خطاً مشدوداً ولم يبدو مسروراً لتطور الوضع على النحو الذي آلت إليه. لم يبدو راغباً في تخصيص طالبة بعينها، لكن الإصرار على أنها لم تفعل شيئاً دون أي إجراء آخر سيغضب بقية الطلاب على الأرجح. بما أن توري وافقت، قرر تماشي الأمر لتهدئة الطلاب، ولحد ما، توري أيضاً. "ألديك مخاوف أخرى، آنسة غيفيرا؟" "يجب تحميل الطلاب الذين اتهموني المسؤولية لتشهيرهم بي." "هذا عادل"، قالت إليانا. كانت قد دخلت الغرفة بطريقة ما وحدّقت في مؤخرة رؤوس أليسا وفابيان وغيدون. "إن قدموا ادعاءً ولم يثبتوه، وألحق ذلك ضرراً بطالب آخر، فيجب تحميلهم مسؤولية كلماتهم وأفعالهم." "آنسة أغافونوفا..." بدت أليسا قلقة. "كانوا خائفين فحسب من خرق أحدهم للقواعد." "الأطفال خائفون من الوحوش أيضاً، آنسة هارت. هذا لا يعني أنها موجودة." أدارت توري رأسها بعيداً ونظرت مجدداً إلى المدير. "أهذا الترتيب مقبول، حضرة المدير؟" منحها إيماءة صغيرة متنازلة. "سأرتب عقوباتهم. أُذن للطلاب بالانصراف." التفتت توري وخرجت من الغرفة. تحولت تعابير وجهها الجامدة إلى باردة وهي تمر بجانب أليسا وعشاقها. انكمشت أليسا إلى الوراء أكثر وأمسك فابيان بكتفيها لتثبيتها. سدّدت لهما توري نظرة مقرفة وخرجت من المكتب وإليانا تتبعها كظلها. "توري!" أحاط بها أفقاؤها حين خرجت. "أنت بخير؟" سأل جي بي باحثاً في ملامح وجهها. كانت توري ساكنة. "إوان. أيبقى أحد في أراضي التمرن؟" نظر البقية الخمسة إلى بعضهم بحيرة. أومأ إوان. "نجل. يفضل معظم الطلاب الأكبر سناً البقاء لفترة أطول." "أخبرهم بانتظاري. سأذهب لأتغير وأحضر خوذتي." كان صوتها هادئاً بشكل مزعج. رغم نظرته القلقة، أومأ إوان وهرع منتعلاً. ابتعدت توري عن أصدقائها وتوجهت إلى الخارج. "توري!" ركضت إليانا خلفها. توقفت توري على الدرجات مباشرة خارج مبنى الإدارة. "إليانا، أحتاج لتفريغ بعض الإحباط"، قالت. "والهدوء. إن أمكن، لا أود التحدث إلى أحد الآن." لم تلتفت لرؤية تعبير إليانا المجروح والقلق. "نحن هنا إن احتجت إلينا." سمعت صوت جي بي يطمئنها قبل أن تواصل التقدم.
بحلول صباح اليوم التالي، انتشرت شائعة تفيد بأن توري متهمة بالغش وسيُفرض عليها أداء امتحانات منتصف الفصل أمام صفها الدراسي. الأخبار السلبية، كما أخبرها هنريك عندما التقيا للمرة الأولى، تنتشر دائماً بسرعة. لم تكن توري مسامحة البتة، حتى بعد أن أشفقت على كل طالب متقدم عبر طريقها في اليوم السابق. نظراً لأنها كانت تتخلف عن التدريب مؤخراً للتعامل مع عملها وعمل هنريك، نسي طلاب آخرون أنها جزء من الرابطة. لم يكن بعضهم موجوداً في اليوم الذي جردت فيه القائد من سلاحه أيضاً. لم تكن لديهم أي تحفظات بشأن مبارزتها حتى هُزموا واحداً تلو الآخر. لا حيل ماكرة لنزع السلاح. لا ضربات استعراضية درامية في الوجه. مجرد سلسلة من الضربات والطعنات العملية التي لم تنته حتى استسلم خصمها المذهول. عندما عادت إلى ساحات التدريب في اليوم التالي، بدا أن الجميع إما ينظرون إليها بخوف أو يتجنبونها بنشاط. لم يغب هذا الأمر عن توري. قالت القائد باتريك مقترباً منها لدى وصوله: "توري، هل يمكنني التحدث إليكِ لحظة؟". لفترة من الوقت، خاطبها الجميع في الرابطة بلقب الليدي توري، باستثناء إيوان. بما أنه كان طالباً أصغر سناً وناداها باسمها، من دون لقب، فقد أخبرت توري الرابطة أنه يمكنهم منادوتها بتوري أيضاً. حتى الآن، كانت النسبة خمسين بالمائة وتعتمد على مدى شعور الناس بالألفة حولها. خلع القائد باتريك خوذته وبدا جبينا متجعداً وعبوساً غير متيقن. كانت توري تعرف ما يريد التحدث عنه واعترفت لنفسها أنها بالغت في اليوم السابق أيضاً. قالت: "أيها القائد، أنا آسفة بشأن ما حدث بالأمس. كنت غاضبة جداً وأفرغت إحباطاتي على الرابطة". أخذ الطالب الأكبر سناً نفساً عميقاً. قال: "أخبرنا إيوان بما حدث بالأمس، توري. لديك كل الحق في أن تكوني غاضبة. فقط بقية الرابطة مترددون في مبارزتك اليوم...". أومأت برأسها، وكانت قد توقعت ذلك. قالت: "أنا أفهم، أيها القائد. كنت أخطط لاجتياز نماذجي التدريبية اليوم فقط". أومأ لها برأس صغير ممتن وبدا متردداً. فكر لبرهة ووضع يده على كتفها. قال: "توري، نحن نعلم أنكِ لم تغشي في الامتحان. أعلم أنكِ تعلمين جداراً أنكِ لم تغشي، لكني أريد منكِ أن تعلمي أن زملائكِ المبارزين يدعمونكِ. إذا كنتِ بحاجة حقاً إلى شخص لمبارزته... فأعلميني. قد لا أكون أفضل خصم لكِ، لكني سأحاول أن أمنحكِ قتالاً لائقاً". انحنت شفتاها بابتسامة صغيرة ولانت عيناها. قالت: "شكراً لك، أيها القائد. لقد مررت ببضعة أيام عصيبة. أنا أقدر هذه الكلمات الطيبة". ضحكت بخفة وربتت على اليد التي على كتفها. وقالت: "لكن لا تقلق. ما زلت أكتفي بأداء نماذجي التدريبية". ضحك القائد بدوره وتراجع خطوة إلى الوراء. "توري!" نظرا نحو الصوت ورأيا إيوان يندفع للأمام. كانت حصته الاختيارية في الطرف الآخر من الحرم الجامعي وكان تقريباً آخر شخص يصل إلى الساحات. قال: "توري، هناك شخص في البوابة الأمامية يطلبكِ!". قطعت حاجبيها. قالت: "من يكون؟" راحت تستعرض قائمة بالأشخاص المحتملين؛ من أعضاء النقابة الذين التقت بهم إلى المرتزقة الذين استأجرتهم ليكونوا حراس أمن لمتجريها. كانت تتمنى ألا تكون الخالة لوتس، حيث لم تكن لتأتي إلا إذا كان هناك نوع من الطوارئ العائلية الخطيرة. لم يكن مسموحاً بوجود الكومكريز في الصف، لذا فقد تركت جهازها في سكنها طوال اليوم. كان إيوان يلهث عندما وصل إليهما. انحنى إلى الأمام واضعاً يديه على ركبتيه ورفع نظره. قال: "السير ناصون!". ملأت رأسها عدة أسباب لظهور أكستون. لم ترَه منذ أن تصادما في مقهى فورتونا وأعطته معلومات عن غير قصد ليبلغها لأخيها. ربما كان يريد الاطمئنان عليها؟ كان بإمكانه الاتصال فحسب. كان الشاب الطويل يدردش مع الحراس بجوار البوابة عندما وصلت. أومأ واستأذن قبل أن يلتفت نحوها. درست عيناه ملامحها وتوقفت مطولاً عند الحقيبة التي كانت خوذتها تطل منها. كانت مرتدية ملابس التدريب فابتسم باتساع. قال بنظرة خبيثة: "هل تخططين للقيام بهياج عبر رابطة السيوف مرة أخرى؟ كونور هو الأفضل لديهم وقد سمعت أنه ليس ندا لكِ". أجابت بينما كانت تقترب منه: "لا، لن أضرب زملائي المبارزين. اليوم، سأقوم بأدائي النماذجي حتى أتعب". راقبته وهو يخطو للأمام ويكشف عن حقيبة يبرز منها مقض سيف تمريني خشبي. أمال رأسه. قال: "هل تريدين اختبار مهاراتكِ ضد خريج من لا جاردا؟" حدقت في الحقيبة ووصلت إلى وجهها ابتسامة صغيرة ممتنة. قالت: "شكراً لك، أكستون".
كان الطقس يزداد برودة. وكلما اشتدت برودة الجو، ازداد بغضه لمغادرة دفء المكان المغلق. غير أنه كان بحاجة إلى الطعام. وقد ترك أكستون جهاز الاتصال في غرفته، فلم يتمكن بيرز من الاتصال به ليطلب منه إحضار طعام له. فتح باب مقهى فورتونا ووقف لبرهة يستمتع بالدفء الفوري. في الطرف الآخر من الغرفة، كانت المدفأة تشتعل بلهيب قوي وتضفي على المكان دفئاً مريحاً، رغم خلوّه إلا من زبون واحد يقرأ بجانب المنضدة. نظر بيرز إلى الجانب الآخر فالتقت نظراته بنظرات توبياس. أومأ له برأسه إشارة صامتة إلى رغبته في طلب مشروبه المعتاد. ثم بدأ يعبر الغرفة متجهاً نحو الدرج في الخلف، إلى يسار المنضدة، حين وقع نظره على زوج مألوف من البتات السوداء المغبرّة المتدلية من حافة المقعد الطويل. وكانت سترة رمادية داكنة ومبطنة بآثار تآكل ملقاة على مسند الظهر. خطا خطوات هادئة حتى اقترب ثم انحنى فوق مسند المقعد الطويل ليرى ما إذا كان الشخص هو من يتوقعه. كان أكستون مستلقياً على الوسائد، مغمض العينين وبإحدى ذراعيه غطاء عليهما، بينما استقرت الأخرى فوق بطنه. ووضع كوب قهوة فارغ على الطاولة المجاورة له، واستقرت على الأرض حقيبة السيوف الخشبية الاحتياطيّة وخوذته. أسند بيرز ذراعيه على مسند المقعد الطويل وانحنى إلى الأمام. قال: "هل تحسنت حالة توري؟" لم يتحرك ذراع أكستون وشد شفتيه في خط مستقيم. قال: "أَتسأل عن توري وأنا من يرقد هنا؟" رفع بيرز حاجباً. كان أكستون الخريج الأبرز في لَا غَارْدَا وقد شهد معارك حقيقيّة حين ذهب إلى الحدود مع خاله. فلماذا يقلق على أكستون إذن؟ سأل دون فضول حقيقي: "إذن، ماذا جرى لك؟" "ظننت أنك ستتبارز معها لتدعها تفرّغ غضبها". وكانت هذه فكرة أكستون البارعة بعد مكالمة تلقياها من كبيرهم الموقر. أبلغ شخص ما كاسن بالوضع المتعلق بتوري وامتحانات المراجعة، ولأن توري لم تتصل به بشأنه وقبلت الترتيب بالفعل، فلم يسعه فعل شيء سوى الاتصال بمتدربيه الأصغر سناً والأمر بالتأكد من ألا تكون "صغيرته المدللة" منزعجة للغاية. أفلتت من أكستون ضحكة باردة. قال: "oh، لقد تبارزت معها حقاً". رفع ذراعه عن عينيه وضيّقهما. "إنها سريعة وتقاتل من مسافة قريبة. كان من الصعب الرد بسيف على تلك المسافة". قال بيرز: "هذا لأنها صغيرة الحجم. ولن تمنحك فرصة لوجودك في مسافة الضربة المريحة لك". نظر أكستون إليه. "استخففت بها. إنها حقاً أخت الكبير...". دار بيرز حول المقعد الطويل وجلس على أحد المقاعد الوثيرة على الجانبين. استند إلى الخلف. "أأتعبتك ضرباً؟" "لا، ليست وحشاً. لكنها كانت لا تُקלّ وتهاجم جميع نقاط الضعف. ضربات قوية. سريعة وثابتة. إنه لأمر مدهش". وبقي أكستون على ظهره يحدق في العوارض الخشبية فوقهما. "لن استبعد أنها حاربت خصوماً أضخم منها. وهذا متوقع لأنها لا بد أنها تدرّبت ضد خصوم أكبر حجماً في بيتها، لكن أوقات رد الفعل لديها كانت فورية تقريباً، هذا إن لم تكن متوقعة لحركتي من الأساس". "الجميع يقومون بحركات تدل عليهم. غير أن حدتها تختلف غالباً". اقترب أحد النادلين وناول بيرز كُوباً مع طبق صغير. قال: "شكراً لك". وأومأ للنادل لصرْفه. "لم أكن أتوقع أن تكون فتاة في سنها قادرة على قراءتي بهذه الجودة". أخذ بيرز رشفة صغيرة من مشروبه وترك الحرارة تسري في عظامه. "أتشعر بتحسن على الأقل؟" "أظن ذلك. توقفنا عند محل معجنات في طريق العودة واشترت وجبات خفيفَة لجمعية السيوف وأصدقائها. اشترت لنا فطيرتي لحم، لكني كنت جائعاً فأكلتهما". ضيّق بيرز عينيه. أطلق أكستون تنهيدة ثقيلة دون أن يلاحظ نظرة الغضب وتابع قائلاً: "هذا ليس عادلاً بحقها حقاً. لم تغش ومع ذلك تُعامل كأنها فعلت". "ما الذي تعمله المدرسة بصدد الأمر؟" أطلق أكستون سخريّة من أنفه. "سيجعلونها تأدية الامتحان في مقدمة الفصل، تحت أنظار المعلم، خلال منتصف الفصل الدراسي". قطب بيرز جبينه فوراً. وضيّق عينيه. "لا يبدو هذا أمراً يفرضونه على شخص لم يغش". رمى أكستون ساقيه من جانب المقعد الطويل واعتدل جالساً. قال: "بيرز، تحدثت إلى ذلك الفتى إيوان حين ذهبت لأصطحبها. أخوك هو أحد الأشخاص الذين اتهموها. أمر يتعلق بممحاة". ارتعشت زاوية عين بيرز وخفض كوبه. قال: "أنت تعلم أنني أحاول ألا أتورط أو أؤثر فيه". قال أكستون: "أعلم. أنت لا تريد السيطرة عليه أو إشعاره بأنه أدنى مستوى". أومأ بيرز. لم يكن الأمر أن علاقته بأخيه سيئة. بل إنه ببساطة لم يعتبر نفسه مقرباً من غيديون الذي كان أكثر انفتاحاً وتمتع بشخصية أقوى منه بكثير. "لكن لا يمكنه الاستمرار في اتهام أي كان هكذا. إنه أمير. ولكلمات سبك". سأل بيرز وهو يشبك ساقاً فوق الأخرى: "لماذا لم تقل توري شيئاً عنه؟" "لا أعلم. ربما لا تريد إثارة المشاكل أو إزعاجك. أنت تعلم كم كانت مترددة في الاتصال بشأن مؤن الرحلة. حتى أنها طلبت مني ألا أخبر الكبير كاسن بشأن البقرة الذهبية لأنها لم ترغب في إزعاجه. إنها فتاة طيبة". نظر بيرز إلى المشروب الداكن في يده. قال: "أعلم". "أقول فقط إن خرج غيديون عن السيطرة فسيصبح مشكلة. أنت تعرف كيف يكون حين يظن أنه يفعل الصواب". قلب أكستون عينيه. أطلق بيرز تنهيدة استسلام. قال: "إن استمر الأمر فسأتحدث إليه". قال أكستون وهو يرفع ساقيه ويستلقي مرة أخرى على المقعد الطويل: "حسنٌ. لأن ذلك الفارس الموهوب المزعوم الذي يتبع أخاك كأنه كلب لا يستطيع التغلب عليها".